آداب الحج
- حتى لا تفقد العبادة خاصيتها في تزكية النفس
- مؤتمر الحج .. ومواجهة التحديات
إعداد: هاشم أمين
هيا بنا نعيش ونطوف مع بعضِ الآيات المتعلقة بفريضةِ الحج في القرآنِ الكريم وبعض الخواطر والمعاني والدلالات من كتاب (في ظلال القرآن) للأستاذ سيد قطب رحمه الله:
- ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: 158)..
هناك عدة روايات عن سببِ نزول هذه الآية، أقربها إلى المنطقِ النفسي المستفاد من طبيعةِ التصور الذي أنشأه الإسلامُ في نفوسِ المجموعة السابقة إلى الإسلامِ من المهاجرين والأنصار.. الرواية التي تقول: إنَّ بعضَ المسلمين تحرَّجُوا من الطوافِ بالصفا والمروة في الحج والعمرة، بسبب أنهم كانوا يسعون بين هذين الجبلَيْن في الجاهلية، وأنه كان فوقهما صنمان هما أساف ونائلة، فكره المسلمون أن يطوفوا كما كانوا يطوفون في الجاهلية.
![]() |
|
السعي بين الصفا والمروة |
قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عاصم بن سليمان: قال: سألتُ أَنَسًا عن الصفا والمروة قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.. وقال الشعبي: كان أساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما فتحرَّجوا بعد الإسلامِ من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية.
ولم يرد تحديد لتاريخ نزول هذه الآية، والأرجح أنها نزلت متأخرة عن الآياتِ الخاصة بتحويل القبلة، ومع أنَّ مكةَ قد أصبحت دار حربٍ بالنسبةِ للمسلمين، فإنه لا يبعد أن بعض المسلمين كانوا يتمكنون أفرادًا من الحجِّ ومن العمرة، وهؤلاء هم الذين تحرَّجوا من الطوافِ بين الصفا والمروة.. وكان هذا التحرج ثمرة التعليم الطويل، ووضوح التصور الإيماني في نفوسهم، هذا الوضوح الذي يجعلهم يتحرزون ويتوجسون من كل أمر كانوا يزاولونه في الجاهلية؛ إذ أصبحت نفوسهم من الحساسية في هذه الناحية بحيث تفزع من كل ما كان في الجاهلية، وتتوجس أن يكون منهيًّا عنه في الإسلام؛ الأمر الذي ظهرَ بوضوحٍ في مناسباتٍ كثيرة.
كانت الدعوة الجديدة قد هزَّت أرواحهم هَزًّا وتغلغلت فيها إلى الأعماق، فأحدثت فيها انقلابًا نفسيًّا وشعوريًّا كاملاً، حتى لينظرون بجفوةٍ وتحرز إلى ماضيهم في الجاهلية; ويحسون أن هذا شطر من حياتهم قد انفصلوا عنه انفصالاً كاملاً، فلم يعد منهم، ولم يعودوا منه; وعاد دنسًا ورجسًا يتحرزون من الإلمام به!.
وإنَّ المتابع لسيرةِ هذه الفترة الأخيرة في حياةِ القوم ليحس بقوةِ أثر هذه العقيدة العجيب في تلك النفوس، يحسُّ التغيرَ الكاملَ في تصورهم للحياة، حتى لكأنَّ الرسولَ- صلى الله عليه وسلم- قد أمسكَ بهذه النفوس فهزَّها هزةً نفضت عنها كل رواسبها، وأعادت تأليف ذراتها على نسقٍ جديد، كما تصنع الهزة الكهربية في تأليف ذرات الأجسام على نسق آخر غير الذي كان.
وهذا هو الإسلام.. هذا هو: انسلاخا كاملا عن كل ما في الجاهلية، وتحرجا بالغا من كل أمر من أمور الجاهلية، وحذرا دائما من كل شعور وكل حركة كانت النفس تأتيها في الجاهلية. حتى يخلص القلب للتصور الجديد بكل ما يقتضيه.. فلما أن تَمَّ هذا في نفوس الجماعة المسلمة أخذ الإسلام يُقرِّر ما يُريد الإبقاء عليه من الشعائر الأولى، مما لا يرى فيه بأسًا؛ ولكن يربطه بعروة الإسلام بعد أن نزعه وقطعه عن أصله الجاهلي، فإذا أتاه المسلم فلا يأتيه لأنه كان يفعله في الجاهلية; ولكن لأنه شعيرة جديدة من شعائر الإسلام، تستمد أصلها من الإسلام.
وهنا نجد مثالاً من هذا المنهجِ التربوي العميق؛ إذ يبدأ القرآن بتقرير أنَّ الصفا والمروة من شعائر الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.. فإذا اطوف بهما مطوف، فإنما يؤدي شعيرة من شعائر الله; وإنما يقصد بالطواف بينهما إلى الله، ولقد انقطع ما بين هذا الطواف الجديد وطواف الجاهلية الموروث; وتعلَّق الأمر بالله سبحانه لا بأساف ونائلة وغيرهما من أصنام الجاهلية!.. ومن ثَمَّ فلا حرجَ ولا تأثم، فالأمر غير الأمر، والاتجاه غير الاتجاه: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وقد أقرَّ الإسلامُ معظمَ شعائر الحج التي كان العرب يؤدونها، ونفى كل ما يمت إلى الأوثان وإلى أوهام الجاهلية، وربط الشعائر التي أقرَّها بالتصور الإسلامي الجديد، بوصفها شعائر إبراهيم التي علمه ربه إياها، فأما العمرة فهي كالحجِّ في شعائرها فيما عدا الوقوف بعرفة دون توقيت بمواقيت الحج، وفي كلٍّ من الحج والعمرة جُعِلَ الطوافُ بين الصفا والمروةِ من شعائرهما.
ثم يختم الآية بتحسين التطوع بالخير إطلاقًا: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.. فيلمح إلى أنَّ هذا الطواف من الخير، وبذلك ينفي من النفوسِ كل حرج، ويطيب القلوب بهذه الشعائر، ويطمئنها على أنَّ الله يعدها خيرًا، ويُجازي عليها بالخير، وهو يعلم ما تنطوي عليه القلوب من نيةٍ وشعور.
ولا بد أن نقف لحظةً أمام ذلك التعبير الموحي: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ..﴾.. إن المعنى المقصود أنَّ الله يرضى عن ذلك الخير ويُثيب عليه؛ ولكن كلمة (شاكر) تُلقي ظلالاً نديةً وراء هذا المعنى المُجرَّد. تُلقي ظلال الرضا الكامل، حتى لكأنه الشكر من الربِّ للعبد؛ ومن ثَمَّ تُوحي بالأدبِ الواجب من العبد مع الرب.. فإذا كان الرب يشكر لعبده الخير، فماذا يصنع العبد ليُوفي الربُّ حقَّه من الشكر والحمد؟؟ تلك ظلال التعبير القرآني التي تلمس الحسَّ بكل ما فيها من الندى والرفق والجمال.
ميقات الحج وآدابه
![]() |
|
الحج مؤتمر الوحدة والعبادة |
- ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ (البقرة: 197).
ثم يمضي في بيان أحكام الحج خاصةً; فيُبيِّن مواعيده، وآدابه، وينتهي في هذا المقطع الجديد إلى التقوى كما انتهى إليها في المقطع الأول سواء.
وظاهر النص أنَّ للحجِّ وقتًا معلومًا، وأنَّ وقته أشهرٌ معلوماتٌ.. هي شوال وذو القعدة والعشر الأوائل من ذي الحجة.. وعلى هذا لا يصح الإحرام بالحج إلا في هذه الأشهر المعلومات وإن كان بعض المذاهب يعتبر الإحرام به صحيحًا على مدار السنة، ويخصص هذه الأشهر المعلومات لأداء شعائر الحج في مواعيدها المعروفة. وقد ذهب إلى هذا الرأي الأئمة: مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل. وهو مروي عن إبراهيم النخعي، والثوري والليث بن سعد. وذهب إلى الرأي الأول الإمام الشافعي، وهو مروي عن ابن عباس وجابر وعطاء وطاووس ومجاهد. وهو الأظهر.
فمن فرض الحج في هذه الأشهر المعلومات- أي أوجب على نفسه إتمامه بالإحرام - ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.. والرفث هنا ذكر الجماع ودواعيه إما إطلاقًا وإما في حضرة النساء.. والجدال: المناقشة والمُشادَّة حتى يُغضب الرجلُ صاحبَه.. والفسوق: إتيان المعاصي كبُرت أم صغرت.. والنهي عنها ينتهي إلى تركِ كلِّ ما يُنافي حالة التحرج والتجرد لله في هذه الفترة، والارتفاع على دواعي الأرض، والرياضة الروحية على التعلق بالله دون سواه، والتأدب الواجب في بيته الحرام لمَن قصد إليه متجردًا حتى من مخيطِ الثياب!.
