الصفحة الرئيسية

 

مواقف تربوية في الحج

 

- تأملات في فريضة العمر (الحج)

- الدعوة إلى الله في موسم الحج سنة نبوية

-  مصابيح الهدى في رحلة الحج المباركة

- الحج.. الملتقى السياسي السنوي لمسلمي العالم

- الحج  مشاعر.

- إبل تعشق الموت.

- هنا تسكب العبرات.

- الفضيل بن عياض ينصح الرشيد.

- أسرة ربانية (1/3)

- مواقف تربوية لأولادنا

- أسرة ربانية (2/3)

 

تأملات في فريضة العمر (الحج)

إعداد: هاشم أمين

إنَّ الله طَيِّبٌ لا يَقبل إلا طَيِّبًا

من أهم الأمور التي لا بد أن يلتفت إليها الحاج قبل الشروع في حجه النفقة الحلال؛ لذلك كان عدم توافرها سببًا في ردِّ الأمر على صاحبه من أوله، يقول الأستاذ مصطفى مشهور: إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا فمن ينوي أداء فريضة الحج لا بد وأن يتحرى في كسبه الحلال الطيب بعيدًا عن الحرام أو ما فيه شبهة وفي هذا أيضًا جانب تربوي مهم في حياة المسلم.

إن الحج رحلة مباركة للقاء رب العالمين في بيته المعظم، فكيف يرضى المسلم وهو في هذه الرحلة المباركة أن يكون زاده ونفقته في الرحلة من حرام؟ لا شك أن النفقة الحرام تقطع طريق الوصول في هذه الرحلة المباركة من أولها، فقد روى الإمام مُسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَيّهَا النّاسُ إِنّ اللّهَ طَيّبٌ لاَ يَقْبَلُ إِلاّ طَيّبًا. وَإِنّ اللّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ. فَقَالَ: ﴿يَا أَيّهَا الرّسُلُ كُلُوا مِنَ الطّيّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثُمّ ذَكَرَ الرّجُلُ يُطِيلُ السّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدّ يَدَيْهِ إِلَى السّمَاءِ، يَا رَبّ يَا رَبّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنّى يُسْتَجَابُ لِذَلِك؟". فالحديث يغلق باب القبول إلا من الطيب الحلال، وقد جاء الحديث مؤكدًا في بدايته على هذا المعنى بأكثر من مُؤكِّد، فمجيء "إنَّ" وإفادتها للتوكيد، ثم استعمال أسلوب النفي والاستثناء الذي يفيد القصر والتوكيد "لاَ يَقْبَلُ إِلاّ طَيّبًا"، جاءت هذه المؤكدات لتجعل الأمر محسومًا، فالعبد المسلم إن أراد من ربه قبول عبادته وطاعته وسائر أعماله فإنه لا بد من الطيب، وفي شرح قوله صلى الله عليه وسلم: "يُطِيلُ السَّفَرَ" يقول الإمام النووي: معناه والله أعلم أنه يطيل السفر في وجوه الطاعات كحَجٍّ وزيارة مستحبة وصلة رحم وغير ذلك.

 

إن المال الحرام يقطع على العبد المسلم كل ما في الفريضة من فضائل وخيرات، فهو يقطع عن العبد فضيلة النفقة في الحج والتي تعدل النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النَّفَقَةُ في الحَجِّ كالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ بِسبعمائة ضعف"، ولا شك أن المقصود في الحديث النفقة الحلال.

 

بل وتقطع عن العبد إجابة الدعاء؛ "ثُمّ ذَكَرَ الرّجُلُ يُطِيلُ السّفَرَ. أَشْعَثَ أَغْبَرَ. يَمُدّ يَدَيْهِ إِلَى السّمَاءِ. يَا رَبّ يَا رَبّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ. فَأَنّى يُسْتَجَابُ لِذَلِك؟".‏ فكيف وأكثر ما يرجوه الحج في رحلته الدعاء، فهو في كل موطن يدعو، يدعو عند رؤية الكعبة وعند الطواف وبين الصفا والمروة وعند الوقوف بعرفة وهكذا مع بقية المشاعر والمناسك، كل هذا يُحرم العبد منه بالنفقة الحرام.

 

بل إن الرحلة والعبادة كلها مردودة على صاحبها؛ لأن ما عند الله لا يُستجْلَبُ إلا بطاعته، وما عند الله من المغفرة والرحمة والخير والفضل لا تُطلَب إلا بالطيب الحلال، رُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا خرج الحَاجُّ حَاجًَّا بنفقةٍ طَيّبةٍ، ووضع رِجْلَهُ في الغَرْزِ فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مُنَادٍ من السماء: لبيك وسعديك زَادُك حلال وراحلتك حلال وحجُّكَ مَبْرُورٌ غير مَأْزُور، وإذا خرج بالنَّفَقَةِ الخبيثة فوضع رِجْلَهُ في الغَرْزِ، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مُنَادٍ من السماء: لا لبيك ولا سعديك زَادُكَ حرامٌ ونفقتك حرامٌ وحجُّكَ مَأْزُورٌ غير مَبْرُور". أخرجه الطبراني في الأوسط.

 

فاختر أخي الحاج أي النداءين تريد أن تسمع، فما هي إلا رحلة واحدة وحجة واحدة ربما لا تستطيع أن تكررها، فاجعلها من بدايتها على طاعة الله في طهر ونقاء ونفقة طيبة حلال.

 

يقول الدكتور خالد أبو شادي: واطلب الزاد من حلال، فكيف تزور بيت الله برزق خبيث؟! بأي وجه يقابل الله من سرق عباد الله؟! أيجوز التطهر بماء نجس؟! أيرجو القبول وقد طُرد قبل الوصول؟!

 

إذا حَججتَ بمالٍ أصلُه سُحتٌ      فما حَججتَ ولكن حَجَّت العِيْر

لا يَقْبَلُ اللهُ إلا كُلَّ طَيِّبَةٍ فما      كُلُّ مَن حَجَّ بَيْتَ اللهِ مَبْرُور

 

أدعية السفر وتوديع الأهل ودلالات إيمانية وتربوية

قد علَّمنا الإسلام ذكر الله في كل موطن وعلى كل حال، وأدعية الأحوال نوع من الذكر الذي ينبغي أن يُلازم المؤمن في كافة أحواله ليكون دائما في مَعِيَّة ربه يحفظه ويصونه، والكثير من المسلمين الذين يلتزمون هذه الأدعية قد يغفلون عن دلالاتها الإيمانية والتربوية، ودعاء السفر يحمل الكثير من هذه الدلالات، يقول الأستاذ مصطفى مشهور: صلى عليك الله يا سيدي يا رسول الله علمتنا دعاءً نقوله عند السفر لو عشنا ما يتضمنه من معانٍ بحقٍّ لخرجنا بزاد تربوي كبير: "اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى"، توجيه النية والقصد إلى البر والتقوى والعمل الصالح وأن الهدف هو رضوان الله وسؤال ذلك من الله فيه شعور وإقرار أن هذا لا يتحقق إلا بتوفيق الله وإرادته.

 

والفقرة التالية من الدعاء: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد" ما أعظم أثر هذا الدعاء في نفس المؤمن، شعور بصحبة الله ومعيته في السفر فهو في حفظ الله ورعاية الله وضمان الله ثم الاطمئنان أن الله هو الخليفة في الأهل والمال والولد فلا قلق ولا انشغال على شيء من ذلك.

 

ثم يقول فضيلته: هكذا يتحقق التفويض لله وجميل التوكل عليه بصورة عملية واقعية ثم الفقرة التالية: "اللهم هوِّن علينا سفرنا هذا واطوِ عنا بعده" لجوء إلى الله في تيسير السفر وتخفيف مشاقه، فالأمر كله لله ولايظن أحد أن التيسير كامن فيما أخذ من أسباب كطائرة أو سيارة ولكن لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، فقد تصير السيارة سبب مشقة لا سبب راحة إن أمسك الله رحمته ووكلنا لأنفسنا.

 

ثم الفقرة التالية: "اللهم إنا نعوذ بك من وُعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في الأهل والمال" شعور بالعجز ولجوء إلى الله واستعاذة به مما يتعرض له المسافرون أحيانًا من متاعب وأخطار في السفر أو في أهلهم وأموالهم عند عودتهم إليهم.

 

ليستشعر الحاج عند بدء السفر أنه يبدأ رحلة في ضيافة الرحمن وأن من معه من ركب كلهم ضيوف الرحمن وزوار بيته الحرام، فيطمئن أنه في حفظ الله ورعايته ويتعامل مع ضيوف الرحمن بكل رفق ولين وتسامح وحب وتعاون، يعين الضعيف والمريض ويقضي حاجة المحتاج ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: 197) وترويض النفس على ذلك طوال الرحلة زاد تربوي للمسلم في حياته ولازم للدعاة إلى الله على وجه الخصوص.

 

والدعاء المتبادل عند توديع الأهل والأصحاب عند السفر الذي أرشدنا إليه رسولنا الكريم فيه خير كبير ومعان تربوية هامة: "أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك" هكذا يقول المقيم للمسافر، ويقول أيضًا: "زودك الله التقوى"، ويقول أيضًا: "لا تنسنا يا أخي من دعائك"، قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه عند سفره.. ويقول المسافر للمقيمين: "أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه"، موقف كله ذكر لله وافتراق على الله وفيه التواصي بالحق والثبات على الأمر والحرص على حسن الخاتمة، عاطفة وحب للخير المتبادل لا تجده إلا بين المسلمين.

 

وهذا الدعاء عند ركوب الدابة أو وسيلة السفر، إذ يسمي الله أولاً وعندما يركب يقول: الحمد لله، ويكبِّر ثلاثًا وإذا استوى يقول: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾، وفي ذلك تذكير لفضل الله في تسخير هذه الوسيلة ولا يرجع الفضل لصانعي الطائرة أو السيارة وحدهم فالفضل لله أولاً وأخيرًا هو الذي سخر لهم المواد لصنعها ورزقهم العقل الذي يفكرون به.

 

فما أحوج أن يتذكر الحَاجُّ هذه الدلالات الإيمانية والتربوية الهامة، فيتحول الذكر من مجرد ألفاظ يتحرك بها اللسان إلى مَعَانٍ ودلالات يحيا بها القلب ويستشعرها وتؤثر في حياة المسلم.

 

لبس ثياب الإحرام ودلالاته

لا شك أن مظهر الحجيج بلباس الإحرام البيضاء مظهر تَفرح وتُسَرُّ له القلوب، ومع تغيير الحاج لملابسه ولبس ثياب الإحرام يحس بتغيير حالته الروحية وازدياد شوقه إلى أداء الفريضة، وقد يغفل الحاج عن ما في هذا الأمر من دلالات، يقول الدكتور خالد أبو شادي: فتذكر بلبسك ثياب الإحرام الكفن ولفّك فيه، فإنك ستلقى الله عز وجل ملفوفًا في كفن أشبه ما يكون بثياب الإحرام، إذ ليس في ثياب الإحرام مخيط تمامًا مثل الكفن، وما أشبه المُحرِم اليوم بالميت، فكلاهما يغتسل، وكلاهما ذاهب للقاء ربه، وهذا ما يُذكِّر كل مُحرِم بإخوانه الموتى وبحاله الذي يشبه حال كل ميت، ويعبر عن ذلك الشاعر بقوله:

لعمرك لو كشفتَ التُّربَ      عنهم فما تَدرِي الغَنِي من الفقير

ولا الجِلْد المُلامِس ثوب      صُوفٍ من الجِلْدِ المُلامِسِ للحَرِير

إذا أَكَلَ الثَّرَى هذا وهذا       فما فَضْلُ الغَنِي على الفَقِير؟

 

وتذكر أن هذه الحال تبعث في النفس أكبر درجات الخضوع وأسمى منازل الخشوع وأقصى تذلل للخالق سبحانه، فأنت اليوم ليس معك من متاع الدنيا سوى ما تلبس، وإن كان نعيم الدنيا وزخرفها قد أنساك أن الملك كله لله فقد جاءك اليوم الذي تقف فيه بين يدي ربك كيوم ولدتك أمك، ليس عليك من دنياك سوى ما تستر به عورتك، أنت اليوم أشبه ما تكون برضيع لُفَّ في قطعة قماش، لا يملك لنفسه شيئًا ويحتاج من خالقه إلى كل شيء.

