أحكام وفتاوى
- حكم طواف المرأة إذا حاضت أو نفست بعد إحرامه? ..."د. يوسف القرضاوي"
- حكم حج المرأة إذا نفست يوم التروية قبل الطواف والسعي? ..."د. يوسف القرضاوي"
- أخذ حبوب منع العادة الشهرية في الحج? ..."د. يوسف القرضاوي"
- هل يجوز التعطر في الإحرام؟ ..."الشيخ عطية صقر"
- هل الحج على الفور أو على التراخي؟ ..."مجموعة علماء"
- هل تُجمَّد مناسك الحج والعمرة مؤقتًا؟! لحماية المسلمين من وباء (سارس) ..." مجموعة علماء"
- ما حكم صيام يوم عرفة؟ وما فضله؟
حكم طواف المرأة إذا حاضت أو نفست بعد إحرامها
![]() |
* إذا حاضت المرأة أو نفست بعد إحرامها هل يصح لها أن تطوف بالبيت أو ماذا تفعل؟ وهل عليها وداع؟
** الجواب: إذا نفست أو حاضت حين قدومها للعمرة وقفت عن ذلك حتى تطهر فإذا طهرت تطوف وتسعى وتقصر وتتم عمرتها، فإذا كان هذا بعد العمرة أو بعد ما أحرمت بالحج في اليوم الثامن فإنها تعمل أعمال الحج من الوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار وغير ذلك من التلبية والذكر، فإذا طهرت طافت وسعت لحجها، والحمد لله، فإن جاءها الحيض بعد الطواف والسعي وقبل الوداع سقط عنها الوداع؛ لأن الحائض والنفساء ليس عليهما وداع.
حكم حج المرأة إذا نفست يوم التروية قبل الطواف والسعي
* المرأة النفساء إذا بدأ نفاسها يوم التروية وأكملت أركان الحج عدا الطواف والسعي إلا أنها لاحظت أنها طهرت مبدئيا بعد عشرة أيام فهل تتطهر وتغتسل وتؤدي الركن الباقي الذي هو طواف الحج؟
** نعم إذا نفست في اليوم الثامن مثلاً فلها أن تحج وتقف مع الناس في عرفات ومزدلفة ولها أن تعمل ما يعمل الناس من رمي الجمار والتقصير ونحر الهدي وغير ذلك ويبقى عليها الطواف والسعي تؤجلهما حتى تطهر فإذا طهرت بعد عشرة أيام أو أكثر أو أقل اغتسلت وصلت وصامت وطافت وسعت، وليس لأقل النفاس حد محدود فقد تطهر في عشرة أيام أو أقل من ذلك أو أكثر لكن نهايته أربعون.
فإذا أتمت الأربعين ولم ينقطع الدم فإنها تعتبر نفسها في حكم الطاهرات تغتسل وتصلي وتصوم وتعتبر الدم الذي بقي معها- على الصحيح- دم فساد تصلي معه وتصوم وتحل لزوجها لكنها تجتهد في التحفظ منه بقطن ونحوه وتتوضأ لوقت كل صلاة، ولا بأس أن تجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم حمنة رضي الله عنها بذلك.
أخذ حبوب منع العادة الشهرية في الحج
* هل من المباح للمرأة أن تأخذ حبوبًا تؤجل بها الدورة الشهرية؛ حتى تؤدي فريضة الحج؟ وهل لها مخرج آخر؟
**
لا حرج أن تأخذ المرأة حبوب منع الحمل؛ لتمنع الدورة الشهرية في أيام الحج؛ حتى تطوف مع الناس ولا تتعطل عن أعمال الحج، وإن وجد غير
الحبوب شيء يمنع من الدورة فلا بأس إذا لم يكن فيه محذور شرعًا أو مضرَّة![]()
* ورد أن عائشة كانت تُعطِّر رسول الله- صلى لله عليه وسلم- في إحرامه.. فهل يعني ذلك جواز وضع العطور في الإحرام (الإزار والرداء)؟
** معلوم أن من مظاهر الإِحرام بالنسك تجرد الإنسان من كل زينة، والظهور بمظهره عندما يُحشَر إلى ربه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ (الأنعام: من الآية 94)، وكذلك تحقيق معنى المساواة بالبُعد عن المظاهر التي يحرص عليها بعض الناس ابتغاءَ وضعٍ معينٍ، كما يشير إليه الحديث الشريف "الحاج الشعث التفل" (رواه البزار بسند صحيح)، و"الشعث": من عليه أثر التراب من السفر، و"التفل": البعيد العهد بالماء.
ويظهر تغيُّر الرائحة إذا طالت مدة الإِحرام، كالذى يحرم بالحج مُفرِدًا أو قارنًا عند مروره بالميقات قبل يوم عرفة بوقت طويل في موسم الحرِّ، حيث لا يحل من إحرامه إلا يومَ العيد أو بعده، أما المحرِمُ بالعمرة أولاً فمدة إحرامه قصيرة لا تتغير رائحته، إلا إذا كانت وسيلة المواصلات بطيئة كالجمال التي كانت سائدةً قبل الاختراعات الحديثة في وسائل النقل، وفي مواجهة تغير الرائحة شُرِع الغسل والتطيب قبل الإِحرام حتى لو بقيت آثار الطيب بعد الإِحرام، كما أبيح الغسل المجرَّد عن الطيب، بل استُحِبَّ أثناءَ الإِحرام في عدة مواطن.
