- خطبة الوداع أول إعلان عالمي لحقوق الإنسان
- الحج وسلم الأولويات في الواجبات الإسلامية
خطبة الوداع أول إعلان عالمي لحقوق الإنسان
- حرمة نفس الإنسان وماله
- ولكم في القصاص حياة
- إعلان حقوق المرأة
- القضاء على أشكال التمييز
إعداد: أمل محمد
![]() |
﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نعمتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِينًا﴾ (المائدة: 3)
نزلت هذه الآية الكريمة في حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة، في نفس اليوم الذي خطب فيه عليه الصلاة والسلام خطبةً جامعةً في موقف عرفة، أرسى فيها قواعد الإسلام وهدم مبادئ الجاهلية، وعظَّم حرمات المسلمين.. خطب الناس وودَّعهم بعد أن استقرَّ التشريع وكمل الدين وتمت النعمة ورضي الله هذا الإسلام دينًا للإنسانية كلها.
لقد كانت خطبةُ الوداع لقاءً رائعًا بين أمة ورسولها؛ كان لقاءَ توصية ووداع.. توصية رسول لأمته، لخَّص لهم فيه أحكام دينهم ومقاصده الأساسية في كلمة جامعة مانعة، خاطب بها صحابته والأجيال من بعدهم، بل خاطب البشرية عامةً، بعد أن أدَّى الأمانة وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة في أمر دينها ودنياها.. فلقد أرسى فيها مبادئ الرحمة والإنسانية، وأرسى دعائم السِّلم والسلام، وأقام أواصر المحبة والأخوَّة.
وإذا كان البعض يتغنَّى بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاشر من شهر ديسمبر 1948- باعتباره أول إعلان يَصدر عن هيئة عالمية يشتمل على بنود لإقرار حقوق الإنسان- فإن هذا يُعد من قبيل المغالطة، فالمتأمل في خطبة الوداع التي ألقاها رسول البشرية منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا يجدها بمثابة الإعلان العالمي الأول لحقوق الإنسان الذي تحدد في عدة بنود، منها:
1- حرمة سفك الدماء: فالمبدأ الأول الذي أرساه الرسول الكريم في خطبته هو حرمة سفك الدماء بغير حق، وفي هذا يقول عليه الصلاة والسلام: "أيها الناس.. إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" فقد نادى هذا النبي العظيم بحقوق الإنسان، وأنه لا بد أن يكون محترمًا، له مكانته بين الناس.
وقد روي عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه نظر إلى الكعبة وقال: "ما أعظمك!! وما أشد حرمتك!! والذي نفسي بيده، لَلمؤمن أشدُّ حرمةً عند الله منك" فأين أمة الإسلام اليوم من تطبيق هذا المبدأ، وقد أخذ بعضُها برقاب بعض، وتسلَّط القوي فيها على الضعيف.
2- حرمة مال الإنسان: فكما حرَّم سفك الدماء فقد حرَّم سلب المال بغير وجه حق فقال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لامرئ مالُ أخيه إلا عن طِيب نفس منه"؛ لذا حضَّ على أداء الأمانات إلى أهلها، فقد قال "فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها" كما أنه حرم استغلال الإنسان لحاجة وفقر أخيه فقال "وإن كل ربا موضوع"؛ حيث كان الربا من موبقات الجاهلية المتأصلة التي يستغل فيها الأغنياءُ حاجةَ الفقراء، كما أنه حرم حرمان الوارث من نصيبه فقال "أيها الناس إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث" وحفظًا لحقوق الوارثين منعَ الوصية بأكثر من الثلث أو لمستحق للميراث "ولا تجوز لوارث وصية ولا تجوز وصيةٌ في أكثر من الثلث".
3- لا محاباة ولا تفضيل: فقد كان رسول الله صريحًا في عباراته التي تقطع على المتشككين فكرَهم حين يعتقد البعض أن الرسول الكريم يستثني أقاربَه من التكليفات الإلهية، بل إنه بلغ قمة النقاء والعدل حين بدأ بأقاربه وذوي رحمه فقال "إن ربا الجاهلية موضوع وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن كل دم في الجاهلية موضوع، وإن أول دم أبدأ أضع دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب".
4- ولكم في القصاص حياة: فقد عالجت الخطبة قضيةً خطيرةً، ألا وهي حفظ النفوس، وصيانة الدماء من خلال حكم القصاص في النفس والجراحات، والذي كان من حِكَمه التشريعية زجر المجرمين عن العدوان.
وقد عجزت الأمم المعاصرة- بتقدمها وتقنية وسائلها- أن توقف سيل الجرائم وإزهاق النفوس، بل إننا نرى قرى بأكملها في صعيد مصر تتفشَّى فيها عادةٌ مذمومة وهي الأخذ بالثأر، ولكن الرسول قد حسم الأمر بالقصاص العادل وفق الآية الكريمة: ﴿وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ يا أولي الألباب﴾ (البقرة: 179).. إن في القصاص حياةً حين يكفُّ من يَهمُّ بالجريمة عن الإجرام، وفي القصاص حياةً حين تُشفَى صدور أولياء القتيل مِن الثأر الذي لم يكن يقف عند حدٍّ لا في القديم ولا في الحديث.. ثأرٌ مثيرٌ للأحقاد العائلية والعصبيات القبلية يتوارثه الأجيال جيلاً بعد جيلٍ لا تكفُّ معه الدماء عن المَسيل.
