أحمد يوسف

مذكرات العالم التركي "علي علوي كوروجو" مع الإمام "حسن البنَّا" (2 - 6)

[28-04-2013][13:16:57 مكة المكرمة]

ترجمة وإعداد: أحمد يوسف*

مع البنا في رحلة إلى المدينة المنورة

 

كانت التحذيرات والتنبيهات التي يلقيها الإمام البنَّا في خطاباته تؤرِّق مضجع الحكومات الموجودة في السلطة؛ ولهذا السبب منعوه من عقد المؤتمرات. كنت ما أزال في القاهرة في ذلك الوقت عام 1945م وكان هناك مسجد قديم في حي مصر القديمة يرجع إلى "سليمان الفرنساوي" (1) بنته وزارة الأوقاف، وأخذ بعض الإخوان القاطنين في هذه المنطقة تصريحًا من الأوقاف لتعميره، وقاموا بتجديده بالفعل بشكل سريع. وسمعنا هذا اليوم أن البنَّا يرحمه الله تعالى قد أذن له بإلقاء دروس التفسير بعد صلاة الجمعة، فذهبنا إلى هناك يوم الجمعة مبكرًا، فإذا بعربة أمن قد وصلت قبلنا، وأخذ العساكر وضعهم أمام المسجد. خطب الإمام خطبة الجمعة وصلينا، وانتظر آلاف الشباب بعد الصلاة دون أن يهمسوا أو يتحركوا من أماكنهم حتى صعد الإمام البنَّا المنصة.

 

عندما تحدث عن الموت

قال إمام المسجد للإمام البنَّا: "يا سيدي، في كل جمعة لا يتجاوز المصلون هنا صفين! وفي حضوركم امتلأ المسجد عن آخره وتكدس صحنه والشوارع المجاورة أيضًا.. وأنا أخطب الجمعة القادمة وصلاتها لك، وبعد الجمعة تداوم على درس التفسير كما أنت". ذهبنا أيضًا إلى الجمعة الثانية، وكان الإمام يرحمه الله تعالى يتحدث عن القرآن والقدر والموت.. وخلال حديثه عن الموت وهو على المنبر، جاءت جنازة إلى المسجد! كنت في حالة عجيبة وأنا ساكن مكاني لا أهمس. فقال دون أن ينتظر: "أيها الإخوة، هناك حقائق نعرفها لا تتغير أبدًا، وهي علم اليقين، يموت أحد الأقارب أو الجيران؛ فنرى عين اليقين! ويموت بعد ذلك آباؤنا وأمهاتنا وأطفالنا وزوجاتنا وأقرباؤنا؛ فنذوق حينئذ ألم الموت وحقيقته، ونفهم حق اليقين!".

 

كيف يُستمع للقرآن؟

بعد ذلك تطرق إلى كيف كان النبي "صلى الله عليه وسلم" يقرأ القرآن ويسمعه، وأخذ يحكي هذه القصة: قال النَّبِيُ "صلى الله عليه وسلم" ذات يوم لِعَبْدِاللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ: “اقْرَأْ عَلَيَّ”.قَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أنْزِلَ! قَالَ "صلى الله عليه وسلم": "إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي". قَالَ: فَافْتَتَحْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا "41"}(النساء)، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لِي: “حَسْبُكَ” (أخرجه مسلم في صحيحه). وأخذ الإمام يقف عند هذه الحادثة ويتأمل كيف كان النبي "صلى الله عليه وسلم" يسمع كل آية ويقف عندها، ويتمثل الحالة الروحية عند سماعها، وتذرف عيناه بالدموع. فهذا هو نبينا، كان يسمع القرآن على هذا النحو، فهل يا ترى حين نسمع أو نقرأ القرآن ترتعد فرائصنا من الخشية؟!