 

وتذكر بلبسك ثياب الإحرام أن الناس سواسية من الملوك إلى الصعاليك لا فضلٍ لأحد على أحد إلا بالتقوى، فالكل يخلع صنعة الخَيَّاط ليلبس خرقة البسطاء، ويلحق بذلك أفقر الفقراء بأغنى الأغنياء، فيغرس ذلك في قلب كل معتمر ولا شك خلق التواضع، لكنه وإن تساوى الظاهر فالله أعلم بالسرائر، فلعل فقيرًا يعيش على الكفاف يكون خيرًا عند الله من ملء الأرض من غنيٍ ضاقت خزائنه بالمال، ولعل رجل من عامة الناس أشعث أغبر لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره.

 

وتذكر بلبسك ثياب الإحرام الزهد في الدنيا، والزهد في الدنيا كما قال ابن المبارك: النظر إلى الدنيا بعين الزوال فتصغر في عينك فيسهل عليك الإعراض عنها، أو كما قال الإمام أحمد: الزهد في الدنيا عدم فرحه بإقبالها ولا حزنه على إدبارها، ولذلك لما سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار هل يكون زاهدًا؟ قال: نعم بشرط أن لا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت. وهل هناك فرصة لغرس الزهد في القلوب أعظم من هذه الفرصة الذي نخلع فيه فاخر الثياب فلا فخر ولا مباهاة، ونرتدي ملابس الإحرام البسيطة التي ليس لها جيوب.

 

وتذكر بلبسك ثياب الإحرام أن تُبيِّض قلبك كما بَيَّضتَ ثيابك، فَرُبَّ مُبَيِّضٍ لثيابه مُدنِّسٍ لدينه.

واستَشْعِر كذلك بياض المنهج الذي تحمله ونقاء رسالة الإسلام التي تحويها بين أضلاعك.

 

ويقول الأستاذ مصطفى مشهور: ما أشبه الحاج الذي يخرج من بيته وقد اغتسل وخرج من مشاغل الدنيا ليخلص بقلبه لله وترك الأهل والمال والولد خلفه، ما أشبهه بمن يخرج من الدنيا عند لقاء الله فالاغتسال يقابله التغسيل وملابس الإحرام تقابل ملابس التكفين والخروج من مشاغل الدنيا يقابله الخروج الجسدي من الدنيا وتوديع الأهل وترك المال والولد أمر مشترك في الحالتين، فما أجمل أن يتذكر الحاج هذا المعنى، ويأخذ العبرة والعظة، ويستعد للقاء الله على طهر ونقاء، فيرد المظالم ويقضي الديون ويطلب الصفح ممن أساء إليه ويتوب إلى الله فربما لقي الله في سفره هذا، وبهذا يبدأ رحلته طيبًا مباركًا.

 

التلبية شعار الحج

"لَبّيْكَ اللهُمّ لَبّيْكَ، لَبّيْكَ لاَ شِريكَ لَكَ لَبّيْكَ، إنّ الحَمْدَ والنعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ"، إنه النداء الرباني، نداء الخضوع والاستجابة والاستسلام لرب العالمين، نداء التوحيد، كلمات طالما رددها كل مسلم يتمنى ويشتاق زيارة بيت الله الحرام وأداء فريضة الحج، كلما سمع المسلم هذا النداء المحبب إلى قلبه طار شوقًا إلى البيت الحرام؛ لذلك استحقت هذه الكلمات أن توضع شعارًا يلخص كل ما في الفريضة من معانٍ ودلالات وأحكام، هذه الكلمات القليلة العدد لخصت الكثير من المعاني والأمور التي ينبغي أن نتوقف أمامها ويستشعرها كل حاج وهو يردد هذه الكلمات.

 

يقول الدكتور خالد أبو شادي: ومعنى التلبية: إجابة نداء الله عز وجل على الفور مع كمال المحبة والانقياد، وتكرار كلمة (لبيك) وَعدٌ منك لربك بطاعة بعد طاعة وشهادة منك على نفسك بإجابة بعد إجابة، فَارْجُ الله أن تكون صادقا في دعواك، واخْشَ أن تكون غير ذلك فيقال لك: لا لبيك ولا سعديك.

 

ويقول الأستاذ مصطفى مشهور: التلبية وما تحمل ألفاظها من معاني الاستجابة لداعي الله وما فيها من تنزيه عن الشرك وأن الحمد له وحده والنعمة والملك له وحده، ثم إن تكرارها باللسان وانشغال القلب بها فيه تأكيد وتثبيت لمعاني الإيمان والتوحيد والشعور بفضل الله وفقرنا إليه.

 

ولقد كان سلفنا الصالح يعيش مع هذا النداء الرباني بكل جوارحه ويستشعر أثناء ترديده لهذه الكلمات ما فيها من المعاني والدلالات، وأنه مُقْدِمٌ على عبادةٍ يرجو قبولها ويخاف من رَدِّهَا، قال سُفيان بن عُيينَة: حَجَّ عليُّ بن الحسين فلما أَحْرَم واسْتَوتْ به راحلته اصْفَرَّ لَونُه وانْتَفَضَ ووَقَعَتْ عليه الرَّعْدَة ولم يستطع أن يُلَبِّي، فقيل له: لِمَ لا تُلَبِّي؟ فقال: أخشى أن يُقال لي: لا لبيك ولا سعديك، فلمَّا لَبَّى غُشِي عليه ووَقَع من على راحلته فلم يزل يَعتَرِيه ذلك حتى قضى حجَّه.

 

 

ولما حَجَّ جعفر الصادق أراد أن يُلبِّي فتغيَّر وجهه، فقيل له: مَا لك يا حفيد بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أريد أن أُلَبِّي وأخاف أن أسمع غير الجواب.
وعن أثر هذا النداء الرباني ومكانته يقول حافظ بك عامر صاحب كتاب (رسالة الحج فلسفته وأسراره): كلمات روحانية فيها أنوار السماء تضيء على كل ما في الأرض وكل ما في النفس، وتجعل الإنسان سماويًّا إلهيًّا في بعض أوقاته ليتذكرها في سائر أيامه الأخرى، فإذا رجع إلى دنياه العادية نَبَّهَتْهُ معانيها فكانت له كالقانون الروحي، هذا النشيد دَوِيّ عام يهتف به مئات الألوف من المؤمنين بصوت واحد فلا يمكن أن ينساه من سمعه، وبذلك يكون قد انغرس في نفسه، وحمل معه الهيئة التي تذكر به الحاج دائمًا، فيرتبط به في الذاكرة فلا يُمحَى ولا يُنسَى.

 

بعض المُعِينَات على التَّلْبِيَة:

ويستكمل أبو شادي فيقول: وابدأ بالتحرك إلى مكة من الميقات، وأنت تردد هذا النشيد الإلهي لمئات أو آلاف المرات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع هذه المسافة على ظهر البعير في يوم وليلة، لا يمل ولا يكل من التلبية، ونحن اليوم نقطعها في أربع ساعات تقريبا، ومع هذا نستشعر الرتابة والملل.

 

قال أبو حازم: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أحرموا لم يبلغوا الرَّوْحَاء حتى تُبَحَّ أصواتُهم"، وما ذلك إلا لأنهم موقنون في ثواب الله، واثقون من عطائه، منفذون لأمره الذي نقله إليهم نَبِيُّهُ فقال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أنْ آمُرَ أصْحَابِي ومَن معي أن يَرفَعُوا أَصْوَاتَهُم بِالتَّلْبِيَةِ"؛ (صحيح) انظر حديث رقم: 62 في صحيح الجامع.

 

وفي رفع الأصوات بالتلبية قهر للوسواس وطرد للنعاس، وهو أيضًا أجلب للخشوع وأجلب للدموع، والنساء في التلبية كالرجال لعموم الأحاديث الواردة في ذلك، فيرفعن أصواتهنَّ ما لم تُخْشَ الفِتْنَة.

 

ومما يُعِينُك على التلبية بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لك: "مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطّ ولا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطّ إلا بُشِّرَ"، قيل: يا رسول الله.. بالجَنَّةِ؟! قال: "نَعَمْ" (حسن) انظر حديث رقم: 1621 في السلسلة الصحيحة.

 

ومما يُعِينُك على التلبية قول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا من مُلَبٍّ يُلَبِّي إلا لَبَّى ما عن يمينه وشماله من حَجَرٍ أو شَجَرٍ أو مُدَرٍ حتى تَنْقَطِعَ الأرضُ من ها هنا وها هنا عن يمينِهِ وشمالِهِ". (صحيح) انظر حديث رقم: 2363 في صحيح ابن ماجة.

 

ومما يُعِينُك على التلبية أن تتأكد أن كل ما مررت عليه من زرع وشجر وجماد وحجر سيشهد في حقك أمام الله يوم القيامة، قال أبو الدَّرْدَاء رضي الله عنه: اذْكُرُوا اللهَ عند كُلِّ حُجَيْرَةٍ وشُجَيْرَةٍ لعلها تأتي يوم القيامة فتَشْهَد لكم.

 

ومما يعينك على التَّلْبِيَة أن تحس أن تلبيتك ما هي إلا طلب في إلحاح ودعاء في إصرار أن يحضر قلبك ويفيض دمعك وتخشع جوارحك.
ومما يعينك على التلبية أن تُحدِّث نفسك بقرب الوصول إلى الكعبة المشرفة، فيزداد شوقك مع كل خطوة، وكلما دنوتَ شِبْرًَا زادت ضربات قلبك لهفة واضطربت مشاعرك لوعة.

 

التلبية بداية وعهد مع الله:

تُعقد المعاهدات دومًا في بداية أمرٍ ما، والتلبية معاهدة مُقدَّسة بين العبد وربه، فهي ليست نهاية بل بداية، ومن عاد من الحج أو العمرة فقد رجع بعد أن أبرم العهد مع الله، ليعود بعدها من مقام العهد إلى مقام العمل، ومِن وَعْدِ اللسان إلى تصديق الجوارح، فعملك الحقيقي أخي المشتاق إنما يبدأ بعد حجك أو عمرتك، لذا كان عليك أن تخجل من مخالفة الله بعد انطلاق هذه الكلمات من فمك، فإن رجوع الرجل عن وعده لمخلوق ضرب من الدناءة وانخلاع من صفات الرجولة، فكيف إذا كان الوعد مع الخالق؟!.

 

الحَجُّ وتَهْذِيبُ الأخْلاَقِ

إن المتتبع لشرائع الدين وعباداته يلاحظ أن أحد أهم ما يستفاد من هذه الشرائع والعبادات هو تهذيب الأخلاق وتقويمها، ونرى أمثلة كثيرة من العبادات والشرائع يتمثل فيها هذا الأمر، ففريضة الصلاة مثلاً نجد أنها تهذب الأخلاق وتقومها، يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرةَ رضي اللّه عنه؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: "آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خانَ"؛ وزاد في رواية: "وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ"، فالحديث يقرر أنه لا بد لهذه الصلاة وهذا الصيام أن يكون له أثر في أخلاق المسلم، فيُخَالِق الناس بخلقٍ حسنٍ؛ فلا يكذب ولا يخلف وعده ولا يَخُون الأمانة وإلاَّ عُدَّ من المنافقين، رغم محافظته على أداء العبادة؛ لكن ولأن هذه العبادات لم يكن لها أثر في تقويم الأخلاق صار العبد من المنافقين.

 

وفي فريضة الصيام تهذيب للأخلاق أيضًا، روى البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَه"، فالحديث يوضح الربط بين صورة العبادة- ترك الطعام والشراب- وبين أخلاق المسلم ومجانبته لقول الزور والعمل به، وفي الحديث عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ قال: قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: "قال اللَّه عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جُنَّة، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سَابَّهُ أحدٌ أو قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ؛ والذي نفس محمد بيده لَخُلُوف فم الصائم أطيب عند اللَّه من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه"، مُتَّفّقٌ عَلَيهِ. وهذا لفظ رواية البخاري.

 

إن الصيام يمنع سوء الأخلاق ويهذب النفس ويقومها وتعتاد النفس مع الصيام على كظم الغيظ وترويضها على الالتزام بالأخلاق الحميدة.
وفريضة الزكاة فيها تهذيب وتطهير وتزكية للنفس من البخل والشُّحّ والالتصاق بمتاع الدنيا الزائل، يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.

 

وعلى نفس المنهج تأتي فريضة الحج ودورها في تهذيب الأخلاق وتقويمها، يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾، ففي فريضة الحج تجتمع كل المقومات الزمانية والمكانية وتتضافر لإتاحة الجو المناسب لتهذيب الأخلاق وتقويمها، في هذه الأماكن الطاهرة في بيت الله وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جبل عرفات وبين الصفا والمروة وغيرها من أماكن الطاهرة، ويكفي أن بيت الله الحرام يصل فيه تهذيب الأخلاق لحد المعاقبة على عقد النية بالسوء، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، مجرد الإرادة، ألا يكفي هذا حافزًا ومراقبًا للإنسان ليقوم أخلاقه ويهذبها.