ويأتي حسمٌ عمليٌّ، ومباشرة تطبيقية من النبي في هذا الموقف العظيم، وفي إلغاء حكم جاهلي في مسألة الثأر كما رأينا أنه بدأ بوضع دم ابن ربيعة بن الحارث، كما أنه فرَّق في الخطبة بين القتل العمد والقتل الخطأ ووضَّح لكل منهما حكمه فقال "والعمد قوَد، وشبه العمد ما قُتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير فمن زاد فهو من أهل الجاهلية".
وحذر من الانقياد وراء الشيطان الذي يريد إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين فقال "ألا إن الشيطان قد يئس أن يَعبده المصلون، ولكن في التحريش بينهم"؛ لذا حذَّر من الانقياد وراء الفتن فقال "فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض".
5- إعلان حقوق المرأة: فقد أعلن فيها حقوق المرأة، وأنها إنسانةٌ لها شأنها في المجتمع، فهي تمثل نصف الأمة، ثم هي تلد النصف الآخر، فهي أمة كاملة.
ففي خطبته- صلى الله عليه وسلم- كانت وصيتُه بالنساء خيرًا "واستوصوا بالنساء خيرًا" ما أروعها من وصية!! وما أحرى بالإنسانية اليوم أن تلتزم بها وتهتدي بهديها!! بعد أن أذاقت المرأة أشد العذاب- تحت شعار حرية المرأة- ودفعت بها إلى مهاوي الذل والرذيلة، وجرَّدتها من كل معاني الكرامة والشرف تحت شعاراتٍ مزيَّفة، لا تمتُّ إلى الحقيقة بصلة، فلقد جهل أصحاب تلك الشعارات- بل تجاهلوا- الفرقَ بين كرامة المرأة وحقوقها الطبيعية التي كفلها لها شرع الله، وما نادوا به من شعاراتٍ تطالب بحرية المرأة.
فهي كإنسانة لا تفترق عن الرجل وفي الحقوق أيضًا "أيها الناس.. إن لكم على نسائكم حقًّا، ولهن عليكم حقًّا، لكم عليهن ألا يُوطِئن فُرُشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة" ثم كان الأمر بالترفق بهن والقضاء على كل أشكال العنف والقهر التي كانت تمارَس ضد المرأة "فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربًا غير مبرِّح"، فإن إصلاح عوج المرأة راجعٌ إلى زوجها ليمنع العوج والنشوز، وليعيد الاستقرار إلى جوانب البيت في معالجة داخلية.
ثم حدد حقوق الزوجة على زوجها في وجوب الإنفاق عليها وكسوتها، مع معاملتها بالمعروف "فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عندكم عوانٍ لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله".
والمتأمل في مواريث العرب والجاهلية قبل الإسلام يجد أنها احتقرت المرأة، بل لعلها رأت أنها شرٌ لا بد منه، وإذا كانت مواريث الجاهلية قد جعلت المرأةَ في خلفية الصورة ونظرت إليها على أنها شؤم وعار فإن مسلك التقدم المعاصر قد جعلها مصيَدَةً لكل الآثام، ولكنَّ هدْيَ النبي الكريم أعطَى كلَّ ذي حقٍّ حقه، وحفظ لكلٍّ نصيبَه، كما أنه حمى حق المرأة والطفل والأسرة كلها بتقريره قاعدة "الولد للفراش"؛ ليحافظ على الأسرة الطاهرة النقية المتماسكة.
6- القضاء على أشكال التمييز: فقد أعلن الرسول الكريم أن الناس متساوون في التكاليف، حقوقًا وواجباتٍ، لا فرق بين عربيٍ ولا عجمي إلا بالتقوى، لا تفاضل في نسب، ولا تمايز في لون، فالنزاعات العنصرية والنعرات الوطنية لا يَعتد بها الإسلام، فالكل سواسيةٌ أمام الله، ففي الإسلام لا فرق بين أبيض ولا أسود ولا أحمر، ولا يوجد نسب ولا مال ولا جاه، الكل سواءٌ أمام الله "أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى".
وهو بهذا الإعلان قد سبق بنود إعلان الأمم المتحدة التي منها:
- يولد جميع الناس أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق.
- لكل إنسان حقُّ التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين.
فما الذي أضافه هذا الإعلان سوى أنه حِبرٌ على ورق، وأن الدول التي أقرت هذا الإعلان هي أكثر الدول انتهاكًا لأبسط حقوق الإنسان!!
أما الرسول الكريم فهو الذي أعلن حقوق الإنسان واحترمها وطبَّقها حتى على ذوي رحمه،
وبالفعل كانت خطبة الوداع أول إعلان وأول ميثاق عالمي لحقوق الإنسان.![]()
------------------------------------------
قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم:
الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أوصيكم عباد الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذى هو خير.. أما بعد:
يا أيها الناس: اسمعوا منى أبين لكم، فإنى لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا، في موقفي هذا.
أيها الناس:
إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا.
ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!
فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى الذي ائتمنه عليها، وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا بدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب، وإن دماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم نبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وإن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية، والعمد قود، وشبه العمد: ما قتل بالعصا والحجر، وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.
أيها الناس:
إن الشيطان قد يئس إن يُعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم.
أيها الناس:
"إن النسيء زيادة في
الكفر، يضل به الذين كفروا؛ يحلونه عامًا، ويحرمونه عامًا؛ ليواطئوا عدة ما حرم
الله، فيحلوا ما حرم الله، إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات
والأرض، إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات
والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات، ورجب الذي بين جمادى وشعبان.
ألا هل بلغت؟ الله اشهد!
