الصفحة الرئيسية

 

 

كلمات من القلب

 

 

 

 أعظم منظومة ... يتحدث عنها فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف

كمالات وشمائل ... يبينها الدكتور حبيب

حب النبي... يحث عليه الشيخ محمد عبدالله الخطيب

القائد العابد ...  كما يراه الأستاذ جمعة أمين عبدالعزيز

عفوًا رسول الله.. تضرع من د. رشاد البيومي

هدية الله للعالمين.. يشكرها د. محمود عزت

مقصرون في حقه... اعتراف من د. بديع

ذكرى تحيي الموات ... يرويها الدكتور محمد مرسي

بعثُ روحِ الجهاد... يبثها د. عبدالمنعم أبو الفتوح

قارب الإنقاذ ... يرسم صورته الأستاذ سيد نزيلي

معاني الثبات... يدعو لها د. عبدالحميد الغزالي

دروس في عبق المولد ... يشرحها الأستاذ مسعود السبحي

اتباع هديه.. وصية من د. عصام العريان

ماضون على الدرب.. يؤكدها د.إبراهيم الزعفراني

ميلاد أمة.. يوضحها د. جمال حشمت

 

 

 

 أعظم منظومة... يتحدث عنها فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف

المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أ. محمد مهدي عاكف

 

الحديث عن مولد المصطفى- صلى الله عليه وسلم- هذه المناسبة العطرة، التي تبثُّ في الروح معانيَ ضخمة، وتدفع الإنسان إلى مزيدٍ من التمسكِ بهذا الدين وهذه الرسالة، التي جاء بها محمد- صلى الله عليه وسلم.. توحِي إلى الإنسان هذه الذكرياتُ العطرةُ الطيبةُ- منذ مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتاريخه المبارك حتى أنزل الله سبحانه وتعالى عليه هذه الرسالة- تدفع الإنسان إلى أن يقف مذهولاًَ لهذه المنظومة العظيمة التي سجَّلها محمد- صلى الله عليه وسلم- طوال حياته، حتى نزل عليه الوحي يقول له: ﴿اقْرَأْ﴾.. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1).

 

 

رسالةٌ لو تمعَّن الإنسان فيها لما عاش بغيرها، وظل يبحث عن عظمة هذا الدين، وعن رسالة محمد- صلى الله عليه وسلم.. تستوعب الوقت والحياة كلها.. محمد- صلى الله عليه وسلم- جاءنا بدين، جاءنا برسالة.. لو نظرنا إليها- أيها الأحباب- لوجدناها رسالةً لإنقاذ البشرية كلها، وصدق الله العظيم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: 29).

 

 

هذه الرسالة التي تدعو العالم كله إلى أن يكونوا عبادًا لله عز وجل، والذي يعبد الله عز وجل حَقَّ عبادته حُقَّ له أن يقود هذا العالم، ومحمد- صلى الله عليه وسلم- عبَدَ ربه العبادةَ الصادقةَ، التي كان فيها- فعلاً- خيرَ نموذجٍ للبشريةِ كلِّها.. محمد- صلى الله عليه وسلم- وهو يقف لعبادة ربه حتى تتورَّم قدماه يقولون له: يا محمد، لقد بعثك الله وغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيقول لهم: "ألا أكون عبدًا شكورًا؟!".

 

 

آن لنا- أيها الأحباب- أن نعبد الله حق عبادته، وهذا هو الطريق والمدخل الصحيح لنصر الله عز وجل.. أن نكون عندما أمر الله، ونحسن عبادته، ونحسن العبادة ونحن صادقون مخلصون لله- عز وجل- في كل ما نقول وكل ما نفعل، وهذه الصفة النبوية الشريفة- الإخلاص والصدق- حتى سماه أهل مكة الصادق الأمين، وهم كفار ومشركون.. فحينما نذكر محمدًا- صلى الله عليه وسلم- نذكر الصدق، ونذكر الأمانة، ونذكر الإخلاص.

 

 

ثم بعد ذلك جهاده- صلى الله عليه وسلم- منذ أن كان في مكة وصبر على أذى المشركين، حتى يقول: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.. اللهم إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، وعافيتك هي أوسع لي".

 

 

أيها الأحباب، نحن في عصر يحتاج منا إلى أن نكون على مستوى هذا الفهم العظيم، ابتداءً من عبادة الله- عز وجلَّ- حتى الجهاد في سبيله، وإقامة شرع الله في أنفسنا أوَّلاً، ثم ندعو الناس إليه ثانيًا.. فاقدُروا قدرَكم كمسلمين، واقدُروا قدرَكم كإخوان مسلمين؛ نحمل رسالة، ونحمل منهجًا، ونحمل اختيارًا معلنًا، ندعو الناس إليه..
فابدأوا بأنفسكم، وابدأوا بأن تخلصوا إلى الله- عز وجل- وأن تكونوا صادقين في كل ما تقولون وكل ما تفعلون، ثم تدعون الأقرب فالأقرب حتى ندعو العالم كله إلى هذه الإنسانية الراقية.. إلى هذه الحضارة المبدعة التي فيها خلاص العالم كله..

 

 

وبهذه المناسبة لا ننسى بحال من الأحوال ما يدور في فلسطين، وما يدور في العراق من هجمة شرسة من الأمريكان والصهاينة لإذلال هذا العالم الإسلامي الذي يؤمن بهذا الدين العظيم: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا﴾ (الكهف: 5).

 

 

فعلينا- أيها الأحباب- أن نقدِّر الرسالة التي نحملها.. رسالة هذا الدين العظيم، وأنا مطمئن كل الاطمئنان لو اجتمعت الدنيا كلها لكي تذل أصحاب هذه العقيدة لا يستطيعون؛ لأن الله- سبحانه وتعالى- جعل العزَّة لله ولرسوله وللمؤمنين.. فنحنُ أعزاء بهذا الدين.. أعزاء بالانتماء إلى محمد- صلى الله عليه وسلم- ولكن علينا أن نتبعه في كل ما يقول وفي كل ما يفعل؛ يكون الفلاح ويكون النصر- إن شاء الله.. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

------------------

 

كمالات وشمائل ... يبينها الدكتور حبيب

 النائب الأول للمرشد لجماعة الإخوان المسلمين

 

 

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله..

د. محمد حبيب


تهل علينا ذكرى مولد الحبيب المصطفي- صلى الله عليه وسلم- يوم الأحد الثاني عشر من ربيع الأول، وهي- كما نعلم- ذكرى عطرة، وكلها نفحات، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها بطبيعة الحال.

 

 

المفروض أنه لا يوجد يوم معين ولا ساعة محددة نستلهم فيها ذكريات وتاريخ وأمجاد وعظمة حياة المصطفى- صلى الله عليه وسلم- بقدر ما يجب أن تكون حياتنا كلها مصاغة وفق منهج الله سبحانه وتعالى وما جاء به النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

وإذا شئنا أن نتذكر.. نتذكر ماذا؟ نتذكر أدبه.. نتذكر خلقه.. نتذكر رأفته.. نتذكر رحمته.. نتذكر صبره وصلابته وجلده.. ونتذكر إيمانه العظيم بالله سبحانه وتعالى وحسن ثقته به تبارك وتعالى.. نتذكر صدق اليقين.. نتذكر المصطفى- صلى الله عليه وسلم- كأب وكزوج وكداعية وكمربٍّ وكقائد وكقاضي وكحكيم.. كل هذه المعاني المفروض أن نتحرك في إطارها وتحت مظلتها.

 

 

النبي- عليه الصلاة والسلام- كان صاحب الكمالات، وصاحب الشمائل في كل منحى من مناحي الحياة، ومن أراد أن يتخذ أسوة أو يتخذ قدوة فعليه بالحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- والذي يحاول أن يحصي عدد الغزوات وعدد السرايا التي تحرك فيها الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- بعد هجرته إلى المدينة لعجب الإنسان أشد العجب، ولوجد أن حياة النبي- صلى الله عليه وسلم- كلها جهاد، وكلها تضحية، وكلها مواقف، ونحن في الوقت الذي نواجه فيه المشروع الأمريكي والمشروع الصهيوني وهذه التحديات الضخمة التي تستهدف عقيدتنا، وتستهدف تركيع أمتنا، وتستهدف كذلك سلخها من خصوصيتها الثقافية وميراثها الحضاري.

 

 

ونتذكر عجز النظم وعجز الحكومات العربية والإسلامية عن مواجهة ذلك كله.. نتذكر ذلك لكي نقف وقفة مع النفس، وقفة مع الله، وقفة مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- شخص واحد رجل.. واحد تجمع لديه الإخلاص كله.. الصدق كله.. الجهاد كله.. فكان الفتح المبين، وكانت الصحبة المطهرة في عمر وفي أبي بكر وعثمان وعلي وعمرو وخالد وطلحة والزبير بن العوام وأبو عبيدة بن الجراح، وهؤلاء الأماثل الذين لن يجود الزمان بمثلهم.

 

 

أقول نحن في حاجة ماسة إلى هذا الصدق.. نحن في حاجة ماسة إلى هذا الإخلاص.. نحن في حاجة ماسة إلى هذا العمق عمق اليقين والإيمان وحسن الظن بالله تبارك وتعالى، وأن المستقبل لهذا الدين.

 

 

نحن في حاجة إلى أن نستعيد الثقة بأنفسنا، وأننا قادرون بفضل الله عز وجل إذا ما استحضرنا النية واستحضرنا عظمة الحق تبارك وتعالى، وأنه هو واهب النصر وواهب التأييد وواهب كل شيء في هذا الوجود.. لو استحضرنا ذلك كله لبدأنا الطريق نحو إعجاز الإسلام ورفعة شأنه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من جنده الصادقين الخالصين المخلصين.

 

 

نحن ننتهز هذه الفرصة لكي نحيِّي إخواننا فصائل المقاومة وعلى رأسهم المقاومة الإسلامية (حماس) في فلسطين، وكذلك المقاومة في العراق، ونقول: إنهم لا يدافعون عن الحرمات والمقدسات فقط، ولا يدافعون عن شعب العراق وشعب فلسطين فقط؛ وإنما هم يدافعون عن شرف الأمة، وعن كرامة الأمة، ومن ثم وجب علينا جميعًا أن نقف خلفهم ندعمهم ماديًا ومعنويًا، وبكل ما أوتينا من طاقو وجهد.

 

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرفع لواءهم، وأن يثبت أقدامهم، وأن يشرح صدورهم، وأن يقوي إيمانهم، وأن يخذل أعداءهم، وأن يلقي الرعب في قلوبهم، وإنه نعم المولى ونعم النصير.
 