وبعد النهي عن فعلِ القبيح يُحبِّب إليهم فعل الجميل: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.
ويكفي في حِسِّ المؤمن أن يتذكر أن الله يعلم ما يفعله من خير ويطلع عليه، ليكون هذا حافزًا على فعل الخير، ليراه الله منه ويعلمه.. وهذا وحده جزاء.. قبل الجزاء..
ثم يدعوهم إلى التزود في رحلة الحج.. زاد الجسد وزاد الروح.. فقد ورد أن جماعة من أهل اليمن كانوا يخرجون من ديارهم للحج ليس معهم زاد، يقولون: نَحجُّ بيتَ الله ولا يُطْعمنا! وهذا القول- فوق مخالفته لطبيعة الإسلام التي تأمر باتخاذ العدة الواقعية في الوقت الذي يتوجه فيه القلب إلى الله ويعتمد عليه كل الاعتماد - يحمل كذلك رائحة عدم التَّحرُّج في جانب الحديث عن الله، ورائحة الامتنان على الله بأنهم يَحجُّون بيته فعليه أن يُطعمهم!! ومن ثَمَّ جاء التوجيه إلى الزاد بنوعيه، مع الإيحاء بالتقوى في تعبير عامٍ دائم الإيحاء:
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾.. والتقوى زاد القلوب والأرواح، منه تقتات، وبه تتقوى وترق وتشرق، وعليه تستند في الوصول والنجاة، وأولوا الألباب هم أول مَن يدرك التوجيه إلى التقوى، وخير مَن ينتفع بهذا الزاد.
إبراهيم وبناء الكعبة والحج
![]() |
|
الكعبة المشرفة |
- ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 95- 97).
كذلك كان اليهود يبدأون ويُعيدون في مسألةِ تحويل القبلة إلى الكعبة، بعد أن صلَّى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى بيتِ المقدس حتى الشهر السادس عشر أو السابع عشر من الهجرة.. ومع أن هذا الموضوع قد نُوقش مناقشةًَ كاملةً وافيةً في سورةِ البقرةِ من قبل، وتبيَّن أنَّ اتخاذَ الكعبةِ قبلة للمسلمين هو الأصل وهو الأولى، وأنَّ اتخاذَ بيت المقدس هذه الفترة كان لحكمةٍ معينة بَيَّنها الله في حينها.. مع هذا فقد ظلَّ اليهود يبدأون في هذا الموضوع ويعيدون؛ ابتغاء البلبلة والتشكيك واللبس للحق الواضح الصريح- على مثال ما يصنع اليوم أعداء هذا الدين بكل موضوع من موضوعات هذا الدين! وهنا يرد الله عليهم كيدهم ببيان جديد.
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾..
ولعلَّ الإشارة هنا في قوله: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ..﴾ تعني ما سبق تقريره في هذا الأمر، من أن هذا البيت بناه إبراهيم وإسماعيل ليكون مثابةً للناس وأمنًا، وليكون للمؤمنين بدينِهِ قبلةً ومصلى؛ ومن ثَمَّ يجيء الأمرُ باتباعِ إبراهيم في ملته، وهي التوحيد الخالص المبرأ من الشرك في كل صورة: ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾.
واليهود كانوا يزعمون أنهم هم ورثة إبراهيم، فها هو ذا القرآن يدلهم على حقيقة دين إبراهيم; وأنه الميل عن كل شرك، ويؤكد هذه الحقيقة مرتين: مرةً بأنه كان حنيفًا، ومرة بأنه ما كان من المشركين.. فما بالهم هم مشركين!!.
ثم يقرر أن الاتجاه للكعبة هو الأصل، فهي أول بيت وضع في الأرض للعبادة وخُصِّص لها مُذْ أمر الله إبراهيم أن يرفع قواعده، وأن يخصصه للطائفين والعاكفين والركع السجود، وجعله مباركًا وجعله هدى للعالمين، يجدون عنده الهدى بدين الله ملة إبراهيم، وفيه علامات بينة على أنه مقام إبراهيم.. (ويقال: إنَّ المقصودَ هو الحجر الأثري الذي كان إبراهيم - عليه السلام- يقف عليه في أثناء البناء، وكان ملصقًا بالكعبةِ فأخَّره عنها الخليفة الراشد عمر- رضي الله عنه- حتى لا يشوش الذين يطوفون به على المصلين عنده، وقد أُمِر المسلمون أن يتخذوه مصلى بقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
ويذكر من فضائل هذا البيت أنَّ مَن دخله كان آمنًا، فهو بمثابة الأمن لكل خائف، وليس هذا لمكان آخر في الأرض، وقد بقي هكذا مذ بناه إبراهيم وإسماعيل، وحتى في جاهليةِ العرب، وفي الفترة التي انحرفوا فيها عن دين إبراهيم، وعن التوحيد الخالص الذي يمثله هذا الدين.. حتى في هذه الفترة بقيت حرمة هذا البيت سارية، كما قال الحسن البصري وغيره: "كان الرجل يقتل فيضع في عنقه صوفة، ويدخل الحرم، فيلقاه ابن المقتول، فلا يُهيجه حتى يخرج".. وكان هذا من تكريم الله سبحانه لبيته هذا، حتى والناس من حوله في جاهلية! وقال- سبحانه- يمتن على العرب به: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾، وحتى إنه من جملةِ تحريم الكعبة حرمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحرمة قطع شجرها.. وفي الصحيحين- واللفظ لمسلم- عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: "إِنّ هَذَا الْبَلَدَ حَرّمهُ اللّهُ يَوْمَ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللّهِ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَإِنّهُ لَمْ يَحِلّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي. وَلَمْ يَحِلّ لِي إِلاّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ. فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللّهِ إِلَىَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ. وَلاَ يُنَفّرُ صَيْدُهُ. وَلاَ تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهُ إِلاّ مَنْ عَرّفَهَا. وَلاَ يُخْتَلَىَ خَلاَهُ..." إلخ.
فهذا هو البيت الذي
اختاره الله للمسلمين قبلة.. هو بيت الله الذي جعل له هذه الكرامة، وهو أول بيت
أُقيم في الأرض للعبادة، وهو بيت أبيهم إبراهيم، وفيه شواهد على بناء إبراهيم له،
والإسلام هو ملة إبراهيم، فبيته هو أولى بيت بأن يتجه إليه المسلمون، وهو مثابة
الأمان في الأرض، وفيه هدى للناس، بما أنه بمثابة هذا الدين.
ثم يُقرِّر أن الله فرض على الناس أن يَحجوا إلى هذا البيت ما تَيَسَّر لهم ذلك،
وإلا فهو الكفر الذي لا يضر الله شيئًا: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى
النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ
اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾.
ويلفت النظر- في التعبير- هذا التعميم الشامل في فرضية الحج: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾.. ففيه أولاً إيحاء بأنَّ هذا الحج مكتوب على هؤلاءِ اليهود الذين يجادلون في توجه المسلمين إليه في الصلاة، على حين أنهم هم أنفسهم مطالبون من الله بالحجِّ إلى هذا البيتِ والتوجه إليه، بوصفه بيت أبيهم إبراهيم، وبوصفه أول بيتٍ وُضِع للناس للعبادة، فهم- اليهود- المنحرفون المقصرون العاصون! وفيه ثانيًا إيحاء بأنَّ الناسَ جميعًا مطالبون بالإقرارِ بهذا الدين، وتأدية فرائضه وشعائره، والاتجاه والحج إلى بيتِ الله الذي يتوجه إليه المؤمنون به.. هذا وإلا فهو الكفر مهما ادعى المدعون أنهم على دين! والله غني عن العالمين.. فما به من حاجةٍ- سبحانه- إلى إيمانهم وحجهم، إنما هي مصلحتهم وفلاحهم بالإيمان والعبادة..