أيها
الناس:
إن لنسائكم عليكم حقًّا،
ولكم عليهن حق؛ لكم عليهن ألا يُوطِئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدًا تكرهونه بيوتكم
إلا بإذنكم، ولا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تعضلوهن
وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن
وكسوتهن بالمعروف؛ وإنما النساء عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئًا، أخذتموهن
بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن
خيرًا.
ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!
أيها الناس:
إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرئ مسلم مال أخيه إلا عن طيب نفس منه.
ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!
فلا ترجعن بعدي كفارًا؛ يضرب بعضكم رقاب بعض، فإنى قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا بعده: كتاب الله. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!
أيها الناس:
إن ربكم واحد، وإن أباكم
واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير، وليس
لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد!
قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد الغائب.
أيها الناس:
إن الله قسم لكل وارث
نصيبه من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث. والولد
للفراش (أي لصاحب الفراش وهو الزوج)، وللعاهر الحجر (أي للعاهر الخيبة والحرمان،
وقيل الرجم)، من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة
والناس أجمعين، لا يقبل منه صرف ولا عدل.![]()
----------------------------------------
لفضيلة الشيخ/ عائض القرني
ملخص الخطبة:
• الحجاج يلبون دعوة إبراهيم عليه السلام.
• معانٍ يفهمها المسلم من عبادة الحج:
أ- تذكرة الموت. ب- المساواة. ج- حقوق المرأة. د- حقوق الإنسان. هـ- رفض العبودية لغير الله.
• عجائب في حجة الوداع وطرائف.
الخطبة الأولى
يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ* لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج: 27).
هذا هو النداء العلوي من الله الواحد الأحد إلى الأمة الإسلامية؛ لتؤدي هذا النسك العظيم، والركن الجليل من أركان الإسلام.
قام إمام التوحيد إبراهيم- عليه السلام- ببناء البيت، يحمل الحجر على كتفه مع ابنه إسماعيل- عليه السلام- وهما يهتفان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (البقرة: 127) ، وأكمل البناء، وصعدت الكعبة في السماء، ووضع الحق.
قال إبراهيم لربه: يا رب، ماذا أفعل الآن؟ قال: اصعد على جبل أبي قبيس، أعظم جبال مكة، فصعد إبراهيم، وقال: يا رب، ماذا أقول: قال: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ﴾ (الحج: 27).
|
|
قال إبراهيم: يا عباد الله، يا قوم، حجوا البيت، فأسمع الله دعوته نطفًا في الأرحام، أسمع دعوته الأحياء والكائنات والذرات، فأقبل الموحدون يقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة، لك والملك، لا شريك لك.
البشرية تلبي، الأرض تلبي، السماء تلبي، الدنيا كلها تلبي، ويشهد لسان الحال أن النصر لهذا الدين، وأن العاقبة للمتقين.
ومما يثلج صدور أهل الإسلام أن يخرج من موسكو عاصمة الإلحاد ودولة الكفر والبغي والحديد والنار، يخرج منها آلاف الموحدين يلبون كما يلبي الناس: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمدَ، والنعمةَ، لك والملك، لا شريك لك.
أيها الإخوة في الله:
إن للحج معانٍ ومقاصدَ ودلالات ينبغي أن نتعرف عليها، وأن نعيها، فكل العبادات الإسلامية- أو غالبها- يطلب من المسلم أن يتجمل لها، وأن يتزين لها، فأفضل الحجاج، الشعث الغبر، وأجمل الحجاج الحفاة، وأعظم الحجاج الجائعون الظمأى.
وفي إحرام العبد في ردائين أبيضين، تذكيرٌ له بإدراجه في كفنه، فهذا سفر إلى عرفات، وذاك سفر إلى الموقف العظيم، فإذا لبست الإحرام، ذكرك بالكفن، وذكرك بيوم الحشر، وذكرك أنك لم تخرج من الدنيا إلا بهذا الكفن الأبيض.
خذ القناعـة من دنياك وارض بها لـو لم يكـن لك إلا راحـة البدن
وانظـر لمن ملك الدنيـا بأجمعها هل سار منها بغير الطيب والكفن؟!
وفي الإحرام قضايا أخرى، منها: المساواة، وهذه من القضايا التي يحرص الإسلام على تقريرها دائمًا، فلا يلبس الملوك إلا لباس الإحرام، ولا يرتدي الرؤساء ولا الأغنياء إلا لباس الإحرام، الناس كلهم يشتركون في هذا؛ فلا تيجان، ولا أكاليل، ولا نياشين، ولا أساور، كل الناس محشورون في صعيد واحد، ليبقى العز والملك والسلطان والجبروت لله تعالى وحده ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص: 88)، ﴿لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (غافر: 16) ، فالكل ذليل، والكل مسكين لكبرياء الله وعظمته.
أما الوقوف بعرفة، فهو مؤتمرنا العالمي، وهو سر خلودنا في الأرض، الذي نفاخر به أهل الأرض جميعًا، إنهم يجتمعون في مؤتمراتهم بدعوات ومراسيم، وأطروحات وقوانين، أما أهل الإسلام، في يوم عرفة، فيفترشون الأرض، في الشمس المحرقة، التي تلهب الأجساد.
فالله أكبر، الله أكبر.. ما أعظم هذا اليوم!
والله أكبر، الله أكبر.. ما أروع هذا اليوم!
ثم يفيض الله- تبارك وتعالى- من رحماته على أهل الموقف، فيتجلى للناس في يوم عرفة، ينزل سبحانه إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله، يجمع ملائكته فيقول: "يا ملائكتي، انظروا لعبادي، آتوني شعثًا غبرًا، ضاحين، أشهدكم أني قد غفرت لهم" (أخرجه البخاري).. شعثًا، غبرًا، ضاحين، تلبدت شعورهم من الشمس؛ لا دهن، لا طيب، لا ظل، كل ذلك ليرضى الله عنهم.