 

ثم يأتي الزمان ليقوم بعامل آخر، فمشاعر الحج تأتي في الأشهر الحرم، وفي أفضل أيام الدنيا العشر الأوائل من ذي الحجة ومنها يوم عرفة الذي ورد عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما رُؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أغيظ ولا أحقر منه يوم عرفة، وما ذلك إلا مما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر؛ رأى جبريل يزع الملائكة"، رواه مالك في الموطأ كتاب الحج وقال: هذا مرسل وقد وصله الحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء.
فتتضافر عوامل الزمان والمكان لتكون عامل تحفيز وترهيب في نفس الوقت من سيء الأخلاق؛ بل هي تربية وإعادة تأهيل للمسلم ليعود بعد حجه وقد قُوّمت أخلاقه.

 

إنها أخلاق تلازم الحاج منذ إحرامه إلى وقت رجوعه، أيام متواصلة يحافظ المسلم فيها على سمو أخلاقه ويراقب الله في كل خلق يأتيه خوفًا من أن يبطل حجه أو ينقص أجره، فلا رفث ولا فسوق ولا جدال، فهذا هو السبيل لمغفرة الذنوب، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: "مََن حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَومِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"، وفي رواية الترمذي: "غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ".

 

إن المسلم في هذه الفريضة يضع نصب عينيه هذا الشرط الذي اشترطه رسول الله صلى الله عليه وسلم لمغفرة الذنوب وهدم كل ما كان من ذنوب سالفة.
وفي الحديث عن عمر بن الخطاب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال له: "إنَّكَ رَجُلٌ قَويٌّ، لا تُزَاحِم النَّاسَ على الحَجَر، فتُؤذِي الضَّعِيفَ، إنْ وَجَدْتَ خلوة فاستلمه، وإلا فاستقبله، وكَبِّر وهَلِّل"، إن النبي صلى الله عليه وسلم يلفت نظر عمر بن الخطاب وكل المسلمين إلى التزام الأخلاق ومنها خلق الرحمة أثناء تأدية الشعائر، فلا تجعل حرصك على تقبيل الحجر أو استلامه يؤدي إلى إيذاء مسلم، وإيذاء المسلم حرام ويتضاعف الذنب باعتبار المكان وهو بيت الله الحرام أما تقبيل الحجر أو استلامه فهو سنة، فهل يأتي العبد بذنب مضاعف ليقوم بفعل سنة؟ وكذلك في بقية الشعائر والمناسك، ينبغي أن يلازم المسلم خلق الرحمة في كل رحلته وفي تأديته لمناسك الحج.
إننا نعلم عظيم رحمة الله في هذه الفريضة، فما أعظم أن نتقرب إلى الله بنفس الخلق الذي يعم كل أرجاء المكان، فنرحم الكبير والضعيف والمرأة، ونساعد المحتاج ونرشد الضال، كل ذلك نرجو به رحمة الله عز وجل، فعن عبدِ اللهِ بنِ عمرو قال: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وسَلَّم: "الرَّاحمونَ يرحمهُم الرَّحمَنُ، ارحموا مَن في الأرضِ يرحمُكُمْ من في السَّمَاءِ". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

 

وهكذا تتكامل شخصية المسلم العابد لربه المحافظ على طاعته صاحب الأخلاق الحسنة والمعاملة الطيبة، فلا تناقض في شخصيته، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قيل للنبي صلَّى الله عليه وسلم: "إنَّ فُلانَةَ تَصُومُ النَّهَارَ، وتَقُومُ الليلَ، وتُؤذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا"، فقال: "لا خَيْرَ فِيْهَا، هِي في النَّارِ". هكذا حسم رسول الله صلى الله عليه وسلم القضية، فلا يستقيم في ميزان الإسلام محافظة على العبادات دون أثر في الأخلاق والمعاملات.

 

أخي الحاج: لا بد أن يرى الناس منك تغيرًا، لا بد أن يرى الناس أثر حجك عليك، فإن كان في أخلاقك بعض السوء فحاول أثناء الفريضة تقويم نفسك، وإن كنت صاحب أخلاق حسنة فَزِدْ في إحسانك وبِرِّك بالناس، فالحج ما هو إلا بداية لشخصية جديدة يراك الناس عليها، شخصية جديدة بأخلاق جديدة، فيجد أهلك منك تغيرًا ويجد جيرانك منك تغيرًا ومع زوجتك وأولادك وذوي رحمك ومع أصدقائك والناس أجمعين.

 

تقبل الله منا ومنك صالح الأعمال ولا تنسنا من صالح دعائك.

 

-----------

بعض المراجع

1- سلسلة "من فقه الدعوة" الكتاب الثاني: (زاد على الطريق)، لفضيلة الأستاذ/ مصطفى مشهور رحمه الله. صدر عن دار التوزيع والنشر الإسلامية بالقاهرة.

2- كتاب (رحلة المشتاق.. العمرة)، للدكتور/ خالد أبو شادي. صدر عن دار الراية للنشر والتوزيع بالقاهرة.

3- سلسلة "روضة الدعاة" الكتاب الأول: (الحج.. دروس وعبر)، للأستاذ/ أسامة جادو. دار الدعوة للطبع والنشر والتوزيع ودار المدائن للنشر والتوزيع بالإسكندرية.

 

 

------------------------------------------

 

 

الدعوة إلى الله في موسم الحج سنة نبوية

- موسم دعوي منذ فجر الإسلام

- المسئولية الفردية للدعاة في موسم الحج

- اختلاف بيئات الحجاج يُلقي علينا تبعات

- برنامج دعوي للحاج

 

تحقيق- أمل محمد

﴿وأَذِّن فِي النَاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ﴾ (الحج)..ها قد أشرق موسم الحج، وها هم وفود الحجيج يتوافدون على البلد الحرام ملبين مكبرين أتوا من أقاصي الأرض من كل حدبٍ وصوبٍ يحدوهم الشوق لبيت الله الحرام، والحج موسم دعوى رابح للدعاة والمصلحين، فالناس فيه مقبلون على الخير وقد تجرَّدوا عن مشاغلِ الدنيا ومتاعها.

 

والدعوة إلى الله- تعالى- في موسمِ الحج سنة نبوية منذ فجر الإسلام؛ إذ كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يعرض دعوته على الناسِ في مواسم الحج، كما أرسل العديدَ من أصحابه- رضي الله عنهم- لذلك، وفي حجةِ الوداع نصح الأمة غاية النصح وبلغ البلاغ المبين، وقد استمرَّ علماء الإسلام ودعاته الصادقون على مرِّ العصورِ في استغلال هذا الموسم العظيم دعويًّا مستفيدين منه في إيقاظِ القلوب وإنارة البصائر وعرض الإسلام النقي والتحذير من مخاطرِ الشركِ وشوائب البدع والمنكرات.

 

إلا أنه مع تزايدِ أعداد الحجاج سنويًّا فإنَّ الأمرَ يحتاج لجهود الدعاة المخلصين من كل بقاعِ الأرض لدعوةِ وإرشاد حجاج بيت الله الحرام فضلاً عمَّا يقومُ به الأخوة والعلماء بالمملكة العربية السعودية بواجبهم تجاه وفود الحجيج.

 

تقول ليلى محمد: حرصتُ العام الماضي أثناء رحلة الحج أن أملأ حقيبتي بعددٍ من المطوياتِ والكُتيبات الصغيرة وأشرطة الكاسيت لكبار العلماء لأقوم بتوزيعها على رفاقِ الرحلة أثناء ركوب الباخرة.

 

وفي الفندق الذي أقمت به في مكة والمدينة، وكذلك حرص زوجي على أخذ مطويات عن تحريم التدخين وعن حكم تارك الصلاة، وكذلك عدد من كُتيبات الرقائق والإيمانيات مثل التي تتحدث عن حبِّ الله أو الطريق للجنة، وكان لذلك أطيب الأثر بفضل الله على المحيطين.

 

بينما يروي الحاج محمد علي (65 سنة) تجربة حدثت معه حيث سافر هو وزوجته للحج بصحبة مجموعة من الشباب كان من بينهم شاب وزوجته أثَّرا بشخصيتهما أبلغ الأثر؛ حيث كانا في خدمتهما وحِرصا على مساعدتهما في أداءِ المناسك فكانا يحملان عنهما الحقائب ويتقاسمان معهما الطعام، وكانا دائما التذكير للرفقة كلها بذكر الله وتذكر النية، وكان الشاب كثيرًا ما يؤمهم في قيامِ الليل ويقوم بإلقاءِ كلمةٍ بسيطةٍ للمجموعةِ يُذكرهم فيها بضرورةِ المداومة على العبادةِ وطاعة الله ويختم بدعاءٍ مؤثرٍ يجعل الدموع تتدفق، ومع أنه كانت تصدر منا بعض الأخطاء في صلاتنا بحكمِ تعودنا عليها إلا أنهما كانا يقومان بتوجيهنا برفقٍ ولينٍ والآن ورغم مرور خمس سنوات على هذه الحجةِ إلا أنهما مازالا يتصلان بنا ويقومان بزيارتنا ولا يكفان عن إهدائنا الكتب والأشرطة.

 

مطلوب التروي من الدعاة

رأينا أنَّ الدعوةَ ليست توزيع كتاب أو إقامة نشاط أو إلقاء كلمة، بل محاولة تأثير على المدعو وسعي لتفهيمه الإسلام النقي ليعمل به، وتغيير لما يُوجد لديه من معتقدات وسلوكيات مخالفة للشرع.

 

ومن الحكمة مراعاة أحوال الحجيج واختلاف بيئاتهم التي نشأوا فيها ومراعاة أعمارهم، ولكن قد تصدر من بعض الحجيج بعض المنكرات والمواقف التي لا يرتضيها الداعية أو يستنكرها فكيف يواجهها؟

 

تقول الأستاذة ناهد بنت عيد السميري- مديرة المعهد العلمي العالي لإعداد معلمات القرآن والسنة بجدة-: إنَّ الحجَ من أهم مجالات الدعوة إلى الله، ومما لا شكَّ فيه أنَّ الحجَ فرصة جيدة وثمينة للدعوة إلى الله؛ فالناس في الحج مقبلون لا مدبرون، وتُعتبر مدة الحج طويلة من حيث الاحتكاك بهم والتواجد معهم طوال اليوم، فالحج بيئة خصبة للعمل الدعوي إذ بطول الخلطة تظهر نقاط الخلل وتتعدد أساليب النقاش والاتصال، وهذه ميزة لا تظهر في أي اجتماعاتٍ أخرى.

 

وهنا نلفت النظر إلى أنَّ أساليبَ الدعوة في الحج مختلفة وهي غاية في الدقة، خصوصًا وأنَّ حالَ الناسِ يظهر منه التجرد الكامل لله تعالى والقلوب فيه منكسرة، والجميع مقبلٌ على الله متلبّس بإحرامه، ساعٍ في تكميل حجه بعيدًا عن الجدل والرفث والفسوق.

 

لذا فمن المظاهر السلبية أن تجد من الدعاة هداهم الله، من عندهم الحماس والاندفاعية للدعوة، والذي ينتج عنه الانطلاق للدعوة بلا منهجية، وهذا لا فائدةَ فيه، بل ضرره أكثر من نفعه، والهدف من وجود التوعية في الحج هو مساعدة الحجاج على أداءِ مناسكهم على الوجه الصحيح واغتنام فرصة التجرد لربط القلوب بالله وحده، وهذا هو دور الداعية إلى الله.

 

وتقترح الأستاذة ناهد أن يصطحب الداعية معه بعض الكُتيبات المتعلقة بفتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء وفقه العبادات وبعض الكتب المتعلقة بالخطب المنبرية لكبار العلماء (لاحتوائها على موضوعات متعددة قد تواجه الداعية في الحج وهو غير مستعد لها بتحضير)، وكتب مُعدَّة للتوزيع على فئات محدودة (توزيع فردي) مثل: صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم- صفة الوضوء- الأذكار- الحجاب- السحر- الشرك، بعض المنشورات والمطويات النافعة.

 

برنامج متكامل

أخي الحاج: إذا كانت أي رحلة دنيوية حتى لو إلى مكانٍ قريبٍ لا تنجح إلا إذا كان لها برنامج واضح ومعد جيدًا..فما هو برنامجك الدعوي في رحلة الحج؟

يضع الأستاذ عبد الملك القاسم برنامجًا متكاملاً لموسم الحج يشتمل على:

 

- الاستخارة والاستشارة: فلا خابَ مَن استخار ولا ندمَ من استشار، فاستخر الله في الوقتِ والراحلة والرفيق.