أما التطيُّبُ بعد الإحرام فممنوع للحديث السابق الذي رواه البزار؛ ولأمر الرسول- صلى الله عليه وسلم- من وضَعَه بغُسلِهِ وإزالته، ولنهيه فيمن مات مُحرمًا أن يمسَّ طيبًا عند غسله وتكفينه، ولا بأس عند الاغتسال باستعمال الصابون الذي له رائحةٌ بقصد النظافة لا بقصد التطيُّب، وكذلك يُباح شم الفواكه ذات الرائحة الطيبة كالتفاح فإنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه، أما شم الورد والريحان والنعناع متعمدًا فممنوع، وما جاء من الروائح عفوًا- دون قصد- فلا ضرر فيه، كالمرور بحديقة فيها أزهار أو بدكان من يبيع العطر؛ لمشقة التحرُّز من ذلك وانتفاء القصد والتعمُّد.
ووضع الطيب في المطبوخ أو المشروب بحيث لم يبق له طعم ولا لون ولا ريح إذا تناوله المحرم لا فدية عليه، وإن بقيت رائحتُه وجبت عليه الفدية بأكله عند الشافعية، وقال الحنفية: لا فدية عليه؛ لأنه لم يقصد به الترفُّه بالطيب.
ويلاحظ أن استعمال المحرم للطيب تلزمه الفدية إذا كان عالمًا بالحكم غيرَ جاهل، وكان متعمدًا غير ناسٍ أنه محرم، وعند الجهل والنسيان لا فدية، فقد روى الجماعة إلا ابن ماجة أن رجلاً أتى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو بالجعرانة وعليه جبَّةٌ وهو مصفِّر لحيته ورأسه- أي متطيب- وقال: يا رسول الله: أحرمتُ بعمرة وأنا كما ترى، فقال له: "اغسل عنك الصفرة، وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعًا في حجِّك فاصنع فى عمرتك"، ولم يأمره بفدية؛ لأنه كان جاهلاً بالحكم، وقال عطاء بن أبي رباح: "إذا تطيب المحرم أو لبس-جاهلاً أو ناسيًا- فلا كفارة عليه". والفدية عند تعمد التطيب والعلم بحرمته هي ذبح شاة أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين صاع، أو صيام ثلاثة أيام، كما قال تعالى فيمن حلق شعره ﴿فَمَن كَانَ مِنْكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (البقرة: من الآية 196)، والنسك أي الذبح، وروى البخاري ومسلم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال لمن آذته هوامُ رأسِه: "احلق، ثم اذبح شاةً نُسُكًا، أو صُم ثلاثةَ أيام، أو أطعِم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين".
والإمام الشافعي قاسَ غير المعذور على المعذور في وجوب الفدية، وأوجب أبو حنيفة الدم على المعذور إن قدر عليه.
وعليه فلا يجوز استعمال الطيب والزينة بعد نية الإحرام، ومن خلال ماسبق يتبين لنا أن السيدة عائشة- رضى الله عنها- كانت تفعل ذلك قبل نية النبي- صلى الله عليه وسلم- البدء في الإحرام... والله تعالى أعلم.
هل الحج على الفور أو على التراخي؟؟
![]() |
* هل يجب الحج فور وجود مال معي.. أم أنَّ لي تأخيرَ أداء فريضة الحج لوقت لاحقٍ؟
** الخلاف مشهور بين الأئمة في: هل الحج واجب على الفور أو على التراخي؟؟
وقال الجمهور بوجوبه على الفور، وقال غيره بوجوبه على التراخي، ولكلٍّ أدلةٌ يورِدُها على صحَّة قوله، غير أنه ما دام العذرُ مسقطًا للوجوب فلا فائدة لهذا الخلاف، فمن قامت به الأعذار وحالت بينه وبين أداء هذه الفريضة فهو غير مُلامٍ على التراخي، وله انتظار الوقت المناسب ليقضي فيه واجبه.
ومن لم يكن له عذرٌ حائلٌ فلِمَ ينتظر عامًا كاملاً؟؟ وهل ضمِنَ لنفسه البقاء حيًّا طول سنة كاملة؟؟ وإذا لم يكن كذلك فما يُجيز له التأخير ويبيح له التراخي؟؟ وقد قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "تعجَّلوا إلى الحج، فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له"، وقال- صلى الله عليه وسلم-: "من أدرك الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض الحاجة".