------------------

 

حب النبي.. يحث عليه الشيخ محمد عبدالله الخطيب

 

عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين

 

الشيخ محمد عبدالله الخطيب

بسم الله الرحمن الرحيم.. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. أما بعد:

فإن الاحتفال بمولد النبي- صلى الله عليه وسلم- احتفالٌ بالأسوة والقدوة.. احتفال بمن أخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد.. احتفال بمن أمرنا الله- عز وجل- بأن نحبه وأن نتبعه وأن نتأسى به، يقول أحد التابعين لأحد الصحابة: يا عم، هل رأيتم رسول الله وشاهدتموه؟ قال: نعم، قال: فماذا كنتم تفعلون معه؟ قال: والله يا ابن أخي كنا نجهد في اللِّحاق به- أي إنه كان يتحمل أكثر منَّا- فقال: يا عم، والله لو صاحبناه وعشنا معه لحملناه على أكتافنا، ولما تركناه يمشي على الأرض اعترافًا بحقه وفضله علينا.

 

رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو النعمة المسداة، والرحمة المهداة، يقول عن نفسه وعن اصطفائه واختياره واجتبائه: "إن الله اصطفى من ولد إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريش، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار" (رواه مسلم)، ويسأل- صلى الله عليه وسلم- الصحابة: "من أنا"، فيقولون: أنت رسول الله- ولكنه- صلى الله عليه وسلم- يريد أمرًا آخر، يريد أن يعرفهم به، وهو النسب الصحيح السليم- فيقول لهم معرفًا: "أنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب، إن الله لما خلق الخلق فرقهم فرقتين، فجعلني من خيرهم فرقة، ثم فرقهم قبائل، فجعلني من خيرهم قبيل، ثم فرقهم بيوتًا فجعلني من خيرهم بيتًا، فأنا من خيركم بيتًا، وأنا أطيبكم نفسًا" (رواه أحمد في مسنده)، وقال- صلى الله عليه وسلم-: "ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح" (رواه البخاري)؛ أي إن السلسلة المطهرة الكريمة التي جاء منها- صلى الله عليه وسلم- من آدم إلى نبينا سلسلة طاهرة مبرأة نظيفة، حفظها الله- تبارك وتعالى-، إن نبينا صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كان مثالاً يحتذى.

 

يروي ابن الأثير أن النبي- صلى الله عليه وسلم-: "قال ما هممت بشيء كانت تفعله الجاهلية سوى مرتين، وحفظني الله الأولى؛ قلت لزميل لي كنا نرعى الغنم: لو رعيت غنمي لو رعيت لي غنمي حتى أدخل إلى مكة، فأسمر كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فدخلت وفي أول مكة، رأيت عرسًا فيه غناء، وفيه وفيه، فجلست أسمع فلم أسمع، وضرب الله على أذني، ونمتُ حتى طلع الصباح، ومرة أخرى قلت له مثل ذلك ودخلت إلى مكة وصنع الله بي كما صنع في المرة الأولى" (رواه البخاري).

 

ويعلمنا- صلى الله عليه وسلم- أنه في إحدى المرات كان الشباب يلهو، وكانوا يحملون الحجارة، وكان كل شاب يضع ثوبه فوق كتفه، وهو يحمل الحجر، ووضع- صلى الله عليه وسلم- ثوبه فوق كتفه، ولما أراد أن يحمل الحجر، كانت عورته ستظهر، فصاح- صلى الله عليه وسلم- وألقى الحجرَ وسدل الثوب فلم يظهر منه شيء، وهكذا حفظه الله- تبارك وتعالى- ظاهرًا وباطنًا في حياته كلها؛ لأنه يعده لأمرٍ عظيم كبير ضخم شامل باقٍ مستمرٍّ إلى يوم القيامة، وهذا ما كان.

 

كان على النبي- صلى الله عليه وسلم- دَين لرجلٍ، وجاء موعد الدَّين- وهذا قبل البعثة- وجاء الموعد، وذهب- صلى الله عليه وسلم- ينتظر صاحب الدَّين فلم يأتِ الرَّجل، فرجعَ- صلى الله عليه وسلم- إلى بيته، وفي اليوم الثاني جاء بالدَّين فلم يأت الرجل فرجع- صلى الله عليه وسلم- إلى بيته، وفي اليوم الثالث جاء بالدَّين فجاء الرجل، فأعطاه- صلى الله عليه وسلم- حقَّه، وقال له: "يا هذا لقد شقَقت عليَّ، أنا انتظرك هنا منذ ثلاث" هذا هو رسولنا- صلى الله عليه وسلم- الذي اختاره المولى- تبارك وتعالى- ليكون رحمةً لا للعربِ ولا للعجمِ ولا لقومٍ بعينهم؛ ليكون رحمةً للعالمين، يأخذ بأيدي الناس جميعًا، وقال الله- تبارك وتعالى- لنا بكل صراحة ووضوح: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21)، أي إن أي إنسان يرجو لقاء الله ويرجو الآخرة لابد أن يسير وراء هذا النبي، وأي إنسان لا يسير وراءه أو لا يتبعه أو لا يقتدي به أو لا يلتزم بسنته فيتبع سبيلاً آخر، والله- عز وجل- أمرنا بغير هذا، فقال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: 153)، وقال لنا: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 3)، ولهذه المنازل كان- صلى الله عليه وسلم- يتقرب من ربه.

 

يقول أحد الصحابة: كنت أحرس النبي- صلى الله عليه وسلم- وأبيتُ خارج حجرته، فأسمعه يصلي ويستغفر ويتوب وأنا أتسمَّع، ويمضي الليل ويمضي في الاستغفار وفي التوبة وفي التسبيح وفي التهليل وفي التكبير، وأنا أسمع حتى تغلبني أذناي فأنام والرسول- صلى الله عليه وسلم- سفينة تمضي إلى الله- عز وجل- مسبِّحًا مكبرًا مهللاً، وهكذا يجب أن يكون المؤمن.

 

إن علينا أن نكون في ذكرى المولد النبوي وفي غيره أن نفتش عن سنة النبي- صلى الله عليه وسلم- وأن نتبعه، وأن نقتدي به، وأن ننظر ماذا كان يفعل في يومه، وفي ليلته، وفي سجوده، وفي طعامه، وفي شرابه، وفي خروجه من بيته، وفي سعيه، وفي سفره، وفي نومه، وفي معاملته لأهله.. تقول السيدة عائشة وقد سُئلت: كيف كان حال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- معكم؟ فقالت: "كأحدكم، يكون في حاجتنا، يخيط ثوبه، ويرتق نعله، ويقمُّ لنا البيت- يكنس البيت- فإذا نودي للصلاة فكأنما لا نعرفه ولا يعرفنا".

 

مَن مِن المسلمين اليوم في داخل البيت تكون فيه هذه الأخلاق، وهذه الصفات؟! نحن في حاجة إلى عزيمةٍ فنقطع المسافة بيننا وبينه.. المسافة التي صنعها الكسل.. وصنعها القعود.. وصنعها الشيطان.. نقطع المسافة ونقترب منه.. ونعزم كما كان يعزم.. ونقوم الليل كما كان يقوم.. ونقرأ القرآن كما كان يقرأ.. ونستغفر كما كان يستغفر.. يقول- صلى الله عليه وسلم-: "إنه ليُران على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" نستغفر كما كان يستغفر.. ونتوب كما كان يتوب.. ونحمد الله كما كان يحمده.. ونسبح الله كما كان يسبحه.. في حاجة إلى أن نقطع هذه المسافة التي صنعها الشيطان وأبعدنا عنه وجعلنا نُشغل بأشياء تضيع الوقت.. الشيطان قاد الكثيرين من الناس وأبعدهم عن الطريق.

 

أسوة حسنة نتأثر به، ونأخذ عنه، والسنة تملأ في كل مكان، أحاديث النبي- صلى الله عليه وسلم- تملأ كل مكان، لا عذر لأحد.. لا عذر لمسلم.. لا عذر لمعتذر.. فالسنة وكتب السنة سهلة وموجودة وحجة علينا جميعًا، والقرآن حجة علينا.

 

إن الاحتفال بمولد النبي- صلى الله عليه وسلم- يكون بإحياء سنته، وبالعمل بهذا الكتاب العظيم.. كتاب الله عز وجل.. أما بغير هذا فلا، الاحتفال بمولد النبي- صلى الله عليه وسلم- يكون بالتمسك بهذا الحق.. وبالعمل بهذا الحق.. والاقتداء بهذه النبوة، ويكون باستشعار المسئولية بين يدي الله.. وباستشعار التبعة بين يدي الله، وباستشعار: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا* اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ (الإسراء: 13-14) استشعار أن هذا العمر محدود.. وأن اللقاء مع الله قريب، ماذا نقول، وبماذا نجيب.. وبماذا نؤدي.. أما الحياة التافهة الرخيصة السطحية التي لا قيمة لها ولا وزن لها فقد كان- صلى الله عليه وسلم- من أبعد الناس عنها.

 

كل مسلم يستطيع في هذه الأيام أن يضع خطًّا جديدًا.. وطريقًا جديدًا.. وبداية جديدة؛ يقبل على الله، ويتوب عن الماضي، ويبدأ عهدًا جديدًا مع الله، والله- عز وجل- لا يرد تائبًا، ولا يرد منيبًا، ولا يرد مقبلاً عليه؛ بل يتلقاه ويكفِّر عنه ما مضى، ويرفع في درجاته، فلنقبل على الله- عز وجل- ولتكن هذه الفترة فترة عودة المسلمين إلى ربهم واقتدائهم برسول الله، وكفى ميوعة.. وكفى استهتارًا.. وكفى ضياعًا؛ فقد ضاع من العمر الكثير وقد ضاع من الوقت الكثير. وكان- صلى الله عليه وسلم- يقول: "لا طلعت عليَّ شمس يوم لا أزدد فيه علمًا يقربني من ربي"، فلنتزود من العلم، ومن العلم النافع، ولنتزود من الطاعات، ولنكثر من الاتباع لرسولنا- صلى الله عليه وسلم-: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: 31-32).

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 


------------------

 

 

 القائد العابد ...  كما يراه الأستاذ جمعة أمين عبدالعزيز 

عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين

 

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

أ. جمعة أمين

في هذه الذكرى العطرة التي تذكرنا بمجتمع وقيادة ورجال.. تذكرنا بمجتمع فيه خمر وميسر وربا وعبادة الأصنام والأوثان.. فيه تقدير للغني وتحقير للفقير.. فيه دولتان عُظمتان فرس وروم، ضرب في أطناب هذا المجتمع فسادٌ ما بعده فساد، وشاء الله- سبحانه وتعالى- أن يبعث محمدًا- صلى الله عليه وسلم- في هذا المجتمع.. المجتمع الذي في شرقه وغربه ومن أعلاه ومن أسفله فساد.

