عامر شماخ يكتب: الإخوان عصب ثورة 25 يناير

عامر شماخ يكتب: الإخوان عصب ثورة 25 يناير
Normal 0 false false false MicrosoftInternetExplorer4

فى الواقع أن الإخوان المسلمين هم الذين أسسوا ثورة 25 يناير، وهم الذين حموها وأنجحوها، ولولاهم ما كانت.. فإذا اعتبرنا النظام البائد أشبه بصخرة عاتية مستعصية على الكسر، فإن الجماعة وأعضاءها المجاهدين، هم الذين ظلوا يطرقون عليها لسنين، حتى تهيأت للانهيار، فجاءت الضربة الأخيرة على يد الشباب -ومن بينهم شباب الإخوان- ليتم الإعلان عن زوال الصخرة وانتهاء العصر البغيض.

الثورة إذًا كانت حملا فى رحم الشعب، والإخوان هم الذين حافظوا على هذا الحمل، ورعوا الجنين فى بطن أمه، وغذوه وأنفقوا عليه من دمائهم وأموالهم، فلما اكتمل وحان موعد الميلاد، كان الشباب هم الذين زفوا البشرى وأعلنوا قدوم المولود السعيد.

وإذا كان هناك يومان فاصلان فى تاريخ هذه الثورة -كما أجمع الخبراء- فهما يوم جمعة الغضب (28/1/2011)، ويوم موقعة الجمل (2/2/2011) وهما اليومان اللذان شهد الجميع للإخوان خلالهما بالفضل والشجاعة، والإخلاص والمروءة؛ لأنه لولا االله ثم الإخوان فى هذين اليومين لكانت الثورة فى (خبر كان).

فى يوم جمعة الغضب، حشدت الجماعة مئات الآلاف من أعضائها، فى سائر المحافظات؛ ليواجهوا أعتى نظام بوليسى فى العالم، وقد وضع الإخوان أيديهم فى أيدى الجماهير الحاشدة دون أن يرفعوا شعارًا من شعاراتهم، أو يرددوا هتافًا من هتافاتهم؛ ليدشنوا بذلك مظاهرات مليونية استطاعت فى خلال ساعات (خلع) هذا النظام الفاسد وهزيمة قوات أمنه، وقد سيطروا سيطرة كاملة على البلد.. ثم شرعوا فى حمايتها من اللصوص وفلول النظام المنهزم فيما عُرف باللجان الشعبية.. وقد ظل شباب الإخوان يحمون أحياءهم طوال أيام الثورة مع باقى أبناء الشعب، حتى وقعت الواقعة الكبرى (موقعة الجمل) التى اندفعوا بعدها بالآلاف إلى التحرير؛ لينضموا إلى إخوانهم المرابطين فى الميدان، و ليقوموا بحماية الثوار، ورد اعتداءات النظام الفاسد.

فى يوم 2/2/2011 شن مسئولو الحزب البائد حربًا حقيقية على الثوار فى ميدان التحرير فيما عُرف بموقعة الجمل، دامت 84 ساعة، واستُخدمت فيها جميع الأسلحة، النارية وقنابل المولوتوف وقطع الرخام والزلط، ثم مجموعة من الخيول والجمال -بغرض إنهاء اعتصام الثوار، وإعادة الأمور إلى ما كانت عليه، ثم الالتفاف على هؤلاء الشباب ومحاكمتهم والتنكيل بهم، وبذلك تنتهى الثورة وينتهى الثوار.. إلا أن الإخوان فى هذين اليومين، وبشهادة الجميع أيضًا، قاموا بأكبر دور بطولى شهدته الثورة المصرية.. إذ استطاعوا صد هذا الهجوم البربري، وسقط منهم فى الميدان وحده 43 شهيدًا، غير مئات المصابين.. واستطاع مسئولو الأحياء القريبة من الميدان حشد أكثر من 12 ألف أخ فى أقل من نصف ساعة، استطاعوا السيطرة على مداخل الميدان ومخارجه.

وطوال أيام الثورة، وأثناء مظاهراتها المليونية، كان الإخوان هم من يقومون بتنظيم الميدان والإشراف على الداخلين والخارجين، وهم من تولوا تأمينه ومراقبة ما يجرى حوله وما يبيت له، وهم من قدموا الأغذية والأشربة والأغطية للثوار.. وقد رأينا كيف ظل أعضاء الإخوان من شتى المحافظات مرابطين لأسابيع داخل الميدان، معرضين أنفسهم للمخاطر، وكيف كانوا يقسمون الليل للنوم فيما بينهم.. وإذا كانت الغالبية قد غادرت الميدان، فإن الإخوان لم يغادروه إلا بعد نجاح الثورة، وبعد اطمئنانهم إلى أن أعداءها قد ألقى القبض عليهم وأودعوا السجون.