الأعذار المسقطة لفورية الحج:
إن الآية القرآنية التي صرحت بفرضية الحج، وهي قوله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (آل عمران: من الآية 97) أشارت بل صرحت بذكر الأعذار المُسقِطَة لفورية الحج، ولكن هذا بإيجاز وبإجمال يحتاج إلى تفصيل، ولم يثبُت عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- في بيان الإجمال إلا قوله- لمن سأله عن السبيل في الآية-: "الزاد والراحلة".
ولفظ الزاد والراحلة أيضًا دليلٌ مجمَلٌ يحتاجُ إلى تفصيلٍ؛ لأننا نقول: ما هو الزاد؟ ما مقداره؟ ما نوعه؟ ونقول: ما هي الراحلة؟ وما نوعها؟ وقد تناول الفقهاء- رحمهم الله تعالى- هذه الألفاظ بالشرح والتفسير، وموجزها: أن المراد بالزاد نفقة الحاج في سفره إلى أن يعود إلى أهله، ونفقة من يعولهم من أهل وولد وأقربين، مع براءته من الديون المالية، ولم يكن مطالبًا بزكاة، أو نذرٍ واجبٍ، أو كفارةٍ لازمةٍ.
وأن المراد بالراحلة: القدرة على الركوب والمشي، ووجود ما يُركب إن كان المشي غير ممكن، مع أمن الطريق وسلامته عادةً، فإن وُجدت هذه الأعذار أو بعضها فالحج لم يجب معها حتى تزول، ومتى زالت تعيَّن الحج ووجب الفور في أدائه؛ لما عسى أن يحدث من حوائل تحول دون أدائه.
ومما يلاحَظ هنا أن كثيرًا من الناس يرون أن الدَّين لا يصح معه حجٌّ ولا عمرةٌ،
وليس هذا بصحيح، فإن الدَّين مُسقط لوجوب الحج والعمرة فقط، أما إذا اقترض امرؤٌ
مالاً ليحج به، أو حجَّ بما لديه ولم يقضِ ما عليه من الديون، وهو عاقد النية
والعزم على قضائهما فلا شك أن حجَّه صحيحٌ مقبولٌ إن شاء الله تعالى، وأن ديونه في
ذمَّته يقضيها متى وجبت وتمكَّن من قضائها.![]()
هل تُجمَّد مناسك الحج والعمرة مؤقتًا؟!
لحماية المسلمين من وباء (سارس)
![]() |
لا يزال ضحايا وباء (سارس) يزدادون يومًا بعد يوم؛ سواء كانوا مصابين أو وفَيَات، لا سيما في الصين- منبع الوباء- وما جاورها من منطقة شرق آسيا.
وعن بداية انتشاره يقول الدكتور "أسامة القفاش": "إنه في نوفمبر من عام 2002م حدث وباء غامض في منطقة (جوانج دونج)، وحاولت السلطات الصينية التغطية عليه، وعدم الإعلان عنه، خاصةً أن الصين كانت مقبلةً على تغييرات سياسية ووصول جيل من الشباب لسدة الحكم (تحت السبعين) برئاسة "هوجين تاو" و"ون جياباو" و"وويي"، التي ستُصبح مسئولةً عن محاربة الـ(سارس) ".
كان من الضروري- وِفقًا للسياسة الصينية الشهيرة- التكتُّم والتَّريُّث؛ فالأوضاع لا تحتمل وجود وباء، العالم مقبلٌ على حرب العراق، والاقتصاد العالمي يكاد يكون في حالة ركود- معدلات النمو تقارب 2. 5% أو الحد الخطر- وهناك تغيرات جديدة في القيادة أيضًا، كما أن نهاية العام الصيني اقتربت ودخلنا موسم الاحتفالات، ومن ثمَّ لا داعي للكلام عن مرض جديد، فضلاً عن وباء، والناس تريد أن تفرح وتنفق، والاقتصاد في طريقه للانتعاش، وكل شيء (تمام)! وهل كل شيء تمام؟! لا.. ليس تمامًا.
ففي 21 فبراير الماضي وصل طبيب أمراض كُلَى متقاعد صيني من (جوانجزو)- المدينة الصناعية القريبة من منطقة (جوانجودونج) وموطن المرض الغامض الذي تكتمه السلطات- إلى فندق من فنادق (هونج كونج)؛ ليقضي إجازةَ رأس السنة الصينية، وكان هذا الطبيب مصابًا بسعال جافٍّ وبعض الصداع؛ ربما نزلة برد.. لا ليست نزلة برد.
ففي الأيام التالية تدهورت صحة الرجل، ونُقل إلى المستشفى، وظهرت عليه أعراض التهاب رئوي حاد شديد أو اختصارًا (SARAS- سارس)، أو كرات حبات المسبحة، فقد كانت هناك عجوز كندية من أصل صيني من مدينة (تورنتو) في هذا الفندق، ويُجمع كل الباحثين على أن الرجل قد تقابل- بالمصادفة- مع المرأة، وأن وسيلة انتشار المرض كانت الرذاذ، وأحيانًا عبر الفضلات ونواتج الإخراج، كما حدث في المجمع السكني (آموى جلادنز) في هونج كونج.