والحج فريضة في العمر مرة، عند أول ما تتوافر الاستطاعة. من الصحة وإمكان السفر وأمن الطريق.. ووقت فرضها مختلف فيه، فالذين يعتمدون رواية أن هذه الآيات نزلت في عام الوفود- في السنة التاسعة- يرون أن الحج فُرِضَ في هذه السنة، ويستدلون على هذا بأن حجةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت فقط بعد هذا التاريخ.. وقد قلنا عند الكلام على مسألة تحويل القبلة في الجزء الثاني من الظلال: إن حجةَ الرسول- صلى الله عليه وسلم- لا دليلَ فيها على تأخرِ فرضية الحج، فقد تكون لملابسات معينة، منها أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عرايا، ما يزالون يفعلون هذا بعد فتح مكة، فَكَرِهَ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- أن يُخالطهم، حتى نزلت سورة براءة في العام التاسع، وحُرِّم على المشركين الطواف بالبيت.. ثم حَجَّ صلى الله عليه وسلم حجته في العام الذي يليه.. ومن ثَمَّ فقد تكون فرضية الحج سابقة على ذلك التاريخ، ويكون نزول هذه الآية في الفترة الأولى من الهجرة بعد غزوة أحد أو حواليها.
وقد تقررت هذه الفريضة على كل حال بهذا النص القاطع، الذي يجعل لله - سبحانه - حق حج البيت على "الناس" من استطاع إليه سبيلا.
والحج مؤتمر المسلمين السنوي العام يتلاقون فيه عند البيت الذي صدرت لهم الدعوة منه، والذي بدأت منه الملة الحنيفية على يد أبيهم إبراهيم، والذي جعله الله أول بيت في الأرضِ لعبادته خالصًا، فهو تَجَمّعٌ له مغزاه، وله ذكرياته هذه، التي تطوف كلها حول المعنى الكريم، الذي يصل الناس بخالقهم العظيم.. معنى العقيدة استجابة الروح لله الذي من نفخة روحه صار الإنسان إنسانًا، وهو المعنى الذي يليق بالأناسي أن يتجمعوا عليه، وأن يتوافدوا كل عام إلى المكان المقدس الذي انبعث منه النداء للتجمع على هذا المعنى الكريم..
- ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج: 25).
الدرس الأول: ذم الكفار بصدهم عن المسجد الحرام:
وكان ذلك فعل المشركين من قريش: أن يصدوا الناس عن دين الله- وهو سبيله الواصل إليه، وهو طريقه الذي شرعه للناس، وهو نهجه الذي اختاره للعباد- وأن يمنعوا المسلمين من الحج والعمرة إلى المسجد الحرام- كما فعلوا عام الحديبية- وهو الذي جعله الله للناس منطقة أمان ودار سلام، وواحة اطمئنان، يستوي فيه المقيم بمكة والطارئ عليها؛ فهو بيت الله الذي يتساوى فيه عباد الله، فلا يملكه أحدٌ منهم، ولا يمتاز فيه أحد منهم: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾.
ولقد كان هذا النهج الذي شرعه الله في بيته الحرام سابقًا لكل محاولات البشر في إيجاد منطقة حرام يُلقَى فيها السلاح، ويأمن فيها المتخاصمون، وتحقن فيها الدماء، ويجد كل أحد فيها مأواه، لا تفضلاً من أحد، ولكن حقًّا يتساوى فيه الجميع.
ولقد اختلفت أقوالُ الفقهاء في جواز الملكية الفردية لبيوتِ مكة غير المسكونة بأهلها، وفي جواز كراء هذه البيوت عند من أجاز ملكيتها.. فذهب الشافعي- رحمه الله- إلى أنها تملك وتورث وتؤجر محتجًا بما ثبت من أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- اشترى من صفوان بن أمية دارًا بمكةَ بأربعة آلاف درهم فجعلها سجنًا، وذهب إسحاق بن راهويه - رحمه الله - إلى أنها لا تُورث ولا تُؤجر، وقال: تُوفِّي رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر، وما تُدْعَى رِبَاعُ مكة (جمع ربع) إلا السَّوائب، مَن احتاج سَكَن، ومن استغنى أَسْكَن، وقال عبد الرزاق عن مجاهد عن أبيه عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهم- أنه قال: لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها، وقال أيضًا عن ابن جريج: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهى عن تبويب دور مكة لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بَوَّبَ سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: أنْظِرْنِي يا أمير المؤمنين إني كنتُ امرأً تاجرًا، فأردتُ أن أتخذ لي بابين يحبسان لي ظهري (أي ركائبي) قال: فلك ذلك إذن.
وقال عبد الرزاق عن معمر عن منصور عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال: يا أهلَ مكةَ لا تتخذوا لدوركم أبوابًا لينزل البادي حيث يشاء.. وتوسَّط الإمام أحمد- رحمه الله- فقال: تُملك وتُورث ولا تُؤجَّر، جمعًا بين الأدلة.
وهكذا سبق الإسلام سبقًا بعيدًا بإنشاء واحةِ السلام، ومنطقة الأمان، ودار الإنسان المفتوحة لكل إنسان!.
والقرآن الكريم يُهدِّد مَن يريد اعوجاجًا في هذا النهج المستقيم بالعذاب الأليم: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.. فما بال مَن يريد ويفعل؟ إنَّ التعبيرَ يُهدِّد ويتوعَّد على مجرد الإرادة زيادة في التحذير، ومبالغة في التوكيد، وذلك من دقائق التعبير.
ومن دقائق التعبير كذلك أن يحُذف خبر إن في الجملة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ...﴾ فلا يذكرهم ما لهم؟ ما شأنهم؟ ما جزاؤهم؟ كأن مجرَّد ذكر هذا الوصف لهم يغني عن كل شيء آخر في شأنهم، ويُقرِّر أمرهم ومصيرهم!.
إبراهيم وبناء البيت والأذان بالحج
![]() |
|
بيت الله الحرام |
- ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج: 26- 29).
ثم يرجع إلى نشأة هذا البيت الحرام، الذي يستبد به المشركون، يعبدون فيه الأصنام، ويمنعون منه الموحدين بالله، المتطهرين من الشرك.. يرجع إلى نشأته على يد إبراهيم- عليه السلام- بتوجيه ربه وإرشاده، ويرجع إلى القاعدة التي أُقيم عليها وهي قاعدة التوحيد، وإلى الغرض من إقامته وهو عبادة الله الواحد، وتخصيصه للطائفين به والقائمين لله فيه.
فللتوحيد أُقيم هذا البيت منذ أول لحظة، عرَّف الله مكانه لإبراهيم- عليه السلام- وملكه أمره ليقيمه على هذا الأساس: ﴿أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ فهو بيت الله وحده دون سواه، وليطهره به من الحجيج، والقائمين فيه للصلاة: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ فهؤلاء هم الذين أُنشئ البيت لهم، لا لمَن يُشركون بالله، ويتوجهون بالعبادةِ إلى سواه.
ثم أمر الله عليه السلام- باني البيت- إذا فرغ من إقامته على الأساس الذي كُلِّف به أن يُؤذِّن في الناس بالحج; وأن يدعوهم إلى بيتِ الله الحرام ووعده أن يُلبي الناس دعوته، فيتقاطرون على البيتِ من كل فج، رجالاً يسعون على أقدامهم، وركوبًا (على كل ضامر) جهده السير فضمر من الجهد والجوع.. ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
وما يزال وعد الله يتحقق منذ إبراهيم- عليه السلام- إلى اليوم والغد، وما تزال أفئدة من الناس تهوي إلى البيتِ الحرام; وترف إلى رؤيته والطواف به.. الغني القادر الذي يجد الظهر يركبه ووسيلة الركوب المختلفة تنقله; والفقير المُعدَم الذي لا يجد إلا قدميه.
وعشرات الألوف من هؤلاء يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة تلبية لدعوة الله التي أذن بها إبراهيم- عليه السلام- منذ آلاف الأعوام.. ويقف السياق عند بعض معالم الحج وغاياته: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
والمنافع التي يشهدها الحجيج كثير، فالحج موسم ومؤتمر، الحج موسم تجارة وموسم عبادة، والحج مؤتمر اجتماع وتعارف، ومؤتمر تنسيق وتعاون، وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة، كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة.. أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقًا رائجةً؛ حيث تُجْبَى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء.. من أطرافِ الأرض; ويُقدِّم الحجيج من كل فج ومن كل قطر، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم.. يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد.. فهو موسم تجارة ومعرض نتاج، وسوق عالمية تُقام في كل عام.
وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح، وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام، وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطيافِ من قريبٍ ومن بعيد..
طيف إبراهيم الخليل- عليه السلام- وهو يُودع البيت فلذة كبده إسماعيل وأمه، ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
وطيف هاجر وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة الملتهبة حول البيت، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش، وهَدَّها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل.. ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطَّمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء، وإذا هي زمزم ينبوع الرحمة في صحراء اليأس والجدب.
وطيف إبراهيم- عليه السلام- وهو يرى الرؤيا، فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده، ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل- عليه السلام-: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ﴾.. وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾..