شهادات:

ونورد فيما يلى شهادات لبعض الشخصيات العامة ممن سجلوا يوميات الثورة، واعترفوا خلالها بفضل الإخوان فى حمايتها:

- تحت عنوان: (أبناء الطالبية والعمرانية أنقذوا الثورة من السقوط يوم 28 يناير)  [جمعة الغضب]  قال الدكتور محمد أبو الغار فى حوار مع ماهر مقلد للأهرام يوم 23/4/2011: «عدد كبير من شباب منطقة الطالبية فى حدود 01 آلاف، كانوا مدربين على أعلى مستوى لتحمل مواجهة الشرطة، وهم من مجموعتين، الأولى شباب الإخوان، والثانية الألتراس من جماهير النادى الأهلي.. أما مجموعة العمرانية فهى مثل مجموعة الطالبية، لعبت دورًا مهمًا جدًا، وكانت قوية، ونجحت أيضًا فى فتح الطريق».

- فى الحلقة رقم (7) من: «يوميات ثورة الصبار» كتب الشاعر عبد الرحمن يوسف فى المصرى اليوم، يوم 14/4/2011، يقول: «لقد انتهت تلك الليلة [يقصد فجر الثالث من فبراير 2011 ليلة موقعة الجمل]، ولكى أكون منصفًا، لا بد أن أذكر أن الصفوف الأمامية كانت عامرة بفضل جماعة الإخوان المسلمين أولا، ولولاهم لما مرت هذه الليلة على خير».

- وتحت عنوان (الإخوان يتحركون) نشرت (الأخبار) يوم 3 من فبراير 2011: «كان تحرك الإخوان ظاهرًا خلال المعركة بشكل كبير، حيث أمسكوا بالميكروفونات وظلوا يحثون المعارضين بالميدان على مشاركة إخوانهم على الحدود -حسب التعبير الذى استخدموه- والجهاد فى سبيل االله. وعند نفاد الطوب قاموا بتحطيم أرصفة الميدان بالكامل لإلقائه على المهاجمين».

-وقالت د. نادية مصطفى -أستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة: «ولا يستطيع أحد أن ينكر الدور الجهادى الذى ساند به شباب  الإخوان إخوانهم فى ثورة مصر فى ميدان التحرير يوم الهجوم البربرى على الميدان فى 2/2/2011، فلقد تجلت فى هذا اليوم لحظة تاريخية من ماهية توزيع الأدوار وتكاملها (كلٌ  ميسرٌ  لما خُلق له) فكان الإبداع الاستراتيجى والتنفيذى للدفاع عن الثورة من ميدان التحرير إبداعًا مشتركًا متكاملا، سواء من العقول أو السواعد أو الأبدان، بل الأرواح»(1).

- وقال الدكتور محمد سليم العوا [المصرى اليوم، 11 من يونية 2011]: «لولا وجود الإخوان فى موقعة الجمل ومجابهة الجبابرة لما نجحت الثورة».

- وقال أحمد دومة، عضو ائتلاف شباب الثورة [موقع دار التحرير  الإلكترونى 22/3/2011]: «شباب الإخوان لعبوا دورًا فاعلا فى حسم (موقعة الجمل) وتصدوا بصلابة وشجاعة لهجمة الخيول والجمال التى حاولت اقتحام الميدان وإجلاء المتظاهرين بالقوة، وأعتبر أن جهد الإخوان فى هذا اليوم أحد العوامل المهمة فى نجاح الثورة، فمعظم الشباب الموجود فى الميدان آنذاك كانوا يعانون إصابات متعددة وفى حالة إعياء لا تسمح لهم بالتعامل مع البلطجية الذين دفعهم النظام السابق لإجهاض الثورة وإخلاء الميدان، ولولا وجود شباب الإخوان ووقفتهم البطولية لتبدلت موازين القوي».

- أما د.صفوت حجازى فقال -فى شهادته على الثورة المصرية على قناة الجزيرة: «حقيقة أقولها للتاريخ: لولا أن االله -عز وجل- ثبت شباب الإخوان ليلة موقعة الجمل وبقية الليالى لكان الناس فى الميدان قد ذُبحوا، وهذه حقيقة لا ينكرها إلا حاقد أو مخادع».

وأكد فى ندوة حاشدة نظمها طلاب هندسة أسيوط ونشرتها جريدة الفجر يوم السبت 2 من أبريل 2011- أنه «لولا تصدى شباب الإخوان وشجاعتهم أثناء الثورة فى ميدان التحرير لحدثت مذابح رهيبة للعشرات  ولذُبحت الثورة، وأن الإخوان حموا الثورة، وأن 80% ممن وقفوا على حواجز المواجهة مع البلطجية فى ميدان التحرير يوم موقعة الجمل من شباب الإخوان».