والأكيد أن السيدة أصيبت بالمرض، وظهرت أعراضه عليها عند عودتها إلى كندا، حيث توفِّيت، ولكن بعد أن نقلت العدوى إلى أفراد أسرتها.
دخل ابنها (43عامًا) مستشفى خاصًا لينقل العدوى لمريضين كانا معه في نفس العنبر، واستهانت إدارة المستشفى أو تكتَّمت، ربما خوفًا على سمعتها فانتقل المرض لـ(تورنتو) كلها حتى وصل الأمر إلى أن تعلن منظمة الصحة العالمية أن (تورنتو) مدينة موبوءة ليشتكي عمدة المدينة من خراب البيوت!
الاستهتار والخفة في معالجة المرض بالإضافة لتشابه أعراضه- ارتفاع في درجة الحرارة، وسعال جاف، وضيق في التنفس- مع أعراض جميع الأمراض التنفسية، وعدم وجود اختبار دقيق لتحديد المرض... كل هذه العوامل أدَّت إلى تحول المرض إلى وباء عالمي، صحيح أن المتضرر الأكبر هو منطقة شرق آسيا، خاصةً (الصين)و(هونج كونج)و(فيتنام)و(الفلبين)و(سنغافورة) إلا أن (كندا) تُعاني أيضًا، وهناك حالات في جنوب إفريقيا وأوروبا والخليج.
هذه باختصار هي قصة النشأة والانتشار كما يرويها د. "أسامة القفاش"، ومن يومها- وفي ظل الهجمة الشرسة لمرض الالتهاب الرئوي اللانمطي (سارس)- أحدث هذا ضجةً عالميةً، وذُعرًا وهَلَعًا في البلاد التي ينتقل إليها؛ لأنه- تبعًا لتقديرات منظمة الصحة العالمية- تصل الوفيات إلى 15% من عدد المصابين، وعلى إثره أصدرت السلطات الصينية قرارًا بإلغاء إقامة شعائر صلاة الجمعة في جميع مساجد الصين؛ حمايةً لمسلميها من انتقال عدوى هذا المرض الخطير الذي ينتشر من خلال الاتصال المباشر في التجمُّعات.
وقد التزم الجميع بحسن السمع والطاعة مع هذا القرار، ولم يُسمع عن أحد قال إنه اضطهاد للمسلمين ونيل من شعائرهم؛ ذلك لأن صلاة الجمعة والجماعة شرطُها- شرعًا- أن يكون هناك أمنٌ في البلد، فإذا كانت الحكومة تعمل لمصلحة الناس- وليس مجرد استبداد منها- فعلى المسلمين أن يتركوا صلاة الجمعة والجماعة في المساجد مؤقتًا حتى يخف المرض، والعبرة في هذا هو مصلحة الناس، وليس لأن الحكومة دينية أو غير دينية.
![]() |
وأثيرت قضايا أخرى غير صلاة الجمع والجماعات أهمها قضية الحج والعمرة ومدى إمكانية تجميد مناسك الحج والعمرة مؤقتًا لحماية المسلمين من انتشار المرض.
وقد عُرِض هذا السؤال على مجموعة من العلماء فذهبوا إلى أن أهل الذكر في هذا الأمر هم الأطباء، فإذا قالوا إن المرضَ ممكن أن يكتشف، ففي هذه الحالة يقع الجهد على عاتق الحكومات عن طريق الحَجر الصحي، الذي يمنع المرضى من الاحتكاك بالأصحاء.
أما إذا قال الأطباء إن المرض لا يكتشف- وبهذا يختلط المريض بغيره فتنتشر العدوى- ففي هذه الحالة على أهالي البلاد الموبوءة بالمرض ألا يأتوا للعمرة أو الحج؛ حتى يتأكدوا من خلوهم من المرض، وعلى الهيئة المنظمة للعمرة في المملكة العربية السعودية أن تأخذ استعدادها وحذرها، وتكثِّف نشاطها الطبِّي حتى لا تحدث إصابات بهذا المرض بين المعتمرين والحُجاج؛ لأننا لا نستطيع أن نوقِف العمرة والحج؛ لأنهما من شعائر الإسلام، ولكن نمنع انتشار المرض بأخذ الاحتياطات الوقائية.
يقول فضيلة الدكتور "علي محيي الدين القرة داغي"- أستاذ الشريعة بقطر- : "لقد سبق الإسلام في وضع الحماية للإنسان- في مثل هذه الحالات المرضية- كل التنظيمات والشرائع الإنسانية، من خلال الحديث الصحيح الخاص بالطاعون، حيث قال الرسول- صلى الله عليه وسلم- : "إذا دخل الطاعون أرض قوم فلا تدخلوها، وإذا كنتم فيها فلا تخرجوا منها".