وطيف إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام- يرفعان القواعد من البيت، في إنابةٍ وخشوع: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾..
وتَظلُّ هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتتابع، حتى يلوح طيف عبد المطلب، وهو ينذر دم ابنه العاشر إن رزقه الله عشرة أبناء، وإذا هو عبد الله، وإذا بعبد المطلب نراه حريصًا على الوفاء بالنَّذْر، وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء وإذا هو يُدير القداح حول الكعبة ويُضاعف الفداء، والقدح يخرج في كل مرةٍ على عبد الله، حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر هي الدِّية المعروفة، فيُقْبَل منه الفداء، فينحر مائة وينجو عبد الله، ينجو لِيُودِع رحم آمنة أطهر نطفة وأكرم خلق الله على الله- محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم - ثم يموت! فكأنما فَدَاهُ الله من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير!.
ثم تتواكب الأطياف والذكريات من محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى، حول هذا البيت.. وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه موضعه ليطفئ الفتنة التي كادت تنشب بين القبائل.. وهو يُصلِّي.. وهو يَطُوف.. وهو يخطب.. وهو يعتكف.. وإن خطواته - عليه الصلاة والسلام - لتنبض حَيَّة في الخاطر، وتتمثل شاخصةً في الضمير، يكاد الحاجُّ هناك يلمحها وهو مستغرق في تلك الذكريات.. وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وتدف فوق هذا الثرى، حول ذلك البيت، تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار!.
والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة. مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾.. ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعًا إليه: هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعًا ويلتقون عليها جميعًا.. ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها، راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلِّها فوارق الأجناس والألوان والأوطان.. ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينًا؛ قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين.. الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد.. راية العقيدة والتوحيد.
وهو مؤتمر للتعارف
والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى، وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب
وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام. في ظل الله
بالقرب من بيت الله وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة، والذكريات الغائبة
والحاضرة. في أنسب مكان، وأنسب جو، وأنسب زمان..
فذلك إذ يقول الله سبحانه: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾..
كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته.
وذلك بعض ما أراده الله بالحج يوم أن فرضه على المسلمين، وأمر إبراهيم – عليه السلام - أن يُؤذِّن به في الناس.
ويمضي السياق يشير إلى بعض مناسك الحج وشعائره وأهدافها:
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾..
![]() |
|
أضحية العيد |
وهذه كناية عن نحر الذبائح في أيام العيد وأيام التشريق الثلاثة بعده. والقرآن يقدم ذكر اسم الله المصاحب لنحر الذبائح؛ لأن الجو جو عبادة ولأن المقصود من النحر هو التقرب إلى الله. ومن ثَمَّ فإن أظهر ما يبرز في عملية النحر هو ذكر اسم الله على الذبيحة. وكأنما هو الهدف المقصود من النَّحر لا النَّحر ذاته..
والنَّحْر ذكرى لفداء إسماعيل - عليه السلام - فهو ذكرى لآية من آيات الله وطاعة من طاعات عبديه إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - فوق ما هو صدقة وقربى لله بإطعام الفقراء. وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم والمعز.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾..
والأمر بالأكل من الذبيحة يوم النَّحر هو أمر للإباحة أو الاستحباب، أما الأمر بإطعامِ البائس الفقير منها فهو أمر للوجوب، ولعلَّ المقصود من أكل صاحبها منها أن يشعر الفقراء أنها طيبة كريمة.
وبالنَّحر ينتهي الإحرام فيحل للحاج حلق شعره أو تقصيره، ونتف شعر الإبط، وقص الأظافر والاستحمام، مما كان ممنوعًا عليه في فترة الإحرام، وهو الذي يقول عنه: ﴿ثُمَّ لِيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ التي نذروها من الذبائح غير الهدي الذي هو من أركان الحج.. ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.. طواف الإفاضة بعد الوقوف بعرفات، وبه تنتهي شعائر الحج، وهو غير طواف الوداع.
والبيت العتيق هو المسجد الحرام أعفاه الله فلم يغلب عليه جبار وأعفاه الله من البلى والدثور، فما يزال معمورًا منذ إبراهيم عليه السلام ولن يزال.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فإنَّ للحج آدابًا عظيمة، وأخلاقًا قويمة، يحسن بالحاج أنْ يقف عليها، ويجمل به أن يأخذ بها؛ ليكون حجه كاملاً ومبرورًا، وسعيه مقبولاً ومشكروًا.
![]() |
من تلك الآداب والأخلاق ما يلي:
1-
الاستشارة والاستخارة: فيستحب للحاج أن يستشير من يثق بدينه، وخبرته وعلمه في حجه
هذا، كما يستحب له أن يستخير الله –عز وجل- في حجه.
وهذه الاستخارة وتلك الاستشارة لا تعود إلى الحج نفسه، فالحج خير، وإنما تعود إلى
ملائمة الوقت، وتعود إلى المصلحة، وحال الشخص، وتعود إلى الرفيق، والزاد.
2- إخلاص النية لله تعالى- : فلا يقصد في حجه رياء ولا سمعة، ولا ليقال: حجّ فلان، ولا ليطلق عليه لقب الحاج.
وإنما يحج محبة لله، ورغبة في ثوابه، وخشية من عقابه، وطلبًا لرفع الدرجات، وحطِّ السيئات؛ فالإخلاص عليه مدار العمل، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ﴾ (البينة: 5)
وقال النبي- صلى الله عليه وسلم- : "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (متفق عليه).
3- المبادرة إلى كتابة الوصية: ذلك أنه مقدم على الحج، ومتعرض لمصاعب الطريق؛ فحرِيّ به أن يكتب وصيته، وبيان ما له وما عليه، وجدير به أنْ يوصي أهله وأصحابه قبل سفره بتقوى الله عز وجل.
4- المبادرة إلى التوبة النصوح: وهي التوبة الناصحة الخالصة التي تأتي على جميع الذنوب؛ فحري بالحاج أن يبادر إلى تلك التوبة، وأن يتحلل من المظالم؛ فذلك أرجى لقبول حجه، ورفعة درجاته، ومغفرة سيئاته، بل وتبديلها حسنات.
5- التفقه في أحكام الحج: ولو على سبيل الإجمال؛ فإن لم يستطع فليأخذ معه من الكتب أو الأشرطة ما يفيده في معرفة أحكام الحج، وأن يسأل عما يشكل عليه.
6- الحرص على اصطحاب الرفقة الطيبة: التي تعينه على الخير إذا تذكر، وتذكره بالخير إذا نسي، والتي يستفيد من جراء صحبتها العلم النافع، والخلق الفاضل.
7- تأمير الأمير: فإذا كان الحجاج جماعة فعليهم أن يؤمروا أميرًا، وأن يكون ذا خبرة وسداد رأي، وعليهم أن يلزموا طاعته في غير معصية الله، وليحذروا من الاختلاف عليه كما عليه أن يرفق بهم، وأن يستشيرهم.
9-
حسن العشرة للأصحاب: ومن ذلك أن يقوم الإنسان على خدمتهم بلا منة ولا تباطؤ، وأن
يشكرهم إذا قاموا بالخدمة، وأن يتحمل ما يصدر من الرفقة من جفاء وغلظة ونحو ذلك،
وأن يرى الحاج أن لأصحابه عليه حقًا، ولا يرى لنفسه عليهم حقًا؛ فذلك من كريم
الخلال ومن حميد الخصال، وما ترفع به الدرجات، وتحط السيئات.
ومن حسن العشرة: أن يبتعد الحاج عن مشاجرة الأصحاب، ومخاصمتهم، فإن حصل شيء من ذلك
فليبادر إلى الاعتذار، وإذا تعذر الاجتماع فالأولى أن يفترقا؛ لتسلم القلوب، ويتمكن
كل واحد منهما من أداء مناسكه دونما تشوش أو قلق، وبعد ذلك ربما تهدأ العاصفة،
ويحصل الائتلاف.
ومن حسن العشرة: أن يحرص
الحاج على ملاطفة أصحابه، وإدخال السرور عليهم خصوصًا الضعفة والنساء.
ومن الآداب مع الأصحاب: أن يحرص الحاج على الالتزام بالمواعيد، وأن يتطلف بالاعتذار
إن حصل خطأ أو تأخير، أو خلل، وأن يتحمل ما يصدر منهم من عتاب إذا هم عاتبوا، وأن
يتقبل العذر من غيره إذا هم أخطؤوا بتأخر أو خلل؛ فذلك دليل سمو النفس، وبعد الهمة،
وحسن المعاشرة؛ فالعاقل اللبيب الكريم هو من يتحمل أذى الناس، ولا يحملهم أذاه.