- وفى المصرى اليــوم [ 27/2/2011] وتحت عنــوان (الإخوان ليســوا بعبع) كتب د. محمود خليل، رئيس قسم الصحافة بكلية إعلام القاهرة يقول: «لقد لعب الإخوان دورًا أساسيا فى حماية الشباب المصرى خلال الأيام التى انقض فيها رجال أمن الحزب الوطنى البائد وموظفوه وبلطجيته على المتظاهرين فى ميدان التحرير، مستخدمين الخيول والبغال والجمال، كذلك قاموا بدور مهم فى تنظيم عملية الدخول إلى الميدان خلال التظاهرات المليونية التى شهدتها الأيام التالية».

- أما د. سعد الدين إبراهيم فقد قال [موقع ابن خلدون، يوم 9 من أبريل 2011]: «.. كانت  الإشارة إلى معركة الجمل؛ لتذكير الناخبين بالدور المشهود والمشكور للإخوان  المسلمين، فى صد الجحافل التى أرسلها نظام مبارك من راكبى الجمال الذين أتوا من منطقة الهرم بالجيزة لمداهمة آلاف المتظاهرين فى ميدان التحرير.. وكان شباب الإخوان أول المدافعين عن بقية الجموع، وتصدوا ببسالة لراكبى الجمال حتى أدبروا  منكفئين على أعقابهم».

الشرارة التى أشعلت الثورة:

كما أسلفنا، فإن مصر كلها كانت مهيأة للثورة على الحاكم، والانقلاب على نظام طال أذاه الجميع، وكانت الثورة التونسية التى جرت قبل ثورتنا بأيام ونجحت فى إسقاط بن على يوم 11 من يناير 2011، هى الشرارة التى أشعلت الثورة المصرية، وأخرجت تلك الجحافل الشبابية تنادى بصوتها الهادر: (يسقط يسقط حسنى مبارك)، (الشعب يريد إسقاط النظام)، تماشيًا أيضًا مع شعارات مشابهة أطلقتها الثورة التونسية ولاقت انبهار العالم بها.

وقد أصدر الإخوان أول بيان لهم (يوم السبت 15 من يناير 2011) تعقيبًا على الثورة التونسية، أعلنوا فيه تقديرهم وإعجابهم بالشعب التونسى الشقيق، وبانتصاره فى جولته الأولى فى صراعه من أجل الحرية والكرامة، ودعوا كل قوى الأمة العربية والإسلامية إلى الوقوف بجانبه وتأييده للحصول على حقه كاملا، ودعوا الحكام العرب إلى «الاستماع لصوت العقلاء من شعوبهم، وألا يستجيبوا للمنافقين الذين يزينون لهم سوء أعمالهم، وألا يشاركوهم فى العدوان على الشعوب، وأن يتعاملوا بلغة الحوار بدلا من لغة العصا الأمنية الغليظة التى لا تؤدى إلا إلى الفوضى»(2).

ومع تبلد النظام إزاء ما حدث فى تونس وما جرى من ردود فعل من قِبل الجماعة والمعارضة ومحاولاتهم تحريك النظام نحو الإصلاح وتحقيق أخطائه القاتلة -ظهرت دعوات لتقليد ما جرى فى تونس؛ للانقلاب على السلطة والتصدى لرئيس البلاد لعله يتنحى أو يهرب كما فعل بن علي، بل ظهر أكثر من (بوعزيزي)(3)، فأقدم شباب على الانتحار، تقليدًا للشاب الذى فجرت حادثته الثورة التونسية، لعل النظام الجاثم على صدور المصريين يزول، أو -على أقل تقدير- يقوم بإصلاحات جوهرية تعالج الفقر والبطالة التى طالت عشرات الملايين، أو يحسن من كرامة المصريين قليلا، والذين يعانون القهر من مبارك وقوات أمنه المتغولة.

 فى 19 من يناير 2011، تقدم الإخوان بعشرة مطالب عاجلة لتهدئة الاحتقان داخل الشارع المصري(4) حيث رأوا أن العمل على تنفيذ هذه المطالب وبأقصى سرعة، يمكن أن يؤدى إلى تهدئة الأوضاع الداخلية ويدعم الاستقرار، وهذه المطالب -باختصار-: إلغاء الطوارئ، حل مجلس الشعب المزور، إجراء تعديلات دستورية للمواد: 5 ، 76، 77، 88، 971، العمل السريع والفعال لحل مشكلات المواطنين، إعادة النظر الفورى فى السياسة الخارجية المصرية، الإفراج والعفو العام عن جميع المعتقلين السياسيين، الاستجابة الفورية للمطالب الفئوية، حرية تكوين الأحزاب السياسية وإلغاء القيود على إصدار الصحف، محاكمة المفسدين الذين تضخمت ثرواتهم فى السنوات الأخيرة، إلغاء تدخل الجهات الأمنية فى العمل الأهلي. وقد اعتبر الإخوان تلك المطالب هى الحد الأدنى والبداية المعقولة التى يمكن أن يتم البناء عليها فى المرحلة المقبلة، إذا كان النظام جادًا فى الإصلاح، حريصًا على الاستقرار، وأكد الإخوان أنهم جزء لا يتجزأ من المجتمع، ولا يطالبون إلا بما يطالب به أفراد الشعب.