وهذا أيضًا طبَّقه سيدنا عمر- رضي الله عنه- حينما همَّ بالدخول في الشام، وكان فيه طاعون (عمواس) فاختلف الصحابة الكرام حول هذه المسالة، ولمَّا سمع عمر- رضي الله عنه- الحديث السابق من عبدالرحمن بن عوف رجَّح قول القائلين بعدم الدخول في تلك المنطقة التي كان فيها الطاعون، وحينما اعترض عليه المعارضون فقالوا: يا عمر، أتفر من قدر الله؟! قال: "نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله".
فعلى ضوء ذلك: يختلف الحكم حسب قوة العدوى، وإذا كانت المسألة يقينية في العدوى فلا يجوز للإنسان المسلم الدخول في ذلك المكان المعرَّض لانتقال العدوى إليه، وإذا كانت ظنية فالراجح عدم الدخول، وإذا كانت المسألة تقوم على الشك والوهم فلا قيمةَ لذلك.
وعلى ضوء ما سبق: فما دامت العمرة لم تكن عمرة فرض، فالأفضل عدم الذهاب- والحج كذلك- ما دام احتمال العدوى واردًا حسب الظن الراجح، أما إذا وصل إلى مرحلة اليقين فلا يجوز؛ لأنه يدخل في باب الإضرار بالنفس، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (البقرة: 195) وقال- صلى الله عليه وسلم- : "لا ضرر ولا ضرار"، إضافةً إلى الحديث السابق الذي نهى فيه الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن دخول أرض فيها طاعون.
ويقول د. "ماهر السوسي"- أستاذ الشريعة بفلسطين- : "بما أن العلم قد أثبت أن المرض مُعدٍ وقاتل، فالأصل أن يُمنع معتمرو البلاد وحُجَّاجُها المنتشر فيها هذا المرض من القدوم للأراضي المقدسة إلى أن يثبت بالدليل القاطع انتهاء المرض من ديارهم؛ خوفًا من انتقال المرض إلى كافة بلاد المسلمين، قياسًا على الحديث الذي أورده عبد الرحمن بن عوف، والذي يشير إلى وجوب عدم مغادرة المسلمين بلدهم إذا أُصيب بوباء الطاعون؛ خوفًا من نشره في بقية البلاد، وذلك من باب درء الضرر الأشد بالضرر الأخف، وحسب علمي فإن هذا المرض "لا نمطي"، ولا تجدي معه التطعيمات حتى الآن، وهذا ما ينبغي أن يقرره الأطباء لا نحن.
فإذا كان بالإمكان اتخاذ المملكة السعودية إجراءات تمنع انتشار عدواه فلا بأسَ بالسماح لكافة المعتمرين والحجَّاج، ولكن حتى الآن حسب معلوماتنا المتواضعة لا يوجد ضده تطعيم، وأنا أدعو اليوم اعتماد حديث: "فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأسَد" (رواه الشيخان عن أبي هريرة،) لا سيما أننا مأمورون بالأخذ بالأسباب".
ويقول أ. د. "عبد الستار فتح الله سعيد"- أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر- : "الأصل في الإسلام أنه إذا انتشر مرضٌ عام مثل (الطاعون) وغيره من الأمراض المُعدية، أن أهل البلد الذي أُصيب لا ينبغي أن يخرجوا منه، وكذلك الناس الذين هم خارج البلد لا يدخلون إليهم؛ حتى لا يزدادَ انتشار المرض، وفي ذلك يقول النبي- صلى الله عليه وسلم- ما معناه: "إذا سمعتم بالطاعون في بلدٍ- والطاعون رمز لأي وباء- فلا تدخلوا فيها ولا تخرجوا منها"، ويقول- صلى الله عليه وسلم- : "لا يرِدْن ممرض على مصح"، وهذا هو أصل (الحَجر الصحي) في العالم كله الذي قرره النبي- صلى الله عليه وسلم- من قديم.
وبهذا إذا كان المرض (سارس) الجديد يُعدي التجمعات- أي تجمعات.. سواء في الكعبة أو غيرها- فينبغي أن يوقف الدخول إلى هذه التجمُّعات؛ حتى لا يزداد انتشار المرض في هذه التجمعات، خاصةً حول الكعبة المشرفة.
ويقول د. "إسماعيل رضوان"- أستاذ الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية بغزة- : " إن واجب الأمة الإسلامية الصحيح أن تأخذ جانب الحذر والحيطة، وأن تأخذ بالأسباب، ثم تسلم الأمور إلى الله سبحانه وتعالى، وعلى السعودية أن تحتاط بإجراءات التطعيم؛ من أجل حفظ سلامة المعتمرين أو الحجاج الذين سيأتون بعد ذلك في كل زمان ومكان.
وإذا تعلَّق الأمر بتوزيع كمَّامات من أجل الحفاظ على صحة المسلمين الحجاج المعتمرين، واشترطه الأطباء المسلمون الأتقياء أهل التخصص، ويمكن للسعودية أو مَن يقوم برعاية بيت الله أن يأخذ بهذه الاحتياطيات، فقد استشار عمر- رضي الله عنه- الصحابة من المهاجرين والأنصار في مسألة طاعون (عمواس) فأشار عليه كلٌّ برأي، فمنهم مَن قال نترك البلد ونفرّ، ومنهم مَن قال لا نخرج من البلد، فإذا بعبد الرحمن بن عوف- رضي الله عنه- يأتي لهم بحديث بهذا الخصوص ينص بعدم الفرار من البلد إلى مكان آخر؛ خشية انتقال الطاعون إلى مكان آخر.