10- تخير النفقة الطيبة: فيختار الحاج النفقة الطيبة من المال الحلال، حتى يقبل حجه ودعاؤه؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا" (رواه مسلم).
11- لزوم السكينة، واستعمال الرفق: قال النبي- صلى الله عليه وسلم- "أيها الناس، عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع" (رواه البخاري ومسلم).
12- الحرص على راحة الحاج، والحذر من أذيتهم: فعلى الحاج أن يحرص كل الحرص على راحة إخوانه الحجاج، وأن يبتعد عن كل مافيه أذى لهم، من رفع للصوت، أو إطلاق للأبواق بلا داع، أو أن يزاحمهم، أو يضيق عليهم، أو أن يؤذيهم بالتدخين أو نحو ذلك.
* ومما يجمل به- أيضًا- أن يحب لإخوانه الحجاج ما يحب لنفسه، وأن يكره لهم ما يكرهه لنفسه، فيتحمل أذاهم، ويصبر على بعض ما يصدر منهم من زحام، أو تصرفات مقصودة أو غير مقصودة؛ فالإنسان الكريم يصبر على أذى ضيوفه حرصًا على إكرامهم؛ فكيف بضيوف ربه؟ إن أكرامهم أولى ثم أولى، وإنه لدليل على إجلال الله، وتوقيره، وإنه لدليل على كمال العقل، ومتانة الدين؛ لأنه لا أحسن من درء الإساءة بالإحسان.
13- حفظ اللسان: وذلك بتجنب فضول الكلام، وسيئه، والبعد عن الغيبة والنميمة، والسخرية بالناس، وبالحذر من كثرة المزاح أو الإسفاف فيه، وبصيانة اللسان من السب والشتم.
ومن ذلك: أن يحذر الحاج من المماحكة، وكثرة المماسكة، وأن يحذر من المخاصمة والجدال إلا إذا كان جدالاً لإحقاق الحق، وإبطال الباطل بالتي هي أحسن.
14- غض البصر: لأن الحاج يعرض له ما يعرض من الفتن، فمن النساء من تخرج سافرة عن وجهها، ويديها وقدميها وربما أكثر من ذلك؛ فعلى الحاج أن يغض بصره، وأن يحتسب ذلك عند الله –عز وجل.
وبذلك يسلم قلبه من التشوش، ويسلم حجه من النقص، ويحفظ على نفسه دينه، ويبتعد عن الفتن والبلايا، ويحضُّ على ثمرات غض البصر المتنوعة، والتي منها الفراسة الصادقة، والحلاوة التي يجدها في قلبه، إلى غير ذلك من ثمرات غض البصر العديدة.
15- لزوم النساء الستر والعفاف: فعليهن ذلك وعليهن الحذر من مخالطة الرجال وفتنتهم، وعليهن الحذر من التبرج والسفور، والسفر بلا محرم.
16- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله: كل ذلك حسب القدرة، والاستطاعة مع لزوم الرفق، واللين، والحكمة، والموعظة الحسنة، والرحمة بالمدعوين والتطلف بهم، والصبر على بعض ما يصدر منهم.
17- إعانة الحجاج: وذلك بقدر المستطاع، كأن يرشد ضالهم، ويعلم جاهلهم، ونحو ذلك من الإعانات المتعددة.
18- الاستكثار من النفقة:
ليواسي المحتاجين، ويرفد إخوانه إذا احتاجوا، ليبادر إلى إعانتهم إذا شعر بأنهم في
حاجة ولو لم يطلبوا.
19- استشعار عظمة الزمان والمكان: فذلك يبعث الحاج لأداء
نسكه بخضوع لله، وإجلاله له – عز وجل: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر
الله فإنها من تقوى القلوب﴾ (الحج: 32).
ثم إن ذلك يصبره على بعض ما يلقاه من نصب، أو تعب، أو أذى.
فعلى الحاج أن يغتنم وقته بما يقربه إلى الله- عز وجل- من ذكر، أو دعاء، أو قراءة للقرآن، وذلك في أي مكان من تلك البقاع المباركة؛ فذلك سبب لانشراح صدره، ومضاعفة أجره، وإمداده بالقوة والطاقة، وشهود تلك الأماكن له يوم القيامة.
20- استحضار انقضاء أيام الحج: فهي قليلة معدودة، وسرعان ما تنقضي، فإذا استحضر الحاج ذلك كان دافعًا له إلى اغتنامها، والبعد عما يفسد حجه، أو ينقص أجره.
21- المحافظة على أداء الفرائض: وذلك بالحرص على أداء الصلوات المكتوبة مع الجماعة، وأن يحذر كل الحذر من تأخيرها عن وقتها.
22- البعد عن إجهاد النفس فيما لا يعني: فذلك سبب لأن يتوفر الإنسان على النشاط، ويتقوى على أداء المناسك بيسر وسهولة.
أما إذا أجهد نفسه بلا داع وفيما لا يعني كان ذلك مدعاة لتعبه، ومرضه، وتكاسله عن أداء النسك على الوجه الذي ينبغي.
23- ألا يكون هم الحاج أن يقضي نسكه، بل عليه أن يستشعر عظمة ما يقوم به، وأن يكون قلبه منطويًا على تعظيم أمر الله، وأن يحرص على أن يتلذذ بما يقوم به؛ فذلك من أعظم ما يعينه على انشراح صدره، وإتيانه بالنسك على الوجه الأكمل.
*
وختامًا:
فليحرص الحاج على كل ما يقربه إلى ربه، وعلى كل ما يعينه على أداء نسكه، وليحذر كل
الحذر من كل ما يفسد عليه حجه، أو ينقص أجره من قول أو عمل.
تقبل الله من المسلمين حجهم، وأعانهم على أداء مناسكهم، وأصلح ذات بينهم، وجمع على
الحق كلمتهم، ونصرهم على عدوه وعدوهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
![]()
-----------------------------------
حتى لا تفقد العبادة خاصيتها في تزكية النفس
من المعلوم لدى العارفين بخصائص الأشياء أن كثيرًا من الأشياء تكون ذات خاصية في التأثير على شيء آخر، وقد يطرأ عليها ما يُفقدها تلك الخاصية، فتصبح بلا تأثير في ذلك الشيء.
ومثل ذلك أنواع العبادات الشرعية؛ فإنها ذاتُ تأثير حقًّا على النفس في إصلاحها وتزكيتها، ولكنها قد يطرأ عليها ما يُفقدها ذلكَ التأثيرَ الخاصَّ، فتصبِح غير مُصلحةٍ للنفوس ولا مُزكيةٍ لها، ومن أكبر ما يطرأ على العبادة فيُفقدها صلاحيتها، وتأثيرها في إصلاح النفوس وتطهيرها الشرك فيها وسوء عملها، وفقد الإخلاص فيها.
أما الشرك وهو جعل غير الله تعالى شريكًا له جل وعلا في العبادة التي تعبَّد بها خلقه، فهو محبطٌ للعمل، مفسدٌ له حسًّا ومعنىً لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: من الآية 88)، وقوله جلت قدرته: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمرك من الآية65).
![]() |
وإحباط العمل: بطلانه وفساده، وإن شئت فقل هبوطه وعدم رفعه وقبوله؛ لأن الله- سبحانه وتعالى- طيب لا يقبل إلا طيبًا، والعمل الذي شابه شرك فاسدٌ، والله لا يرفع من الأعمال إلا ما كان صالحٌا، فقد قال عز شأنه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (فاطر: من الآية 10).
وأما سوء عمل العبادة فالمراد به إساءة فعلها، بحيث يُخلُّ ببعض أركانها أو واجباتها أو سننها وآدابها، فكثيرًا ما يُفقد العبادة معناها، ويُخرجها عن حقيقتها، ويَقطع عنها ثمرتها المرجوَّة منها.. من تطهير النفس وتزكيتها، فالإخلاص في العبادة وحدَه غيرُ كافٍ في قبول العبادة، وفي جَعلها مُصلحةً للنفس مُزكيةً لها، بل لا بد مع الإخلاص من الإتيان بالعبادة في صورتها الشرعية وطبق ما شرع الله تعالى وبيَّن رسوله- صلى الله عليه وسلم- كمًّا وكيفًا؛ لأنه بمجموع الأمرين- الإخلاص والمطابقة- توجد في العبادة خاصيتها من الإصلاح والتطهير والتهذيب، وإلا فإنها تفقد ذلك قطعًا.