 

عواطف جياشة

 وبعد ما نقل الإمام البنَّا هذه الواقعة، قام بعض الشباب وسألوه: “يا أستاذ، ماذا يمكننا أن نقول عن هذا الحادث؟ كيف نعبر عنه؟”، فكان جواب الإمام - الذي لم أنسه على الرغم من مرور 50 عامًا (حتى كتابة المذكرات) على هذا الموقف الروحاني الذي ما يزال تأثيره عليَّ كأني أشهده الآن: “تيار الإيمان كان قويًا، والإيمان مثل الكهرباء! كلنا يمتلك مثل هذا التيار، وكل منا يمتلك قوة معينة لهذا التيار؛ فإذا أصبح قويًا لمس الإنسان كالبرق؛ فالغاية هي أن نقرأ ونحب ونفهم القرآن الكريم بعواطف مليئة بالحماس والحب وقوة الإيمان”.

 

خصلتان مهمتان

 من الخصال التي لمستها في البنَّا يرحمه الله تعالى أنه كان متواضعًا دائمًا، لا تفارق البسمة شفتيه، ولا تفارق وجهَه علاماتُ الحنان والتبسم، كما أحسست فيه- في الوقت ذاته- إخلاصه في علاقاته، إذ كانت صلة تنبع من صفائه ونقاء سريرته وإخلاصه الشديد، فهو يعاملك فور لقياك كأخ له يهتم بك ويحبك. أما الخصلة الثانية فهي استشهاده الدائم بآيات القرآن الكريم، ويتبعها بما يتعلق بها من أحاديث نبوية شريفة. لم يكن يكتب أحاديثه وخطاباته ويلقيها من الورق، ولقد ذهبت إلى الكثير من مؤتمراته فلم أره يومًا يقرأ من ورقة. عندما تراه يستحضر الآيات التي تتعلق الموضوع الذي يتحدث عنه تجده يقرؤها كأنها تجري أمامه! ورغم أني حفظت القرآن وسني ثمانٍ أو تسع سنوات؛ ولي أعوام وأنا أقرأ القرآن، فإنه كان يذهلني! كان يفسر الآية بالآية! وكان استحضاره للآيات يملأ النفس ويوضح لها كل شيء.

 

 

سفينة “زمزم”

 وعلى إثر وفاة والدي عام 1946م- وكان وقتها موسم الحج- ذهبنا إلى جدة بالسفن التي تنقل المواطنين للذهاب إلى الحج، وكان من محض التوافق أن يذهب الإمام البنَّا على نفس السفينة إلى الحج أيضًا، وكانت سفينة كبيرة ذات أربعة طوابق واسمها “زمزم”.

 

وكان من بين الحجاج المصريين على متن السفينة وزير الشؤون الاجتماعية ووكيل الحزب الحاكم “مصطفى النحاس” باشا، و”فؤاد سراج الدين” الذي أصبح بعد ذلك وزيرًا للداخلية، فكان بجانبه حراس وأفراد الأمن فقط، بينما ناحية الإمام البنَّا كان هناك آلاف من الشباب الذين جاؤوا لتوديعه لذهابه إلى الحج. كان الإمام البنَّا يؤمُّ الصلوات الخمس جماعةً، ثم يلقي حديثًا بعد كل صلاة، وكان الوزير يلتحف ببطانية، ويجلس يستمع له بعمق، وهكذا كأننا فوق جبل “عرفات” حتى وصلنا إلى جدة! كان الإمام يقيم في آخر طابق على سطح السفينة، فذهبت إلى جواره كي أقبِّل يده وأنهل دعوة من دعواته، فعرفني مباشرة واهتم بي كثيرًا.

 

خطابه في المدينة المنورة

 تقابلنا بعدها في المدينة، وكان هناك مدير المدرسة الثانوية “أحمد بوشناق بيه” الذي طلب من الأستاذ البنَّا أن يقوم بإلقاء كلمة للطلاب، فألقى بالفعل كلمة لطلبة الثانوية العامة، ذكر فيها عدة أمور، منها: “أنا أخطب وأتحدث منذ كان عمري ثماني وعشر سنوات، أنا أحب الخطابة وهي ليست صعبة عليَّ، لكن يقولون: إن لسان الإنسان يقف أحيانًا، وأنا منذ جئت المدينة ولساني متوقف؛ لأن في هواء المدينة المنورة تسكن خُطب النبي "صلى الله عليه وسلم“!.