 

 

وجاء الرسول- صلى الله عليه وسلم- ليخرج هؤلاء القوم من الظلمات إلى النور، وأصبحوا خير أمة أخرجت للنَّاس بهذا الكتاب، الذي أنزل على محمد- صلى الله عليه وسلم.

 

والمتأمل يجد أن المولى- سبحانه وتعالى- اختار رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من خير الأنساب والأحساب، ومن خير البيوت، وأول ما امتاز به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صفتان معروفتان: صدق وأمانة.. هذا الذي امتاز به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكانت البداية خلقًا فيه كمال الإنسان ليكون القدوة والأسوة بحق، فصنع المولى- سبحانه وتعالى- في هذا المجتمع الفاسد قيادةً تحلت قبل كل شيء بالأخلاق.. بحسن الصلة بالله تبارك وتعالى.. بالعبادة له والقربى إليه؛ فكان- صلى الله عليه وسلم- كما أمره ربه في البداية ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً* نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاًً﴾ (المزمل:4،3،2) فقام الليل.

 

فبعد أن علمه المولى- سبحانه وتعالى- من علمه ما علمه حين قال له اقرأ، كأن هذا المنهاج يحتاج إلى زاد فكان قيام الليل، وما بدأت الحركة إلا بعد أن تحلى النبي- صلى الله عليه وسلم- بخلق كريم وعلم ربانيٍّ بنَّاء لشخصية ستكون قدوةً للناس جميعًا ثم بدأت الحركة كما نعلم.. ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (المدثر: 1، 2) فالحركة أتت بعد هذه التربية الربانية، بعد هذه الأخلاق الفاضلة ثم كان الرجال كما نعلم.. هؤلاء الذين وصفهم المولى- سبحانه وتعالى-: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ (الفتح: 29).

 

 

وصدق الإمام البنا حين بلور هذ المعاني في كلمات هي قريبةٌ إلى قلبي وأحبُّ أن أرددها دائمًا؛ لأنها تحمل المنهاج: "كونوا عبَّادًا قبل أن تكونوا قوادًا تصل بكم العبادة إلى أحسن قيادة"، وبفضل الله- سبحانه وتعالى- أننا رأينا في زماننا هذا أثر هذا المنهاج.. انظروا إلى رجال فلسطين.. انظروا إلى هؤلاء الرجال.. لا والله والنساء والأطفال.. أثر هذا المنهاج في صناعة الرجال.. هؤلاء الرجال الذين رفعوا أعناقنا، وثبَّتوا- بفضل الله ثم بحركتهم- أقدامنا، والأمل كبير طالما أنه وجد الرجال فالمولى- سبحانه وتعالى- يحقق وعده.. ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور: 55).

 

 

ماذا اقول عن هؤلاء الرجال في هذه الذكرى الطيبة التي تذكِّرنا بتربية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأصحابه البررة الكرام، الذين نرى هذه الصفات في هؤلاء الرجال لا والله وليسوا برجال.. لقد سمعت- والدموع تنزل من عيني- لزوجة أخي عبد العزيز الرنتيسي وهي تتكلم.. لقد شدَّتني شدًّا.. صورة من الإيمان القوي، والثبات على الطريق، والفهم العميق، والحب للدعوة، وتربية الأبناء على هذه المعاني.. ما لطمت خدًّا ولا شقَّت جيبًا، لكنها استرجعت ثم واصلت الطريق سيرًا فيه.

 

إنها بشرى والله نراها في ذكرى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ونحن نرى هذا الصنف الذي- بفضل الله سبحانه وتعالى وبإذنه- سيُجري النصر على يديه.. في فلسطين في أفغانستان في العراق في كل بقعة تجاهد في سبيل الله.. حين يوجد الرجال فلا تسأل عن النصر؛ لأنك لست في حاجة إلى السؤال؛ لأنه يقين سيكون يقينًا.. إنه ملازم لهؤلاء؛ ولذلك المولى- سبحانه وتعالى- يقول للقاعدين ويقول للمثبِّطين ويقول لمن أحب هذه الدنيا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ثم يقول: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: 54).

 

إن البشرى أمامنا.. الناس يرون سواد الليالي، وينسَون أنه كلما اشتد الظلام بدأ انبثاق الفجر.. سيطلع علينا الفجر الذي يبدد الظلمات ويمكِّن لدين الله- سبحانه وتعالى- طالما أننا رأينا هذه العصبة، ورأينا هؤلاء الرجال، ورأينا هذه البيوتات المسلمة.. رأينا شبابًا سجَّدًا ركَّعًا.. وانتشر هذا الخير في مشارق الأرض ومغاربها، والله إنها لقربى وإنه لنصر قريب، تسألون متى هو؟! أقول: ﴿عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: 51) ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 6،5،4).. كل عام وأنتم بخير يا مسلمون، يا من تنتظرون نصر الله وإنه لقريب.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

------------------

 

 

عفوًا رسول الله.. تضرع من د. رشاد البيومي

 

عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين

 

د. رشاد البيومي

عفوًا رسول الله، فقد تركتنا على المحجة البيضاء، وأورثتنا عزًّا ومنعة وكرامة ضاعت مع الأيام.. فقد تداعت علينا الأمم، وتكالبت علينا الأحداث، وأصبحنا نهبًا للقاصي والداني.. وليس ذلك من قلة؛ ولكنها غثاء كغثاء السيل.

 

ولا مجال لمعتذر.. ولا حجة لمقصر.. فكلنا شركاء في تلك المحنة التي ألمَّت بالأمة؛ حكامًا وشعوبًا، علماء وجمهورًا.
كيف نلقاك سيدي يوم اللقاء.. وبماذا نعتذر لك.. وقد لزِمتنا الحجة وقعدت منَّا الهمة..

 

حسبنا أننا نلتمس طريقك، ونترسم خطاك، ونعمل على تثبيت أركان دعوتك والعمل لها.. والله شهيد على ما نلقى في سبيل ذلك، حتى ممن ادَّعوا السير على سنتك والالتزام بدينك.

 

وإليكم إخواني مذكرًا.. في تلك الأيام المباركة الكريمة: "إن أمر هذه الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها".
وعلى ذلك فلابد من العودة الصادقة النية إلى الله، وطلب العون منه، والاعتصام بحبله المتين، والأخذ بسنة رسولنا الكريم.. مهما واجهنا في ذلك من عنت المتنطعين، وزلفى المتربصين المترخصين، ثم التزام منهج جماعتنا الداعية إلى الحق والخير فى إطارٍ من الثقة في نصر الله، معتزين بالأخوة الصادقة التي تعين على تخطي الصعاب ومواجهة العقبات، والالتفاف حول قيادتنا الرشيدة في وعي وإدراك وفهم.

 

ودعاء من القلب للمجاهدين الصابرين المحتسبين أن ينصرهم الله، ويحقق آمالهم، ويعلي رايتهم، وينكس أعلام الظلم والبغي والطغيان.

 

 

------------------

 

 

هدية الله للعالمين.. يشكرها د. محمود عزت

عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم..

د. محمود عزت

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم، وبارك عليه، وعلى آله وصحبه ومن ابتعه بإحسان إلى يوم الدين.

 

شهر ربيع شهر ميلاد نبي الإسلام، كما هو شهر ميلادِ دولة الإسلام، ونحن إذْ نتذكر مولد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نتذكر هذه النعمة الكبرى التي منَّ الله تعالى بها على المؤمنين، وعلى الأميين، وعلى أهل الكتاب، وعلى الناس جميعًا.. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (آل عمران: 164)، كما منَّ على أهل الكتاب، ووصفهم- صلى الله عليه وسلم-فقال: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: 157)، ومنَّ على الأميين فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: 2).

 

 

ومنَّ على البشرية جميعًا به- صلى الله عليه وسلم- ولذا فإن المطلوب من المؤمنين مقابل هذه النعمة ليس فحسب أن يذكروها، وأن يشكروا الله عليها؛ بل الواجب عليهم أن يعملوا شكرًا لهذه النعمة، وأول واجب على المؤمنين أن يكون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يكون الله ورسوله أحب إلينا من أنفسنا، وأحب إلينا من الناس جميعًا: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ (التوبة: 24)، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- أحب إلينا من أهلينا ومن أموالنا ومن كل شيء: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواه" (متفق عليه)، وشعار الإخوان المسلمين الرسول زعيمنا، الرسول قدوتنا.. هذا هو الواجب الثاني، وجعله الإخوان شعارًا ثانيًا بعد أن يكون الله غايتنا وأن يكون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قدوتنا: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب : 21)

 

الواجب الثالث هو أن نأخذ ما آتانا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأن ننتهي عما نهانا عنه، وهذا في الأمر الواضح المحدد من الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: 7)، ومن أحب شخصًا أكثر من ذكره، وجعل الله- سبحانه وتعالى- ذكر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عبادة، فأمرنا بالصلاة والسلام عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 56).

 

إن ذكْرنا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- بهذا الدعاء امتنانًا وعرفانًا بما أسداه إلينا، فقد أخرجنا من الظلمات إلى النور، وأقول أيضًا: إن شهر ربيع هو ميلاد دولة الإسلام كما هو ميلاد نبي الإسلام، فقد كانت الهجرة في الإثنين الثاني من شهر ربيع، وهذه منة كبرى نذكرها ونحتفل بها، ونذكر المسلمين جميعًا بهذه النعمة الكبرى، فإن ذكرنا لميلاد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي أقام دولة الإسلام، هذه الدولة التي حفظت هذا الدين العظيم، وقامت بتبليغه للناس جميعًا، وتحققت به بشرى رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

 

احتفالنا احتفالٌ بذكر النعمة والعمل الجاد لشكر الله- عز وجل- على هذه النعمة، فنحن نهنئ الأمة الإسلامية جميعًا بذكرى ميلاد الرسول- صلى الله عليه وسلم- ونهنئهم بإقامة دولة الإسلام في هذه الأيام التي هي من أيام بلا شك، أذكرهم بأيام الله..