وكعادة النظام البائد، لم يتحرك أحد لتلبية أى من هذه المطالب العشرة، بل قام جهاز أمن الدولة باستدعاء مسئولى الجماعة فى المحافظات وهددهم بالبطش والاعتقال والمواجهة العنيفة وربما الدامية فى حالة النزول إلى الشارع لإعلان هذه المطالب الشعبية، فأصدر الإخوان بيانًا آخر يوم الأحد 23 من يناير 2011، أى قبل يومين من قيام الثورة، أعلنوا فيه رفضهم للتهديدات والإرهاب، مؤكدين أنهم يبغون الصالح العام وبالتالى لا يخيفهم التهديد والوعيد، وطالبوا النظام مرة أخرى بالتعامل مع الاحتقان الشعبى النابع من الفساد والاستبداد بدلا من المنهج البوليسى الذى اعتاده النظام. كما أكدوا أنهم سوف يكونون: «وسط الشعب، نشاركه همومه وآماله، ونعمل من أجل تحقيق حريته وكرامته، ونسعى معه فى كل الأنشطة التى تقرب ساعة الحرية»(5).

كانت أحداث تونس لا تزال تفرض نفسها بشدة على الرأى العام المصري، فكانت خطب الجمعة (يوم 21 من يناير) منصبة فى غالبيتها على أحداث تلك الثورة المزلزلة التى أطاحت بأشد رؤساء العرب ديكتاتورية وبطشًا، وقد دعا الخطباء الشعب المصرى إلى مقاومة الظلم، وقول الحق فى وجه السلطان الجائر، وقد شهد هذا اليوم وما تلاه من أيام سبقت الثورة العديد من المظاهرات العمالية والإضرابات الفئوية، فى القاهرة والمحافظات، ما يؤكد أن هناك انتفاضة كبرى أو ثورة شعبية فى الطريق.

فى الوقت نفسه كان شباب الثورة قد اتخذوا قرارهم بالنزول إلى الشارع يوم الثلاثاء، وقد مهدوا لذلك بالدعوات الموسعة على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، وبكتابة الجداريات والملصقات فى شوارع القاهرة والمحافظات للتظاهر يوم الثلاثاء 25 من يناير.

الإخوان يشاركون فى الثورة من أول يوم:

فى يوم السبت 22 من يناير، اتخذ مكتب الإرشاد (فى اجتماع خاص بإحدى الشقق غير المتابعة أمنيًا) قرار المشاركة فى وقفتين يوم 25 من يناير، واحدة عند دار القضاء العالى بالرموز السياسية، والأخرى لشباب الجماعة عند وزارة الداخلية(6)، كما دعا مسئولو الإخوان شباب الجماعة للمشاركة باعتبار الدعوة كانت شبابية فى أولها(7)، وقام د.عصام العريان والمهندس سعد الحسيني، عضوا مكتب الإرشاد، بالدعوة للمشاركة على (التويتر).

 فى اليوم الموعود (25 من يناير) خرج الآلاف -حسب الاتفاق- فى القاهرة ومحافظات الجمهورية؛ للمطالبة بتصحيح الأوضاع، وإعلان مطالب الإصلاح، التى تمثلت في: إنهاء حالة الطوارئ، إلغاء مجلسى الشعب والشورى والمحليات، تنفيذ أحكام القضاء فيما يخص الحد الأدنى للأجور، تعديل بعض المواد الدستورية، وقد تركزت المظاهرات فى عدد من الميادين والأماكن العامة بالقاهرة الكبري، منها: دار القضاء العالي، دوران شبرا، جامعة القاهرة، إمبابة، شارع جامعة الدول العربية، ميدان المطرية وغيرها، أما المحافظات فقد انطلقت تلك المظاهرات من ميادينها العامة المختلفة.

وقد حاصرت قوات الأمن تلك الميادين والساحات، فى وقت مبكر من ذلك اليوم؛تحسبًا لتلك المظاهرات، وهددت كل من «يخالف القانون ويعتدى على الشرعية»!!، كما استعانت تلك القوات بأعداد غفيرة من البلطجية الذين انتشروا بأسلحتهم البيضاء والنارية فى ميادين الجمهورية كافة، خصوصًا الميادين التى تواعد الشباب على الالتقاء داخلها، وكان المخطط أن يقوم هؤلاء البلطجية بعمليات شغب وتلف واعتداء على المتظاهرين والاشتباك معهم دون أن تتدخل الشرطة؛ ليبدو الأمر أنها مشاجرات أهلية ليس للشرطة علاقة بها.

