دلائل المحبة
- مولد النور عليه الصلاة والسلام
بقلم أ/ حسن البنا
مؤسس جماعة الإخوان المسلمين
![]() |
تفرد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بالجمال الخلقي والكمال الخلقي, واختص بفرائد المزايا, ومحامد الفضائل, تفرد- صلى الله عليه وسلم- في الخلق جميعًا بالمحبة الشاملة والخلة الكاملة, فهو حبيب إلى كل نفس، تخلل حبه مسالك الروح من أصحابه وأتباعه, فملك عليهم نفوسهم, واحتل من أنفسهم مكانًا لم يكن حُلَّ من قبل, وشاع في أرواحهم وأفئدتهم فليس له قبل وليس له بعد، وإن حبه لفريضةٌ يفرضها الدين, وعقيدةٌ واجبة على المؤمنين, ولو لم يكن كذلك لرأيته صفةً لازمةً لهم وخاصةً واضحةً من خصائصهم.
يقول أبو سفيان بن حرب في بعض أحاديثه: "والله لقد زرت الملوك ودخلت على كسرى وقيصر فما رأيت أحدًا يحب أحدًا كما يحب أصحاب محمد محمدًا.. إذا تكلم سكتوا وكأن على رؤوسهم الطير, وإذا تحدثوا في حضرته همسوا حتى لا يكاد يسمع بعضهم بعضًا, وإذا توضَّأ كادوا يقتتلون على وضوئه, وما تنخَّم نخامةً إلا وقعت في كف رجل منهم فدلَّك بها وجهه"، ولا تستغرب هذا أيها الأخ القارىء؛ فإن الحب عاطفةٌ إذا تملَّكت النفس ملَّكت عليها كل شيء من مشاعرها وحواسِّها وصوَّرت لها السعادة في كل ما يتَّصل بحبيبها.
ولقد جاء ثوبان إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- باكيًا مستعبرًا, فقال له: ما يبكيك يا ثوبان؟ فقال: يا رسول الله ذكرت حين يدخل أهل الجنة الجنةَ فتكون أنت بمنزلة لا ينالُها أمثالي فأحرَم رؤيتك وهي كل سعادتي فكيف لي بالصبر عنك؟ فسكت النبي- صلى الله عليه وسلم- فنزلت الآية الكريمة.. ﴿وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء:69), فكانت خير بشرى ظفَر بها ثوبان وظفَر بها المؤمنون معه.
أرأيت تلك الأرملة التي خرجت تستشرف الجيش بعد عودته من إحدى الغزوات فأُخبِرت باستشهاد أبيها وأخيها وزجها وابنها، فقالت: ما فعل رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟! قالوا لها: خيرًا!! قالت: أرونيه حتى أنظر إليه, فلما رأته قالت: الحمد لله.. فيك عِوضٌ من كل فائت"..!!
وأرأيت كيف أن بلالاً- رضي الله عنه- لم ينس حبَّه للنبي- صلى الله عليه وسلم- في أشد حالة يكون فيها المرء تلك هي ساعة سكرات الموت؛ إذ سمع امرأته تقول: وآحرباه, فقال: وآطرباه.. غدًا ألقى الأحبة.. محمدًا وصحبه.
وبعد..
فهل أتاك نبأ خبيب بن عدي وقد رأى الموت بعينيه وخرج به آسِرُوه ليقتلوه، ثم بدا لهم أن يداعبوه فقالوا له: يا خبيب, أيسرُّك أن تكون في أهلك وبنيك ومحمد مكانك نقتله بك, فابتسم ابتسامةَ الهازىء بهم، الساخر بقولهم، ثم فاجَأَهم بقوله: "ما أجهلكم..!! والله ما يسرني أنِّي أكون في أهلي وأبنائي ومحمد في مكانه تصيبه شوكةٌ، وإني لأفضل الموت عن ذلك".