والسعودية القائمة على أمر الحجيج بإمكانها القيام بالإجراءات الكفيلة بالحفاظ على أرواح المسلمين بشتَّى بقاع العالم، ولكن أن نمنع الحج أو العمرة ونجمدها على الإطلاق فلا نستطيع أن نقول بذلك، لكن نستطيع أن نقول: واجب علينا أن نأخذ بالأسباب، والوقاية خير من العلاج شرعًا وعقلاً وواقعًا، وبالطبع فالموضوع لا يزال مفتوحًا للنقاش والأخذ والرد وتبادل الرأي؛ حتى تتبلور فيه رؤية أوضح وحكم مقرر.. والله تعالى أعلم".
س: ما حكم صيام يوم عرفة؟ وما فضله؟
جـ: يوم عرفة أفضل أيام العام، وهو من الأيام العشرة من ذي الحجة، وقد جاء عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "صِيامُ يومِ عَرَفَةَ، أَحتَسِبُ عَلَى الله أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتي قَبلَهُ والسَّنَةَ الَّتي بَعدَهُ" (أخرجه مسلم).
فهذا يوم فضله عظيم، وفضل الصيام فيه عظيم أيضًا، ومعلوم أن يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة.
فعلى المسلم أن ينوي صيام هذا اليوم على الأقل، إذا لم يستطع صيام الثمانية أيام قبله، فلكل منا ذنوبه، ولكل منا سيئاته وغفلاته وهفواته، وهذه فرص متاحة للتطهر؛ ليبيِّض الإنسان صفحته أمام الله- عز وجل- فليسارع المسلم إلى صيام يوم عرفة.
وهذا لغير الحاج.. فالحاج لا يُسَنُّ له صيام
يوم عرفة؛ ليكون قويًّا على الدعاء والذكر والتضرع.. والله أعلم.![]()
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله- صلى الله عليه وسلم، وبعد...
![]() |
الأضحية سنة مؤكدة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقد ضحى عليه الصلاة والسلام عن نفسه بكبشين أملحين أقرنين، عنه وعن آل بيته، قال: اللهم هذا عن محمد وآله، وضحى عمَّن لم يضحِ من أمته- صلى الله عليه وسلم-، ويقول الإمام "أبوحنيفة": إن الأضحية واجب، والواجب عنده فوق السنة ودون الفرض، فيرى أنها واجب على ذوي اليسار، والسعة، للحديث "من كان عنده سعة ولم يضحِ فلا يقربن مصلانا" فأخذ مَن هذا أنها واجبة، فإن لم يثبت وجوبها فهي سنة مؤكدة، وفيها فضل عظيم.
آداب مَن أراد الأضحية
إذا أراد أحدٌ أن يضحي ودخل شهر ذي الحجة فإنه لا يجوز أن يأخذ شيئًا من شعره أو أظفاره أو جلده حتى يذبح أضحيته؛ لحديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي, فليمسك عن شعره وأظفاره" (أخرجه أحمد ومسلم), وفي لفظ: "فلا يمسَّ من شعره ولا بشره شيئًا حتى يضحي"، وإذا نوى الأضحية أثناء العشر أمسك عن ذلك من حين نيته, ولا إثم عليه فيما أخذه قبل النية.
ويجوز لأهل المضحي أن يأخذوا في أيام العشر من شعورهم وأظفارهم وأبشارهم.
وإذا أخذ من يريد الأضحية شيئًا من شعره أو ظفره أو بشرته فعليه أن يتوب إلى الله تعالى ولا يعود ولا كفارة عليه, ولا يمنعه ذلك عن الأضحية, وإذا أخذ شيئًا من ذلك ناسيًا أو جاهلاً أو سقط الشعر بلا قصد فلا إثم عليه، وإن احتاج إلى أخذه ولا شيء عليه مثل: أن ينكسر ظفره فيؤذيه فيقصه, أو ينزل الشعر في عينه فيزيله, أو يحتاج إلى قصِّه لمداواة جرح ونحوه.
وقت الأضحية:
ووقتها يبدأ من بعد صلاة العيد- أسبق صلاة عيد في البلد- بعدها تشرع الأضحية، وقبل ذلك لا تكون أضحية، وقد أمر النبي- صلى الله عليه وسلم- من ذبح قبل صلاة العيد أن يعتبر شاته شاة لحم، ليست شاة نسك، وليست شاة عبادة قربة.. حتى لو تصدق بها كلها، فإنه يكتب له ثواب الصدقة ولا يكتب له ثواب الأضحية، لأن التضحية عبادة، والعبادات إذا حدَّ الشارعُ لها حدًا، ووقَّت لها ميقاتًا، لا ينبغي أن نتجاوزه أو نتقدم عليه، كالصلاة، هل يجوز أن تُصلي الظهر قبل وقتها؟ لا يجوز.. كذلك الأضحية لها وقت معين.