إن كان سرّكم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
تركوا القصور والبساتين والراحة، وجلسوا على التراب تحت حرارة الشمس.
فاشهد أيها العالم، واسمعي أيتها الدنيا، هذا يوم عرفة؛ حيث وقف نبينا وقائدنا وزعيمنا، وقف في ردائين باكيًا، أشعث، أغبر، يخاطب الدنيا كلها، ويكلم الناس جميعًا، إنه وقف هناك، ولكننا نذكره هنا، وسوف نذكره في كل مكان، وسوف نذوب في حبه، وفي فدائيته، وفي دعوته.
إن محمدًا هو تاريخ هذه الأمة وعمقها وعزها، لقد وقف هذا الرسول الكريم في عرفات، وأرسى قضايا ثلاث:
القضية الأولى: القضاء على التمييز العنصري، لقد ألغى "محمد"- صلى الله عليه وسلم- كل ألوان التمييز العنصري، وداس عليه بقدميه، وذلك قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان، في حين أن دولة من الدول في عصرنا الحاضر، تتبجح بأنها أعظم دولة في العالم، لا زالت تفرق بين مواطنيها بحسب ألوانهم!!
أما في الإسلام فلا أبيض،
ولا أسود، ولا أحمر؛ لا نسب، لا مال، لا جاه: ﴿إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).
وقف النبي ينادي: يا أبا بكر، يا قرشي، يا سيد، أنت وبلال الحبشي أخوان، لا فرق
بينكما عند الله إلا بالتقوى، وقف هناك يقول: يا عمر، يا أبا حفص، يا فاروق
الإسلام، أنت وصهيب الرومي أخوان، وقف هناك يقول: يا علي أنت وسلمان الفارسي أخوان.
إنْ كِيْدَ مُطَّرَفُ الإخـاء فإننا نغدو ونسري في إخاءٍ تالد
أو يتفرق ماء الغمـام فماؤنا عذبٌ تحدّر من غمام واحد
أو يختلف نسـب يؤلف بيننا ديـن أقمناه مقـام الوالـد
أما القضية الثانية: فقد أعلن فيها حقوق المرأة، وأنها إنسانة لها شأنها في المجتمع، فهي تمثل نصف الأمة، ثم هي تلد النصف الآخر، فهي أمة كاملة.
أما الذين يدعون إلى ما يسمى بحرية المرأة، فأولئك هم أعداء المرأة، وقتلة المرأة، لا يريدون إلا أن تكون المرأة جسدًا مشاعًا، يفترسه ذئاب الأرض وكلابها.
أما القضية الثالثة: تلك التي قررها رسول الله في هذا الموقف العظيم، فهي قضية الإنسان، قضية حقوق الإنسان، فقد نادى هذا النبي العظيم بحقوق الإنسان، وأنه لابد أن يكون محترمًا، له مكانته بين الناس، لا أن يعامل كما يعامل الحيوان.
وإذا كان هذا الإنسان مسلمًا، وإذا كان هذا الإنسان مؤمنًا، ازدادت حرمته، وتأكدت حقوقه، "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا" (أخرجه مسلم).
ينظر إلى الكعبة ويقول: "ما أعظمك، وما أشد حرمتك، والذي نفسي بيده، للمؤمن أشد حرمة عند الله منك" (أخرجه أحمد).
أيها الناس:
من الذي نادى بحقوق الإنسان؟
من الذي طبق حقوق الإنسان على واقع الحياة؟
هل جاءت المنظمات العالمية بحقوق الإنسان؟
هل طبقت هذه المنظمات العالمية مبادئ حقوق الإنسان؟
لا والله، فهؤلاء هم الذين ذبحوا الإنسان، قتلوا الإنسان، سجنوا الإنسان!
أما "محمد" فقد أعلن حقوق الإنسان، واحترم الإنسان، وأعلن أن الله مع الإنسان ما دام هذا الإنسان عابدًا لله – عز وجل.
نزل النبي، ثم أتى إلى الجبل، فوقف من بعد صلاة الظهر إلى صلاة المغرب باكيًا، مستغفرًا، متواضعًا لله تبارك وتعالى.
وقف هناك، والبشرية كلها تنظر إليه، وتسمع كلامه؛ لأن البشرية تعلم أنه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: 3- 4).
وقضايا عرفات- أيها الإخوة- طويلة، طويلة، ومعاني حجة النبي كثيرة، لكنا نبحث في هذا المقام عن المعاني الخفية لبعض هذه القضايا.
يذهب عليه الصلاة والسلام ليرمي الجمار، وفي ذلك كثير من المعاني، منها:
أولاً: أنك بهذه الحصيات تعلن انتصارك على الشيطان، وتعلن أنك عبد الله، تنفذ أوامره، حتى وإن جهلت حكمة هذا الأمر، وتعلن كذلك أن المعركة باقية بين الحق والباطل.
إن الذين يرمون الجمرات يعلنون صدقهم، وإخلاصهم، وعبوديتهم لله- تبارك وتعالى.
![]() |
أما عبيد الأغنية، والكأس، والسهرات الحمراء، فلا يعرفون رمي الجمرات، ولا يعرفون الوقوف بعرفات، ولا يعرفون الطواف بالبيت العتيق.
ثانيًا: وفي رمي الجمرات أيضًا انتصار الإنسان على الهوى، والتخلص من عبودية غير الله تبارك وتعالى.