 

- إخلاص النية لله عزّ وجلّ: فيجب على الحاج أن يقصد بحجه وعمرته وجه الله والدار الآخرة لتكون أعماله وأقواله لله عزَّ وجلَّ، قال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى".

- النفقة الحلال: التي تكون من الكسبِ الطيب حتى لا يكون في حجك شيء من الإثم، ففي الحديث عن الرسول- صلى الله عليه وسلم- أنه قال :"إذا خرج الحاج بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال، وراحلتك حلال، حجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الحرام الخبيثة ووضع رجله في الغرز فنادى: لبيك اللهم لبيك.ناداه مناد من السماء: لا لبيكَ ولا سعديك..زادك حرام، وراحلتك حرام، وحجك مأزور غير مبرور".

 

- تعلُّم أحكام الحج والعمرة وما يتعلق بهما: وتعلُّم شروط الحج وواجباته وأركانه وسننه حتى تعبدَ الله على بصيرةٍ وعلم، وحتى لا تقع في الأخطاءِ التي قد تُفسد عليك حجك، عن طريقِ مراجعة شرح كتاب الحج من كتب الفقه والاستماع لبعض الأشرطة أو المدارسة مع أحد طلبة العلم أو الحرص على حضورِ محاضرةٍ ولو واحدة على الأقلِ عن الحج وخصوصًا إذا كانت عن الفوائد التربوية في الحج.

 

- توفير المؤنة لأهلك والوصية لهم بالتقوى: فينبغي بمَن عَزَمَ على الحج أن يُوفِّر لمَن تجب عليه نفقتهم ما يحتاجون إليه من المال والطعام والشراب وأن يطمئن على حفظهم وصيانتهم وبعدهم عن الفتن والأخطار.

 

- الحرص على اختيار الرفقة الصالحة: فإنهم خير معين لك في هذا السفر؛ يُذكرونك إذا نسيت ويعلمونك إذا جهلت ويحوطونك بالرعاية والمحبة، وهم يحتسبون كل ذلك عبادة وقربة إلى الله عزَّ وجلَّ.

 

- تفقد الأهل والأقارب: وحضهم على اغتنام فرصة الحج خصوصًا مَن لم يحج الفريضة.

 

- التوبة إلى الله عزَّ وجلَّ من جميع الذنوب والمعاصي: قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور: من الآية 31).
 

وحقيقة التوبة: الإقلاع عن جميع الذنوب والمعاصي وتركها والندم على فعل ما مضى والعزيمة على عدمِ العودة إليها، وإن كان عنده مظالم للناس ردَّها وتحللهم منها سواء كانت عرضًا أو مالاً أو غير ذلك.

 

- عليك بالالتزام بآداب السفر وأدعيته المعروفة: والتي منها دعاء السفر والتكبير إذا صعدت مرتفعًا والتسبيح إذا نزلت واديًا، ودعاء نزول منازل الطريق وغيرها، والحرص على تذكير الرفقة بهذه الآداب.

 

- غض بصرك عن الحرام: واتق محارم الله عزَّ وجلَّ فأنت في أماكن ومشاعر عظيمة، واحفظ لسانك وجوارحك ولا يكن حجك ذنوبًا وأوزارًا تحملها على ظهرك يوم القيامة.

 

ولا تنسَ أخي الحاج أن تُذكِّر كل من حولك بالله وطاعته، ووجوب الإقلاع عن المعاصي وإظهار حسن الخلق، وذلك بأن تُقدم لهم من نفسك مثالاً عمليًّا وقدوة يُحتذى بها وقد قيل: إذا أثنى على الرجل معاملوه في الحضر ورفقاؤه في السفر فلا تشكوا في صلاحه.

 

وما زالت النصيحة الفردية من أهم الوسائل الدعوية لكل مسلم، في أيةِ مناسبة التقيت به؛ في سيارة، أو في أي مكان عند البيت، في منى..في مزدلفة..في عرفة..وتذكر قول الرسول صلى الله عليه وسلم- :"الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة فقيل يا رسول الله ما بر الحج؟ فقال : طيب الكلام وإطعام الطعام" تقبل الله منك حجك وجعله مبرورًا وأعانك على أداءِ واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

------------------------------------------

 

 

الحج.. الملتقى السياسي السنوي لمسلمي العالم

- مركز إسلامي جامع

- مجلس شورى المسلمين

- مدرسة إعلامية سياسية

- إعلان لمحاربة العنف والإرهاب

 

إعداد: أمل محمد

قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: 97).

فالحج أهم عبادة إسلامية تُؤدَّى كلَّ سنة، وهو عبادةٌ جامعةٌ لكل العباداتِ الأخرى؛ لأنها تحتوي على عددٍ من الجوانبِ العبادية، واذا كان الله أمرنا بأداءِ العباداتِ دون بيانٍ لمبرراتِ كل عبادة، إلا أننا نستطيع أن نلمس لكل عبادة معانيَ وحِكَمًا وأسرارًا.

وفي الحج تتجلَّى الأبعاد والمعاني السياسية بقوة وهذا ما تنبَّه له كثيرون، ففي دائرةِ المعارف البريطانية: "يؤدي الحجَّ كل سنة مليونان من الأفراد، وتؤدي هذه العبادة دورًا بالغًا في اجتماعِ المسلمين معًا في احتفالٍ ديني".

 

مركز إسلامي جامع

ورد في القرآنِ في معرضِ الأمر بالحج: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة: 125) والمثابة مرادفة لكلمةِ المركز بمعناها الحديث، أي المكان الذي يجتمع فيه الناس ويكون مرجعًا يرجعون إليه وجامعًا يجمعهم ويصونهم من التشتت، فبيت الله هو المركز الإسلامي العالمي إلى يومِ القيامة، وهو مقرُّ الاجتماعِ العالمي السنوي لكل مسلمي العالم.

 

الملتقى الوحدوي الأعظم

ولو نظرت إلى الحجاجِ وهم مجتمعون على جبلِ عرفات بملابسِ الإحرام الموحدة المظهر، فسترى أنَّ الشعوبَ والقوميات تنصهر في بوتقةٍ واحدةٍ جامعة؛ لتكتشف أنَّ الحجَ أكبر مظاهرة اجتماعية منظمة لا تجد لها مثالاً في أي مكانٍ آخر من العالم.

فالحاجُّ عندما يأتي إلى هذه الديار المقدسة فإنما يستشعر نفسه كعضو في جسد أكبر وفرد في أمة كبيرة مترامية الأطراف، أمة لا تعرف التقسيمات السياسية ولا الحدود الجغرافية، فحين يطوف الحاج مع إخوانه المسلمين من شتَّى بُقاع العالم بالكعبةِ المشرفة، وحين يقف على عرفاتِ ويبيت في منى والمزدلفة فإنما يحس بارتباطه العضوي بهذه الأمة الإسلامية على اختلافِ الألوان والأجناس والثقافات واللغات بينها.. مصداقًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13).

فدار المسلمين دار واحدة وإن اختلفت ملوكهم وجيوشهم ولغاتهم وأجناسهم ولا يتحقق بين مسلم ومسلم اختلاف في الدار وإن تباينت التبعية السياسة وتباعدت الأقطار.

 

المساواة ميراث تاريخي

فإنَّ المسلمَ إذا زار هذه البقاع الطاهرة تذكَّر تاريخ أمته وأنوار قرآنه العظيم، وتذكر صحابة الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- وكيف كانوا سواسيةً كأسنان المشط لا فضلَ لأحد على أحد- مهما كانت مكانته ومنزلته- إلا بالتقوى وصدق الله العظيم إذْ يقول: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.

وتتجلى المساواة بأسمى صورها الواقعية في الحج؛ وذلك على صعيدِ عرفات، حينما يقف الناس موقفًا واحدًا، لا تفاضل بينهم في أي عرضٍ من أعراضِ الدنيا الزائلة بل التفاضل والفوز والفلاح بالتقى فحسب.

ففي هذه المناسك يتساوى الفقير والغني، والأبيض والأسود، والعربي والأعجمي، لا تفاضلَ بينهم ولا تناقض في أعمالهم، فالأعمال واحدة، والمقصد والهدف نفسه والسبيل والنهج واحد.

 

مجلس شورى المسلمين

فالمسلمون يجتمعون في وقتٍ واحدٍ وموضع واحد على عملِ واحد، ويتصل بعضهم ببعض، ويتم التعاون والتعارف، ويكون وسيلةً للسعي في تعرُّف المصالحِ المشتركة بين المسلمين والسعي في تحصيلها بحسبِ القدرة والإمكان، وبذلك تتحقق الوحدة الدينية والأخوَّة الإيمانية، ويرتبط أقصى المسلمين بأدناهم، فيتفاهمون ويتعارفون ويتشاورون في كل ما يعود بنفعهم، فالإسلام ليس دين طقوس عقيدية جامدة، إنه دينُ حياة بكل أبعادها، والأمة الإسلامية أمة أراد الله لها أن تكون صاحبة رسالة دينية وحضارية، والرسالة الدينية الحضارية المنوطة بالأمةِ الإسلامية لا يمكن تأديتها والقيام بحقها إلا إذا توحَّدت جهود الأمة الإسلامية دينيًّا وفكريًّا وحضاريًّا.

ولقد كان عمر بن الخطاب يتخذ من الحج سبيلاً لإقامةِ العدل، وبث روح الشورى، والتعرف على شأن رعاياه، فقد كان يسأل الحجيج من كل إقليم عن ولاتهم، وعن مسالكهم في الرعية، ويبث مَن يجيئه بالأخبار، وكثيرًا ما كان يدعو بعض ولاته إلى مناقشته الحساب فيما صنع؛ بناءً على الأخبار التي تصله في الحج.

لذا علينا أن نتحرك جميعًا كمسلمين لجعل الحج مؤتمرًا إسلاميًّا تُبحث فيه كل القضايا الإسلامية؛ حيث يجب على المسلمين الجلوس وجهًا لوجه، وعلى كل فريق أن يبسط كل أدلته ووجهة نظره تجاه الطرف الآخر.

فهذا الحج هو مؤتمر إسلامي سنوي، ينعقد بدعوة إلهية، وتلتقي فيه وفود الأمم الإسلامية وممثلوها في أطهرِ مكانٍ بأصفى نفوس، مؤيَّدين بمعونة الله؛ ليرسموا خطة تعاون المسلمين، ويقرروا ما يُحقق آمالهم، ويُعالج أمراضهم، ويُوحِّد كلمتهم.

ولو عُني المسلمون بهذا المؤتمر الإلهي السنوي ليستفيدوا من تجاربِ بعضهم البعض، وليتحدثوا بمشاكلهم السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في كل المجالات العملية لاكتشفوا الإمكانات التي يمكن لأي بلد إسلامي أن يستفيد فيها من إمكانياتِ البلد الإسلامي الآخر على جميع المستويات؛ باعتبار أنَّ المسلمين أمةٌ واحدةٌ وأن قضاياهم واحدة، وأن مشاكلهم واحدة في هذا المجال.

 

أقدم وسيلة إعلامية

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾ (الحج).

تقول الروايات إنَّ الله تعالى أمر إبراهيم بأن ينادي في الناس بأن يأتوا هذا البيت زائرين فقال: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا يصل إليهم فقال: نادِ وعلينا البلاغ.. فقام على الحجر وقال: يا أيها الناس، إنَّ ربكم قد اتخذ بيتًا فحجُّوا إليه، فيقال: إنَّ الجبالَ تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض وسمع مَن في الأرحامِ والأصلاب وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر ومن كتب الله أنه يحج إلى يومِ القيامة: "لبيك اللهم لبيك".. فقد كان النداء الإبراهيمي بمثابة أول إعلان إذاعي أخذه الآخرون من بعده فأسمعوه لمَن في عصرهم، وهكذا استمرَّ هذا العملُ جيلاً بعد جيل، وعندما جاء عصر الصحافة والإذاعة وعصر القرية الصغيرة انتشر هذا الإعلان عبر بقاع الأرض.

 

محفل لإعلان المواقف السياسية

والحج هو المقام الطبيعي لإعلانِ القضايا الاجتماعية والسياسية؛ ولذلك أعلنت أهم أمور الإسلام في مناسباتِ الحج، ومن أمثلته إعلان البراءة من الكفارِ والمشركين والذي تمَّ بعد نزول سورة التوبة.. لقد نزل حكم البراءة من مشركي الجزيرة العربية وكفارها في المدينة إلا أنه أعلن بمكة خلال موسم الحج.. وهذا دليلٌ واضح على أنَّ موسمَ الحج بمكةَ هو المكان الصحيح لإعلانِ كل القرارات الإسلامية المهمة.. فالحجُّ هو المركز الاجتماعي لكلِّ مسلمي العالم، وهم يجتمعون هُنا وعليهم أن يُعلنوا هنا قراراتهم الكبرى وعليهم أن يضعوا هنا الخطط العالمية للأعمالِ التي تجب عليهم تنفيذًا لأوامرِ الله ورسوله.