هناك بعض الناس في بعض البلاد يذبحون في ليلة العيد، وهذا خطأ وتضييع للسنة وتضييع لثواب الأضحية، وإذا عرف عليه أن يعيد الأضحية، خاصةً إذا كان عليه نذر فيجب عليه وجوبًا أن يعيد.. فيبدأ من بعد صلاة العيد، ويجوز أن يذبح في يوم العيد نفسه، وفي ثاني يوم وفي ثالث يوم العيد، بل هناك قول بالجواز في رابع أيام العيد- آخر أيام التشريق- والأولى أن يذبح إلى الزوال، فإذا جاء وقت الظهر ولم يذبح، يؤخر لليوم الثاني، وبعض الأئمة يقولون: حتى بعد ذلك يصح الذبح ليلاً ونهارًا؛ ولهذا أرى أنه ليس من الضروري أن يذبح الناس كلهم في أول يوم العيد، حيث يكون هناك زحمة على الذبح، فيمكن أن يؤخر بعض الناس الذبح إلى اليوم الثاني أو الثالث، فيكون بعض الناس بحاجة إلى اللحم، فيستطيع أن يوزع في اليوم الثاني أو الثالث على أناس لعلهم يكونون أحوج إلى اللحم من أول أيام العيد.. هذا هو وقت الأضحية.
ما يجزئ في الأضحية:
وما يجزئ في الأضحية هو: الإبل والبقر والغنم.. لأنها هي الأنعام.. فيصح أن يذبح أيًا من هذه الأصناف، والشاة عن الواحد.. والمقصود بالواحد: الرجل وأهل بيته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: هذا عن محمد وآله.
وقال أبو أيوب: كنا في عهد النبي- صلى الله عليه وسلم- يذبح الرجل عن نفسه وأهله شاة واحدة، حتى تباهى القوم فصاروا إلى ما ترى، فهذه هي السنة.
وبالنسبة للبقر والإبل، فيكفي سُبع البقرة أو سُبع الناقة عن الواحد، فيستطيع أن يشترك سبعة أشخاص في البقرة، أو في الناقة، بشرط ألا تقل البقرة عن سنتين والناقة عن خمس سنوات، والماعز عن سنة، والضأن عن ستة أشهر، والضأن الجذع أباح النبي- عليه الصلاة والسلام- ذبحه ولو كان عمره ستة أشهر، واشترط أبو حنيفة أن يكون سمينًا، وإلا أتمَّ السنة، هذا ما يجزئ في الأضحية، وكلما كانت أسمن وأحسن كان ذلك أفضل؛ لأنها هدية إلى الله عز وجل.. فينبغي على المسلم أن يقدم إلى الله أفضل شيء، أما أن يجعل لله ما يكره.. فلا، ولهذا لا يجوز أن يضحي بشاة عجفاء هزيلة شديدة الهزال، أو عوراء بين عورها، أو عرجاء بين عرجها، أو ذهب أكثر قرنها، أو كانت أذنها مشوهة، أو ذات عاهة أيًا كانت هذه العاهة.. لا! إنما ينبغي على المسلم أن يقدم الشيء النظيف لأنه- كما قلت- هدية إلى الله سبحانه وتعالى..
فليتخير العبد ما يهديه إلى ربه.. وذلك من الذوق السليم، والله سبحانه لن يناله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم.
هل يتصدق بثمن الأضحية أم يذبحها؟.