وصل النبي إلى البيت ليطوف حوله، واستلم الحجر، وأتته ذكريات عند استلام الحجر، فانهارت دموعه كالمطر، فالتفت إليه "عمر"، وقال: ما هذا يا رسول الله؟ قال: "هنا تسكب العبرات يا عمر".
تذكرت والذكرى تهيج على الفتى ومن عادة المحزون أن يتذكرا
فصلوات الله وسلامه عليك يا رسول الله، ما أطهرك! ما أعظمك!
نسينا في ودادك كل غال ٍ فأنت اليوم أغلى ما لدينا
نُلام على محبّتكم ويكفي لنا شرفٌ نلام وما علينا
ولمـا نلقكم لكن شـوقًا يذكـرنا فكيف إذا التقينا
تسلّى الناس بالدنيا وإنـا لعمر الله بعدك مـا سلينا
عباد الله:
"من ذهب يحج، فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه" (أخرجه مسلم) ، تمامًا كيوم ولدته أمه، مبرءًا من الذنوب والمعاصي والخطايا.
كانت قريش تقف في مزدلفة، والناس يقفون في عرفات، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 199) ، اصعدوا مع الناس، وقفوا مع الناس، لا تمييز، ولا تفرّق؛ وإنما وحدة واجتماع.
إن يوم عرفة هو يوم تحطيم الطاغوت وإظهار لقول: لا إله إلا الله.
أيها المسلمون، إخوة الإسلام:
إن الحج ليس فرصة للمظاهرات، ولا للشغب، ولا لزعزعة الأمن، وإن من يفعل هذا مجرم، يريد بالبلاد والعباد سوءًا، الحج هدوء وسكينة، ودموع وخشوع، الحج توجه إلى الله الحي القيوم، الحج أن نصل القلوب بالله– عز وجل – وأن نعلن وحدتنا وتضامننا وتآخينا.
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 63).
هذه بعض معاني الحج، ولكن من ذهب إلى هناك، فسوف يعيشها حيّة في الليل والنهار.
تقبل الله من الحجيج حجهم، وسمع دعاءهم، وشكر سعيهم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه والتابعين.
أما بعد:
هناك للعلماء نكات وتعليقات وعجائب في حجة النبي، أحببت أن أذكر بعضًا منها في هذه الخطبة.
فمن عجائب حجته عليه الصلاة والسلام، أنه خطب في أكثر من مائة ألف حاج، غير النساء والأطفال، ومع أنه لم يكن عنده مكبر للصوت، ولم يكن يتكلم في (ميكروفون)، إلا أن الله- تبارك وتعالى- أسمعهم جميعًا وهم في أماكنهم، نقل لهم الصوت حيًّا على الهواء، كأنه بجانبهم يتحدث إليهم ويخاطبهم.
ومن الطرائف في حجة النبي أنه لما أتى لينحر الإبل، وقد ساق معه مائة ناقة؛ ليفدي بها جده "إسماعيل"- عليه السلام- فأخذ الحربة لينحرها؛ وهو الرجل الذي يعرف المواقف كلها؛ في الحرب تجده في مقدمة الصفوف، وفي السلم من أعظم المسالمين، وعند الصلاة خاشع قانت، وعند الخصومات عادل مقسط، وفي السياسة قائد محنك، وعند الصدقة جواد كريم، وفي بيته أب رحيم قريب من القلوب.
أخذ الحربة، وتقدم إلى
الإبل ليذبحها، فأخذت تتسابق إليه أيتها يُنحر قبل!! سبحان الله، حتى النوق
العجماوات، تحب الموت، وتتسابق عليه، إذا كان من يديه.
نعم، إنه المحبة الصادقة التي فطرها الله في القلوب له، الجمال تحبه، والطيور في
السماء تحبه، وأعواد المنبر تحن إليه وتبكي لفراقه، عند البخاري أنه عليه الصلاة
والسلام "ترك منبره الأول لمنبر جديد، فبكى المنبر الأول".
لا إله إلا الله، أتبكى أعواد الخشب؟! نعم، إذا كان محمدٌ هو المفارق.
تسابقت إليه الإبل، كل جمل يقدم نحره وصدره، فأخذ يقول: "بسم الله"، فنحر ثلاثًا وستين، ثم توقف، لماذا لم يكمل المائة؟ لأن عمره ثلاث وستون، ثم يموت كما يموت الناس، ويذهب كما يذهب الناس، ثم أعطى الحربة لـ"علي بن أبي طالب"- رضي الله عنه- فكمّل مائة، فعرف كبار الصحابة أنه لن يتجاوز هذا العدد من السنين، وأنه يموت، فقالوا: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
ومن نكات حجته أنه قال في يوم النحر لأصحابه لعلي: "لا أحج بعد حجتي هذه"، فعرف الصحابة أنه يودعهم، فارتفع البكاء والضجيج، وكثر النحيب، وبالفعل ما رأوه بعدها أبدًا.
أما نحن فسوف نراه- إن شاء الله تعالى– سوف يراه حملة السنة الصادقون، سوف يراه أتباعه المخلصون، سوف يراه تلاميذه الذين كانوا يحرصون على تعاليمه، والذين لم يقدموا على هديه هديًا، ولم يرضوا بغير سبيله سبيلاً.
أما المجرمون والفسقة الذين أعرضوا عن هديه، وسلكوا غير سبيله، فإنهم لا يذوقون من يده شربة واحدة، وسيقول لهم: سُحقًا، سحقًا.
نسأل الله أن يسقينا من حوضه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا.