تصوَّر هذا، واذكر معه ما يذكُره إنجيل متَّى، الذي يتداوله المسيحيون، ويعتقدون صحتَه من أن بطرس الأكبر- وهو شيخُ الحواريين عندهم- تبرَّأ من مسيحه وأنكره ثلاث مرات قبل أن يصيحَ ديكٌ وأقسمَ لهم ثلاثة أيمان أنه ما عرفه ولا رآه ولا كان معه!!
أو ترى بعد ذلك أن هذا الحب من عمل محمد- صلى الله عليه وسلم- أم أنه فضلُ الله يؤتيه من يشاء: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الانفال: 63).
مولد النور عليه الصلاة والسلام
بقلم فضيلة الشيخ/ محمد عبدالله الخطيب *
![]() |
|
الشيخ/ محمد عبدالله الخطيب |
في بقعةٍ هي خير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، وفي شهر ربيع موسم الغيث والرحمة، ونزول الأمطار، وتمايل الورود والرياحين في شهر الخصب والرياحين والنماء، في شهر انشراح الصدور وراحة القلوب، وبهجة النفوس، هدية الله لهذا العالم من هذه البقعة المباركة.. يقول الشاعر المسلم عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم:
ولدت كالشمس نورًا نستضيء به وكالسعـادة كربة الغممِ
يا سيد الرسل ما بالشوق عنك غنى ولا الحنين ولا جرحي بملتئمِ
يا طائر البيت غرِّد فوق روضته واجعل نشيدي أنيس الحِلِّ والحَرَمِ
لقد وُلد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والدنيا كلها، قد أظلمت أرجاؤها وأطفأت مصابيح الهدى فيها.. جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم والإمام أحمد وابن ماجة: "إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا، لا يغسله الماء، تقرأه نائمًا ويقظان".
لقد جاء- صلى الله عليه وسلم- والأرض قد امتلأت بالمفاسد والضلالات، وزاد التطلع إلى هذا المصلح العظيم، وكان هو المختار- صلى الله عليه وسلم- النبي الأمي الذي حرَّر الله به العقول، وأنار به القلوب، وعلم البشرية أن رسالة الإسلام تقديس لكرامة الإنسان وحفظ لحريته.
ومن معالم الحق في هذه الرسالة بزوغ شمسها من هذا المكان.. فأنت لا تعجب حين ترى وردةً في بستان أو زهرة يانعة في حديقة.. ليس هذا بعجيب؛ ولكن العجب أن ترى وردة مشرقة فواحة ندية في قلب صحراء لا أثر للحياء فيها.. فكيف والهدية جنان وحدائق وكنوز لا حصر لها تتفيأ البشرية ظلالها إلى قيام الساعة.. هذه الهدية جددت للإنسانية شبابها وأعادت للحضارة حياتها، وهذه آية القرآن وعظمة حملته من الغر الميامين" وصدق الله العظيم: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52).
ميلادٌ فريدٌ
في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي وفي عام الفيل وفي شهر ربيع الأول ولد محمد- صلى الله عليه وسلم- من أبوين كريمين يتصل نسبهما بنبي الله إسماعيل- عليه السلام، ولد حفيد إبراهيم الخليل، ومات أبوه وهو في بطن أمه، لم تسعد عيناه برؤية أعظم طفل ظَهَر في الوجود، وقد فقد عطف والده، ولم يفقد رحمه ربه.. ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ (الضحى: 6).
وفي السنة الخامسة ارتحلت به أمه إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه من بني النجار وفي عودتهما توفيت بـ"الأبواء"، وما ضره أن يولد يتيمًا بعد أن قال الله له: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ (الطور: 48).
إن الأنبياء يأتون إلى الدنيا في ظروف عصيبة وبينهم تشابه عجيب، والله- عز وجل- يريد أن يربيهم بالطريقة التي يريدها، والتي لا أثر فيها لتوجيه البشر ولا لرعاية الجامعة أو المدرسة أو المعهد.. إن سيدنا موسى- عليه السلام- فقدته أمه، ولم تنته آثار وضعه بعد، ولكن عناية الله تحيط به: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (القصص: 7)، ولقد قصَّ الله علينا هذه الرعاية فقال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى* إذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى* أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (طه:37-39 ).