ولم تمض دقائق على بدء تلك المظاهرات حتى قامت أجهزة الأمن بالاعتداء عليها ومحاولة فضها بالعنف، وقد شنت حملات تفتيش واسعة على المواطنين المتواجدين فى تلك الميادين، ناهيك عما قامت به تلك القوات من عمليات إرهاب جماعية على مرأى ومسمع الجميع؛ لمنع أى من المواطنين من المشاركة فى المظاهرات.

وأمام دار القضاء العالى تجمعت كبرى المظاهرات، التى قادها أعضاء الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين فى مجلس الشعب 2005(8)، وقد اشتعلت تلك المظاهرة بشكل كبير، وأحدثت ارتباكًا أمنيًا، دفع مسئولى الداخلية إلى إرسال تعزيزات أمنية ضخمة حاصرت المنطقة فى الحال.

وإذا كانت المظاهرات قد عمت (14) محافظة على الأقل من محافظات الجمهورية فإن محافظات معينة كانت مظاهراتها تمثل تحديًا شعبيًا واضحًا للنظام، وخطرًا كبيرًا ربما لم يحسب النظام حسابه من قبل، منها: الإسكندرية، البحيرة، الغربية، كفر الشيخ، الدقهلية، الفيوم، بورسعيد، أسوان، سوهاج، دمياط، الشرقية، وبالأخص السويس التى كانت وقود الثورة وشرارتها فى أيامها الأولى الخطرة(9)؛ حيث نظم الآلاف من أبناء هذه المحافظة، من بينهم القياديان فى الإخوان المسلمين: د.سيد رأفت العابد، م.أحمد محمود، وقفة كبيرة فى ميدان الإسعاف، وقد حاول مواطن إحراق نفسه بعد أن سكب على نفسه البنزين إلا أن المتظاهرين قاموا بإنقاذه.

أما منطقة وسط البلد بالقاهرة، فكان الوضع بها يشير إلى ثورة شعبية جارفة؛ حيث زادت أعداد المتظاهرين بصورة كبيرة، نتج عنها احتكاك مع قوات الشرطة التى بدأت اعتداءً وحشيًا على المواطنين، ما أسفر عن اعتقالات وإصابات بالجملة، فضلا عن الفوضى التى شملت جميع شوارع المنطقة خصوصًا شوارع: قصر العيني، مجلس الشـعـب، رمسيس، 62 يوليو وغيرها، وأمام هذا العنف الأمنى تحركت تلك الجموع -باتفاق بينها- إلى ميدان التحرير؛ ليؤدوا صلاة المغرب، ثم إعلان الدخول فى اعتصام مفتوح، والاحتشاد حتى تتم الاستجابة للمطالب المشروعة التى خرجوا من أجلها.. ومع تباشير صباح يوم الأربعاء (26 من يناير) شنت الأجهزة الأمنية هجمة شرسة على المعتصمين بالميدان، واستطاعت تفريقهم بأسلحتها المعهودة: «الرصاص الحي، المطاطي، القنابل المسيلة للدموع».

أما حصيلة هذا اليوم فكانت : (5) قتلى وأكثر من (1000) معتقل، موزعون على كل المحافظات، إضافة إلى مئات الإصابات، كان نصيب القاهرة وحدها (150) إصابة، تم نقل بعضهم إلى المستشفيات فى حالة إعياء شديد، فيما رفض العديد دخول المستشفيات خوفًا من البطش الأمني.

أما عدد المعتقلين من الجماعة فى هذا اليوم فقد بلغ (149) أخًا، غالبيتهم من الشباب، من محافظات: القاهرة، الإسكندرية، الشرقية، المنوفية، الجيزة، أسيوط.

الجماعة تبارك الثورة وتعلن حمايتها ودعمها:

فى اليوم التالى لتلك الأحداث أصدر الإخوان بيانًا باركوا فيه الثورة التى قامت ضد «الفساد والقهر والظلم» وأكدوا أنهم «يشاركون فى هذه الأحداث ويدعمون مطالب الأمة الإصلاحية المشروعة» وطالبوا النظام بالتخلى عن عناده، وأن يتخذ إجراءات عاجلة من أجل الإصلاح المنشود»(10). وفى رسالة المرشد الأسبوعية أكد أن الجماعة مع بقية القوى السياسية، مستمرون فى نضالهم الدستورى والقانونى السلمى «لملاحقة الفساد ومحاكمة المفسدين، والدفاع عن حقوق الشعب المنهوبة مهما كلفهم ذلك من تضحيات» -وكانت وزارة الداخلية قد أطلقت تصريحات لوسائل الإعلام تتهم الإخوان بتخريب منشآت الدولة ومؤسساتها، وهو ما نفاه المرشد فى تلك الرسالة، مؤكدًا أن تلك رسالة حكومية فاشلة لمنع الإخوان من حماية الثورة ومؤازرتها.

