تفاصيل مؤامرات "بن زايد" على دول الربيع العربي

تفاصيل مؤامرات "بن زايد" على دول الربيع العربي

ما يدور اليوم في العالم العربي وبالتحديد في منطقة الخليج يثبت تمامًا كلّ التخمينات والتسريبات عن الدور الإماراتي وسعي أبو ظبي الدءوب لبسط أذرعها في كلّ الدول وخاصّة دول المغرب العربي، فهي تعمل جاهدة على إفراز تغيير جيو سياسي في كلّ من ليبيا وتونس، عن طريق دعمها المعلن للجنرال الليبي المتقاعد خليفة حفتر ماليًا وعسكريًا والذي تمّ استقباله رسميًا في أبو ظبي كمسئول شرعي عن ليبيا تمهيدًا للانقلاب على الشرعية التي انبثقت عن الثورة الليبية بعد اقتلاع القذافي من الحكم.


وبالنسبة لتونس فقد كشفت “الوثيقة الفضيحة” التي نشرها موقع الصدى خطط الإمارات السريّة في تونس والتي تسعى لتنفيذها عبر شبكة تضمّ سياسيين وإعلاميين تونسيين هدفهم خدمة مصالحها وتحقيق استراتيجياتها، وقد فضحت الوثيقة العديد من الوجوه والأحزاب الذّين جنّدوا أنفسهم لخدمة عرّابة الانقلابات في بلدان الربيع العربي، فهذا الدور الإماراتي لم يعد سرّا وأصبح يظهر جليًّا من خلال المعلومات والوثائق والرسائل والمكالمات المسربة.


وكانت مصادر إعلامية عديدة رسمية قد كشفت أنّ نحو 30 من المخابرات العسكرية الإماراتية، قدموا إلى تونس مؤخرًا تحت عنوان “حماية السفير الإماراتي من كل تهديد يمكن أن يتعرض إليه”، وحسب المعلومات المتوفرة فإنّ السفير الإماراتي، يتمتع بحماية من الأمن التونسي، ويتنقل الرجل بحرية في التراب التونسي، ومن دون أي تهديدات، ولكن التسريبات الرسمية تؤكد أنّ هذه العناصر دخلت إلى تونس بهدف العبور إلى ليبيا وذلك في إطار الاتجاه العام للسلطات الإماراتية في دعم موجة الثورات المضادة للربيع العربي، وقد نجحت فعلاً في دخول التراب الليبي وتحقيق مآربها، إذ لم يعد خافيًا اليوم أبدًا الدور الذّي يلعبه آل زايد في ليبيا والذّين انحازوا انحيازًا واضحًا للانقلابي حفتر.


ويبدو وفق مصادر رسمية متطابقة في ليبيا، أن هذه المجموعة الاستخبارية الإماراتية لديها مهمة في ليبيا لتسليم سلاح إى حفتر وتهريب كنوز ليبيا إلى أبو ظبي.


وقد تحدثت صحيفة نيويورك تايمز، في أغسطس 2014، عن ضلوع كلٍّ من مصر والإمارات في اتفاق سري بينهما لقلب منطقة الربيع رأسًا على عقب؛ حيث انطلقت خططهم بشن أوّل غارة جوية في طرابلس كتصعيد عسكري، لم يكن معلنًا آنذاك، ضد المؤتمر الوطني العام وداعميه من مجموعات مسلحة إسلامية.


وتعدى الأمر صحيفة نيويورك تايمز لتؤكد الولايات المتحدة، عبر تصريحات رسمية، حينها أن الإمارات ومصر شنتا غارات جوية على ليبيا ولكن الإمارات نفت ذلك.