وسيدنا يوسف- عليه السلام.. لقد كان أبوه حيًّا وهو نبي، فماذا فعل له؟! لقد أخذه الله منه ودخل جامعة الشدائد والمحن، وبدل أن يتربَّى في بيت النبوة عاش في القصور، وقاسى فتنَها، ودخل السجن، وكان لهيب المحن والافتراءات عليه من العناصر التي صقلته وربته: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف: 24).
معجزة
إن المسلم ليسلي دائمًا نفسه: من ألهم النبي الأمي هذه الرسالة التي تفخر العقول بمعرفتها، والتي يتألف في شرحها وبيان عظمتها وأسرارها آلاف الكتب في كل شبر على ظهر المعمورة؟ مؤلفات حين أغار التتار على بغداد جعلوا منها جسرًا يعبرون النهر عليه.. وصدق الله العظيم حين أشار إلى مصدرها فقال: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ﴾ (العنكبوت: 48- 49).. من الذي قص عليه أخبار السابقين بدقائقها؟! أفهذا الدين بهذه العظمة من وضع بشر؟! ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَانَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (القصص: 44- 46).
فمن مكة بعيدًا عن زخارف المدينة التي لم تنشأ فيها جامعة ولا مدرسة، كان من المنتظر أن تأخذ من جاراتها وأن تتلقَّى على أيديهم وتقتبس من حضارتهم؛ ولكن الذي حدث العكس.. لقد قامت هذه الجزيرة بإمداد غيرها، وتصدير الخير والعلم إليهم، وانطلق رعاة الشاة والإبل في مشارق الأرض ومغاربها هداةً للناس ورعاةً للأمم وبناةً مجدِّدين لها.. يقول الشاعر المسلم:
وكيف ساس رعاة الإبل مملكةً ما ساسها قيصر من قبل أو شاه
سنُّوا المساواة لا عرب ولا عجم ما لامرئٍ مشرف إلا بتقواه
واجب على المسلمين
لقد مضت أجيال، ومرت دهور على ميلاد خاتم النبيين وظهور دعوته، والرصيد الضخم الذي أوجدته في هذا العالم لا يزال قائمًا وسيظل كذلك، لقد صنع أمةً، ورباها فكانت خير أمة أخرجت للناس، وإن القرآن الذي نزل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو زورق النجاة وقارب الأمان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيرًا﴾ (الأحزاب: 45- 47).
لقد اكتفى المسلمون في ذكرى مولد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بترديد كلمات على اللسان أنه على خلق عظيم، وأن شريعته صالحةٌ لكل زمان ومكان.. ثم تركوا التأسي والاقتداء به؛ بل إن أكثرهم شكَّل حياتَه فعلاً حسب عادات وتقاليد مستوردة.. ما أنزل الله بها من سلطان، فضعُف سلطانهم وتفرَّق شملهم.. فما العرب بغير الإسلام؟ وما قيمتهم بغير هذه الرسالة؟ وما هي الفكرة التي يملكون تقديمها للبشرية إذا تخلوا عن هذه الدعوة؟!
إن العقيدة الإسلامية هي التي رفعت هذه الأمة إلى مكان القيادة والصدارة حين التزمت بها، ومن يوم أن تخلى المسلمون عنها لم تعُد لهم وظيفة في الأرض، ولا كيان بين الدول، ولم يعد لهم في التاريخ دور، وصدق الله العظيم.. ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء: 10).
لقد كان العرب في أحط دركات الجهل والعماية، بدرجة لا توجد عليها أية أمة الآن، ورغم هذا فالإسلام هو الذي خلَّد ذكرهم، وأعلى شأنهم، وأوجد لهم حضارةً، وإن شئت فاقرأ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ (الجمعة: 2)، ومن أجل هذا لن يعود المسلمون إلى سالف أمجادهم إلا بالعودة إلى محكم دينهم.
----------