 

فلله الحمد والمنة، وعلى رسولنا- صلى الله عليه وسلم- أفضل الصلاة والتسليم، وكل عام وأنتم بخير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 

 

------------------

 

 

مقصرون في حقه... اعتراف من د. بديع

عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين

بسم الله الرحمن الرحيم

د. محمد بديع

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

اللهم أجزه خير ما جزيت نبيًّا عن أمته، واحشرنا في زمرته وتحت لوائه، واسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبدًا، واجمعنا به في الفردوس الأعلى، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

الحب لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- إذا استطعنا أن نتعرف كيف يحبنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لوجدنا أننا سنخجل من أنفسنا، ألا نبادله حبًا بحب؟!
استمع معي- أخي الكريم- إلى قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو يجلس بين أصحابه فيقول لهم: "وددت لو أرى إخواني قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ قال: أنتم أصحابي، أما إخواني فقوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني، للعامل منهم أجر سبعين منكم، فتعجب الصحابة.. قالوا: بل منهم يا رسول الله؟ قال: لا، بل منكم، فإنكم تجدون على الخير أعوانًا ولا يجدون".

 

تأمل معي- أخي الكريم- تعبيرات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عندما يقول وددت وددت.. بكلمات الشوق والحنين واللهفة يحب أن يراك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وددت لو أرى إخواني.. هذا التعبير الجميل الذي نحظى بالأخوة في سبيل الله بيننا وبين إخواننا، ثم ترتفع هذه الأخوة إلى أن نكون إخوان رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

 

ما أحلاها من كلمات، وما أخجلنا من أنفسنا! ألا نكون مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على هذا المستوى.. وددت لو أرى إخواني.. إن هذه الأخوة هي الرابطة المتينة القوية التي سيجمعنا بها رب العزة- سبحانه وتعالى- مع بعضنا ومع من سبقونا بالإيمان، ومع الحبيب المصطفى- صلى الله عليه وسلم- والرهط الكريم من الأنبياء والمرسلين.

 

لهذا تخيل أخي لو أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والصحابة الذين سمعوا منه هذا الكلام، قد بعثوا مرة أخرى ليرونا على حالنا هذا.. حال المسلمين.. حال الأمة.. أكانوا يشتاقون إلينا؟!

 

إننا لا نخجل من حالنا.. إننا لا نخاف أن يُرِي ربنا- سبحانه وتعالى- رسولنا منا ما يسوؤه.. لهذا إن استطعنا أن نغير من أنفسنا ولو شبرًا من القرب إلى الله- عز وجل- ونتقدم بالنوافل لربنا- عز وجل- حتى يحبنا، فإذا أحبَّنا ألقى المحبة في قلوب الملائكة، وعلى رأسهم جبريل، ثم أنزل حبه لنا قبولاً في الأرض.

 

لهذا إننا إذا أردنا أن نبادل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حبًا بحب، وجب علينا أن نتقرب إلى ربنا بشيء مما أبلغنا به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه أبواب القرب من الله، وهي كثيرة، لا يتسع المجال لذكرها.

 

أخي الحبيب، تأمل معي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كيف يحبك.. كيف كان يشتاق إليك.. وكيف كان حرصه عليك.. إنه لم يدع لنا بابًا من أبواب الخير إلا ودلنا عليه.. إنه لم ينتظر حتى يسأله الصحابة- رضوان الله عليهم- فكان يقول لهم: ألا أخبركم؟ ألا أدلكم؟ ألا أنبئكم؟

 

تأمل هذا اللفظ لمن لم يسأل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- تخيل أننا كنا في صحبته عليه الصلاة والسلام ونحن نستحيي أن نسأله؛ ولكنه يريد أن يدلنا على أبواب الخير حتى قال الصحابة- رضوان الله عليهم-: كنا نفرح بالأعراب عندما يأتون ليسألوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكنا نخجل أن نسأله.

 

لا شك أن له هيبة؛ ولكنه يكسر هذا الحاجز، ويتخطى هذه الحجب ليقترب من قلبك ليقول لك: ألا أدلك على ما يمحو الله- عز وجل- به الخطايا؟ ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدًا؟ قالوا: على من يا رسول الله؟ قال: "على كل هين لين، سهل قريب".

 

ألا أنبئكم.. ألا أخبركم.. ألا أدلكم.. ألفاظ تدل على الحب العميق من رسول- صلى الله عليه وسلم- لصحابته ولأمته ولكل فرد فيهم، حتى كان يمر على المرأة العجوز تسبح ربها، فتأخذ أجرًا على قدر تسبيحها، فإذا به يقول لها- صلى الله عليه وسلم-: ألا أدلك على خير مما تصنعين؟ قالت: بلى يا رسول الله! وهي تسبح بالنوى: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله.. وتنقل من هذه الكومة إلى كومة أخرى، فقال: ألا أدلك على خير مما تصنيعن؟ نعم إن ما تصنعين هو خير؛ لكنه يريد أن يكسبها أجرًا أكبر وعملاً متقبلاً عند ربه- سبحانه وتعالى- بثواب أعظم، فقالت: بلى يا رسول الله! قال: قولي: "سبحان الله عدد ما في السماء، سبحان الله عدد ما في الأرض، سبحان الله عدد ما بين ذلك، سبحان الله عدد ما هو خالق"، يحسب لك هذه التسبيحة بهذه الأعداد التي لا يعلم مداها إلا الله في فترة من الزمن وجيزة، فتنالي أكبر الأجر بأقل المجهود.

 

انظر إلى عطفه وشفقته علينا عندما كان يقول: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك قبل كل صلاة".. صلى الله عليك يا حبيبي يا رسول الله؛ أيشق علينا أن نستاك بالسواك؟! وتشفق علينا أن تأمرنا بهذا تخفيفًا على أمتك..إنه أمر سهل يسير؛ ولكن في تكراره قد تكون فيه مشقة؛ لذلك كان هذا اللفظ الرقيق الرفيق: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، ولو أمرتنا يا رسول الله ما شق علينا؛ ولكننا رغم هذا لم ننفذ ما أمرتنا به مما وجب علينا، فنستغفر الله- عز وجل- من هذا التقصير ونعتذر إليك يا رسول الله مما بدر منا، ونسأل الله أن يُرِك من أعمالنا عندما يعرضها عليك ما يسرك، فإذا وجدت غير ذلك فاستغفر لنا ربك سبحانه وتعالى، إنه هو الغفور الرحيم.

 

لن أتحدث عن حبنا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- فكلنا يعرف أننا مقصرون؛ ولكن تعالَ انظر أخي إلى حب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأمته وبكائه عندما يروي لنا هذا المشهد، يروي لنا وهو يبكي- صلى الله عليه وسلم- أن رجلين من أمته وقفا بين يدي الله- عز وجل- يوم القيامة، وكما تعودنا من كتاب الله- عز وجل- أن الحديث عن الآخرة بالفعل الماضي، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ (الأعراف: 44)، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ (الأعراف: 50)، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأعْرَافِ رِجَالاً﴾ (الأعراف: 48).. كلها في الماضي.. ﴿أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (النحل: 1)؛ لذلك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يروي لك المشهد الذي سيحدث يوم القيامة وكأنه قد حدث، وكأنه قد رآه وهو يبكي، وهو ينقل هذه الصورة إلينا لعلنا نبكي نحن أيضًا على حالنا؛ إنما هو يبكي على حال أمته عندما يقف رجلان من أمته بين يدي الله- عز وجل- هذا صاحب حق عند أخيه المسلم وأخوه المسلم يرفض أن يعطيه حقه؛ لأنه إذا أعطاه حقه من حسناته نقصت كفة حسناته، فرجحت كفة السيئات، فطرح في النار، وصاحب الحق يريد أن يأخذ الحق ما له عند أخيه ليثقل به ميزان حسناته، فيدخل الجنة..

 

تصور هذا المنظر، وتخيل نفسك مكان واحد منهما؛ ماذا يكون حالك؟ والرسول الله- صلى الله عليه وسلم- يروي لك المشهد وهو يبكي! ما يبكيك يا رسول الله- صلى الله عليه وسلم؟! يبكيه أننا لم نعمل حساب هذا اليوم.. يبكيه أننا لم نفرط في حسنة سنحتاجها بين يدي الله- عز وجل- ونريد أن نأخذها ولو من أحب الناس إلينا، والرسول- صلى الله عليه وسلم- يشفق على حال الاثنين، ولا يملك لهما من أمرهما شيئًا.

 

ولكن ربك- عز وجل- الرءوف الرحيم، الذي أفاض من رحمته على حبيبه المصطفى- صلى الله عليه وسلم- بوصفه له: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128)، وأفاض على الدنيا كلها، فأنزل جزءًا من مائة جزء من الرحمة تتراحم بها كل المخلوقات، وادخر تسعة وتسعين جزءًا من الرحمة ليوم القيامة.

 

من مشهد هذا الحال، ومشهد الرحمة التي يتفضل بها رب العزة على الرجلين، فيقول لصاحب الحق.. يعطيه قصرًا في الجنة.. لا يجبره على التنازل عن حقه عند أخيه إلا بأجر ليكون هو صاحب الحق في التنازل، فيقول له: انظر لهذا القصر في الجنة، فيقول: يا رب، لمن هذا؟! فيقول له: لك، إن عفوت عن أخيك.

 

هذا هو ما كان يتمناه، إنه يريد أن يأخذ حقه من أخيه ليدخل به الجنة، وأخوه يخاف أن يعطيه حقه حتى لا يدخل النار، وإذا برب العزة ذي الجبروت والملكوت، ذي الفضل العظيم، يعطي من فضله وكرمه لصاحب الحق قصرًا في الجنة ليتنازل عن حقه طواعيةً لأخيه.

 

فإذا به يقول: يا رب، قد عفوت عنه، هذا ما كنت أتمناه؛ أن أدخل الجنة.. فإذا تحقق دخول الجنة من غير هذا الطريق فبها ونعم.. فإذا برب العزة- سبحانه وتعالى- والرسول ينبئنا أن هذه هي الجائزة، فيقول له: خذ بيد أخيك فادخلا الجنة.

------------------


 

ذكرى تحيي الموات ... يرويها الدكتور محمد مرسي 

 

زعيم الكتلة الإخوانية بالبرلمان المصري

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

د. محمد مرسي


في مناسبة طيبة مباركة غالية علينا جميعًا ذكرى مولد رسولنا- صلى الله عليه وسلم- ونحن نحتفي ونحتفل بالذكرى، وأمتنا الإسلامية يكتنفها كثير من الظروف والملابَسات، ويحيط بها كثير من الأهوال والأعداء.. الأمة الإسلامية التي أسس لها وأوجدها وأقامها رسولنا- صلى الله عليه وسلم- تأتي ذكرى مولده- صلى الله عليه وسلم- ونحن في هذه الحال.