أما أيهما أولى: الصدقة بثمن الأضحية أم الذبح؟
أما بالنسبة للحي، فإن الذبح أولى، لأن الذبح شعيرة وقربة إلى الله عز وجل ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (الكوثر: 2) فنحن ننحر اقتداءً بسنة أبينا إبراهيم، وتذكيرًا بذلك الحدث الجليل، حدث التضحية، إبراهيم حين جاءه الوحي في الرؤيا، بأن يذبح ولده إسماعيل واستجاب لهذا الوحي، وذهب إلى ابنه وفلذة كبده، إسماعيل بكره الوحيد الذي جاءه على الكبر، وعلى شوق وفي غربة، فبعد هذا كله، وبعد أن رزقه الله، وبشره بغلام حليم، وبلغ معه السعي، وأصبح يُرجى منه، جاءه الوحي عن طريق الرؤيا الصادقة ليذبحه إنه امتحان.. وامتحان عسير.. على أب في مثل هذه السن، وفي مثل هذه الحال، وفي ولد ذكر نجيب حليم، وبعد أن بلغ معه السعي، في سن أصبح يرجى منه، كل هذا ويأتيه الأمر الإلهي: اذبحه! يريد الله أن يختبر قلب خليله إبراهيم؟ أما زال خالصًا لله عز وجل؟ أم أصبح متعلقًا مشغولاً بهذا الولد؟ هذا هو البلاء المبين، والامتحان الدقيق العسير، ولكن إبراهيم نجح في الامتحان، ذهب إلى ابنه، ولم يرد أن يأخذه على غرة، ولا على غفلة، ولكن بصره بالأمر وقال له: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصافات: 102)، ولم يكن في روعة موقف الوالد إلا موقف الولد فإنه لم يتمرد، ولم يتردد، بل قال في ثقة المؤمن وإيمان الواثق ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ نفذ ما لديك من أوامر ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: 102) كلام يشيع منه الإيمان والقوة والتواضع والتوكل على الله، لم يجعلها بطولة أو ادعاءً للشجاعة، بل علق ذلك على المشيئة (ستجدني- إن شاء الله- من الصابرين) رد الأمر إلى الله، ووكله إليه سبحانه وتعالى، فهو الذي يهب الإنسان اليقين، يمنحه الصبر، ويهبه قوة الأعصاب، ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ (الصافات: 103) أسلم الوالد ولده، وأسلم الولد عنقه، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صرعه إلى جبينه، وأراد أن ينفذ ما أمر به، جاءته البشرى ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ* وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (الصافات: 104- 107) جاءه جبريل بالكبش وقال له: اذبح هذا بدلاً عن ابنك. فأصبحت سنة في هذا اليوم، نضحي تذكيرًا بهذا الحدث.
الأمم دائمًا تحاول أن تخلد أحداثها، وتجسد ذكرياتها العظيمة وتحتفل بأيام مجدها.. يوم الاستقلال يوم الجلاء.. يوم النصر... إلخ، فكذلك هذا اليوم من أيام الله، من أيام الإنسانية، من أيام الإيمان هذا يوم بطولة خالدة، خلده الله بشعيرة الأضحية.. فالمسلم يُضحي بهذا اليوم، وذلك سنة وهو أفضل من التصدق بثمنها، لأنه لو تصدق كل الناس بثمن أضاحيهم، فمعنى ذلك أن هذه الشعيرة تموت، والإسلام يريد أن يحيها، فلاشك أن الذبحَ أفضل، ولكنَّ هذا في حق الحي.. وهو مَن يضحي عن نفسه وعن أولاده.
ولكن إذا كان للإنسان ميت، ويريد أن يهدي إليه في قبره ثوابًا، فماذا يصنع؟ هل يذبح؟ أم يتصدق بالثمن؟
القول الذي أرجحه وأرتاح إليه، أنه في البلد
الذي تكثر فيه الذبائح ويكون الناس في غني عن اللحم، يكون في هذه الحالة التصدق
بثمن الأضحية عن الميت أفضل.. لأن الناس كلهم عندهم لحوم، وكلهم مستغنون يوم العيد
وفي اليومين التاليين له، ولكن لعل أكثرهم بحاجة إلى دراهم يشتري بها ثوبًا لابنته،
أو لعبة لابنه، أو حلوى لأطفاله أو غير ذلك، فهم في حاجة إلى مَن يوسع عليهم في هذه
الأيام المباركة أيام العيد وأيام التشريق، فلهذا تكون الصدقة عن الميت أفضل من
الضحية في مثل هذه البلاد.
أما في البلاد التي يقل فيها اللحم، ويكون الناس في حاجة إلى اللحوم، ففي هذه
الحالة، إذا ضحى الإنسان عن الميت ووزع لحم الأضحية عن ميته يكون أفضل.. هذا هو
الذي أختاره في هذه الناحية.
ثم هناك أمر آخر، وهو أن الميت تشرع الصدقة عنه
بإجماع المسلمين، لم يخالف فيها أحد.. فهنا أمران لم يخالف فيهما مذهب: الصدقة عن
الميت، والدعاء والاستغفار له، أما ما بعد ذلك مثل: أن تقرأ عنه القرآن، أو تذبح
عنه، أو غير ذلك، وكل هذه الأمور فيها خلاف.. ولذا فالمتفق عليه خير من المختلف
فيه.
ولهذا أقول بالنسبة للحي، الأفضل أن يذبح عن نفسه وأهله، وبالنسبة للميت، إذا كان
البلد في حاجة إلى اللحم يذبح عن الميت ويضحي عنه، وإذا كان البلد في غير حاجة إلى
اللحم، فالأولى أن يتصدق بالثمن.
توزيع الأضحية:
وطبعًا، من حيث توزيع الأضحية، معلوم أن الأولى توزيعها أثلاثًا، ثلث يأكله الإنسان، هو وأهل بيته ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وثلث لجيرانه من حوله، خاصةً إذا كانوا من أهل الإعسار أو ليسوا من أهل السعة، وثلث للفقراء.. ولو فرض أنه تصدق بها كلها، لكان أفضل وأولى، على شرط أن يأخذ منها قليلاً للسنة والتبرك، كأن يأكل من الكبد أو من سواها، ليصدق عليه أنه أكل منها، كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم-، وكما كان يفعل أصحابه.
---------------