 

عند جبل “أُحد” و”قباء”

 وفي أثناء مقامهم في المدينة، تجولتُ مع الأخ الذي كان دليلًا لهم، وأخبرني كم بكى في سجوده عند جبل “أُحد” ومسجد “قباء” قائلًا: رأيته يبكي بحرقة وهو ساجد في مسجد “قباء”، وبعد أن رفع رأسه من السجود مسح دموع عينيه بالمنديل وقال: إخوتي وأحبتي، كم تتخيلون أهمية المسجد؟!

 

 قبل أن يرتاح هذا النبي العظيم بعد مئات الكيلومترات التي قطعها على ناقته، وقد خرج فوق هذا متخفيًا من الأعداء، فكان أول شيء فعله- بعد أن نزل في بيت أحد أصحابه- هو بناء المسجد. ما المسجد؟ المسجد هو مكان السجود، والجامع معناه: المكان الذي نجتمع فيه، يعني المجمع، فقد أراد النبي أن تجتمع الأمة في مركز واحد ومكان واحد لتتوحد، يرون بعضهم في خمس صلوات، يسألون عن أحوال بعضهم بعضًا، يتقاربون.. المسجد يعني الجامع، العبادة، الجماعة، الانصهار في أخوة الإسلام، التوحد، التعارف، الجسد الواحد. روح العبودية: في الحديث الشريف: “لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب”، في كل صلاة، في كل ركعة لابد من قراءة “الفاتحة”؛ لأن سورة “الفاتحة” تتجلى فيها عبودية وعبادات المسلمين: “إياك نعبد وإياك نستعين”، ويكرر كلمة “إياك”، فقط له هو عز وجل! ربي، نحن مجتمع لا يعبد سواك، ولا ينحني إلا لك، ولا يعرف غيرك إلهًا، نتبع أوامرك وننتهي عن نواهيك، ولا نطلب ولا نأمل العون إلا منك. ونرى دائمًا كلمة “نحن” بصيغة الجمع، لم يقل: “إياك أعبد وإياك أستعين”، بل “نعبد ونستعين”، ففي القرآن الكريم يخاطبنا الله عز وجل كأمة جمعاء (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران:110).

 

الأذان عبادة

عندما ذهبنا مع الإمام البنَّا وأصحابه إلى مسجد “قباء” للصلاة وقت الضحى، كنا حوالي 50 شخصًا، وكان في مسجد “قباء” شخص يدعى “عبد الواحد عبد الحميد عباسي” صاحب مزرعة تمر، رآنا في المسجد ودعانا لنذهب عنده وعزمنا على شاي، وسأل: هل اقتربَ وقت الأذان؟ فأجابه: يا سيدي، ما يزال هناك وقت على الأذان، سندرك الصلاة إن شاء الله، وذهبنا إلى المزرعة.

 

وبينما نحن نشرب الشاي قال الإمام البنَّا هذه الخاطرة: “يا إخوة، تأملوا الأذان؛ وتأملوا جرس الكنائس، صوت الجرس صوت يخرج من الحديد لا كلام فيه، بل هو فقط صوت مثل صوت الساعة حين تدق لتذكّر بالوقت.. لكن لكل عبادة في الإسلام معنى راقٍ جدًا، ينادي العبد أولًا لوحدة الإيمان ووحدة الغاية ووحدة المعنى؛ لذا فقدسية الأذان عظيمة، في روحه وكونه عبادة”.

 

الهامش

(1)  فرنسي الأصل، جاء إلى مصر مع الحملة الفرنسية وبقي بها، واعتنق الإسلام، وكان القائد العام للجيش المصري في عهد الخديو “عباس”، وهو جد أم الملك “فاروق”.

 

-------------

* باحث مصري مقيم في تركيا.

 

الاسم :
البلد :
البريد الإلكترونى :
نص التعليق :
delete
متعلقات بالموضوع
جديد الموقع
تصويت

كيف ترى وحدة القوى الثورية للتعجيل باسقاط الانقلاب؟