 

 

 

هذه الأمة التي أريد لها من ربها أن تكون خير أمة أخرجت للناس.. ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: 110).. هذه الأمة بتراثها وتاريخها الناصع وبمنهجها وبرسولها.. بقرآنها.. بثوابتها.. برجالها.. بما قدمت للبشرية عبر تاريخها من خير وسلام.. هذه الأمة يجدر بها الآن وهي تحتفل بذكرى مولد رسولها- صلى الله عليه وسلم- يجدر بها أن تنظر في منهجها، وأن تنظر في حقيقية دينها، وأن تنظر في ثوابتها، وأن تنظر في تاريخها، وأن تنظر في قرآنها قبل ذلك وبعد ذلك، وأن تنظر في سنة رسولها- صلى الله عليه وسلم- كيف استقبل الوحيَ؟ وكيف فهِم الدين؟ وكيف طبَّق هذا الدين؟ وكيف قام عليه؟ وكيف أوجد الأمة؟ وكيف أنشأ الدولة؟ وكيف أوجد هذه الأمة المباركة؟ أوجدها بقيمتها التي استمرت، وبمنهجها الذي عاش حتى وصل إلينا هكذا ناصعًا غضًّا طريًّا صحيحًا، محفوظًا بفضل الله- عز وجل- من خلال مصدرَيه الصحيحين من القرآن ومن سنَّته- صلى الله عليه وسلم- الأمة التي رفعَت راية الحق.. الأمة التي كانت هي دليل الناس إلى الخير.. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107).

 

 

رسولنا- صلى الله عليه وسلم- رحمة الله للخلق كافة؛ للمسلمين ولغير المسلمين.. هذه رسالته.. هكذا كان منهجه وما زال، وهذه كانت حياته- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه معه، ومن جاء بعده من الأصحاب، ومن سار على دربهم من الأتباع.. هكذا جيلاً بعد جيل، تنشر الخيرية في الناس، تؤمن الخائف، وتتعامل مع كل الناس؛ نشرًا للحق، واحتواءً لكل أنواع البشر الراغبين في أن يعيشوا في كنفها، وأن يتحلَّوا بما تتحلى به في معاملاتها.. من ثوابت معروفة في التعاملات ما بين المسلمين وما بين المسلمين وغير المسلمين.. الرحمة المسداه، نعمة الله على خلقه، رسولنا- صلى الله عليه وسلم- بالإسلام الصحيح الكامل كما تنزَّل عليه- صلى الله عليه وسلم.

 

 

هكذا يجب أن ننظر في التاريخ؛ لنعرف كيف كان لأسلافنا الفضل في أن ينشروا الخير في الناس، وينشروا هذا الدين بما فيه من خير إلى الدنيا بأسرها؟ كيف ساروا به شرقًا وغربًا؟ وكيف أوصلوه إلى الناس صحيحًا بالقول وبالسلوك وبالعمل وبالصبر وبالتعامل وبالأخلاق؟!

 

 

رسولنا- صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (صدق الله العظيم) (القلم: 4) ، وقوله- صلى الله عليه وسلم-: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".. هذا التاريخ الناصع لهذه الأمة- برجالها عبر التاريخ- لم تعتدِ على أحد، ولم تُرِقْ دماء أحد، ولم تستعلِ على أحد إلا بمنهجها الطيب المبارك، الذي هو الرحمة والمرحمة للخلق كافة.

 

هذه الأمة سارت في الناس بالخير، وسعى رجالُها بهذا الخير؛ لينشروه عبر التاريخ، وعبْر الآفاق إلى الدنيا بأسرها.. ما زالت هذه الأمة مطالَبة بأن تستكمل رسالتها، وأن تكون أمةَ الخير دائمًا كما كانت، وفيها علامات مضيئة بفضل الله- عز وجل- الآن.. وهي حريصة على أن تستكمل هذا الطريق وهذا الدرب درب محمد- صلى الله عليه وسلم.

 

 

الآن هذه الأمة يريد لها أعداؤها أن تخرج عن صحيح دينها، وأن تترك بعض منهجها، وأن تجتزئ هذا المنهج، وأن تأخذ منه وتترك؛ ليسهُل على عدوها أن يقضي عليها، ويهيمن عليها، ويسيطر عليها؛ ولكن هيهات.. هيهات هيهات.. لن يفلح هؤلاء؛ لأن الله- عز وجل- قد تكفَّل بحفظ الدين، يحفظ الله الدين بالرجال بأصحابِ الدعوات، بأبناء هذه الأمة الخيِّرين الطيبين، الذين يحتفلون بذكرى مولده- صلى الله عليه وسلم- بالعمل بسنَّته، وبالسير على دربه، وبانتهاج نهجه؛ بنصرة إخوانهم في كل مكان، بنصرة إخوانهم في الحق، وبالوقوف في وجه الظلم، وبالصبر على المكاره، وبالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، من غير جبروتٍ ولا استعلاءٍ؛ ولكن من غير تركٍ ولا تقصيرٍ، ولا قبول بإذلال ولا ذلٍّ، ولا هيمنة من أصحاب مناهج دونية عليها.. هكذا يجب أن تكون هذه الأمة.

 

 

واجب علينا جميعًا ونحن نحتفل بذكرى مولده- صلى الله عليه وسلم- هذه الأيام أن نستعيد هذه الذكريات، وأن نستعيد هذه الثوابت، وأن نستعيد هذه المعاني، وأن نفقه هذا المنهج، وأن نقوم عليه، وأن نجاهد في سبيل نشره؛ لأن فيه الخير- كل الخير- للناس كافة.. الله- سبحانه وتعالى- يحفظ دينه وأهل دينه، ومن يلف معهم، ويسير تحت لوائهم؛ لإعلاء كلمة الحق.. الله غاية هؤلاء؛ فهم يقومون على كل هذا الأمر؛ إرضاءً لله- سبحانه وتعالى.

 

 

إخواننا في كل مكان.. أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى ربها.. أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى قرآنها.. قرآن ربها إليها.. أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى رسولها؛ منهجه، سيرته، سنته، أخلاقه، أصحابه، جهاده- صلى الله عليه وسلم.. أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى زعيمها وقائدها وملهمها الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم.. أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى سيرة السلف الصالح والتابعين الذي ساروا على دربهم، وفهِموا هذا الإسلام كما ينبغي له أن يكون؛ فكانوا هم منارات الخُلُق، ومناراتٍ للخَلْق في كل مكان.. ما نشروا إلا خيرًا، وما فعلوا ولا قالوا إلا حقًا وصدقًا؛ فنصرهم الله، ونصر الله بهم الدين، وعزوا وسادوا، وسعد الناس جميعًا- المسلمون وغير المسلمين- معهم بما نشروا من خير فيهم..

 

 

تحتاج هذه الأمة الآن إلى أن تعود إلى هذه الثوابت، إلى أن تعود إلى هذه الحقائق، إلى أن تعود إلى هذا المنهج، إلى أن تعود إلى ربها، إلى أن تعود إلى سنة رسولها، إلى أن تستمسك بكل هذا قولاً وعملاً وسلوكًا وصبرًا ومجاهدةً وجهادًا، بحكمة معروفة عن هذه الأمة على طول طريقها وتاريخها، وبقدرةٍ عالية على النفاذ ببصيرة الحق إلى مواطن الحق؛ لكي يستقيم الحال، وتعود إلى هذه الدنيا راية السلم والسلام الحقيقية في ظل الإسلام، في ظل الله- سبحانه وتعالى- الذي لا يريد لخلقه إلا الخير دائمًا؛ ولكن الناس أحيانًا يختارون غير ذلك.

 

 

أيها الإخوة المسلمون الكرام في كل مكان.. حريٌّ بنا وجدير بنا، بل واجب علينا ونحن نحتفل بذكرى مولد الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- أن ننظر في كل هذا، وأن نأخذ أنفسنا جميعًا به، وأن نستشعر جميعًا المسئولية تجاهه، وأن نأخذ الخطوات الجادة نحو الوصول إلى هذه الغايات بهذه السبل والوسائل، والله- سبحانه وتعالى- قادر قاهر فوق عباده، ينصر من ينصره.. إنه- سبحانه وتعالى- عزيز حكيم.. كل عام وأنتم بخير.. وصلَّى اللهم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم..

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

------------------

 

 بعثُ روحِ الجهاد... يبثها د. عبدالمنعم أبو الفتوح  

 

عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين

 

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله..

د. عبدالمنعم أبو الفتوح

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم صلِّ على سيدنا محمد النبي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وآله بيته، وارضَ اللهم عن ساداتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.

 

 

أيها الإخوة الأحباب، إننا اليوم ونحن نحتفل بمولد سيد البشر- صلى الله عليه وسلم- نتذكر كونه- صلى الله عليه وسلم- كان قدوة لنا نحن أتباعه نحن المسلمين، قدوة لنا في العطاء والبذل والتضحية، وقدوة لنا في التواصل مع الناس أجمعين؛ حيث أرسله الله سبحانه وتعالى بشيرًا ونذيرًا.

 

 

إننا ونحن نحتفل بمولد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واليوم تحتل أرضنا في فلسطين ومقدساتنا في الأقصى، واليوم وقد احتلت العراق من الأعداء الأمريكان، نتذكر سيرته- صلى الله عليه وسلم- في البذل والتضحية والعطاء والجهاد.

 

 

نحن أمة نعيش على الجهاد.. نحن أمة عزتها وكرامتها وعزها في الجهاد في سبيل الله.. نحن أمة الجهاد في سبيل الله.. نحن أمة أراد أعداء الإسلام على مدار التاريخ كله أن نكون أمة راكعة لغير الله فرفضنا، وأبى علينا توحيدنا وإيماننا بالله وثقتنا في نصرته- سبحانه وتعالى- أبى علينا ألا نركع إلا لله سبحانه وتعالى.

 

 

نحن نتذكر أيها الإخوة الأحباب رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم- ومعاركه وجهاده وبذله وتضحيته، ورغم أنه كان يعيش عيشة كلها زهد، وكلها شظف، حتى يمر الهلال والهلال والهلال ولا يوقد في بيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نار، وكان- صلى الله عليه وسلم- مع هذه العيشة القاسية مثالاً للمجاهد المضحي الباذل المعطي في سبيل الله؛ لأنه لا تشغله دنياه ولا تشغله رفاهية الدنيا؛ إنما تشغله الآخرة بما فيها من نعيم مقيم.

 

 

تذكرنا سيرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بأننا يجب أن نبقي ونحيي في نفوسنا فريضة الجهاد في سبيل الله: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ (التوبة: 41).

 

أيها الإخوة الأحباب، نحن إذا تخلينا عن الجهاد في سبيل الله يومًا، فإن الذلَّ والعار سوف يلحق بنا.. إن أعداء الإسلام من الأمريكان والصهاينة المجرمين يريدون أن يدخلوا هذه الأمة في نفق الذل والعار والإحباط واليأس؛ ولكن إسلامها يأبى عليها، إلا أن تكون أمة عزيزة.