عباد الله:
ومما يتصل بانقضاء أجله، وعلامات ذلك، أنه كان في عرفة على ناقته، يدعو رافعًا يديه إلى السماء، ثم توقف عن الدعاء وهو يبكي، وإذا بجبريل ينزل عليه من السماء بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ (المائدة: 3)، ففهم كبار الصحابة من ذلك أن أجل رسول الله قد اقترب، وأنه قد دنا موعد الفراق، فبكوا وأبكوا.
ومن طرائف حجته أيضًا: أنه لما أراد أن يحلق رأسه، قال لمعمر بن عبد الله: "يا معمر، ألديك موسي؟"، قال: نعم يا رسول الله، قال: "سم الله، واحلق رأسي"، فأعطاه ميمنة رأسه الشريف، الذي ما عرف إلا العدل والحق والوفاء، فأخذ يحلق رأسه وهو يتبسم- عليه الصلاة والسلام- ويقول لمعمر: "أما رأيت رسول الله أعطاك رأسه بين يديك، والموسي في يديك"، قال معمر: يا رسول الله، والله إنها من نعم الله أن أحلق رأسك.. فلما انتهى النصف الأول قال لأصحابه: "اقتسموه بينكم"، فكادوا يقتتلون على شعره، كل منهم يريد أن يحصل ولو على شعرة واحدة، وبعضهم ما حصل إلا على نصف شعرة.
ليس عندنا في الإسلام
كهنوت، وليس عندنا في الإسلام عبودية لغير الله- تعالى- ولكن عندنا حب صادق لهذا
النبي، الذي أنقذنا من الضلالة وهدانا إلى النور.
ثم قال لمعمر: "احلق النصف الآخر"، فحلق النصف الآخر،
فقال: "أين أبو طلحة الأنصاري؟"، فأتى أبو طلحة، فقال
له النبي: "خذ هذا الشعر كله"، فبكى أبو طلحة من
الفرح.
طفح السرور عليّ حتى أنني من هول ما قد سرّني أبكاني
عباد الله:
تلكم بعض معاني الحج وذكرياته، قصدت بها تذكير نفسي وإياكم بهذا الركن العظيم من أركان الإسلام.
فيا من قصد بيت الله العتيق، أخلص نيتك، وطهر كسبك، من الحرام، فإن الله طيب لا يقبل إلا الحلال الطيب.
إذا حججت بمالٍ أصله سحت فما حججت ولكن حجت العير
اجعل رفقتك من الصالحين
الطيبين، قف هناك في عرفات خاشعًا مستغفرًا، ضارعًا إلى الله تعالى، فهو يومٌ يعتق
الله فيه عباده من النار.
يا سائرين إلى البيت العتيق لقد
سرتم جسومًا وسرنا نحن أرواحًا
إنا أقمنا على عذرٍ وقد راحوا ومن أقام على عذرٍ كمن راحا
عباد الله:
صلوا وسلموا- رحمكم الله- على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، حيث قال: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 56)، وقد قال: "من صلى عليّ صلاة، صلى الله عليه بها عشرًا".
اللهم صلِّ على نبيك
وحبيبك محمد، وأعرض عليه صلاتنا وسلامنا في هذه الساعة المباركة يا رب العالمين.
![]()
-----------------------------------
الحج وسلم الأولويات في الواجبات الإسلامية
د. محمد سعيد رمضان البوطي
الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبي أرسله الله إلى العالم كله بشيرًا ونذيرًا، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، صلاة وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم- أيها المسلمون- ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى، أما بعد:
![]() |
فيا عباد الله:
لقد دَأَب كثير من الخطباء والوعاظ والمرشدين على تشجيع الناس في مثل هذه الأيام للتوجه إلى بيت الله الحرام؛ لأداء مناسك الحج والعمرة، يُذَكِّرُونهم بفضيلة هذا النسك، ويُذَكِّرُونهم بأمر الله- سبحانه وتعالى- بذلك، في مثل قول الله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (آل عمران: 97).
والحقيقة أنَّ الناس في هذا العصر لا يحتاجون إلى من يشجعهم للتوجه إلى هذا النسك، وليسوا بحاجة إلى من يذكرهم بأوامر الله- سبحانه وتعالى- ولا بالفضائل التي تحدث عنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- للحج، ولبيان شيء من ثوابه، فالناس أو أكثرهم يُهرعون اليوم متسابقين إلى هذه الفريضة، إلى هذا النسك، دون حاجة إلى من يذكرهم بها؛ ذلك لأن مصالح كثيرة ظهرت في هذا العصر لهذا النسك بذاته، هنالك دوافع مختلفة ومتنوعة من وراء دافع الذي يتقرب به الإنسان إلى الله- عز وجل- تدفع فئات كثيرة من الناس إلى أن يتسابقوا لأداء هذا النسك، وصدق رسول الله- صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذ قال فيما رواه الديلمي في مسند الفردوس، من حديث أنس- رضي الله عنه- أنه قال: "يأتي على الناس زمان يحج فيه الأغنياء للنزهة، والمتوسطون للتجارة، والقُرّاءُ للرياء، والفقراءُ للمسألة".. وإنها لصورة حقيقة دقيقة، صورها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لواقع كثير من المسلمين في هذا العصر.
لذا، فخير من هذا التحميس، الذي لا داعي له، وهذا التشجيع الذي نرى الناس في غنى عنه، خير من ذلك أن نذكِّر الناس بالشروط التي لابدَّ منها لصحة الحج، وأن نذكرهم بالشروط التي لابدَّ منها لجواز الحج؛ كي لا يقع المسلم من جراء ذلك في مغبة حرمة، وخير من هذا التشجيع أن نذكِّر المسلمين بسلم الأولويات عندما تتعارض المصالح المشروعة التي أمرنا الله- عز وجل- بإنجازها، هذا ما ينبغي للمسلمين أن يعرفوه اليوم.