كان قرار الإخوان بدعم الثورة، والاستنفار لحمايتها وإنجاحها بناءً على تقارير مفصلة ومطولة من جانب شباب الجماعة الذين شاركوا فى مظاهرات ووقفات يوم 25 يناير الذين أطلق عليهم فيما بعد (ائتلاف الثورة)، وقد عرضوا على القيادة تقديراتهم للموقف الميداني، وما يجب على الجماعة القيام به مستقبلا.

وفى الوقت الذى كان يدعو فيه بعض قادة الإخوان، النظام إلى الاستجابة لمطالب الشعب، معتبرًا ذلك خطوة لحقن الدماء والمحافظة على مؤسسات الدولة من الانهيار، كان شباب الجماعة ونوابها يعدون العدة للتصعيد ضد هذا النظام المتبلد الذى لم يعد سامعًا أو مبصرًا.

انتشرت الدعوات الإلكترونية على الموقعين الاجتماعيين (فيس بوك، تويتر) فى هذا اليوم (26 من يناير) بشكل كبير للبدء فى إضراب عام اليوم وغدًا، فأسرعت السلطات بحجب الموقعين، ثم شنت حملة اعتقالات عشوائية من ميدان التحرير الذى ظل محاصرًا منذ بدء الاحتجاجات، ناهيك عن الحضور الأمنى الكثيف فى جميع ميادين القاهرة وما صاحب ذلك من ترويع المواطنين والتعامل العنيف مع الشباب على وجه الخصوص. كما شنت الأجهزة الأمنية حملة تفتيش على المستشفيات لاختطاف المصابين الذين نُقلوا إليها عقب مظاهرات الأمس.

كان دخول الإخوان بثقلهم منذ يوم 26 يناير تثبيتًا لأقدام الثوار فى مواجهة النظام، وهذا ما دعا أطرافًا عدة، منها أطراف خارجية(11)، إلى تنبيه النظام إلى خطورة الوضع الأمنى على بقائه؛ لذا فإن طريقة التعامل مع الثوار، فى ظل هذا المستجد، اتسمت بالعنف المفرط، والتوتر والارتباك فى الوقت ذاته.

لم تترك أجهزة الأمن مظاهرة واحدة إلا قامت بالاعتداء عليها، واستخدمت لذلك قنابل الغاز والهراوات، وقام أفراد فرق الكاراتيه بمطاردة الثوار فى شوارع القاهرة، وقد خلف ذلك مئات المصابين الذين رفضت المستشفيات استقبالهم بعد صدور تعليمات أمنية بذلك، كما أغلقت السلطات محطات المترو، ومنعت المظاهرات من الالتقاء بعدما قطعت الطرق الموصلة لميدان التحرير.

وفى السويس كان الأمر مختلفًا، بعدما وقع أربعة قتلى فى اليوم الأول من هذه المحافظة وحدها، إذ خرج (السوايسة) بعشرات الألوف لتشييع الشهداء، فكان يوم غضب تاريخيًا استدعى فرض حظر تجوال فى شوارع المدينة وميادينها الرئيسة، لكن هذا لم يمنع تلك الآلاف من استمرار التظاهر والاحتجاج.

لم يختلف يوم الخميس (27 من يناير) عن اليومين السابقين؛ من حيث اشتعال المظاهرات والاحتجاجات فى معظم محافظات الجمهورية، وفى مقدمتها: القاهرة، السويس، الإسكندرية، ومن حيث الحشد الأمنى الذى فاق جميع التقديرات، وقد نال محيط وزارة الداخلية بالقاهرة الاهتمام الأكبر، وكذلك باقى الميادين الكبيرة وحول المنشآت الحيوية. وفى السويس زادت حدة المظاهرات على ذى قبل، ما دفع أجهزة الأمن إلى غلق جميع مداخل ومخارج المحافظة، ومُنعت وسائل الإعلام من تغطية الأحداث، وفى هذا اليوم بدأت عمليات هجوم من جانب الثوار ضد المنشآت الأمنية مثل وحدات المطافئ وأقسام الشرطة.

جمعة  الغضب.. أو يوم «فرقان الثورة»

كان قرار الإخوان يوم الأربعاء (26 من يناير 2011) بالدعوة لحشد كبير يوم الجمعة (28 من يناير) قرارًا تاريخيًا  بمعنى الكلمة، كان القرار: «أن يكون هذا اليوم هو البداية الحقيقية للثورة والانتفاضة الشعبية، وأن يتم دعمها بكل الطرق، والعمل على استمرار هذا الزخم وذلك التحرك الجماهيرى حتى تتحقق الأهداف كاملة، ولو استمر ذلك عدة أشهر، وتشكيل لجان مع باقى القوى الوطنية لدعم وتفعيل الثورة(12).