 

 

إياكم أيها الإخوة أن تدخلوا في نفق الإحباط واليأس.. إنه ليس هناك دين عظيم يجعل أمثال "ريم الرياشي" والطفل الصغير "الدرة" يُستشهَدُ في سبيل الله مثل ديننا.
أيها الإخوة الأحباب، أي دين وأي عقيدة على هذه الأرض، وأي تجمع بشري غير تجمع المسلمين والصالحين يقدمون حياتهم رخيصة فداءً لأوطانهم وأمتهم واستقلالهم وعزتهم وكرامتهم، إننا نتحدى الدنيا جميعًا أن تُظهر لنا عقيدة أو دين أو جماعة بشرية تضحي بمثل ما يضحي به المسلمون.

 

 

أيها الإخوة الأحباب: إنكم أمة عظيمة وأمة كريمة وأمة عزيزة، ورغم هذا العدوان القاسي، واستخدام كل وسائل التقنية الحديثة في العمل العسكري ضد المسلمين العزل والضعفاء في فلسطين وفي العراق، فما زالت انتصاراتهم تتحقق، وما زال على أسنة رماح المجاهدين ينهار المخطط الأمريكي لاحتلال منطقتنا العربية والإسلامية.

 

 

أي أحد كان يتصور أن تبدأ المقاومة العراقية بعد احتلال العراق بشهرين فقط؟! تبدأ المقاومة العراقية الباسلة لتحطم مخطط الأمريكان لاحتلال منطقتنا العربية والإسلامية وتحويلها إلى منطقة من العبيد للسيد الأمريكي.. أيُّ أحدٍ كان يتصور هذا لولا هذه العقيدة العظيمة، ولولا اتباعنا لسيد البشر محمد- صلى الله عليه وسلم- الذي تربينا على مائدة قرآنه وسنته.. تربينا على ألا نعتدي على أحد أو نظلم أحدًا؛ ولكن نأبى أن يعتدي علينا أحد، أو يظلمنا أحد، أو يحتل أرضنا أحد.

 

إننا نجاهد ونقاتل ليس عدوانًا؛ بل دفعًا للعدوان على مقدساتنا وأراضينا واستقلالنا، وثرواتنا واقتصادنا، وثقافتنا وهويتنا، وسنظل حتى آخر مسلم مؤمن موحد بالله يقاتل دون أرضه، ودون دينه، ودون عرضه، والله أكبر ولله الحمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 


------------------

 

قارب الإنقاذ ... يرسم صورته الأستاذ سيد نزيلي

 

من قيادات جماعة الإخوان المسلمين

 

أ. سيد النزيلي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن دعا بدعوته وعمل بسنته وسار على نهجه واتبع النور الذي أنزل عليه إلى يوم الدين.. أما بعد

 

فهذه مناسبة عزيزة عظيمة كريمة فاضلة؛ مناسبة مولد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يحتفل بها المسلمون في كل مكان، يحتفلون بذكرى زعيمهم وقائدهم ومنقذهم من الصلالة إلى الهداية، الذي جاء بالنور، جاء نذيرًا وبشيرًا، جاء ليخرجنا من الظلمات إلى النور بإذن ربه، جاء ليمد قارب الإنقاذ للبشرية كلها من أن تتردى في غيابات الانحرافات والجاهليات والبعد عن التوحيد الصحيح الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

في هذه المناسبة نستفيد منها في أن نتأسى برسول الله- صلى الله عليه وسلم- في كل شئونه، وفي كل حياته؛ مع أسرته، مع زوجاته، مع أولاده، مع جيرانه.

 

نتأسى به- صلى الله عليه وسلم- في تعامله مع الناس، في تعامله مع أهل الكتاب، في تعامله مع كل مَن يقابلهم في حياته الاجتماعية، وفي الحوارات التي كان يجريها وسعة الصدر وسعة الأفق والحنو والعطف الذي كان يجده مََن يخالط رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم- في مثل هذه الأمور.

 

وهذا ما يجب أن نركز عليه في هذه الفترة وفي هذه المناسبات، وهي فرصة فعلاً لإحياء ما كان عليه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من أخلاق فاضلة ومن شمائل عظيمة ومن فضائل وآداب جمة نحتاج في هذا الوقت وفي كل وقت نحتاج إلى أن نتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم في الحلم وفي كظم الغيظ وفي العفو وفي الكرم وفي الجود وفي السخاء وفي الشجاعة وفي الجرأة؛ لأن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كان قدوةً في كل شيء؛ في مواجهته للأعداء، وفي مواجهته لمؤامرت الأعداء.

 

وفي هذه المناسبة نجد أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- واجه بالنسبة للمؤامرة على الإسلام واجتثاث جذوره وشأفته منذ أن جاء ومنذ أن صدع: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: 214) ومنذ أن جاء له: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ* وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (المدثر: 1- 4) منذ أن جاء ذلك صدع بهذا الحق وواجهه كل أعداء الدنيا، وهؤلاء الأعداء هم أنفسهم الذين يواجهون دعوة الإسلام.. يواجهون الذين يسيرون على خط رسول- صلى الله عليه وسلم- يواجهون الذين يحملون الإسلام بصورته الصحيحة النظيفة الوضيئة الشاملة، وإذا تكلمنا عنهم في أيام رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فهم هم باختلاف المسميات بل باختلاف الديكور فقط؛ لكن القواعد أو الأمور الرئيسية تجمع القديم مع الجديد.

 

أول مَن واجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الكفارُ في قريش، وهؤلاء الكفار لم يكونوا أصحاب عقائد أو أصحاب فكر أو أصحاب ثقافة لها جذور معينة، وإنما كانوا بسطاء جدًا يعبدون الأصنام التي يصنعونها ويسجدون لها؛ بل يعبدون بعض الأصنام التي يصنعونها من مواد معينة قابلة لأن يتناولوها في وجباتهم، كمَن يصنع إلهًا من العجوة أو من البلح ثم في آخر النهار أو بعد أيام معينة يأكل هذا الإله ويستطعمه، إذن هم كانوا قومًا ليس عندهم بعد سياسي كبير، ولهذا كانوا يواجهون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مواجهةً عنيفةً اليدُ فيها أقربُ من الكلمةِ والفكر.. يواجهونه بضرب أصحابه وبتعذيبهم وبالنيل منهم والتنكيل بهم، وهذا ما فعلوه مع أسرة عمار بن ياسر.. سيدنا ياسر قتل وأم عمار كذلك قتلت، وكانت أول شهيدة في الإسلام، وما فعلوه كذلك مع بلال.

 

ولذلك كان الضرب في مكة ثم تتبعوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لما خرج من المدينة في شكل حروب وقوى عسكرية متجمعة ومتغطرسة في بدر ولقوا هزيمتهم، وفي أحد وكانت المسألة بين الهزيمة والنصر ثم في الأحزاب.

 

كذلك واجه رسول- صلى الله عليه وسلم- مجموعة من المنافقين في المدينة، والنفاق يكون دائمًا مع الانفتاح مع التمكين مع الانتصار، أما في مكة لم يؤثر إطلاقًا أن يكون هناك منافقون.

 

هؤلاء المنافقون ناصبوا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- العداء، واستطاع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بحكمته التي جاءت من وحي الله عز وجل له أنه لا يحدث شقة في الصف رغم فداحة الجرم الذي يفعلونه مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ولكنه كان يقول ردًا على مَن يطلب منه قتلهم: "حتى لا يُقال إن محمدًا يقتل أصحابه".. فعلوا الكثير؛ فهم كانوا وراء بناء مسجد ضرار وكانوا وراء حديث الإفك، وأرادوا أن يقتلوه وهو عائد من تبوك هموا أن يقتلوه.

 

كذلك واجه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في المدينة معسكر اليهود وواجههم في أربع مواقع؛ في بني قينقاع، وفي بني النضير، وفي بني قريظة ثم خارج المدينة هناك في خيبر، ونستطيع أن نقول إنه بعد خروجهم من خيبر لم يكن في الجزيرة العربية دينان.

 

كذلك كان لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- سياسة معينة ومواقف معينة مع النصارى، والنصارى كانوا قسمين قسم في جنوب الجزيرة العربية؛ وهم عرب قد تنصروا، أما اليهود فهم يهود قد تعربوا، فالنصارى في الجزيرة العربية كانوا نصارى عرب، وكان لهم اتصال بالحبشة فاستحسنوا دين النصارى وتنصروا وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حوار أو حوارات معهم في المسجد وهم الذين نزل فيهم آية المباهلة: ﴿قُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (آل عمران: 61)، ولكن كان الخطر الأكبر من النصارى هو شمال الجزيرة العربية، وذهب إليهم توًا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليظهر أن الجزيرة العربية وهناك في المدينة المنورة قد ظهرت قوة لابد أن يكون لها حساب.

 

الشاهد من هذه المعسكرات أنها هي هي التي تُعادي الإسلام، وهي هي التي جاءت في الحروب الصليبية ضد الإسلام، وهي هي التي جاءت على يد المستشرقين المعادين للإسلام أو المبشرين التي ظهرت في ثوب الصهيونية العالمية والماسونية، والتي ظهرت في ثوب العلمانية، والتي ظهرت في ثوب الوجودية، والتي ظهرت في ثوب الشيوعية، كلها جاءت من الأربع محاور الرئيسية التي واجهها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- منذ خمسة عشر قرنًا ولكنهم تزيوا بأزياء معاصرة حضارية ولا تخفي ما تجمع قلوبها عليه أو تخفي ما في صدورها من حقد دفين واستئصال لشأفة الإسلام والمسلمين، وهذا ما نواجهه الآن.. نواجه حملة شرسة من كل اتجاه من كل أعداء الإسلام لكي يتخلصوا من الإسلام ويفرغوا الإسلام من محتواه الرئيسي، وهو القرآن؛ لذلك يريدون أن يفرغوا من القرآن آيات الجهاد.. يريدون أن يوجهوا التعليم الإسلامي إلى تعليم يبعد بالشباب ويبعد بالفتية المسلمين عن العنصر القوي الذي يُكِّون شخصيتهم الإسلامية وهو الجهاد وهو الغزوات، ويريدون أن يحذفوا من المناهج التعليمية مثل هذه الأمور.

 

وهيهات أن يتم لهم ذلك فقرآن الله محفوظ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، وهذا الحفظ هو حفظ في الكتاب ثم حفظ بأن يقيد الله عز وجل فئة مؤمنة تنفر في سبيل الله لتدافع ما وسعها الدفاع ولتدافع ما كان لها نفس أو قلب ينبض عن هذا الإسلام جيل بعد جيل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم: 3-4).