والمثال الواضح الثاني لهذا هو خطبة حجة الوداع، التي هي أهم خطبة في حياة الرسول- صلى الله عليه وسلم- فمن خلالها أراد أن يُعرِّف الناسَ بمقتضياتِ الدين الأساسية بصورة نهائية قُبيل وفاته، ولم يعلنها الرسول- صلى الله عليه وسلم- في أي مكانٍ آخر بل أخرها إلى أن حان الحج سنة 10 هـ، وكان بإمكانِ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يستقدم الناس إلى المدينةِ ليقوم بهذا الإعلان أمامهم ولكنه لم يسلك هذه الطرق بل انتظر الحج، فأعلنها بعد وصوله إلى مكةَ.. وهكذا تبيَّن سُنةَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنَّ الحجَ هو المكان الأنسب لإعلانِ كُلِّ الأمورِ والقراراتِ المهمة في الإسلام.

 

هزيمة نفسية للأعداء

ومدرسة الحج كما أنها تُربِّي على الوحدةِ فهي بالمقابل تُحدث هزيمةً نفسيةً عُظمى للكفارِ فهي تحبط كل محاولات تفريق المسلمين وتُغيِّر قناعةَ الكفار في مدى نجاح خططهم لتفكيك المسلمين وتفريقهم وتُدخل عليهم الرعب والخوف من هذا الجمع الغفير الذي توحَّد في كلِّ شيء رغم تفرق البلدان وتباين اللغات واختلاف الألوان وتنوع الطبائع واللهجات.

يقول أحد المنصّرين عن مدى جدوى التنصير في البلاد الإسلامية: "سيظل الإسلامُ صخرةً عاتية تتحطم عليها سفنُ التبشير المسيحي ما دام للإسلامِ هذه الدعائم: القرآن واجتماع الجمعة الأسبوعي ومؤتمر الحج السنوي".

 

جلاء التعتيم الإعلامي على المسلمين

تأتي مدرسة الحج لتزيل العزلة الشعورية التي يعيشها المسلمون حيال قضاياهم ومشاكلهم وآمالهم وآلامهم وتبدد الحصار والتعتيم الإعلامي المفروض على المسلمين.

يأتي الحج فيلتقي المسلم بإخوانه المسلمين من جميعِ بقاعِ الأرض يُعايشهم ويتحسس أخبارهم ويُشاركهم همومهم وأفراحهم وأتراحهم فينقلها إلى إخوانه المسلمين فيتجاوبون معها همًّا وأرقًا، ويسعون جاهدين لنجدة إخوانهم ومد يد العون لهم.

 

إعلان لمحاربة العنف والإرهاب

يُعدُّ الحج بمثابة تدريبًا سنويًّا لشحن الإنسان بالروح السَّلامية، فالمظهر متشح بالبياض، والكعبة أصبحت بيت الله الحرام، فيحرم ممارسة العنف بكل أشكاله وامتداداته، فلا جدالَ في الحج، الجدال بمعنى التنازع والتوتر، وينعم الجميع ببحيرةٍ للسلامِ في أرضٍ غير ذي زرع، ويأمن الطير والدواب والإنسان على أنفسهم من العدوان، بعد أن كان الناس يُتخطفون من حولهم، ويمتد السلام من النفس إلى سائرِ الكائناتِ الحية، ليُعدَّ تجربةً سلميةً سنويةً لا تقبل الإلغاء أو التأجيل، للسلامِ الزماني المكاني، في البيتِ الحرام من خلالِ الأشهر الحرم.

------------------------------------------

 

 

 

مصابيح الهدى في رحلة الحج المباركة

 

قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ (الأحزاب: 21)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم".

ولنعد بذاكرتنا للوراء لنعيشَ مع الصحابة والتابعين ونمضي معهم في رحلة الحج؛ لنرى كيف حجوا، وماذا قالوا عن الحج، لنلتمس منهم القدوة الحسنة.

 

صور من حج الصحابة

أبو بكر الصديق رضي الله عنه

روي جابر أنه حين رجع النبي- صلى الله عليه وسلم- من عمرة الجعرانة بعَثَ أبا بكر على الحج، فقدمنا مكة، فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحدَّثَهم عن مناسِكِهِم، حتى إذا فرغ قام عليٌّ فقرأ على الناس براءة حتى ختمها.

ثم خرجنا معه حتى إذا كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس فحدَّثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام عليٌّ فقرأ على الناس براءة حتى ختمها.

ثم كان يوم النحر فأفضنا، فلما رجع أبو بكر خطب الناس فحدَّثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها.

فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم كيف ينفرون وكيف يرمون فعلمهم مناسكهم، فلما فرغ قام عليٌّ فقرأ براءة على الناس حتى ختمها.

 

 

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

يُروى عنه أنه قال يومًا وهو بطريق مكة: تشعثون وتغبرون وتتفلون وتضحون لا تريدون بذلك شيئًا من عرض الدنيا، ما نعلم سفرًا خيرًا من هذا.. يعني: الحج.

 

عبد الله بن عمر رضي الله عنهما

قال عنه مجاهد: صحبت ابن عمر في السفر لأخدمه فكان يخدمني، وقال رجل لابن عمر: ما أكثر الحاج!! فقال ابن عمر: ما أقلهم.. ثم رأى رجلاً على بعير على رحْلٍ رثٍّ خطامه حبل فقال: لعل هذا.

 

وقال ابن عمر لرجل رآه قد استظلَّ في إحرامه: اضح لمن أحرمت له، أي ابرز للضحى وهو حَرّ الشمس، وعن عبد الله بن عمر أنه استلم الحجر ثم قبل يده، وقال: ما تركته منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله.

 

 

حكيم بن حزام
كان حكيم بن حزام رضي الله عنه يقف بعرفة ومعه مائة بدنة مقلدة ومائة رقبة فيعتق رقيقه، فيضجُّ الناس بالبكاء والدعاء.. يقولون: ربنا هذا عبدُك قد أعتق عبيده ونحن عبيدك فأعتقنا.

 

صور من حج التابعين

علي بن الحسين

حفيد النبي- صلى الله عليه وسلم- يحكي عنه سفيان بن عيينة فيقول: حج علي بن الحسين رضي الله عنهما فلما أحرم واستوت به راحلته اصفرَّ لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبِّي، فقيل له: لم لا تلبي فقال: أخشى أن يقال لي لا لبيك ولا سعديك، فلما لبَّى غُشِي عليه ووقَع عن راحلته فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه.

 

جعفر الصادق

ذكر عن مالك بن أنس رحمه الله تعالى قال: صحبت جعفر الصادق، فلما أراد أن يلبِّي تغير وجهه وارتعدت فرائصه، فقلت: ما لك يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أردت أن ألبِّي، قلت: فما يوقفك؟ قال: أخاف أن أسمع غير الجواب.

 

عبد الله بن المبارك

كان ابن المبارك يُطعم أصحابه في الأسفار أطيبَ الطعام وهو صائم، وكان إذا أراد الحج من بلده (مَرو) جمع أصحابه وقال من يريد منكم الحج؟ فيأخذ منهم نفقاتهم فيضعها عنده في صندوق، ويقفل عليه ثم يحملهم وينفق عليهم أوسع النفقة، ويطعمهم أطيب الطعام، ثم يشتري لهم من مكة ما يريدون من الهدايا والتحف، ثم يرجع بهم إلى بلده، فإذا وصلوا صنع لهم طعامًا ثم جمعهم عليه، ودعا بالصندوق الذي فيه نفقاتهم فرد إلى كل واحد نفقته.

 

محمد بن واسع

كان أبو بكر محمد بن واسع- زين القراء- يصلي في طريق مكة ليلَه أجمع في محمله، يومئ إيماءً ويأمر حاديَه أن يرفع صوتَه خلفَه حتى يُشغل عنه بسماع صوت الحادي فلا يتفطن له.

 

سفيان الثوري

قال ابن المبارك: جئتُ إلى سفيان الثوري عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه وعيناه تهملان، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالاً؟! قال: الذي يظن أن الله لا يغفر لهم.

 

المغيرة بن الحكيم الصنعاني

كان المغيرة بن الحكيم الصنعاني يحجُّ من اليمن ماشيًا، وكان له ورد بالليل يقرأ فيه كل ليلة ثلث القرآن، فيقف فيصلي حتى يفرغ من ورده، ثم يلحق بالركب متى لحق بهم، فربما لم يلحقهم إلا في آخر النهار.

 

إبراهيم بن أدهم

يُروى عنه أن قومًا رافقوه في السفر فانتهى بهم المكان إلى مسجد مهجور ليس له بابٌ والليلة شاتية، فانتظر إبراهيم حتى نام إخوانه، ثم قام مقام الباب وسد البرد عنهم بجسده إلى الصباح.

وحج إبراهيم بن أدهم مرةً مع جماعة من أصحابه، فشرط عليهم في ابتداء السفر أن لا يتكلم أحدهم إلا لله تعالى ولا ينظر إلا لله، فلما وصلوا وطافوا بالبيت رأوا جماعةً من أهل خراسان في الطواف معهم غلامٌ جميلٌ قد فُتِنَ الناسُ بالنظر إليه، فجعل إبراهيم يسارقه النظر ويبكي، فقال له بعض أصحابه: يا أبا إسحاق.. ألم تقل لنا: لا ننظر إلا لله تعالى. فقال: ويحك!! هذا ولدي، وهؤلاء خدمي وحشمي.

 

بهيم العجلي

ترافق بهيم العجلي- وكان من العابدين البكائين- مع رجل تاجر موسر في الحج، فلما كان يوم خروجهم للسفر بكى بهيم العجلي حتى قطرت دموعه على صدره ثم قطرت على الأرض، وقال: ذكرت بهذه الرحلة الرحلة إلى الله، ثم علا صوته بالنحيب، فكره رفيقه التاجر منه ذلك، وخشي أن يتنغص عليه سفره معه بكثرة بكائه.

فلما قدما من الحج جاء الرجل الذي رافق بينهما إليه ليسلم عليهما فبدأ بالتاجر فسلم عليه وسأله عن حاله مع بهيم فقال له: والله ما ظننت أن في هذا الخَلق مثله، كان والله يتفضل عليَّ في النفقة وهو معسر وأنا موسر، ويتفضل عليَّ في الخدمة وهو شيخ ضعيف وأنا شاب، ويطبخ لي وهو صائم وأنا مفطر.

فسأله عما كان يكرهه من كثرة بكائه فقال: والله ألفت ذلك البكاء، وأشرب حبه قلبي حتى كنت أساعده عليه حتى تأذى بنا الرفقة، ثم ألفوا ذلك فجعلوا إذا سمعونا نبكي بكوا، ويقول بعضهم لبعض: ما الذي جعلهما أولى بالبكاء منا والمصير واحد، فجعلوا والله يبكون ونبكي!!

 

علي بن الموفق

يقول علي بن الموفق: حججت ستين حجة، فلما كان بعد ذلك جلست في الحجر أفكر في حالي وكثرة تردادي إلى ذلك المكان ولا أدري هل قبل مني حجي أم رُدَّ!! ثم نمت فرأيت في منامي قائلاً يقول لي: هل تدعو إلى بيتك إلاَّ من تحب، قال: فاستيقظت وقد سرِّيَ عني.

 

مسروق بن الأجدع

روي أن مسروق بن الأجدع الهمداني الفقيه العابد صاحب ابن مسعود كان يصلِّي حتى تورمت قدماه، وحج فما نام إلا ساجدًا.. قال أبو همام أبو ضمرة عن العلاء بن هارون قال: سمعته يقول: حجَّ مسروق فما افترش إلا جبهته حتى انصرف.

 

الفضيل بن عياض

عابد الحرمين، يُروى عنه أنه وقف بعرفة والناس يدعون، وهو يبكي بكاءَ الثكلى المحترقة، قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال: واسوءتاه منك وإن عفوت، وقال شعيب بن حرب: بينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل يشد ثوبي من خلفي، فالتفت فإذا بالفضيل بن عياض، فقال: لو شفع في وفيك أهل السماء كنا أهلاً أن لا يشفع فينا، قال شعيب: ولم أكن رأيته قبل ذلك بسنة قال: فكسرني، وتمنيت أني لم أكن رأيته.

ورُوي عن الفضيل أنه نظر إلى تسبيح الناس وبكائهم عشيةَ عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقًا- يعني سدس درهم- أكان يردهم؟ قالوا لا. قال: والله لَلمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.