وكـان مـن تخــطيـط الإخـوان: الحـرص عـلـى عـدم ظـهـور قـيـادات مـن الجماعة، أو شعاراتها، أو هتافاتها بصورة سافرة فى الميدان؛ كى تفوت على النظام فرصة تصوير الأمر باعتباره صراعًا بينه وبين الجماعة؛ ولضمان شعبية الثورة وجماهيرتها وأنها تضم كل أطياف المجتمع.

تم إبلاغ جميع مسئولى المحافظات يوم الأربعاء (26 من يناير) مساءً -فى لقاء طارئ مع المشرفين عليهم- بخطة التحرك وأهدافه، وأن يعدوا أنفسهم لحراك طويل، وتوضيح الضوابط التى تحكمه. وتم تقسيم أعضاء المكتب الإدارى بكل محافظة إلى قسمين: جزء يتواجد فى ميدان التحرير بصورة مستمرة مع الحشد الذى يتوجه من المحافظة، وجزء آخر يبقى فى المحافظة لإدارة الحراك داخلها، وترتيب المظاهرات، وأن يتم توزيع الجهد بطريقة متوازنة بين دعم ميدان التحرير بالآلاف، وبين الحشد المطلوب فى المحافظات.

فى هذا اليوم قام مكتب الإرشاد بوضع 12 قاعدة حاكمة لحركة أفراد الجماعة بهذا الشأن، وتم إبلاغها لجميع المكاتب الإدارية ووضع آليات محددة للتنفيذ، وهى تشمل النقاط التالية:

1- أهمية دعم واستمرار التظاهر الشعبي، ومنع أى محاولة لإضعافه أو إحباط الجماهير أو القضاء عليهم.

2- أهمية رمزية ميدان التحرير، وأن تسهم المحافظات فى دعمه بالحشود والاعتصام.

3- أهمية العمل فى المحافظات وتحريك المظاهرات الضخمة على التوازى مع ميدان التحرير، وبالتالى تم تقسيم الأفراد وأعضاء المكاتب الإدارية للتواجد فى كلا المجالين: (التحرير - المحافظة).

4- اتباع آلية اللامركزية لجميع الأفراد فى الحركة والتصرف السريع، وشحن الجماهير والتواصل مع الشرائح كافة، والتغطية الإعلامية فى إطار السياسة العامة التى تم اعتمادها.

5- أهمية المحافظة على سلمية الثورة وعلى سلامة المنشآت وعلى حفظ الأمن بتشكيل لجان شعبية.

6- عدم ظهور رموز الإخوان المعروفين، والاكتفاء بمن كانوا أصلا فى الشارع وفى الحراك السياسي، وعدم رفع شعارات الإخوان أو توزيع بيانات الجماعة، حتى لا يستغل النظام ذلك فى تشويه ثورة الشعب وادعاء أنها صراع بين الإخوان والنظام.

7- التركيز على المطالب العامة للثورة، وعدم فتح مطالب أو خلافات فرعية، والحرص على الوحدة والتعاون مع جميع التيارات والقوى السياسية، وعدم الرد على من يحاول أن يهاجم الإخوان.

8- القيام بالدعم اللوجستى الفعال للمعتصمين والمتظاهرين.

9- طول النفس والحرص على استمرار الثورة والذى قد يدوم شهورًا عدة، وعدم الوقوف لمجرد وعد أو إنجاز جزئي؛ فلا بديل عن إسقاط النظام.

10- التواصل الفعال مع جماهير الشعب التى لم تنزل للميادين لتوضيح الرؤية وللرد على أكاذيب الإعلام وطمأنة الخائفين.

11- توطين النفس على الصبر وأنه ستكون هناك تضحيات، ووضوح الرؤية لجميع أفراد الصف (إخوة وأخوات) وأن هذه مرحلة تحول فى حياة الأمة وتاريخ الدعوة.

12- اللجوء لله -عز وجل- واستغفاره والدعاء والتضرع إليه.

كما كان قرار المكتب هو استمرار انعقاده بشكل دائم ليلا ونهارًا طوال الثورة.

اشتعال ثورة الغضب:

فى الساعة الموعودة، عقب انتهاء صلاة الجمعة (يوم 28 من يناير) مباشرة، كانت ثورة الغضب قد امتدت إلى معظم أحياء القاهرة والمحافظات، وسط اشتباكات عنيفة بين الأمن والمتظاهرين فى عشرات المدن، وقد تدفق المتظاهرون فى الشوارع والميادين بصورة غير مسبوقة، بدأت بعدها قوات الأمن فى التراجع فى العديد من تلك المدن، وكانت مدينة السويس هى الأكثر سخونة تليها الإسكندرية التى سقطت مبكرًا فى أيدى الثوار. أما فى القاهرة فلم يكن الأمر يختلف كثيرًا عما جرى فى السويس والإسكندرية؛ إذ تغلب الثوار على جحافل الأمن فى جميع ميادين العاصمة، بعد وقوع العديد من الشهداء والمصابين، وسرعان ما بدأت تلك الملايين الثائرة تتدفق إلى ميدان التحرير.