أيها الإخوة:
إن كثيرًا من الذين يتجهون في هذه الأيام بحماس منقطع النظير لأداء هذا النسك، سبق أن أدوه، سبق أن أدوا الفريضة التي كلفهم الله- عز وجل- بها، والذين لم يتح لهم بعد أن يؤدوها أكثرهم ليسوا ممن كلفهم الله- عز وجل- بها، وليتهم وقفوا أمام سُلَّم الأولويات في دين الله- سبحانه وتعالى- ثم رجعوا فتحسسوا وتبينوا مكان الإخلاص لله- عز وجل- بين جوانحهم، إذن لقعد كثير من هؤلاء المتحمسين عن التوجه إلى بيت الله الحرام، متجهين إلى ما هو أولى، ومتجهين إلى ما هو أرضى لله سبحانه وتعالى.
عندما يقبل أحدهم يهيئ أسباب الرحلة إلى بيت الله الحرام، وهو يعلم أنه يؤدي وظيفة يخدم بها المجتمع، ويعلم أنه إن ترك وظيفته هذه تعطلت مصالح الناس خلال المدة التي يغيب فيها عن عمله، فإن عليه أن يعلم أن الله لم يكلفه بهذا الحج قطُّ، حتى ولو لم يكن قد حج من قبل؛ فكيف إذا كان قد حج قبل ذلك مثنى وثلاث ورُباع؟! وحتى لو استحصل على الإذن من الجهات الرسمية المعنية، بتركه لعمله والتوجه لأداء هذا النسك، فإن الإذن الذي يناله من هؤلاء المعنيين لا يساوي الإذن الذي يأتيه من عند رب العالمين سبحانه وتعالى.
سلّم المصالح المتفاوتة معروفة في دين الله- سبحانه وتعالى- والإنسان الذي أقامه الله- عز وجل- خطيبًا في مسجد، أو إمامًا للمصلين في مسجد، وعلم أنه إن ترك عمله هذا متجهًا إلى بيت الله الحرام، فلن يوجد البديل المناسب لعمله الذي سيتركه، فإن حجه غير مبرور، وإن تركه لهذا العمل- متجهًا إلى بيت الله الحرام- ليس مما يرضي الله سبحانه وتعالى..
أنت قد حججت مرة وثنتين وثلاث مرات، وأنت تعلم أن العمل الذي أقامك الله- عز وجل- فيه من أهم الأعمال المبرورة التي يتوقف عليها صلاح الأمة ووعيها الديني؛ فما الذي يحملك على أن تتناسى سلّم المصالح وأولوياتها في دين الله عز وجل؟! أو تغض النظر عن الواجب الذي تتركه، لتلهث وراء السنة التي لم يأمرك الله- سبحانه وتعالى- أمر عزم بها؟!
والناس الذين يتجهون حجاجًا إلى بيت الله الحرام تحت أسماء حرف يغطون أنفسهم بها لينالوا عن طريق ذلك الرخصة التي تبرر ذهابهم حجاجًا إلى بيت الله الحرام، وهم ليسوا من تلك الحرف في شيء، لا علاقة لهم بتلك الحرف قط، ومن ثَمَّ فلن يكون لهم نصيب منها هناك، وإنما يتخذون من ذلك غطاءً يسمح لهم بالذهاب إلى ما يزعمون متعبدين متقربين إلى الله سبحانه وتعالى، ولو أنهم درسوا شيئًا من دين الله، وتعلموا أحكام الله سبحانه وتعالى، لعلموا أن هذا الزيف مُحَرَّمٌ، وأن هذه الطريقة التي يغطون بها أنفسهم في عبادةٍ لله سبحانه وتعالى أمر غير مبرر.
لقد أمرنا الله- عز وجل- عندما نتجه إليه بالعبادة أن نخلص القصد له، وأن نصفي قصودنا عن الشوائب والرغائب الدنيوية المختلفة: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: 5) ، ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّما أَنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّما إِلَهُكُمْ إِلَهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف: 18) ، وليس الشرك هنا ذلك الشرك المكشوف المفضوح المعروف، المتمثل في السجود لصنم، أو المتمثل في تأليه إله آخر مع الله- سبحانه وتعالى- وإنما المراد هنا بالشرك أن يكون له مقصد آخر في قلبه عندما يتجه بالعبادة إلى الله سبحانه وتعالى.
سلّم الأولويات- أيها الإخوة- مبدأ من أهم المبادئ التي يجب على كل مسلم أن يتبينها؛ لكي يعلم الحل عندما تصطدم المصالح أمامه، وكيف ينتقي المصلحة التي يأمره الله- عز وجل- بها؟ وكيف يطرح المصالح الدون التي يأمره الله- عز وجل- بأن يضحي بها؟
في موسم الحج في كل عام أنْظُر فأجد كثيرًا من المساجد خلوًا من خطبائها ومن أئمتها، يقال: "إن إمام المسجد استحصل على إذن، ولكني أسأل! أفاستحصل على إذنه هذا من الله، أم استحصله من إنسان مثله جامله؟ أو أنه خُيِّل له أمر حقيقي فأعطاه الإذن المزيف؟ المهم أن أنال إذنًا بهذا من الله سبحانه وتعالى، ما أكثر ما دخل مواطنون في مؤسسات ينجزون أعمالاً معينة لهم، وإذا بالقائمين بهذه الأعمال غائبون، وإذا بمكاتبهم خاوية، خالية، تشل هذه الأعمال خلال شهر أو ما يقارب الشهر؛ لماذا؟! لأن الذي كلفهم بهذه الخدمة أو بهذه الخدمات قد اتجه حاجًا إلى بيت الله الحرام! يا هذا، ألم تحج في العام الماضي؟ ألم يكتب لك الحج؟ ألم يكتب الله- سبحانه وتعالى- الحج مرة وثنتين وثلاث مرات؟!