ولذا أوجب الشارع العلمَ وجوبًا عينيًا وحثَّ عليه، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "طلب العلم فريضة على كل مسلم"، وخاصةً العلم المتعلق بالعبادات التي لا تُتَلقى إلا من الشارع، كل هذا رجاء الانتفاع بالعبادة في تطهير النفوس وإصلاحها؛ لتصبح مستعدةً للكمال المخلوقة لأجله في الدنيا والآخرة، ومن هذا نقول: إنه لقبيح جدًّا بمسلم يعمر طويلاً ولا يتعلم أثناء عمره الطويل أمورَ دينه، ويعبد ربه على جهل.
وبناءً على ما تقدم فإنه قد يصبح من المحتَّم على مَن أراد الشروع في عبادة عظيمة- كمناسك الحج والعمرة- أن لا يَخرج من بيته حتى يتعلم ويعرف كل مَنسَكٍ وشعيرةٍ فيها؛ ليعبد ربه بما شرع، وليعبد ربه على علم، وطبق ما بيَّن ووصف جل وعلا، وقديمًا سأل إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام- ربَّهما بيانَ ذلك ليعبُداه كما يريد، ويتقربا إليه بما يحب أن يتقرب عبده إليه، قال تعالى حكايةً عنهما: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة: 127،128).
فهما يريدان أن يعبدا ربهما ويتقربا إليه، وليس لهما ذلك إلا من طريق العبادة المشروعة، فطلبا بيان ذلك منه- سبحانه وتعالى- فاستجاب لهما، وعرفهما مناسك الحج فعبداه بما شرع، وتقرَّبا إليه بما أحب، فهل بعد هذا يسوغُ للمسلم الحاج الذي هو على إرثٍ من أبيه إبراهيم في هذه العبادة الفاضلة- كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "قفوا على مشاعركم؛ فإنكم على إرثٍ من إرث أبيكم إبراهيم"- فهل يسوغ له أن يأتي هذه المناسك وهو لا يعرف منها منْسكًا واحدًا فيعبد ربه على جهل، فتذهب مجهوداته وأمواله وسائر تضحياته سدىً دون فائدةٍ، ويعود بذنبه كما خرج من بيته.
وأما فقد الإخلاص.. فإنه إذا كان الإخلاص كالاحتساب، وهو إرادة الله- سبحانه وتعالى- بالعمل دون سواه؛ رجاء ما عنده من حسن المثوبة وعظيم الأجر، فإنه روح العمل وقوامه، فمتى فقده العمل صار شيئًا لا معنىً له كجسد فارقته الحياة؛ ولذا فإن العبادة إذا فقدت هذا العنصر الحيَّ من عناصرها الثلاثة: الإيمان، وحسن العمل، والإخلاص، فإنها تصبح خاليةً تمامًا من طاقة التطهير والإصلاح المُودَعة فيها، فلا تُصلِح خُلُقًا ولا تُزكِّي روحًا.
ومع الأسف فإن عبادة الحج- التي نحن بصددها- معرضةٌ أكثر من غيرها لفقدان عناصرها المهمة التي تقدَّمت؛ فإن من بين الحُجاج من لا يقصد الحج إلا لغرض الاطلاع والوقوف على الآثار، والتمتُّع بلذة التنزُّه والأسفار، كبعضٍ من ذوي الثقافات الغربية، والشباب الطائش، ومن بين الحُجاج مَن لا يقصد الحج إلا ليحصل على لقَب الحاجّ، فيستغل هذا اللقب في قريته وبين أفراد عشيرته فيتوصَّل به إلى تحقيق بعضِ أغراضِه المادِّية، وهؤلاء يوجدون عادةً بين العوامِّ والجَهَلة الذين توجد فيهم نزعةُ حبِّ السيادة ولم يحصلوا عليها لعدم استعدادهم لها بالمؤهلات الذاتية والخلقية والعلمية، وعلى كل حال فالصنفان المذكوران قد خسرا عملهما وفقدا ثمرةَ حجِّهما بعدم الإخلاص الكامل لله، قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ﴾ (البقرة: من الآية 196)
ومعنى كون العبادة خاصيةً تؤثر على النفوس بالزكاة والتطهير، وأنها تفقد خاصيتها تلك إذا شابها شركٌ أو أدِّيَت على غير ما شرع الله، أو فُقد الإخلاص منها، أن العبادات مبنية على قاعدة شرعية جليلة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: من الآية 45) وقوله عليه الصلاة والسلام: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاةَ له"، وقوله: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد بها من الله إلا بُعدًا".
وبيانه أن الآية الكريمة تشهد بوجود خاصية التأثير على النفوس في العبادات، وأنه ينبغي للحصول على تأثير العبادة في النفس أن تكون العبادة مؤداةً أداءً صحيحًا موافقًا لما شرع الله نصًا وروحًا، وإلا فإنها تفقد خاصيتها.
وقوله- صلى الله عليه وسلم-
يشهد لفقدان العبادة خاصيتها في إصلاح النفس وتزكيتها إذا هي فقدت مقوماتها من
الخلو من الشرك، وحسن الأداء، وروح الإخلاص، كما أن قوله- صلى الله عليه وسلم-
"لم يزدد من الله إلا بعدًا" يدل بوضوح على أن القرب
من الله والبعد عنه هما نتيجة لما تكون عليه النفس من تزكية أو تدسية؛ فإن عمل صاحب
النفس بما مِن شأنه أن يزكِّي نفسه- كالإيمان والعمل الصالح فإنه يتقرب بطهارة روحه
من الله تعالى، وإن هو عمل ما مِن شأنه أن يدسي نفسه- كالشرك والمعاصي- فإنه يخبث
نفسه فلا يصبح أهلاً لرضا الله تعالى والقرب منه، ومصداقُ هذا قوله تعالى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾
(الشمس:9، 10).![]()
-----------------------------------
مؤتمر الحج .. ومواجهة التحديات
هناك أفكار تظل دائمةَ الإلحاح على
العقل المسلم، طالما هي لم توضع في الممارسة والتطبيق، وهناك مقالاتٌ تتجدَّد
الحاجة إلى مطالعتها، طالما أن مهمةَ السعي إلى تنفيذ أفكارها لم تجد بعدُ فرسانَها
المرتقَبِين، ونموذجٌ لذلك الأفكار التي يقدمها هذا المقال:
﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ
لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ
بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (المائدة: من الآية 48) صدق الله
العظيم.
![]() |
نعم.. ومرةً أخرى صدق الله العظيم، فعلى الرغم من وحدة الدين، الدين الإلهي الواحد، منذ بدء الرسالات السماوية بآدم- عليه السلام- وحتى ختامها بمحمد بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- وهي الوحدة التي تتجلى في التوحيد والطاعة لله الواحد، والتي لأجلها كان جماع الدين وجوهره (الحنيفية المسلمة)، كما علمنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم.. على الرغم من وحدة هذا الدين الإلهي منذ الأزل، فإن سنة التطور في سير الاجتماع الإنساني قد اقتضت تعددَ الشرائع من رسول إلى آخر، ومن نبيٍّ إلى نبيٍّ، فالوحدة في الدين قد زاملَها وواكبها التعدد في الشرائع، ومن ثم اختلفت وتنوَّعت فيها المناسك والشعائر والعبادات.
فالصلاة مثلاً؛ وهي دعاء العبد ربه، والصوم؛ وهو القربة الذاتية والخاصة بين المخلوق والخالق، عرفتها كثير من الشرائع الدينية، في أمم الرسالات المتعاقبة، وإن اختلفت صورها وأركانها من شريعة إلى أخرى.
والحج الذي يربط أمة الرسالة بمركز واحد، يديم لها ويجدد فيها رباط الدين، ويوثق خيوطه، ويشدها بواسطته إلى ذكريات النور الحق الذي انبثق في فجر رسالتها فهداها، وأخرجها من ظلمات جاهليتها إلى نور الحق وضوء العرفان.. هذا الحج تتعدد فيه المناسك والشعائر بتعدُّد أمم الرسالات: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (الحج: من الآية 67).
الحج الإسلامي:
لكن المتأمِّل في المركز الذي يتم إليه
حجُّ المسلمين في الإسلام- بيت الله الحرام في مكة المكرمة- يلحظ خصوصيةً إسلاميةً
جديرةً بالتأمُّل والتنويه.
فالإسلام هو الشريعة الخاتمة لسلسلة رسالات الله السماوية إلى الإنسان، الذي هو
خليفته في الأرض، ومحمد بن عبد الله- صلى الله عليه وسلم- هو خاتم النبيين
والمرسلين- عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه- وبيت الله الحرام بمكة هو أول بيت لله
قام على هذه الأرض التي عليها نعيش: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ
وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾
(آل عمران: من الآية 96).