 

هذه مناسبة طيبة نقتدي ونقتفي أثر رسول- صلى الله عليه وسلم- في كل حياته، وهذا ما يجب أن نشيعه، وما يجب أن نعلمه لجميع المسلمين بأننا نحن لا نحب كإخوان أن نحتفل كما يحتفل الصوفية أو غيرها إنما نحتفل لإحياء هذه الذكرى، وهذا أمر مباح وأمر متاح وأمر محمود يجب أن نشجعه وأن نعمل له.

 

وأسأل الله عز وجل أن يفيدنا في مثل هذه الأمور، وينفع بنا، إنه على ما يشاء قدير.

 

 

------------------

 

معاني الثبات.. يدعو لها د. عبدالحميد الغزالي

 

أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين

 

د. عبدالحميد الغزالي

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.. بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله والصلاة والسلام على محمد رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أما بعد:

فتأسيًا برسولنا- صلى الله عليه وسلم- ليس لدينا أعيادٌ أو مناسباتٌ نحتفل بها سوى العيدين: عيد الفطر وعيد الأضحى، أما الأيام الباقية من العام فكلها يتعين أن تكون تأسيًا بقدوتنا وزعيمنا ورسولنا- صلى الله عليه وسلم- ومِن ثَمَّ نحن في هذه الأيام يتعين أن نستحضر سيرة قائد المجاهدين، وإمام المرسلين، وخاتم الأنبياء نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- فما تمرُّ به الأمة الآن لم تمر به في أي فترة من تاريخها الطويل؛ إذ تتعرض لهجمة شرسة من قِبَل أعدائها تهدد هذه الهجمة ليس فقط ثرواتها وإمكانياتها؛ بل تهدد مقدراتها ومستقبلها ومقدساتها، ومن هنا يتعين أن نقف أمام هذه الهجمة على قلب رجلٍ واحدٍ، ونحيي فريضة الجهاد كذروة سنام الإسلام كما علمنا قائدنا وزعيمنا محمد- صلى الله عليه وسلم- فما يحدث في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وغيرها من بِقاع أرض المسلمين يتطلبُ هذه الوقفة، ويتطلب إحياء هذه الفريضة شبه الغائبة من قِبَل الأمة العربية والإسلامية حتى نستطيع أن نرتفع إلى مستوى ديننا العظيم، وإلى مستوى مبادئِنا وقيمنا السامية الإسلامية، ومِن ثَمَّ في هذه المناسبة أؤكد ثانية على ضرورة استحضار ثوابت هويتنا.. ثوابت ديننا الإسلامي العظيم، ونتأسى بسيرة نبينا- صلوات الله وسلامه عليه- ونحيي فريضة الجهاد دفاعًا عن العرض، ودفاعًا عن المقدسات.

 

 

وفي الختام نؤكد أنه مهما كانت هذه الهجمة سوف نخرج منها بإذن الله منتصرين، طالما عدنا إلى ثوابتنا عدنا إلى ديننا عدنا إلى التأسي بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصدق الحق؛ إذ يقول: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (النور : 55)، فشرط الخروج من هذه الأزمة هي عبادة الخالق- سبحانه وتعالى- حق عبادته، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران : 31)، فالتأسي بسيرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والسير وفقًا لنهجه هو عبادةٌ حقةٌ لله تبارك وتعالى.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

------------------

 

 

دروس في عبق المولد ... يشرحها الأستاذ مسعود السبحي 

 

سكرتير المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين

 

 

أ. مسعود السبحي

بسم الله الرحمن الرحيم.. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وبعد:

 

 

أيها الأحباب الكرام، في هذه الذكرى المباركة.. ذكرى ميلاد الحبيب محمد- صلوات الله وسلامه عليه- نتذكَّر أن الله قد اصطفى محمدًا على الخلق أجمعين، فهو سيد الأولين والآخرين، والشفيع يوم الدين، وقد أنزل عليه القرآن الكريم.. هذا القرآن هو دستور أمة محمد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإن الله- سبحانه وتعالى- أمر نبيه- صلوات الله وسلامه عليه- بقيام الليل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً* نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً* أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (المزمل: 1- 4).

 

 

ففي قيام الليل المدرسة التي تربَّى فيها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه رضوان الله عليهم، وقد قال له ربه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ (الإسراء: 79).

 

 

هذا القرآن أحاط بكل مناحي الحياة، فهو قانونها ودستورها.. حينما نقرأ القرآن الكريم نجد آداب البيوت، فهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ (النور: 27)، ثم هو كذلك في العقود: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (المائدة: 1)، ثم هو في المعاملات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ..﴾ (البقرة: 282)، في كل ناحية حتى في الميراث؛ بل ما فرطنا في الكتاب من شيء، ثم يبين أعداء هذه الأمة، فيقول المولى تبارك وتعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: 82)، يبين للأمة الأعداء الذين يتربصون بها ليل نهار، ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120)، ويأمر المؤمنين بالتماسك، ويأمرهم بالولاية بعضهم لبعض، فيقول تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ (الأنفال: 73).. فما هو المراد من الذكرى؟

 

 

المراد أن نسير على نهج محمد- صلى الله عليه وسلم- وقد أمرنا الله بذلك؛ أن الذي يسير على نهج محمد- صلى الله عليه وسلم- وعلى طريقه، فهو طريق الفلاح والنجاح، ولا طريق غيره: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران: 85).

 

 

يا أحباب، ماذا نفعل إزاء هذه الذكرى؟! ما هو المطلوب؟! المطلوب أن نقتدي بحبيبنا- صلى الله عليه وسلم- في كل مناحي حياته؛ في بيته، في حربه، في سلمه، في معاملاته، في أخلاقه، ويقول الحبيب- صلى الله عليه وسلم-: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، فيجب علينا أن نكون ربانيين: ﴿وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79)، وهذا الأمر سنُسأل عنه بين يدي الله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ (الزخرف: 44).

 

 

يا أحباب، هذا الأمر إنما هو أمرُ جِدٍّ، فيجب علينا أن نشمِّر على ساعد الاجتهاد، وأن نعمل ليل نهار؛ لأن أعداءنا- كما ترون في فلسطين- يهدمون البيوت على الرجال والنساء والأطفال، وكذلك في العراق، يفعلون هذا الأمر.. ماذا ننتظر؟! هل ننتظر أن يأتوا إلينا حتى يهدموا علينا بيوتنا؟! لابد من المُجاهَدة، لابد من العمل حتى يأذَن الله لنا بالنصر، واعلموا أن الله- سبحانه وتعالى- لن يغيِّر هذه الحال إلا إذا اجتهدنا: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11)، ونسأل الله- سبحانه وتعالى- أن يمن على هذه الأمة بالتغيير، وأن يُمكِّن لها كما مكَّن لمن قبلها، والله أسأل أن يوفقنا، وأن يسدد خطانا..

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

------------------

 

 

اتباع هديه.. وصية من د. عصام العريان 

 

أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين

 

د. عصام العريان

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. بسم الله الرحمن الرحيم.. والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- أيها الإخوة والأخوات زوار موقع (إخوان أون لاين) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

في هذه الأيام التي تحلّ بنا فيها ذكرى عطرة لميلاد رسولنا العظيم- صلى الله عليه وسلم- يجب علينا أن نتذكر واجبنا تجاه هذا النبي العظيم، الذي ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وأول هذ الواجبات أن نؤمن به وأن نصدقه فيما جاء به من ربه- سبحانه وتعالى- إيمان يتعمق في قلوبنا ويتنامى مع مرور الأيام هذا الإيمان نترجمه حبًّا له، وتعظيمًا له ومعرفة لفضله علينا، صلى الله عليه وسلم، فنعطِّر ألسنتنا بذكره، والصلاة والسلام عليه لنعرف أن الله- سبحانه وتعالى- صلَّى عليه، وأمرنا بالصلاة عليه، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب : 56) هذا الإيمان يجب أن يُترجم أيضًا واقعًا في حياتنا؛ بحيث نلتزم بما جاء به، فإن الله- سبحانه وتعالى- أمرنا فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: 7) ويقتضي هذا أن نعلم أن طاعته- صلى الله عليه وسلم- من طاعة الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ (النساء : 80)، وأيضًا لنعلم أن مقتضى هذا الواجب أن نتعلم سيرته، وأن نتفهم منهجه، وأن نطيعه فيما جاء به عن ربه، وفيما أمر به صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني فهمًا للإسلام فهمًا شاملاً فهمًا حقيقيًّا للتطبيق والعمل، وليس للدراسة والنظر.

 

 

الواجب الثالث- وهو ما أريد أن اختم به وأن نتأمل فيه- أن نحمل نفس الهمِّ الذي حمله- صلى الله عليه وسلم- وأن نعيش لنفس الرسالة التي عاش من أجلها، إن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- عرض عليه قومه أن يجعلوا له الأرض ذهبًا، وأن يملكوه عليهم وأن يجعلوه متوجًا بينهم؛ ولكنه رفض ذلك كله، وارتضى لنفسه أن يبلِّغ عن ربه، وأن يحمل رسالة الهداية للعالمين، وقد ختم الله به الأنبياء والمرسلين- صلوات الله وسلامه عليه- فلم يبقَ مجالٌ لنبوة بعد نبوة محمد- صلى الله عليه وسلم- فمن الذي يحمل رسالته؟ ومن الذي يسير على نهجه؟ ومن الذي يلبغ دعوته؟ إن ذلك نعلمه جميعًا في قول الله- عز وجل- آمرًا نبيه- صلى الله عليه وسلم- بقوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف : 108) أريد منكم أن تتأملوا في قوله: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ فكل من اتبع محمدًا- صلى الله عليه وسلم- مكلف بأن يحمل هذه الرسالة، وأن يوضح هذا السبيل، وأن يدعو إليه على بصيرة عن فهمٍ وبيِّنة وبرهان وإحاطة بما جاء به- صلى الله عليه وسلم- وهذا تصديق لقوله سبحانه وتعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون﴾ انظر كيف حصر الفلاح في هذه الطائفة الذي وصفها رسولنا- صلى الله عليه وسلم- الذي نحتفل بذكراه بقوله– "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق مستمسكين به لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك".

