ليالي فقرزاد (10)

[19-01-2008][12:06 مكة المكرمة]

بقلم: جمال عبد الغفار بدوي

 

حكاية الحداد الذي تدخل يده في النار ولا تحترق

فلمَّا كانت الليلة الثالثة والتسعون بعد المائة الثالثة بعد الألف التاسعة؛ قالت فقرزاد:
بلغني أيها الملك الرشيد، ذو الرأي السديد، أن رجلاً من الصالحين، سمع أن بإحدى بلاد المسلمين، حدادًا يُدْخِلُ يده في النارْ، ويأخذ الحديدةَ المُحماةَ شديدةَ الاحمرارْ، فلا تعدو النارُ عليهْ، ولا تؤثِّر في يديهْ!!.

 

فقصد الرجلُ الصالحُ إلى تلك البلدَة، وجعل همَّهُ وقصدَه، لقاءَ هذا الحداد، مهما بعدت ونأت البلاد، حتى دُلَّ عليه في نهايةِ المطافْ، فقال له: إنني غريبٌ يبغِي أنْ يُسْتَضافْ.

 

فرحَّب الحدادُ به قائلاً: حبًّا وكرامةْ، وحمدًا لله على الوصولِ والسلامةْ.
ثم احتمله الحدادُ معه إلى المنزلْ، وجلس معه يشرب ويأكلْ، حتى إذا انتهيا من العشاءْ، وحمدا ربَّ الأرضِ والسماءْ؛ قاما إلى النومِ في الحالْ، وترقَّب الرجلُ الصالحُ أنْ يرى للحدادِ بعضَ الأسرارِ والأحوالْ، غيرَ أنه لم يرَ له أثرَ قيامٍ ولا عبادةْ، وليسَ له فوقَ الفرضِ والسننِ الرواتبِ زيادةْ!!

 

فقال في نفسهِ: هذه ليست بأفعالِ الأتقياءْ، لعله يستترُ مني خوفَ الشهرةِ والرياءْ، فباتَ عندهُ ثلاثَ ليالْ، لكنَّ الحدادَ لم يزدْ فيما يقوم به من أفعال!

 

فقال له: يا أخي إني سمعتُ ورأيتُ ما أكرمك الله به من كراماتْ، ثم نظرتُ إلى اجتهادك في العباداتْ، فلم أرَ منك عَمَلَ منْ تظهر عليه الكراماتْ، فمن أين لك هذه الآيات؟!

 

فقال الحداد: إني أُحدثك بسببِ ما رأيتْ، على ألا تُخْبِرَ به أحدًا إلا بعد أنْ يُدْركني الموتْ؛ وذلك أني كنتُ ولِعتُ بجاريةْ، وكنتُ بها كلفًا فراودتها عن نفسها مراتٍ متتاليةْ، فلم أقدر عليها لاعتصامها بالورعْ، ولم يصلحْ معها جميعُ ما بذلتُ من حيلٍ وخدعْ، فجاءتْ سنةُ قحطٍ وجوعٍ وبلاءْ، لم يسلمْ فيها أحدٌ من الأحياءْ، فبينما أنا قاعدٌ إذ قرعَ البابَ قارعْ، فخرجتُ فإذا هي واقفةٌ بوجهٍ ضارعْ!

 

فقالتْ: يا أخي.. أصابني وأولادي جوعٌ شديدْ، وقد رفعتُ إليك رأسي لتطعمني لوجهِ اللهِ المجيدْ.

 

فقلتُ لها: أما تعلمين أم أنتِ تتناسِي، ما كان من حبكِ وما كنتُ منهُ أقاسِي؟!؛ فأنا لا أُطعمك حتى تمكنيني من نفسك الآنْ.

 

فقالت: الموتُ ولا معصية الرحمنْ.