ويأتي ذلك في الوقت الذي أفادت فيه تقارير صحفية بأن محمد دحلان مستشار ولي عهد إمارة أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان يمثل رأس الحربة للإمارات بالداخل الليبي، يساعده في ذلك محمد إسماعيل المستشار الأمني الأسبق لنجل الهالك معمر القذافي سيف الإسلام، ومما أكد دور دحلان في ليبيا، تسريب لمكتب السيسي الذي ظهر في فبراير 2015 ويرجع تاريخه إلى فبراير 2014؛ حيث كشف عن مساعٍ مصرية للوقوف ضد المؤتمر الليبي العام بالاستعانة بأحمد قذاف الدم لدعم التحرك على الأرض في ليبيا.


وتطرق التسريب في نفس الإطار إلى زيارة “سرية” قام بها محمد دحلان ومحمد إسماعيل وغيرهما إلى مصر؛ حيث أكد فيها عباس كامل، مدير مكتب قائد الانقلاب، ضرورة خروج ذلك الفوج من المطار سرَّا.


فقد وظفت الإمارات منذ بضع سنوات، القيادي الفلسطيني، محمد دحلان، لإنشاء خلية استخباراتية تعنى بالأساس، بالعمل على إنهاء دور الإسلاميين في كلّ من تونس و ليبيا في المعادلة السياسية، كخطوة مركزية للإنقلاب على ما تبقى من الثورات العربية.


وفي سياق الإعداد المسبق لتغيير جيوسياسي في كلّ من ليبيا وتونس نجحت الأجهزة الإماراتية في تجنيد 40 عنصرًا تونسيًا تمّ استقطابهم من طرف الأجهزة الليبية وتسليمهم للقوات العسكرية المصرية التي تشرف على تدريبهم منذ أشهر في قاعدة “العباسية” بمصر ضمن ما يطلق عليه برنامج “الأكاديمية” العسكري الذي يقوده مستشار ترامب الخاص إيريك برانس.


كلّ هذه التسريبات والمعلومات المثيرة تؤكّد الدور المشبوه للمخابرات الإماراتية، التي أصبحت تعتمد حتمًا عمليات التجسس وتجنيد العملاء في بسط نفوذها على المنطقة وأضحت تنتهج منهج الموساد الصهيوني في تأمين ضبّاط خاصّين لتنفيذ عمليات خارجية؛ إذ تفيد كافّة المعطيات المتوفرة أنّ العناصر العسكرية التي دخلت إلى تونس، لم تكن، كما أريد التسويق لها، أي حماية السفير الإماراتي، بل حتما تهدف إلى القيام بأدوار أخرى في تونس وليبيا، ضمن استراتيجية إماراتية جديدة، جرى تنسيقها مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال زيارة وليّ عهد أبو ظبي، محمد بن زايد إلى واشنطن في 15 مايو المنقضي؛ حيث نجح “وفق ما يتردد من بعض الأوساط الإعلامية” في إقناع المستشار الأمني الخاص للرئيس الأمريكي، إيريك برانس، “بضرورة مجاراة البرنامج الإماراتي للتغيير في المنطقة المغاربية وتحديدًا ليبيا وتونس والجزائر”.

فالدور الإماراتي في ليبيا، كما أسلفنا القول، يمكن تشبيهه وبكلّ ما يتوفر من معلومات، بعمل الموساد وأجهزة الأمن الصهيونية التي لا تخفي أبدًا أعمالها وتنفذّها في العلن والسرّ كما رأينا على مرّ السنوات الفارطة؛ حيث نفّذت العديد من عمليات الاغتيال خارج أراضيها.


وبدورها أصبحت المخابرات الإماراتية تنشط خارج أراضيها وتنفّذ عمليّات من النوع الثقيل والتي يجرّمها القانون الدولي، فقد أكد ذلك أحمد القاسمي “وهو دبلوماسي إماراتي رفيع المستوى” من خلال رسالة بالبريد الإلكتروني سربتها نيويورك تايمز، كتبها إلى “لانا نسيبة” سفيرة دولة الإمارات بالأمم المتحدة، تحدث فيها عن انتهاك قرار الحظر الدولي للسلاح وشحن أسلحة لحلفاء الإمارات في ليبيا، وأوضح القاسمي قائلاً: “الإجابة على الأسئلة و الالتزام بالإجراءات التي وضعتها الأمم المتحدة سيكشف مدى تورطنا في ليبيا، علينا أن نحاول توفير غطاء ليتم التخفيف من الأضرار الناتجة”.