 

أبو مسلم الخرساني

كان أبو مسلم الخرساني قد خرج للحج ومعه ما يقارب عشرة آلاف من المرافقين، وكان عندما ينزل ينحر الإبل والأغنام ويحفر الآبار ويطعم الناس، ويعطي العطايا.

 

الإمام الفقيه أبو الحكم المنذر ابن سعيد البلوطي

يقول ابنه عنه: إنه خرج للحج إلى مكة المكرمة مع رفقة من أهل الأندلس، فلما كانوا في عرض الصحراء تاهوا في الطريق وضلوا، ولم يكن معهم طعام ولا شراب حتى بلغ بهم العطش مبلغَه وقربت منهم المنية، قال: فآووا إلى كهف في الجبل ينتظرون الموت، فوضع المنذر بن سعيد رأسه على طرف الجبل فوجد إلى جواره صخرةً ناتئةً مرتفعةً، وعالجها بيده فنزعها ففار الماء، فشربوا عن آخرهم، وأنقذهم لله عز وجل من الموت عطشًا.

أخي الحاج.. أرأيت كيف حج هؤلاء؟! والآن بعد أن تأهَّبت لهذه الرحلة المباركة كيف سيكون حجك؟! ومن سيكون قدوتك من هؤلاء؟!

 

المراجع

- أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير.

- الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني.

- موقع www.tohajj.com.


------------------------------------------

 

الحج مشاعر

أخي الحاج

هي مواقف تربوية ونفحات إيمانية.. تتعرض لها أثناء رحلة الحج.. تعيشها بقلبك ووجدانك.. تتذوق من خلالها حلاوة الإيمان.. وروعة أداء فريضة الحج ..

أخي الحاج حينما تكون وسط المشاعر لك أن تتأمل وتقف فسيمر بك بعض اللفتات التي تستحق التأمل والوقوف عندها وهي كثيرة، ومن ذلك:-

1- رؤيتك لأجناس مختلفة من البشر، وفود جاءت من كل فجٍّ عميق على اختلاف ألسنتهم وألوانهم، وجنسياتهم وشعوبهم.. فلعل تلك الرؤية لهؤلاء الحجيج.. تُثير فيك مشاعرالعزة الإسلامية وعظمة الانتماء لهذا الدين، القادر على تجميع القلوب والأرواح والأبدان، في بقعة محدودة من العالم، وفي أيام معدودات.. أليس هذا الدين فيه مقومات التمكين وسيادة البشرية؟.. فعش مع هذا المعنى وأنت ترى مواكب الحجيج تأتي من كل صوب وحدب.

2- أنت بجوار الكعبة الآن لتبدأ الطواف وسط هذه الجموع من الحجيج.. والعزم أكيد لديك على تقبيل الحجر الأسود.. تذكر وأنت تسعى لذلك.. أنك بتقبيلك الحجر أو استلامه.. إنما أنت تجدد العهد والبيعة مع الله.. وأن الحجيج شهود على هذه البيعة.. فاستشعر عظمة ذلك.

3- أثناء الطواف والسعي أو الوقوف بعرفة، وبعد الانتهاء من رمي الجمرات يفتح الله لك أبوابًا للدعاء المستجاب.. فماذا أنت داع هناك؟ ما الذي يشغلك؟ وحاجتك من ربك؟ وبماذا أوصاك أهلك وإخوانك ؟.. فاستحضر قلبك حينئذ.. واسكب العبرات.. ودع الحديث هناك للقلب والعين قبل اللسان والشفتين.. ولا تنسَ أن دعوة الله بحاجة إلى دعواتك.. أن يثبت الله القائمين عليها.. وأن يفتح لها القلوب.. وأن يمكن لها في الأرض.

4- حينما تقف وقفة عرفة مع الحجيج.. في يوم المغفرة الكبرى.. ويوم العتق الأكبر من النيران.. فلك أن تتصور أنك ستنخلع من ذنوبك كيوم ولدتك أمك .. فكم مرة أسرتك ذنوبك وتمنيت أن تُغفر لك؟! وها قد جاءتك الفرصة لكي تدفع عنك كل أثقال الذنوب والآثام.. وتغسل عنك كل أدران المعصية.. إذًا عليك بحج لا رفثَ فيه ولا فسوقَ ولا جدالَ.. واستغفار جاد وتوبة صادقة بين يدي مولاك.
 

 

 


------------------------------------------

 إبل تعشق الموت

 

حينما حج النبي- صلى الله عليه وسلم ساق معه مائة من الإبل هديه- صلى الله عليه وسلم، فأخذ الحربة لينحرها.. فيا للعجب ويا للروعة إذْ أقبلت الإبل تتسابق إليه أيتها ينحر قبل.. هكذا تتسابق النوق وكل واحدة منها تقدم رقبتها للنبي- صلى الله عليه وسلم- لتظفر بطعنة من يده الشريفة، لقد أدركت أن الموت له طعم من كفه- صلى الله عليه وسلم، ينحر منها ثلاثًا وستين ثم يتوقف ولم يكمل المائة، ويُعطي الحربة لعلي بن أبي طالب- رضي الله عنه- ليكمل المائة.

سبحان الله!! إبل تُقدم رقابها لينحرها رسول الله- صلى الله عليه وسلم، على حين أن هناك فئات من الناس وأعداد ممن ينتسبون إلى هذا الدين يدعوهم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لا ليقطع رقابهم بل ليرفعها ويعلي قدرها بهذا المنهج الذي يحمله فيأبون إلا أن يدسوا رؤوسهم في التراب، وأن يلووا أعناقهم عن سنته وهديه- صلى الله عليه وسلم.

 

 

------------------------------------------
 


 هنا تسكب العبرات

 

يتقدم- صلى الله عليه وسلم- في إحرامه الطاهر وقلبه الخاشع، يتقدم في موكبه الباهر وخلقه المتواضع، يتقدم إلى حيث ذكريات جده– عليه السلام – أبو الحنيفية ومرسي دعائم هذا البيت العظيم، جنبات الحرم تدوي بالتهليل والتكبير، كلمات التلبية وعبارات التوحيد تملأ المكان وتطرب الزمان، وتتصاعد في إخلاصها المتناهي إلى الواحد الديان.. هنا يقترب- صلى الله عليه وسلم- من الحجر الأسود ليقبله قبلة ترتسم على جبينه درة مضيئة على مر السنين، لم يتمالك نفسه صاحب النفس الخاشعة والعين الدامعة، فينثر دموعه مدرارًا وتتحدر على خده المشرق كاللآلئ المضيئة، هنا كان "عمر بن الخطاب" يتابع الموقف بلهفة وتعجب!! يا رسول الله لماذا تبكي؟ يكفكف دموعه الطاهرة- صلى الله عليه وسلم- ويجيب صاحبه الوفي بعبارات هادئة خاشعة باكية قائلة له: "هنا تسكب العبرات يا عمر".

الحجر الأسود قبلته *** بشفتي قلبي وكلي وَلَه

لا لاعتقادي أنه نافع *** بل لاقتدائي بالذي قبَّله

 

 

 

------------------------------------------
 

الفضيل بن عياض ينصح الرشيد

 

"هارون الرشيد" هذا الخليفة العادل والإمام الصالح الذي افتري عليه افتراءات كثيرة وهو منها براء، "هارون الرشيد" الخليفة العابد العادل الذي كان يحج سنة ويغزو سنة، إليك هذه القصة الجميلة المؤثرة والموعظة البالغة التي تهز الوجدان، وتنفذ إلى أعماق القلوب والتي وُعظ بها "هارون الرشيد" من العالم العابد الواعظ "الفضيل بن عياض" رحمه الله.

يقول الفضل بن الربيع – حاجب الرشيد – سافر أمير المؤمنين للحج فأتاني فخرجت إليه مسرعًا فقلت له: هاهنا "الفضيل بن عياض" هل لك في زيارته؟ فقال الرشيد: امض بنا إليه، فأتيناه فإذا هو قائم يصلي يتلو آية من القرآن يرددها، قال: اقرع الباب، فقرعته، فقال: مَن هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين، فقال: مالي ولأمير المؤمنين، فقلت: سبحان الله! أوما عليك طاعته ؟ فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى إلى الغرفة وأطفأ السراج، ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف "هارون قبلي إليه، فقال: يا لها من كف ما ألينها إن نجت غدًا من عذاب الله! فقلت في نفسي: ليكلمنه الليلة بكلام نقي من قلب تقي، فقال له: خذ لما جئناك له رحمك الله، فقال: إن "عمر بن عبد العزيز" لما ولي الخلافة دعا "سالم بن عبد الله"، و"محمد بن كعب القرظي"، و"رجاء بن حيوة" فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء، فأشيروا علي، فعد الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة.

فقال له "سالم بن عبد الله": "إن أردت النجاة من عذاب الله غدًا ليكن كبير المسلمين عندك أبًا، وأوسطهم أخًا، وأصغرهم ولدًا، فوقر أباك، وأكرم أخاك، وتحنن على ولدك.

وقال له "رجاء بن حيوة": إن أردت النجاة من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت، وإني أقول لك: إني أخاف عليك أشد الخوف من يوم تزل فيه الأقدام، فهل معك رحمك الله مَن يشير عليك بمثل هذا؟

فبكى "هارون" بكاءً شديدًا حتى غُشي عليه، فقلت له: أرفق بأمير المؤمنين. فقال: تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا! ثم أفاق، فقال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أن عاملاً لـ"عمر بن العزيز" شكى إليه، فكتب إليه عمر: يا أخي، أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله عز وجل فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء.

فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر، فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، لا أعود إلى ولاية حتى ألقى الله عز وجل، فبكى "هارون" بكاءً شديدًا ثم قال: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عم المصطفى- صلى الله عليه وسلم- جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله أمِّرني على إمارة، فقال له: إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرًا فافعل

فبكى "هارون" بكاءً شديدًا فقال له: زدني رحمك الله، فقال له: يا حسن الوجه! أنت الذي يسألك الله عز وجل عن هذا الخلق يوم القيامة، فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تُصبح وتُمسي وفي قلبك غشًا لأحد من رعيتك، فإن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "من مات غاشًا لرعيته لم يرح رائحة الجنة".

فبكى "هارون" وقال له: عليك دين؟ قال: نعم، دين لربي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حُجتي.

 

 

------------------------------------------
 

أسرة ربانية (3/1)

 

بين يدي البيئة:

انطلقت شهرة إبراهيم في المملكة كلها، وتحدث الناس عن معجزته ونجاته من النار، وتحدث الناس عن موقفه مع الملك، وكيف أخرس الملك فلم يعرف ماذا يقول.

واستمر إبراهيم في دعوته إلى الله تعالى، وبذل جهده ليهدي قومه، وحاول إقناعهم بكل الوسائل، ورغم حبه لهم وحرصه عليهم.. فقد غضب قومه وهجروه، ولم يؤمن معه من قومه سوى امرأة ورجل واحد، امرأة تُسمى "سارة"، وقد صارت فيما بعد زوجته، ورجل هو لوط، وقد صار نبيًا فيما بعد، وحين أدرك إبراهيم- عليه السلام- أن أحدًا لن يؤمن بدعوته قرر الهجرة.

وعلى العكس من قصة نبي الله نوح- عليه السلام، حيث كان الأب نبيًّا والابن كافرًا، نرى هنا في قصة إبراهيم- عليه السلام- أن الأب كافر والابن نبيٌّ.. وقبل أن يهاجر دعا والده للإيمان واستغفر الله له، ثم تبيَّن لإبراهيم- عليه السلام- أن والده عدوٌّ لله، وأنه لا ينوي الإيمان، فتبرَّأ منه وقطع علاقته به، وفي القصتين نرى المؤمن يعلن براءته من عدو الله مهما كان، وكأن الله يُفهمنا من خلال القصة أن العلاقة الوحيدة التي ينبغي أن تقوم عليها الروابط بين الناس هي علاقة الإيمان لا علاقة الميلاد والدم.

 

فرارٌ بالدين من الفتن:

خرج إبراهيم عليه السلام من بلده وبدأ هجرته، وسافر إلى مدينة تُدعى (أور)، ومدينة تُسمى (حاران)، ثم رحل إلى فلسطين ومعه زوجته- المرأة الوحيدة التي آمنت به وصدقته- وصحب معه لوطًا، الرجل الوحيد الذي آمن به، وبعد فلسطين ذهب إبراهيم إلى مصر، وطوال هذا الوقت وخلال هذه الرحلات كلها، كان يدعو الناس إلى عبادة الله، ويُحارب في سبيله، ويخدم الضعفاء والفقراء، ويعدل بين الناس، ويهديهم إلى الحقيقة والرشاد.