ثم رجعتْ وعادت بعد يومينْ، وهي تجرُّ خلفها ولدينْ، وقالت: يا أخي.. إنك مسئولٌ كبيرْ، والطعامُ والشرابُ والمالُ عندك وفيرْ، فتصدَّق منه بالقليلْ، على هذا الولدِ الهزيلْ، أما رقَّ قلبُك لهذا الطفلِ العليلْ؟!

 

ثم أخذتْ في البكاءْ، وأردفتْ: أما تعلم أنه أُصيبَ بالداءْ؟!، بعدما نقلوا له كيسًا ملوثًا من الدماءْ؟!، وأخوه الهزيل مصابٌ بالفيروسِ اللعينْ، الذي انتشرَ بين أكبادِ المسلمينْ؟!.

 

فقلت لها مثلَ مقالتي الأولَى، فقالت: أخافُ من عذابِ الله تعالَى!
وقامت وانتزعت ولدَيْها بسرعةٍ وتركت الطعامْ، خشية أن تضعف وتقع في الحرامْ.
ثم إنها غابت يومين وأتت تقرع البابْ، فخرجتُ فإذا بها تقولُ: قد تقطعت بيَ الأسبابْ، ولا أجدُ غيرَك ينقذ أطفاليَ الصغارْ، فأطعمنا لوجهِ العزيزِ الغفارْ!.

 

 الصورة غير متاحة
فقلتُ بشدةٍ وإصرارْ: أنت تعلمين ما أريدْ، فدخلَتْ وجلستْ في ركنٍ بعيدْ، وصارت ترتعدُ بشكلٍ مُخيفْ، فتداركني في هذه اللحظةِ لُطفُ اللطيفْ، وقلتُ لنفسي: يا لك من شقيٍّ ضعيفْ، لا تقدرُ أن تكون مثلَ هذه المرأة الصابرةْ، التي تخاف من عذابِ الآخرةْ، وتتحمل الجوعَ والعناءَ والشدةْ، طوالَ هذه المدةْ؟!

 

فخرجتُ إليها بالطعامْ، وأكرمتُها غايةَ الإكرامْ، وقلت لها: كُلُّ هذا لوجه الله عزَّ وجل، واعلمي أنني لنْ آكلَّ ولنْ أملّْ، حتى أُوفِّرَ لأولادكِ ما يحتاجونْ، وأحققَ لهم ما بِهِ يحلمونْ!.

 

فقالت وهي لا تُصدِّق: هل يمكن أن تعالجَ ولدَيْ في مستشفى حكومي بالمجانْ، أو تُوفِّرَ لأخيه عقدًا في إيطاليا أو السودانْ.

 

فقلتُ لها: هذه أحلامٌ ساذجةٌ بسيطةْ، أيتها المرأةُ "العبيطةْ"، إني سأعطيك شيئًا غاليَ الثمنْ، تستعيني بثمنه على مواجهةِ المحنْ، ولا تحتاجي معه إلى سفر الأولادْ، أو الهجرةِ "والمرمطة" في البلادْ.

 

ثم منحتُها سيخًا واحدًا من الحديدِ الذي يستخدمُ في البناءْ، وأصبح سعره في السماءْ، أغلى من الذهبِ والجواهرْ، ويحتكره أميرٌ تاجرْ.

 

 فلمْ تُصدِّقْ نفسها من الفرحةْ، وأحكمتْ على رأسها الطرحة، ورفعت رأسها إلى السماءْ، وأخلصتْ في الدعاءْ، وقالت: اللهم إنْ كان صادقًا فحرِّم عليه النارَ في الدنيا والآخرةْ، دعوةً من ممتنةٍ شاكرةْ، إنك على كلِّ شيءٍ قديرْ، وبالإجابةِ جديرْ.

 

فاستجابَ اللهُ- تعالى- لدعائها، وقررتُ منْ يومها، أن يكون الحديد مهنتي، فبه تمَّت توبتي، وظهرت كرامتي.   

وهنا انخرطت فقرزاد في البكاء والعويل والنواح، فسكتت عن الكلام المباح.

تصويت

كيف ترى وحدة القوى الثورية للتعجيل باسقاط الانقلاب؟