المفكر أنور الصناديقي يكتب: كيف صححت إسلامي؟

المفكر أنور الصناديقي يكتب: كيف صححت إسلامي؟

في الحق إنه استفتاء يُثير في النفس ذكريات، ويبعث فيها نورًا من نور هذه الدعوة، وقوة من قوة الحق، ولا أظن أي فردٍ من أفراد الأمة الإسلامية إلا وفي جعبته ذكرى للقائد الأول فضيلة أستاذنا المرشد العام وفكرة عن دعوة الإخوان المسلمين.

 

أما كيف عرفت هذه الدعوة فقد عاصرتها في مهدها (بديروط) يوم أن بدأ أخ كريم بالدعوة لتكوين شعبة للإخوان المسلمين هناك، فكان أن تحولت القلوب أو حيل بينها وبين هذا التكوين لبعض عوامل مادية أنشئت على أعقابها "جمعية للشبان المسلمين " هناك،  فكانت مهبط هذه الدعوة وموطن لقائي الأول بفضيلة المرشد العام، فأرهفت السمع إلى محاضرته بالدار، ثم إلى خطبته المنبرية فوق منبر المعهد الديروطي، ثم في درس الأصيل هناك، فأحسست في نفسي أنها تقطف من حدائق فيها من كل فاكهة زوجان، وشعرت بأن روحي تعيش من قديم مع هذه الروح الطاهرة الزكية، فهنالك تعارف منذ القدم، وهنالك أصداء لهذا التعارف الذي بدأ في صمت اللسان وإرهاف الأذن الصاغية.

 

وهي مرحلة دقيقة في حياة القلوب، بدأت معي منذ اللقاء الأول في عام 1937م، وكنت على صلةٍ بنائب الإخوان المسلمين بملوي، فأوصيته أن يكتب إلي كلما حضر فضيلة المرشد العام إلى هذا البلد. فكان كذلك، وكنت أحضر هذه الحفلات الإخوانية، وتلك الاجتماعات الروحية بجمعية المحافظة على القرآن الكريم، وكنت  أعود إلى منزلي فلا أذهب إلى فراشي ولا يكون ذلك إلا بعد منتصف الليل، بل كنت أجلس إلى مكتبي ألخص ما سمعت وأستمر في ذلك مهما امتد بي الزمن، وكنت أذهب بعد إلى فراشي وأنا أحس بسعادة لا تفوقها سعادة لما حوى القلب ووعى الوجدان.

 

ومنذ اللقاء الأول وأنا شغوف بدراسة كل مطبوع في الدعوة، وكنت أحس في قرارة نفسي أن هذه الدعوة هي الدعوة الملائمة كل الملائمة لنفسي، والتي وجدتها تستقر منها مقر الفطرة الأولى، فسرت في طريقي من هذه الحياة وأنا مسترشد بهديها وبالتراث الإسلامي الذي أوقفت روحي وقلبي على التعمق فيه؛ ولكن في هدوء واستقرار وصمت واتزان، مندفعا في سبيل إصلاح نفسي ما استطعت إلى ذلك سبيلا؛ لأني تعلمت من هذه الدعوة أن أول عمل المؤمن القوي الذي يقدر مسئولية هذا الوجود إنما إصلاح النفس وعقد التعارف الروحي بينها وبين أرواح الإخوة الأطهار في مشارق الأرض ومغاربها، فكنت أجد في ميدان المراسلة أول دراسة جامعة للدولة الإسلامية الكاملة التي لا تعرف الحدود ولا القيود التي وضعها الاستعمار الغاشم، وكنت متأثرا في ذلك بآثار هذه الدعوة القوية وتلك الفكرة التي كثيرا ما كنت أتشوق إليها وأناجي بها النفس في خلواتي رجاء أن يبعث الله فينا من يرشدنا سواء السبيل، وينشر في نفوسنا تراث الإسلام الصحيح، ويحقق بيننا ما نحلم به تحت الشمس من عزة في الدين والدنيا، وحرية خالصة لصالح الإنسانية جمعاء، ورابطة قوية للسلام الحق الذي يدعو إليه الإسلام، وصورة حقة من حقائق دعاة الإسلام وقادته الكرام .

 

وكنت أنتهي إلى نفسي أكثر ما أنتهي إليها، فأخلص أننا في حاجة إلى الدعوة كاملة صوفية صحيحة، وفقه عملي وجهاد حق؛ تجمع الدين والسياسة، وتزيل عن النفس شوائب العقيدة، فتتجه بنا إلى رب واحد ووطن واحد وقائد واحد في سبيل لا تفرق أبدا، وجهاد كامل لمعالجة النفس وتحريرها، وتحرير الوطن الإسلامي كله من أيدي الطغاة الجبابرة الذين استعمرونا في اقتصادنا وسياستنا وأدبنا ومجتمعنا، فكان التركيز على محول السفينة من الشطط فوق أمواج هذا البحر المتلاطم بمبادئ الشر إلى شط السلامة ، وأعني بذلك كله ما أحسست به يوم لقائي بفضيلة المرشد العام ودعوة الحق والقوة والحرية. والله أكبر ولله الحمد.

---------

* مجلة الإخوان المسلمين العدد 216 السنة السادسة  2أكتوبر سنة 1948.

التعليقات