وفي ذات الصدد، يبدو أن الدور الإماراتي لم يقتصر على توريد الأسلحة بخلاف قرار مجلس الأمن الدولي، فوفقًا لمسئولين في حكومة طرابلس، فقد تم إلقاء القبض على جندي إماراتي في ليبيا يدعى “يوسف مبارك” واتهم بالتجسس؛ حيث أظهرت التحقيقات التي لا تزال جارية معه أن المخابرات كشفت أنشطته وأظهرت معلومات على جهاز الكبيوتر المحمول الخاص به وثائق تفيد بأن مبارك كان يتجسس لصالح بلد أجنبي، هذا وقد نفت شرطة دبي أي علاقة لها بالمقبوض عليه في ليبيا.


وتبدو الإمارات، مقتنعة بأنّ الرهان على تونس وليبيا، يعدّ أمرًا أساسيًا، لتنفيذ مخطّطاتها في المنطقة فلم يعد خافيًا أبدًا سعيها الدؤوب لزرع جواسيسها وعملائها في المنطقة، وفق ما كشفه تسلّل قرابة الـ30 ضابطا من مخابراتها إلى تونس ومن ثمّ إلى ليبيا والوثائق السريّة التي تمّ تسريبها مؤخرًا ومثّلت فضيحة كبرى تغاضت عنها الدولة التونسيّة ولم يتطرّق لها أبدًا رسميًا رغم ما تكتسيه من أهمية قصوى تضرّ بالأمن القومي للبلاد، خاصّة أنّ العديد من المراقبين يرون أنّ بصمات الإمارات تتجلّى بوضوح في التغييرات الحاصلة في تونس، منذ انطلاق حملة مكافحة الفساد والقبض على شفيق الجراية العدوّ اللدود لأبو ظبي والتغيرات الحاصلة في التحالفات السياسية في تونس، بدء بانقسامات جبهة الإنقاذ والخلافات بين قياداتها “سليم الرياحي ورجل الإمارات في تونس محسن مرزوق”، كما كشفت ذلك الوثيقة الإماراتية المعدّة خصيصًا لتونس.

وذهب العديد من المحلّلين والمراقبين بوصف التدخّل الإماراتي في ليبيا بالتدّخل اللغز، فقد أثار التدخل العسكري لدولة الإمارات العربية في ليبيا بدعم من انقلابيي مصر في البداية موجة من التنديدات الغربية التي شجبت ما وصفته بـ”تدخلات خارجية من شأنها تغذية الانقسامات في ليبيا”، ولكن سرعان ما غضّ المجتمع الدولي الطرف عن هذه الانتهاكات الإماراتية لسيادة ليبيا.


ويتجلّى أكثر الدور الذي تلعبه الإمارات في منطقة الربيع العربي، ودعمها للثورات المضادّة من خلال فرضها حصارًا على دولة قطر وإعلان مقاطعتها رفقة السعودية والبحرين ومصر ، وسعيها بـواسطة 13 شرطًا تعجيزيًا لـ“فكّ الارتباط” بين قطر والثورات العربية!.
فلم يعد سرًا تورط الإمارات في تونس وليبيا وتأثيرها المباشر في مجريات الأحداث، فقد نزلت أبو ظبي بكل ثقلها خلف حفتر في ليبيا والتيار المضاد للثورة في تونس بهدف القضاء على التيار الإسلامي بكل أطيافه وتصفية الثورات العربية، وذلك ما يمكن أن نسميه العامل السلبي في حركة التاريخ، والليبيون والتونسيون لن ينسوا الدول التي تورطت في تأجيج الأوضاع في بلدانهم، فالإمارات على رأس القائمة؛ باعتبارها هي رأس الحربة في هدم منطقة الربيع العربي اليوم.

التعليقات