 

 

أوصيكم إخواني وأخواتي أن توفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الذكرى.. بأن تحملوا منهجه، وأن تسيروا على هديه، وأن تبلغوا دعوته للعالمين.
هذه هي الواجبات التي أرى أننا في أمسِّ الحاجة إلى أن نتدارسها في هذه الذكرى العطرة، لا أن نأكل الحلوى أو نمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفى، نعم هو يستحق المدح وهو يستحق أن نتلو سيرته، وهو يستحق أن نقول فيه الشعر، يستحق ذلك وأكثر منه، كيف لا وقد رفع الله ذكره في العالمين، ولكن الاكتفاء بهذا المدح فقط والشعر وأكل الحلوى وغيره هذا لا يجوز لمؤمن يعلم مدى الخطر الذي يواجه أمة الإسلام اليوم، ومدى التشويه الذي يلحق برسالة الإسلام اليوم.

 

في هذه الظروف الصعبة التي نعيشها يجب أن نتذكر هذا الواجب الثالث بأن نحمل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نبلغها كاملة لكل الدنيا؛ لأن المؤمنين به في هذه الدنيا لا يشكلون أكثر من سدس العالم، هناك مقابل كل واحد يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ونبوته ورسالته ودينه الإسلام خمسة يكفرون به، ولعل أكثرهم لا يعلمون عنه شيئًا، ولا يعلمون عن رسالته شيئًا، هذا ما يجب أن نتذكره اليوم، وأود أن أقول إن إيماننا وتصديقنا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم يأتي في الإطار الذي جاء به الإسلام وهو التوحيد الخالص، حيث إننا نعلم أنه نبي مرسل ولكنه عبد من عباد الله يوحى إليه، بشر مثلنا يأكل ويشرب وليس نرفعه إلى مكانةٍ كما رفعت أمم من قبلنا وخلطت ما للنبي بما لله عز وجل فضلَّت وزلَّت بها الأقدام والأفهام، إننا نصلي ونسلم على نبينا صلى الله عليه وسلم في هذه الذكرى العطرة، ونعاهده أن نبقى أوفياء لرسالته وأن نبقى أمناء على دعوته، وأن نحمل هذا الهدي والهدى الذي جاء به، نبلغه للعالمين حتى ولو افتدينا ذلك بأرواحنا وبذلنا من ذلك من الجهد والوقت والمال حتى نبذل الدم في سبيل إعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله هذه الكلمة العظيمة كلمة الإخلاص كلمة التقوى نحن أحق بها وأهلها إن شاء الله.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم وأسأل الله أن نكون أوفياء لدينه أوفياء لنبيه أمناء على دعوته والله يقول الحق وهو نعم النصير.

 

------------------

 

 

  ماضون على الدرب.. يؤكدها د.إبراهيم الزعفراني

 

أمين عام نقابة أطباء الإسكندرية

 

د. إبراهيم الزعفراني

بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهديه وسار على سنته إلى يوم الدين.

 

في ذكرى مولد نبينا- صلى الله عليه وسلم- نستحضر النبي- صلى الله عليه وسلم- ونصلي ونسلم على نبينا- صلى الله عليه وسلم- ونسأل الله- تبارك وتعالى- أن يجزيه خير ما جازى نبيًا عن أمته ورسولاً عن قومه.

 

 

نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- في ذكرى مولده، إن الأمة تعيش محنة كبيرة؛ ولكن أيضًا ما تركه لنا نبينا- صلى الله عليه وسلم- بما أوحى إليه به ربه من الكتاب أو ما حدثنا به رسولنا- صلى الله عليه وسلم- من أحاديث عظيمة، وما قام به النبي- صلى الله عليه وسلم- كقدوة وأسوة في حياته جعلتنا نواجه هذه المواقف، فنحن نهدي في مناسبة ذكرى ميلاد نبينا محمد- صلى الله عليه وسلم- استشهاد الشهيد "أحمد ياسين" واستشهاد الدكتور "عبدالعزيز الرنتيسي" نهدي له أمة قامت تجاهد في فلسطين وقدمت الشهداء الذين ضربوا المثال.. أمة تجاهد في العراق.. أمة تجاهد في مصر.. أمة تجاهد في العالم كله.. أمة تجمعت وتوحدت.. أمة استيقظت وعرفت طريقها، من كان منهم في غفلة فاستيقظ، وما كان منهم قاعد فقد قام، الأمة بخير حين استيقظت وإنها ستصل في النهاية إلى برِّ الأمان.

 

نقول لك- يا رسول الله في ذكراك-: الأعداء قد تجمعوا علينا، وأنت كنت تدعو وتقول: "إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي" (ذكره أبو إسحاق في السير)، ونحن نقول من بعدك: إن لم يكن بالله علينا غضب فلا نبالي، وكما فتح الله عليك بعد ذلك الضيق، وفتح لك الدنيا كلها فسيفتح لأتباعك يا رسول الله- المسلمين الذين ربيتهم والذين بعثك الله لتكون خاتمًا لأنبيائهم ومرشدًا ومعلمًا- أنهم يمشون على الضرب، وإننا- إن شاء الله- منتصرون؛ بوحدتنا.. بيقظتنا.. بتضحياتنا.. بمقاوماتنا، الجهاد والاستشهاد الذي تمنيته لنفسك يا رسول الله، فقلت: "والذي نفسي بيدي لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل" (رواه البخاري ومسلم) علمتنا قيمة الشهادة يا رسول الله.

 

 

أصحابك الكرام الذين تربوا على يدك أقاموا الدنيا كلها بتضحياتهم وبعقولهم وبوحدتهم وبخلقهم وببذلهم، ثم ذهبوا إلى الله كرامًا، ذكراهم طيبة في الدنيا وهم عند الله مكرمون.

 

 

نسأل الله- عز وجل- أن يجعلنا كأمة أيضًا أعزة في دنيانا، شهداء حين نلقى الله- عز وجل- قائمين بهذا الحق، فهذه أمة خيرة، لا يُدرى أولها خيرٌ أم آخرهُا، وهذه أمة قائمة بالحق إلى أن تقوم الساعة، نسأل الله أن نكون من هذه الفئة التي لا تحيد عن الحق، بهذا الحق مستمسكون مجاهدون في سبيل الله حتى تقوم الساعة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 

------------------

 

ميلاد أمة.. يوضحها د. جمال حشمت

 

عضو البرلمان المصري السابق عن جماعة الإخوان المسلمين

 

د. جمال حشمت

 

بسم الله الرحمن الرحيم، نحمدك اللهم حمد الشاكرين، ونشكرك شكر الحامدين، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم إلى يوم الدين، أما بعد:
فنحن في هذه الأيام نتلمس نسمات مولد المصطفى- صلى الله عليه وسلم الرسول- محمد- صلى الله عليه وسلم- وقد أرسله الله تبارك وتعالى نبراسًا ونورًا يعم الدنيا في كل زمان وفي كل مكان.. امتثالاً لهذا الرسول- صلى الله عليه وسلم- أمرنا ربنا- تبارك وتعالى- أن نتخذه قدوة، وأن نتخذه أسوة، فقال عز من قائل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ﴾ (الأحزاب : 21).

 

 

نحن نريد في ذكرى مولد المصطفى- صلى الله عليه وسلم- أن تولد أمة من رحم هذه المحن التي نحياها الآن.. أن يولد جيل للنصر المنشود، وما هو بإذن الله ببعيد.. نريد ميلاد جيش من الشباب الذي يؤمن بأن التغيير أمر فطري، ولابد أن نعلم أن الأصل في هذه الدنيا هو التعدد، وأن الأحادية والوحدانية إنما لله تبارك وتعالى، فإذا كان الأصل التعدد، فإننا نعيش في عالم متغير لابد أن نفقه فقه التعامل فيه مع الآخر.

 

 

لقد عانينا من الحصار كحركة إسلامية، وعانى المسلمون من الاستئصال ومن الاضطهاد ومن الإقصاء، ولابد أن نعي أننا إذا قبلنا بهذا المبدأ في تعاملاتنا، فإننا سوف نبرر لكم ما يفعلونه بنا.. نحن نريد هذا الجيل الذي يؤمن بالتغيير على نهج رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ميلاد هذا الجيل يحتاج إلى عرق.. يحتاج إلى جهد.. يحتاج إلى همة.. يحتاج إلى فهم.. يحتاج إلى وعي.. يحتاج إلى ميادين للعمل..

 

 

نحن- والأمة تمر على مفترق الطرق- لا نجد في العالم مقاومة إلا وإن كانت إسلامية.. فلقد فقدَ العالم قدرته على المقاومة، ولم يبق إلا نهج الإسلام المقاوِم الذي يرفض الهيمنة الأمريكية، وتلك هي سر الحملة الشرسة على الإسلام.. هم يريدون- كما يدَّعون- تطويرًا للمنطقة؛ ولكنا نراه تطويعًا للمنطقة، فإذا قالوا تطويرًا للتعليم، فلنعلم أنه تطويعٌ للتعليم..

 

 

لقد أرادوا أن ينزعوا مجموعة القيم في منظومة التعليم في بلادنا، تلك المنظومة التي تمكننا من الاستمرار في المقاومة، فأرادوا أن يُفقدونا الحصانة، وأن يُفقدونا المناعة، ولن نجد سبيلاً إلاَّ اتِّباع نهج محمد- صلى الله عليه وسلم- ونحن نستعيد في أيام مولده ما عاناه المصطفى- صلى الله عليه وسلم- في دعوته.

 

 

لقد كان وهو الحبيب إلى الله، وهو الذي أقرب إلى الله من كل البشر، وإذا به يقدم لهذه الدعوة من دمائه ومن راحته ومن صحته؛ بل ومن عِرضه، قدم ما يقدمه كل البشر؛ لأن للجنة ثمنًا غاليًا، "ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة".. لا يمكن أن نحوز نصرًا دون مقدمات، ولا يمكن أن نحوز تمكينًا بلا تضحيات في هذا المقام، وفي تلك الأيام.

 

 

نسأل الله تبارك وتعالى أن يهدي أمتنا مسئولينا وحكامنا وشعوبنا إلى اتخاذ نهج محمد- صلى الله عليه وسلم- نهج الحل الوحيد، فلا حلَّ لنا إلا بنهج محمد، ولا وسيلةَ لنا إلا بوسيلة محمد، ولا هدفَ لنا إلا إرضاء الله تبارك وتعالى ورسوله- صلى الله عليه وسلم.

 

 

أيها الإخوة الكرام، نحن اليوم نريد أن نعود عودًا حميدًا.. نريد أن نحتفل بميلاد المصطفى- صلى الله عليه وسلم- بميلاد روح، وميلاد جيل، وميلاد أمة تأخذ على عاتقها أن ترفع راية لا إله إلا الله محمد رسول الله.. راية الرحمة لكل العالم.. راية العزة.. راية الكرامة.. راية السماحة.. راية الحضارة، وبغيرها فلن نرى لنا مكانًا وسط العالم.

 

 

أقول قولي هذا، وشكر الله لكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

------------------