لكنها لذة دنيوية- أيها الإخوة- تهيمن اليوم على كثيرٍ، ولا أقول على كل الناس؛ ذلك لأن المتاعب التي كانت منوطة بهذه الرحلة زالت، ولأن هذه الرحلة أصبحت مناطًا لمتع كثيرة متنوعة، كما قال حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم.. فلماذا لا يأخذ إجازة من عمله يستريح بها من نصب الجهد الذي يمارسه خلال العام؟ ثم إنه يتجه إلى هذه المتعة المنوعة المتلونة باسم الحج إلى بيت الله الحرام، لماذا.. ؟ من هنا يتزاحم الناس ويتسابقون.
ومرة أخرى أعود إلى ما قاله حبيبنا المصطفى- صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الديلمي من حديث أنس وغيره: "يأتي على الناس زمان يحج فيه الأغنياء"؛ أي المترفون للنزهة، أو لدعوات يتلقونها فيستجيبون لها، ويتجهون من خلال ذلك إلى حج مترف، فيه المتعة التي لا يتخيلها أحدنا؛ "يحج فيه الأغنياء للنزهة، والمتوسطون للتجارة"، والقراء- أي الفقهاء في الشريعة الإسلامية- للرياء، والفقراء للمسألة؛ أين بقي الذين يندفعون إلى هذا النسك بدافع الحرقة للحصول على مرضاة الله؟! بدافع الحرقة والحنين إلى رؤية بيت الله عز وجل؟! أصحاب هذه الحرقة، أصحاب هذا الحنين، لا يمكن إلا أن يكونوا مخلصين لله، ولابدَّ أن يسوقهم الإخلاص إلى أن يدرسوا حقيقة هذا النسك؛ متى يجب؟ وما هي شروط وجوبه؟ وما هي شروط جواز هذا النسك؟ حتى ولو صحت هذه العبادة متى تكون جائزة؟ ومتى تكون مكروهة؟ ومتى تكون محرمة؟ الإنسان المتحرق شوقًا إلى بيت الله الحرام، لابدَّ أن يقوده تحركه إلى دراسة دين الله- سبحانه وتعالى- وما أكثر الذين يقعدون عن التوجه حجاجًا إلى بيت الله الحرام، ويكون ثوابهم في بقائهم في دويرة أهلهم قائمين على رأس عملهم خيرًا من ثواب كثير ممن ذهبوا حجاجًا إلى بيت الله الحرام.
الذين يشجِّعُون ويذكِّرون بفضيلة الحج، والآيات التي تتحدث عنها، والأحاديث المرسومة التي تبين فضلها، كثيرون، ولكن قلة هي تلك التي تنبه إلى هذا الذي أقوله لكم.. بين كل حين وآخر أُسْأَل عن حكم اتجاه زيد من الناس حاجًا إلى بيت الله الحرام تحت اسم حرفة معينة، أقول له: أَوَأَنت تتقن هذه الحرفة؟ فيقول: لا.. إذن كيف تذهب؟ وكيف تزيف ذهابك بهذا الاسم وأنت تعلم أنك إنما تتجه بهذا العمل لتطرق بذلك باب مرضاة الله سبحانه وتعالى؟ هذا أمر غير مبرور، ولاشك أن الدافع الخفي الذي يدفع إليه إنما هو متعة دنيوية صافية عن الشوائب، غطيت باسم عبادة من العبادات.
أسأل الله- عز وجل- أن
يرزقنا الإخلاص لوجهه، وأسأله سبحانه أن يكرمنا بأن يقودنا الإخلاص إلى دراسة دينه،
وإلى معرفة سلم المصالح وأولوية ما بينه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، فاستغفروه يغفر لكم.
دعاء الخطبة الثانية:
اللهم اغفر للمسلمين
والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وألِّف بين قلوبهم يا رب
العالمين.
اللهم تب علينا توبة نصوحًا لا ننكثها أبدًا، وألزمنا سبيل الاستقامة لا نزيغ عنها
أبدًا، وأخرجنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة، ورضِّنا بقضائك وقدرك يا رب العالمين.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا.
اللهم متعنا وأهلينا وذرياتنا بنعيم الدنيا والآخرة، وكفاية همهما، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
اللهم انصر عبادك المؤمنين المستضعفين المظلومين في فلسطين، وفي مشارق الأرض ومغاربها.
اللهم رد عن المسلمين كيد الكائدين، اللهم إنا نجعلك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم.
اللهم منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، اهزم الطغاة الذين أعلنوا الحرب على إسلامك وقرآنك، اللهم أهلكهم بددًا، ولا تبقي منهم أحدًا.
اللهم وفِّق عبدك هذا الذي ملّكته زمام أمورنا للسير على صراطك، ولاتباع سنة نبيك محمد- صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
اللهم املأ قلبه بمزيد من الإيمان بك، وبمزيد من الحب لك، وبمزيد من التعظيم لحرماتك.
واجمع اللهم به أمر هذه الأمة على ما يرضيك، وحقق له في سبيل ذلك كله البطانة صالحة تكرمه بها يا رب العالمين..
ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا الحاضرين ووالديهم، ولمشايخنا ولأرباب الحقوق علينا، ولسائر المسلمين أجمعين.
آمين، آمين، آمين،
والحمد لله رب العالمين.
![]()