فكأنما شاءت حكمة الله- سبحانه وتعالى- أن يكون حج أمة الرسالة الخاتمة إلى أول بيت وُضع للناس في الأرض، وذلك حتى يربط الختام بالبدء، والقيمة بالجذور، والمنتهى بالمنطلق، فيتجسَّد الرمز- رمز استيعاب الإسلام الذي بعث به محمد، صلى الله عليه وسلم- للدين الإلهي على إطلاقه، وللتدين في عمومه، وترتفع الأعلام المؤذنة بأن تصديق الإنسانية بنبيها- عليه الصلاة والسلام- إنما هو جزء من تصديقها بجميع الرسل والأنبياء، واحتضانها لهدي النبوة جميعه على امتداد موكب الأنبياء والمرسلين منذ آدم إلى محمد عليهم السلام.
والناظر المتأمل في شعائر الإسلام وعباداته يرى ذلك الخيط المتين والعروة الوثقى التي تربط بين كل عبادة فردية قد فرضت على ذات الفرد وعينه، وبين مجموع الأمة أمة الرسالة والدين.
ففي الصوم استشعار لحاجة المحتاج، وتكافل وتضامن يربط بين الفرد بالمجموع، وفي الزكاة تطهير للثروة الفردية، تنمو به هذه الثروة، وتكافل مالي للأمة جمعاء، وفي الصلاة جماعة وجماعية تجعل الفرد لبنةً في بناء أكبر، وقطرةً في البحر البشري العظيم، وفي الشهادة بالوحدانية نزعٌ لكل القيود والأغلال التي تقطع بالعبودية روابط الإنسان وأخيه الإنسان، وربط لهذا الإنسان الفرد بالمجموع من خلال إفراده بالعبودية لله وحده.
وهكذا في كل شعائر الإسلام نلمح خيط الجماعة والجماعية يجمع الأفراد، ويجدد رباط الأمة المتكافلة تكافل أعضاء الجسد الواحد والبنيان المرصوص، الذي تسري فيه الحياة، حتى ليشد بعضه بعضًا.
وفي اعتقادي أن هذه المعاني في العبادات الإسلامية، وهذه الروابط الجماعية والاجتماعية في شعائر الإسلام هي لب هذه العبادات، وجوهر هذه الشعائر، وفيها تتمثل أهم المنافع التي تُثمرها وترعاها عبادات الناس لله الذي هو غني عن هذه العبادات.
وفي ضوء هذه الحقيقة، وفي إطار هذا الفهم لمنافع العبادة للعابدين المسلمين، يجب أن ننظر إلى شعيرة الحج الإسلامي، ذلك أن اجتماع المسلمين للحج، والمؤتمر الأكبر لهذا الركن من أركان الإسلام هو الهداية الربانية، التي تجسِّد قيمة المنافع المبتغاة للمسلمين من ورائه، وهي المنافع التي لا زلنا متخلِّفين عن الاستفادة منها حتى الآن.
إن القرآن الكريم يحدثنا عن حكمة الله من وراء فريضة الحج، فيقول: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ* ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (الحج: من 27-29)، فمع ذكر الله شعائر الحج، هناك أيضًا المنافع المبتغاة من وراء هذا الحج لأمة الإسلام.
والأمر الذي لا شك فيه هو أن معنى المنفعة إذا اتحد- لأنها هي كل ما ينفع جمهور الأمة- فإن السبل إلى تحقيقها وتحديد أولوياتها هو مما يختلف باختلاف الأزمان والملابسات والتحديات التي تواجه أمة الإسلام.
لقد كانت مكة في عصور قديمة حاضرةَ تجارةِ شبه الجزيرة العربية، ويومها قال المفسرون للقرآن الكريم: إن التجارة هي المنافع التي يشهدها الحجيج إلى بيت الله الحرام، لكن أتظلُّ التجارة في موسم الحج- وهي في جوهرها اليوم- استهلاك لسلع يصنعها غير المسلمين، بل الوثنيون الذين يصنعون للمسلمين حتى سجادة الصلاة و(بوصلة القبلة).. أتظلُّ هذه التجارة هي منافع الحج التي أرادها الله في ظروف عالم اليوم بما جدَّ فيه من جديد، وطرأ على واقعه من تحديات.
لقد تفجَّر البترول من حول مكة، فلم
يعُد أهلها هم البؤساء الذين يعيشون بوادٍ غير ذي زرع، ومن ثَمَّ فلا مجال لقائل أن
يقول إن منافع الحج اليوم مقصورةٌ على "سمسرة" تجارة البقاع المقدسة من بيع السلع
الاستهلاكية المستوردة من خارج عالم الإسلام إلى الحُجَّاج المسلمين.
في ظروف عالمنا الإسلامي اليوم، التي لا يحتاج بؤسها إلى تفصيل في الحديث، وأمام
التحديات التي جعلت أمة الإسلام أممًا بأسُها بينها شديدٌ، وبعض أبنائها أشداءُ على
بعضهم البعض، رحماءُ على الكفار.. في ظروف عالمنا الإسلامي هذه تبدو المهمة العظمى
والأولى والعاجلة هي إعادة هذه الأمم الشراذم إلى معنى الأمة الإسلامية الواحدة،
بما لهذا المعنى من دلائل ومعطيات، ومن ثم فإن منافع الحج إلى بيت الله الحرام هي
اليوم في اعتقادنا دعوةُ صفوةِ الأمةِ وراشديها- بواسطة مؤتمر الحج الأكبر- إلى
كلمةٍ سواءٍ.
سوابق التاريخ الإسلامي:
ثم ألاَ يحقُّ لنا أمام أي شك أو تشكيك في هذه الحقيقة أن نتساءل.. ألم تكن تلك هي المنافع المبتغاة من الحج يوم أن انبثق نور الإسلام؟! ألم يكن الخليفة الراشد- في عهد الخلافة الراشدة- يجعل من موسم الحج مؤتمرًا يلتقي فيه بالولاة والعمال والقضاة، وجباةِ الزكاة والصدقات، وقادةِ الجند، والفقهاءِ وأهل الرأي من مختلف الأقاليم الإسلامية، فتوضع صورة واقع الأمة أمام العقل القائد والمفكر؟! وألَم يكن موسم الحج على عهد الخلافة الراشدة، منتدىً للقاء بين القرَّاء والفقهاء، يتبادلون فيه الفكر والرأي والخبرات؛ فتنمو في الأمة ملكةُ التعقُّل والاجتهاد؟!
ورسول الله، صلى الله عليه وسلم، ألم تكن حجَّته الوحيدة سنة 10 هـ- في حجة الوداع والبلاغ- ألم تكن مؤتمرًا جامعًا قرَّر فيه الحقوق المدنية لأمة الإسلام.
إنني لا أبالغ إذا قلت: إن خطبة الرسول، صلى الله عليه وسلم، الشهيرة في حجة الوداع- تلك التي مثلت (الحقوق المدنية) الإسلامية- فيها لِعالَمنا الإسلامي الراهن المنطلقاتُ لجدول أعمال مؤتمر الحج الأكبر، الذي يجب أن ينعقد لدراسة الواقع البائس الذي تعيشه هذه الأمة، وتحديد السبل لتغييره، والوسائل اللازمة لمواجهة التحديات المحدقة بالإسلام والمسلمين.
لقد تأسست دولة الإسلام الأولى في السنة الأولى من الهجرة، وفي جمادى الأولى من السنة الثانية بدأت المواجهة المسلَّحة بين دولة الإسلام ودولة الشرك في غزوة (العشيرة)، التي كانت المقدمة لبدر الكبرى، وفي السابع عشر من شعبان من نفس السنة تحولت القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، بما مثله ذلك الحدث العظيم من إيذان بانتقال القيادة من العبرانيين إلى الأمة العربية المسلمة، التي تأهَّلت بالعدل والوسطية؛ لتكون لها الشهادة على غيرها من أُمم الرسالات.
وفي العام التالي سنة 3هـ فرض الله الحج مؤتمرًا يشهد فيه المسلمون منافع لهم، وفي العام العاشر للهجرة حج الرسول- صلى الله عليه وسلم- فعقد للمسلمين مؤتمرَهم الذي أبلغهم فيه حقوقهم المدنية كأمة واحدة متميزة بين الأمم، فقال- صلى الله عليه وسلم- بعد أن حمِد الله وأثنَى عليه: "أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، بهذا الموقف أبدًا..
أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام- إلى أن تلقوا ربكم- كحرمة يومكم هذا، وحرمة شهركم هذا وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغتُ، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربًا موضوع، ولكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا "العباس بن عبد المطلب" موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دم أضع دم "ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب"، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية..
أيها الناس، إن
الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما
تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.
أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه تعلمُنَّ أن كل مسلم أخو المسلم، وأن المسلمين
إخوةٌ، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، فلا تظلموا أنفسكم، إني قد
بلغتُ، وتركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا كتاب الله وسنة نبيه.."..
إلخ..إلخ.
تلك كانت حكمة الحج عندما فرضه الله ركنًا من أركان الإسلام، وتلك كانت تطبيقات الرسول- صلى الله عليه وسلم"- والخلفاء الراشدين لهذه الحكمة وفهمهم للمنافع التي ابتغاها الله لعباده من وراء حجِّهم إلى بيته الحرام.
اقتــراح:
واليوم وفي ظروف عصرنا الحديث، وعلى ضوء الواقع اليائس الذي تحياه أمتنا، رغم ما لديها من إمكانات مادية وما تملك من عقول مبدعة ومفكرة، هل نطمح ونطمع ونتطلع إلى إعادة شعيرة الحج مؤتمرًا أكبرَ لأمة الإسلام، ولقاءً جامعًا لعقل الأمة الراشد، يتأمل واقعها، ويرسم لجمهورها سبل الخلاص.
إننا نقترح تحديدًا وفي إيجاز:
1- إقامة منظَّمة غير حكومية تكون لها صفة الدوام، مهمتها تنظيم مؤتمر الحج الأكبر.
2- تدعو هذه المنظمة كل المؤسسات الفكرية والتعليمية والبحثية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والنقابية في بلاد العالم الإسلامي، ولدى الجاليات الإسلامية- خارج عالم الإسلام- تدعوها إلى إخطارها بمن سيؤدي فريضة الحج من أعضائها قبل شهور من موسم الحج في كل عام؛ لتكون من هذه الصفوة الممثِلة لأهل الذكر في كل الاختصاصات عضوية مؤتمر الحج الأكبر.
3- تحدد منظمة (مؤتمر الحج الأكبر) الموضوعات والقضايا التي تقترحها هي، والتي ترِد إليها من الأفراد والهيئات في مختلف بلاد الإسلام كجدول أعمال لمؤتمر الحج الأكبر، مع التركيز في كل عام على القضايا التي تمثل أكثر مشكلات المسلمين إلحاحًا، وأخطر التحديات التي تواجه أمة الإسلام، وتتلقى الدراسات والتقارير حولها، وتتخير من هذه الدراسات والتقارير ما يُعنى بإنضاج الرأي حول قضايا ومشكلات وجدول أعمال المؤتمر، كما تكلِّف المنظمة ذوي الاختصاص بإعداد ما يلزم من الدراسات.
4- يعقد المؤتمر سنويًا عقب أداء مناسك الحج لتتدارس لجانه مشكلات الإسلام والمسلمين، ويصدر فيها التوصيات والقرارت.
5- تصدر منظمة مؤتمر الحج الأكبر مجلةً شهريةً، تنشر فيها الدراسات التي ستناقش في المؤتمر كل عام، لتأتي وفوده إليه وهي على بينة من القضايا- موضوع البحث والنقاش- كما تنشر فيها توصيات المؤتمر وقراراته، والتي تخطر بها الحكومات والمنظمات والهيئات والمؤسسات والاتحادات والنقابات... إلخ.
6- تقوم منظمة مؤتمر الحج الأكبر بمتابعة تنفيذ قرارات المؤتمر، وتقييم كفاءته وجدواه لاقتراح السبل التي تكفل له التطور والفاعلية في تحقيق المنافع الإسلامية من وراء الحج، كشعيرة ابتغى الإسلام من ورائها تحقيق المنافع لأمة الإسلام.
إنَّ هذا الاقتراح المحدد- القابل للتطوير والتفصيل- يمكن في اعتقادنا أن يحقق للأمة الإسلامية جوهرَ المنافع التي دعا الله- سبحانه وتعالى- أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- كي تشهدها عندما يشدُّ المستطيعون من أبنائها الرحال؛ حاجِّين إلى بيت الله الحرام.
فهل من مجيب لهذا النداء؟ وهل من مستجيبٍ لهذا الاقتراح؟ إننا نأمل ونطمح ونتطلع وما ذلك على الله بعزيز، ولا على رابطة العالم الإسلامي وعقلاءِ الأمة وراشديها ببعيد.
----------
* مفكر إسلامي
مصري..(نقلاً عن مجلة الرسالة- العدد العاشر-ذي الحجة 1424هـ).![]()
-----------------------------------
حكم صلاة العيد:
اختلف العلماء في ذلك، ولهم ثلاثة أقوال:
أ- أنها واجبة على الأعيان.. وهو قول الأحناف.
ب- أنها سنة مؤكدة.. وهو قول مالك وأكثر أصحاب الشافعي.
ج- أنها فرض كفاية.. وإذا تمالأ أهل بلد على تركها يُقاتلون وهو مذهب
الحنابلة، وقال به بعض أصحاب الشافعي.
وقد واظب النبي- صلى الله عليه وسلم- عليها، وأمر بالخروج لها، فعن أم عطية- رضي الله عنها- قالت: "أُمِرنا أن تخرج العواتق- جمع عاتق وهي المرأة المخدرة إلى أن تدرك- وذوات الخدور" (متفق عليه).
وعن حفصة بنت سيرين- رضي الله عنها- قالت: كنا نمنع جواريَنا أن يخرجْن يوم العيد فجاءت امرأةٌ فنزلت قصر بني خلف، فأتيتها، فحدَّثَت أن زوجَ أختِها غزا مع النبي- صلى الله عليه وسلم- اثنتي عشرةَ غزوةً، فكانت أختُها معه في ستِ غزوات، فقالت: فكنا نقوم على المرضى ونداوي الكلمى، فقالت يا رسول الله، على إحدانا بأسٌ إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج- تعني للعيد؟ فقال: لتُلبسها صاحبتها من جلبابها، فليشهدن الخير ودعوة المؤمنين".
هل يؤذَّن ويقام لصلاة العيد؟
عن ابن عباس وجابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- قالا: "لم يكن يؤذَّن يومَ الفطر ولا يومَ الأضحى"، وعن جابر- رضي الله عنه- قال: "لا أذانَ للصلاةِ يومَ الفطرِ حين يخرج الإمام ولا بعد ما يخرج، ولا إقامة ولا نداء ولا شيء، ولا نداءَ يومئذ ولا إقامة" وهذا ينطبق على الأضحى.
وقت صلاة العيد:
من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال، قال ابن بطال: (أجمع الفقهاء على أن صلاة العيد لا تُصلَّى قبل طلوع الشمس ولا عند طلوعها، وإنما تجوز عند جواز النافلة)، وقال ابن القيم: "وكان- صلى الله عليه وسلم- يؤخِّر صلاة عيد الفطر، ويعجِّل الأضحى، وكان "ابن عمر" لا يخرج حتى تطلع الشمس".
وقد علل ابن قدامة تقديم الأضحى وتأخير الفطر بأن لكل عيد وظيفة، فوظيفة الفطر إخراج الزكاة ووقتها قبل الصلاة، ووظيفة الأضحى التضحية، ووقتها بعد الصلاة".
وعن يزيد بن خمير الرحبي قال: "خرج عبد الله بن بسر- صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم- مع الناس في يوم عيد الفطر أو الأضحى، فأنكر إبطاء الإمام، فقال: "إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح" (حديث صحيح).
صفة صلاة العيد:
صلاة العيد ركعتان، ويكبر فيهما اثنتي عشر تكبيرةً، سبعًا في الأولى بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، وخمسًا في الثانية قبل القراءة، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "كبَّر في العيدين سبعًا في الأولى وخمسًا في الآخرة" (حديث صحيح)، وعن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "كبَّر في الفطر والأضحى سبعًا وخمسًا، سوى تكبيرتَي الركوع" (حديث صحيح).
الصلاة قبلها وبعدها:
عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- "صلى يوم الفطر ركعتين، لم يصل قبلها ولا بعدها".
ما يُقرأ في العيد:
عن النعمان بن بشير أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "كان يقرأُ في العيدَين وفي الجمعة بـ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلَى﴾، و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، (حديث صحيح)، وعن عبيد الله بن عبد الله قال: خرج "عمر" يوم العيد، فأرسل إلى "أبي واقد الليثي".. بأي شيء كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يقرأ في مثل هذا اليوم؟ قال: بـ﴿ق﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ﴾ (حديث صحيح).