وتأتي بعض الروايات لتبين قصة إبراهيم عليه السلام وزوجته سارة وموقفهما مع ملك مصر، ولئن صحَّت رواية هذه القصة فليس فيها ما يُنقص من شأن السيدة الصالحة "سارة"، بل ربما يكون فيها ما يشهد لها بحفظ الله لها ورعايته لزوج نبيه وخليله إبراهيم- عليه السلام- فتقول الرواية:

 

بلاءٌ وابتلاءٌ:

وصلت الأخبار لملك مصر بوصول رجل لمصر معه امرأة، هي أجمل نساء الأرض، فطمع بها، وأرسل جنوده ليأتونه بهذه المرأة، وأمرهم بأن يسألوا عن الرجل الذي معها، فإن كان زوجها فليقتلوه، فجاء الوحي لإبراهيم- عليه السلام- بذلك، فقال إبراهيم- عليه السلام- لـ"سارة": إن سألوكِ عني فأنتِ أختي- يعني أخته في الله- فجاء الجنود وسألوا إبراهيم: ما تكون هذه منك؟ قال: أختي، ولنقف هنا قليلاً، قال إبراهيم حينما قال لقومه (إني سقيم) و(بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم) و(هي أختي).. كل هذه كلمات تحتمل التأويل، لكن مع هذا كان إبراهيم- عليه السلام- خائفًا جدًا من حسابه على هذه الكلمات يوم القيامة، فعندما يذهب البشر له يوم القيامة ليدعو الله أن يبدأ الحساب يقول لهم: لا.. إني كذبت على ربي ثلاث مرات..

 

"سارة".. المرأة العفيفة:

لما عرفت "سارة" أن ملك مصر فاجرٌ، ويريدها له أخذت تدعو الله قائلةً: اللهم إن كنت تعلم أني آمنتُ بك وبرسولك وأحصنتُ فرجي- إلا على زوجي- فلا تسلِّط عليَّ الكافر، فلما أدخلوها عليه مد يده إليها فشُلَّت وتجمدت يده في مكانها، فصرخ لأنه لم يعد يستطيع تحريكها، وجاء أعوانه لمساعدته لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء، فخافت "سارة" على نفسها أن يقتلوها بسبب ما فعلتْه بالملك، فقالت: يا رب، اتركه لئلا يقتلوني به، فاستجاب الله لدعائها، لكن الملك لم يتب وظن أن ما حدث كان أمرًا عابرًا وذهب، فهجم عليها مرةً ثانيةً فشُلَّ مرةً ثانيةً، فقال: فكيني، فدعت الله تعالى فَفَكَّه، فمد يده ثالثةً فشُلَّ، فقال: فكيني وأُطلقك وأكرمك، فدعت الله- سبحانه وتعالى- فَفُك، فصرخ الملك بأعوانه: أبعدوها عني فإنكم لم تأتوني بإنسان بل أتيتموني بشيطان، فأطلقها وأعطاها شيئًا من الذهب، كما أعطاها أَمَةً اسمها "هاجر".
هذه الرواية مشهورة عن دخول إبراهيم- عليه السلام- لمصر، وإن غاب عنا مدى وقوعها لكنها كما قلنا من قبل لا تطعن في حق إبراهيم- عليه السلام- ولا زوجته "سارة"، بل ربما بيَّنت فضلها وحفظ الله لها.

وكانت "سارة" لا تلد، وكان ملك مصر قد أهداها جارية مصريةً؛ لتكون في خدمتها، وكان إبراهيم- عليه السلام- قد صار شيخًا، وابيضَّ شعرُه من خلال عُمر أبيضَ أنفقَه في الدعوة إلى الله، وفكرت "سارة" أنها وإبراهيم- عليهما السلام- وحيدان، وهي لا تنجب أولادًا، ماذا لو قدمت له السيدة المصرية لتكون زوجة لزوجها؟ وهكذا زوجت "سارة" سيدنا إبراهيم- عليه السلام- مَن "هاجر"، وقد رفض إبراهيم- عليه السلام- ذلك بادئ الأمر إلا أنها أصرت عليه فرضي إرضاءً لها، وولدت "هاجر" ابنها الأول فأطلق والده عليه اسم "إسماعيل"، كان إبراهيم- عليه السلام- شيخًا حين ولدت له "هاجر" أول أبنائه "إسماعيل"، لكنها عادة بنات حواء الغيرة المحرقة، غارت السيدة "سارة" ولئلا يحمل قلبها سوءًا طلبت إلى زوجها الهجرة بزوجته "هاجر" وابنها "إسماعيل" إلى مكان بعيدٍ عنها.

 

رحلة إبراهيم مع "هاجر" و"إسماعيل" لوادي مكة:

استيقظ إبراهيم- عليه السلام- يومًا فأمر زوجته "هاجر" أن تحمل ابنها وتستعد لرحلة طويلة، وبعد أيام بدأت رحلة إبراهيم- عليه السلام- مع زوجته "هاجر" ومعهما ابنهما "إسماعيل"، وكان الطفل رضيعًا لم يفطم بعد، وظل إبراهيم- عليه السلام- يسير وسط أرض مزروعة، تأتي بعدها صحراء، تجيء بعدها جبال، حتى دخل إلى صحراء الجزيرة العربية، وقصد إبراهيم- عليه السلام- واديًا ليس فيه زرع ولا ثمر ولا شجر ولا طعام ولا مياه ولا شراب.

وكان الوادي يخلو تمامًا من علامات الحياة، ولمَّا وصل إبراهيم- عليه السلام- إلى الوادي، ونزل من فوق ظهر دابته، وأنزل زوجته وابنه تركهما هناك، وترك معهما جرابًا فيه بعض الطعام وقليلاً من الماء، ثم استدار وتركهما وسار، فأسرعت خلفَه زوجتُه وهي تقول له: يا إبراهيم- عليه السلام- أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه شيء؟!
لم يرد عليها سيدنا إبراهيم- عليه السلام- وظل يسير، فعادت تقول له ما قالته وهو صامت، وأخيرًا فهمت أنه لا يتصرف هكذا من نفسه، وأدركت أن الله أمره بذلك، فسألته: آلله أمرك بهذا؟ قال إبراهيم- عليه السلام-: نعم، قالت زوجته المؤمنة العظيمة: إذًا فلن نضيع ما دام الله معنا وهو الذي أمرك بهذا، وسار إبراهيم- عليه السلام- حتى إذا أخفاه جبل عنهما وقف ورفع يديه الكريمتين إلى السماء، وراح يدعو الله: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (إبراهيم: 37).

لم يكن بيت الله قد أعيد بناؤه بعد، لم تكن الكعبة قد بنيت، وكانت هناك حكمةٌ عليا في هذه التصرفات الغامضة، فقد كان "إسماعيل" الطفل الذي تُرك مع أمه في هذا المكان، كان هذا الطفل هو الذي سيصير مسئولاً مع والده عن بناء الكعبة فيما بعد، وكانت حكمة الله تقضي أن يمتد العمران إلى هذا الوادي، وأن يقام فيه بيت الله الذي نتَّجه جميعًا إليه أثناء الصلاة بوجوهنا.

ترك إبراهيم- عليه السلام- زوجته وابنه الرضيع في الصحراء، وعاد راجعًا إلى كفاحه في دعوة الله، أرضعت "هاجر" ابنها "إسماعيل" وأحسَّت بالعطش، وكانت الشمس ملتهبةً وساخنةً وتثير الإحساس بالعطش، وبعد يومين انتهى الماء تمامًا وجفَّ لبن الأم، وأحست "هاجر" و"إسماعيل" بالعطش، حيث كان الطعام قد انتهى، وبدا الموقف صعبًا وحرجًا للغاية.

 

ماء زمزم:

بدأ "إسماعيل" يبكي من العطش، وتركته أمه وانطلقت تبحث عن ماء، فراحت تمشي مسرعةً حتى وصلت إلى جبل اسمه (الصفا) فصعدت إليه وراحت تبحث عن بئر أو إنسان أو قافلة فلم يكن هناك شيء، ونزلت مسرعةً من الصفا حتى إذا وصلت إلى الوادي راحت تسعى سعي الإنسان المجهد حتى جاوزت الوادي ووصلت إلى جبل (المروة)، فصعدت إليه ونظرت لترى أحدًا لكنها لم تر أحدًا، وعادت الأم إلى طِفلها فوجدته يبكي وقد اشتد عطشُه، وأسرعت إلى (الصفا) فوقفت عليه وهرولت إلى (المروة) فنظرت من فوقه، وراحت تذهب وتجيء سبع مرات بين الجبلين الصغيرين، سبع مرات وهي تذهب وتعود- ولهذا يذهب الحجاج سبع مرات ويعودون بين (الصفا) و(المروة)؛ إحياءً لذكريات أمهم الأولى ونبيهم العظيم "إسماعيل" عادت "هاجر" بعد المرة السابعة وهي مجهدة متعبة تلهث، وجلست بجوار ابنها الذي كان صوته قد بُحَّ من البكاء والعطش.

وفي هذه اللحظة اليائسة أدركتها رحمة الله، وضرب "إسماعيل" بقدميه الأرض وهو يبكي؛ فانفجرت تحت قدميه بئر (زمزم)، وفار الماء من البئر فأنقذ حياة الطفل والأم، فراحت الأم تغرف بيدها وهي تشكر الله، وشربت وسقت طفلها وبدأت الحياة تدب في المنطقة، وصدق ظنها حين قالت: لن نضيع ما دام الله معنا.

وبدأت بعض القوافل تستقر في المنطقة، وجذب الماء الذي انفجر من بئر (زمزم) عددًا من الناس، وبدأ العمران يبسط أجنحته على المكان.

 

------------------------------------------
 

مواقف تربوية لأولادنا

(1) رسالة واحدة

من شرفة الطابق الثالث في الحرم المكي الشريف، وفي الساعة التي تسبق الفجر التقى اثنان من حجاج بيت الله الحرام.

- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

- من أين أنت؟

- من فلسطين.

- الأرض المباركة.. أرض المسجد الأقصى.. أرض الانتفاضة والكرامة.

- نعم بارك الله فيك، وأنت؟

- أنا من الشيشان.

- ما شاء الله.. أرض الجهاد والثبات.

- نعم، والحمد لله.

انظر يا أخي إلى هذه المجموعة من المسلمين تطوف ببيت الله في وحدة وأخوَّةٍ وتلاحُم، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية10).

نعم يا أخي.. إن هذا المشهد عظيمٌ حقًا، وإنه ليبعث في القلوب يقينًا بأن هذه الأمة لن تموت، وأن هذه الروح إذا خرجت من المسجد إلى سائر ميادين الحياة لتحررت فلسطين وأفغانستان والعراق، ولانتصر المسلمون في كل مكان.

يرتفع صوت الأذان: الله أكبر.. الله أكبر، فيرفع صوت الحاجين مع باقي الحجيج بترديد النداء المبارك، وبعد انتهاء الأذان رفع أحدهما يديه وصوته، قائلاً في دعاء حار:

"اللهم إنَّ حال المسلمين لا يخفى عليك، فأصلحه إلى أحسن حال.. اللهم اجعل للمسلمين من ضعفهم قوة، ومن تفرقهم وحدة، ومن ذلهم عزًا، ومن تخلفهم نهضة، ومن تخاذلهم عزمًا، ومن انهزامهم نصرًا مؤزرًا مبينًا".

وأقبل الناس عليها، وظلوا يؤمِّنون على الدعاء: آمين... آمين.

 

(2) اربح في هذه الأيام:

بُنيَّ الحبيب هذه الأيام الأوائل من ذي الحجة أيام خير وبركة وعمل، فسارع بعمل الآتي:

* بادر بالتوبة الصادقة لله، وكن بارًا بوالديك، معاوِنًا لغيرك ونافعًا له، نظيفًا مرتَّبًا، عفيف اليد واللسان، شديدَ الحب لبلادك، عاملاً على رخائها.

* أكثر من الذكر والدعاء والاستغفار في أيام العشر الأوائل من ذي الحجة، ولا تنسَ إخوانك في فلسطين وأفغانستان والعراق، واقرأ القرآن، وتصدق من مصروفك اليومي.

* عليك بالصيام، وخاصةً يوم عرفة؛ حتى تفوز بالفضل العظيم، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "صيام يوم عرفة يكفِّر السنة الماضية".

* أن تتابع مشهد عرفات الرائع عبر شاشات التلفاز، وتتذكر أن الاتحاد قوة، وأن التفرق ضعف، وأن هذه الجموع الكثيرة قادرةٌ بإذن الله على رفع راية الإسلام ورد العدوان والظلم، الذي يقع على المسلمين في أماكن كثيرة من العالم.

* أن تشارك والديك- أو من يضحي- في توزيع لحوم الأضحية على الفقراء، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم".

 

------------------------------------------

أسرة ربانية (2/3)

 

كانت قبيلة جرهم- وهي إحدى أكبر القبائل العربية في ذلك الزمان- مثلها مثل بقية القبائل العربية، تجوب الأماكن بَحثًا عن الماء والعشب، وكانوا يقيمون في عرفات؛ مما أتاح لهم أن يروا الطير تحوم فوق وادي مكة، حيث انبجس الماء من بئر زمزم، فعرفوا أن في ذلك الوادي ماءً، وبعثوا منهم من يتحقق من ذلك، فجاءوا إلى الوادي فرأوا "هاجر" وابنها "إسماعيل"، وشاهدوا البئرَ المملوءةَ ماءً، فأعجبهم المكان، فاقتربوا من "هاجر" وسألوها مَن تكون؟

قصت "هاجر" عليهم قصتها، فطلبوا منها أن تأذن لهم في النزول قريبًا منها ومن البئر، فقالت لهم: سوف أستأذن لكم زوجي "إبراهيم"- عليه السلام- فإنه يتفقدنا بين الحين والحين، ولما جاء "إبراهيم"- عليه السلام- ليرى إِلامَ صار حال زوجته وابنه البكر "إسماعيل"- عليه السلام- سألته "هاجر" إن كان يأذن أن ينزل الجرهميون قريبًا منها في وادي مكة أم لا، فَسُرَّ بذلك سرورًا عظيمًا، وقد علم أن دعوته بدأَت تتحقق، فأذِن لهم.

وجاءت رسل (جرهم) ليعرفوا الجواب، فأعلمتهم "هاجر" أن زوجها أذِن لهم بالنزول قريبًا منها، شرط ألا يكون لهم على الماء سلطان، فعادوا إلى قومهم يخبرونهم، ففرحوا بذلك ووافقوا، وأقام الجرهميون قُرب الماء، فأنِست بهم أم "إسماعيل"- عليه السلام- وقد منحوا ابنها كثيرًا من الأنعام.

وشبَّ "إسماعيل"- عليه السلام- بين أبناء قبيلة (جرهم)، كواحد منهم، فتعلم منهم العربية، وبلغ مبلغ الرجال.

 

الرؤيا والامتحان:

لمَّا بلغ "إسماعيل"- عليه السلام- الثالثة عشرة من عمره، أراد الله- سبحانه وتعالى- أن يمتحن صدقَ إيمان أبيه "إبراهيم"- عليه السلام- فرأى "إبراهيم"- عليه السلام- في المنام أنه يأمره بذبح ولده البكر الشاب "إسماعيل"، وأن عليه إن كان صادقَ الإيمان أن يمتثل لأمر ربه.

وكبر إسماعيل، وتعلق به قلب إبراهيم، حيث جاءه العقب على كِبَر فأحبه، وابتلى الله تعالى إبراهيم بلاءً مبينًا بسبب هذا الحب، حكى الله تبارك وتعالى موقف ابتلاء إبراهيم في سورة (الصافات).. قال عز وجل: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ* رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ* فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ* فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ* فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ* وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ* وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ* وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآَخِرِينَ* سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ* كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ* وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ* وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (الصافات: من الآية113:99).

انظر كيف يختبر الله عباده، تأمل أي نوع من أنواع الاختبار، نحن أمام نبيٍّ قلبه أرحَمُ قلبٍ في الأرض، اتسع قلبه لحب الله وحب من خلق، جاءه ابنُه على كِبَر، وقد طعن هو في السن، ولا أمل هناك في أن يُنجِب، ثم هاهو ذا يستسلم للنوم فيرى في المنام أنه يذبح ابنَه وبِكره ووحيده الذي ليس له غيره.

أي نوع من الصراع نشب في نفسه، يخطئ مَن يظن أن صراعًا لم ينشأ قط، لا يكون بلاءً مبينًا هذا الموقف الذي يخلو من الصراع.. نشب الصراع في نفس إبراهيم.. صراعٌ أثارته عاطفة الأبوة الحانية، ففكَّر إبراهيم لماذا، وجاءه الجواب أنه هكذا أراه الله، ورؤيا الأنبياء حق.. لقد رأى نفسه في المنام يذبح ولده الوحيد.. هذا وحي من الله أن يذبح ولده الوحيد.

(لماذا..؟) أزاحها إبراهيم من تفكيره، ليس إبراهيم هو الذي يسأل الله لماذا أو لأي سبب، فكر إبراهيم في ولده، ماذا يقول عنه إذا أرقده على الأرض ليذبحه.. الأفضل أن يقول لولده ليكون ذلك أطيب لقلبه وأهوَن عليه من أن يأخذه قهرًا ويذبحه قهرًا.. هذا أفضل.

وانتهى الأمر وذهب إلى ولده.. ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (الصافات: من الآية102).. انظر إلى تلطُّفه في إبلاغ ولده، وترك الأمر لينظر فيه الابن بالطاعة.. إن الأمر مقضيٌّ في نظر إبراهيم؛ لأنه وحي من ربه.. فماذا يرى الابن الكريم في ذلك؟

أجاب إسماعيل بن إبراهيم جواب إبراهيم.. هذا أمرٌ يا أبتِ فبادر بتنفيذه: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: من الآية 102).. تأمل رد الابن.. إنسان يعرف أنه سيُذبح فيمتثل للأمر الإلهي، ويقدِّم المشيئة ويطمئن والده أنه سيجده إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ..!! هو الصبر على أي حال وعلى كل حال.. وربَّما استعذبَ الابنُ أن يموتَ ذبحًا بأمر من الله.. ها هو ذا إبراهيم يكتشف أن ابنَه ينافسه في حب الله.. لا نعرف أيَّ مشاعرٍ جاشت في نفس إبراهيم بعد استسلام ابنه الصابر.

ينقِلنا الحقُّ نقلةً خاطفةً فإذا إسماعيل راقدٌ على الأرض، وجهه في الأرض رحمةً به؛ كيلا يرى نفسه وهو يُذبح، وإذا إبراهيم يرفَع يدَه بالسكِين.. وإذا أمْر الله مطاعٌ.
واستخدم القرآن هذا التعبير.. ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ هذا هو الإسلام الحقيقي، أن تعطي كل شيء، فلا يتبقى منك شيء، عندئذ فقط وفي اللحظة التي كان السكين فيها يتهيأ لإمضاء أمره.. نادى الله إبراهيم أن انتهى الاختبار، وفدى الله إسماعيل- عليه السلام- بذِبحٍ عظيم، وصار اليوم عيدًا لقوم لم يولدوا بعد.. هم المسلمون.. صارت هذه اللحظات عيدًا للمسلمين، عيدًا يذكرهم بمعنى الإسلام الحقيقي الذي كان عليه إبراهيم وإسماعيل.

وصدق إبراهيم الرؤيا قولاً، وسعى إلى تصديقها عملاً وفعلاً، فجاء إلى ولده "إسماعيل" وقال له: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: من الآية 102)

ولم يكن "إسماعيل"- عليه السلام- ليكذب رؤيا أبيه، ويرفض أمر الله مولاه، فقال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: من الآية 102).

وهكذا صدق الاثنان: إبراهيم خليل الله، وولده "إسماعيل"- عليهما السلام- صدقا أمر الله، دون أن تراودهما الهواجس والشكوك، ولم يتردَّدا في التنفيذ، وبدآ التنفيذ العملي لذلك التصديق، حيث قاد إبراهيم ولده إسماعيل- عليه السلام- إلى المكان الذي أُمر أن يذبحه فيه، فبعث اللهُ- سبحانه وتعالى- إليه ملكًا على صورة شيخ جليل رزين، فقال لإبراهيم- عليه السلام-: يا إبراهيم، ما تريد من هذا الغلام؟ قال إبراهيم: أريد أن أذبحه، قال الشيخ: سبحان الله!! غلامٌ لم يعصِ الله، ولم يأتِ ما يستحق منك ذلك!!

قال إبراهيم- عليه السلام- إنَّ ربي هو الذي أمرني بذلك، فقال الملك الشيخ: ربك ينهاك عن ذلك، وإنما أمرك به الشيطان.. قال إبراهيم- عليه السلام-: ويلك!! إن الذي بلغني هذا المبلغ هو الذي أمرني به، وظل الشيخ يحاور إبراهيم ويقول له: يا إبراهيم، إنك نبيٌ إمام، فلئن أنت ذبحت ابنك تبعك الناس من بعدك، وصاروا يذبحون أولادهم.
لم يلتفت خليل الرحمن إلى كلام الشيخ، بل أقبل يستشير ولده "إسماعيل"- عليه السلام- في الذبح وكيف يكون.. فقال "إسماعيل": يا أبتاه، غطِّ وجهي بخمار، واربِط يدي ورجلي.. فقال إبراهيم: الوثاق مع الذبح!! والله لا أجمعهما عليك، وأسلما لأمر الله.. وتلَّ إبراهيم إسماعيل- عليهما السلام- وأضجعه على الأرض وأخذ السكين ووضعها على حلقه، ورفع رأسه إلى السماء وجرَّ السكينَ.. ولكن الله العزيز العليم، لم يكن ليترك إبراهيمَ يذبحُ ولدَه إسماعيلَ- عليه السلام- وهو يعلم صدقَ الاثنين وتسليمهما لأمره، وقد ظهر هذا التصديق جليًا واضحًا: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ* وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ* قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ﴾ (الصافات: من 106:103).

وأمر الله سبحانه جبرائيل فقلب السكين على قفاها، فلم تفعل شيئًا، ثم رَفع إسماعيل- عليه السلام- وأتَى بكبشٍ كبيرٍ أضجعه موضعَه، ونجا إسماعيل من الذبح ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ* وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ (الصافات: 108،107).

 

إسماعيل- عليه السلام- وزوجتاه:

وتوفيت هاجر أم إسماعيل- رضوان الله عليها- فدفنها إسماعيل- عليه السلام- في مكة قرب البيت الحرام، في المكان الذي يعرف اليوم بحجر إسماعيل.
ثم تزوج فتاةً من جُرهم، عاشت معه بعد وفاة أمه "هاجر"... وجاء إبراهيم بعد فترةٍ ليتفقد أحوال ابنه وأهله، ولم يكن إسماعيل موجودًا في البيت، فوقف على امرأته دون أن تعرفه، وراح يسألها عن إسماعيل، فقالت: خرج يبتغي لنا، وسألها عن أحوالهم وكيف يعيشون، فراحت تشكو الضيق وتعلن أنهم في أسوأ حال.. ولم تستضِفْه، فقال لها: إذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولي له يُغيِّر عتبةَ بابه.

وتركها إبراهيم وانصرف راجعًا، فلما جاء إسماعيل- عليه السلام- عرف أنَّ أباه قد حضر، فسأل زوجته: هل جاءنا أحد اليوم؟ قالت: جاءنا رجل شيخ.. وراحت تصِفه له وذكرت له ما سألها عنه، وأخبرته بما قالت هي له، فقال لها إسماعيل- عليه السلام- وهل أوصاكِ بشيءٍ؟ قالت: أوصاني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك أن تغيِّر عتبةَ بابك.

فقال إسماعيل- عليه السلام-: ذلك هو أبي، وقد أمرني أن أطلقك، وطلّقها فلحقت بأهلها، ثم تزوج بأخرى من قبيلة (جُرهم).
وعاود إبراهيم زيارته إلى بيت ولده إسماعيل- عليه السلام- وكان إسماعيل خارجًا، فدخل فلم يجده ووجد زوجته، فرحَّبت به، واستضافته، فنزل وسألها عنه فقالت: خرج يطلب الرزق لنا، قال: كيف أنتم، وكيف تعيشون؟ قالت: نحن بخير وسعة، والحمد لله، فقال إبراهيم: وما طعامكم وشرابكم؟ قالت: أما طعامنا فاللحم، وأما شرابنا فالماء، فقال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء، ثم قال لها: إذا جاء زوجك فأقرئيه مني السلام، وقولي له يثبت عتبة بابه ويستوصي بها خيرًا.

ولما رجع إسماعيل إلى بيته سأل امرأته: هل زاركم أحد اليوم؟ قالت نعم.. رجل شيخ حسن الهيئة، سألني عنك، فأخبرته أنّك خرجت في طلب الرزق، وسألني عن حالنا وكيف عيشنا، فأبلغته أننا بخير وسعة من الله.

وسأل إسماعيل- عليه السلام- زوجته: هل أوصاك ذلك الشيخ بشيءٍ؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك وتستوصي بها خيرًا.. قال: إنه أبي، وأنتِ عتبةُ الباب، وقد أمرني أن أثبِّتك في بيتي زوجةً لي، وأستوصي بكِ خيرًا.