كان يوم الجمعة (28 من يناير 2011) ملحمة مصرية كبيرة، ومعركة فاصلة بين الحق والباطل، بين نظام فاسد تعفنت أركانه، وشباب وطنى طاهر يبغى لأمته الرفعة والمجد.. وقد كان له ما أراد؛ إذ لم يأت مساء هذا اليوم حتى صلى الثوار فريضة المغرب داخل الميدان (ميدان التحرير)، بعدما انهار الجهاز الأمنى العتيد الذى ظن صاحبه أنه مانعه من الجماهير الغاضبة، وبعدما نزلت قوات الجيش إلى الشوارع والميادين؛ لتردد الحشود الهائلة: «الجيش والشعب إيد واحدة».

ذكرياتى فى هذا اليوم:

ولا يتسع المجال هنا لذكر تفاصيل ما جرى فى هذا اليوم، لكن أثبت هنا ما جرى لكاتب السطور فى هذا اليوم، وهو كاف لاستيعاب ما وقع فى باقى مدن الجمهورية وميادينها. وقد كتبت ذكرياتى فى هذا اليوم وأنشرها هنا لأول مرة، قلت: «إذا كان البعض يعتبر يوم 11 من فبراير 2011، يوم تنحى مبارك، هو يوم انتصار الثورة الشعبية المصرية،فإننى أعتبر يوم الجمعة 28 من يناير هو يوم الانتصار الحقيقى لتلك الانتفاضة المباركة..

وقد  أسميت ذلك اليوم بيوم الفرقان؛ للشبه بينه وبين يوم بدر؛ إذ رأيت بعينى ما يؤكد مدد االله تعالى لذلك الشباب الثائر، ضد طغمة فاسدة حكمت مصر بالحديد والنار..  فكان ذلك اليوم هو آخر أيامها فى الحكم؛ لينتهى ذلك الكابوس الذى جثم على صدورنا ثلاثة عقود أذاق خلالها الناس الذل والهوان..

ما إن انتهيتُ من إلقاء خطبة الجمعة بأحد مساجد منطقة فيصل، حتى هرولت محاولا اللحاق بإحدى المسيرات التى نظمتها جماعة الإخوان المسلمين، والتى كان مقررًا لها  -ضمن عشرات المسيرات الأخرى بمحافظة الجيزة- الوصول إلى ميدان التحرير..

أدركتُ المسيرة وهى تستعد لعبور كوبرى فيصل.. وقد رأيت  منظرًا عجيبًا: مئات من ضباط وجنود الأمن المركزي، وقد أغلقوا ذلك الكوبرى الشهير الذى يشهد -فى أوقاته العادية- أعلى كثافة مرورية فى القاهرة الكبري- ومن خلف هذا الحشد رأيت عدة مصفحات وحافلات جنود، وقد استعد الجميع لمواجهة هذه المسيرة التى بدأت بعدة مئات من أفراد الإخوان.. وصارت الآن عدة آلاف..

لم يجد قادة المسيرة صعوبة فى تغيير مسارها، فقد تركوا هذا الجيش من جنود الأمن المركزى فوق الكوبري، ودلفوا عن يمينه إلى منطقة نصر الدين، ومنها إلى ميدان الجيزة، عن طريق الكوبرى المعدنى الذى تنتهى دُرجهُ أمام شركة ماتوسيان وكلية الطب البيطري..

تخيلتُ طوال الطريق من شارع العشرين إلى ميدان الجيزة -وقد قطعت تلك المسافة سيرًا على قدمي- أن الذين اجتمعوا للتظاهر لن يزيدوا على أعداد الإخوان بمناطق: الجيزة، فيصل، الهرم، وهؤلاء لن تتعدى أعدادهم بحال  بضعة آلاف.. إلا أن ما رأيته فى ميدان الجيزة كان أكبر بكثير جدًا مما تخيلته..  رأيت عشرات الألوف وقد سدوا الميدان والشوارع المؤدية إليه.. بل رأيت الشعب المصرى كله فى الميدان، ليس الإخوان وحدهم، وليس الشباب  وحدهم.. وإنما  رأيت شبابًا وشيوخًا، ورجالا ونساء، ومثقفين وغير مثقفين، وحضرًا وفلاحين..

ورأيت معركة -بكل معانى المعركة- فهناك كر وفر، وإغارة وانسحاب، وهجوم وتكتيكات.. رأيت شبابًا عاديا، ليس ثوريا أو ذا توجهات سياسية، يقتحم الصفوف- كأنهم ملائكة- يهاجمون قوات الأمن التى بدت وكأنها  أصيبت بالسعار..بل كان هؤلاء الشباب ينطلقون فى مجموعات لتلقى القنابل المسيلة للدموع بصدورهم، وإبعادها عن باقى المواطنين الذين لا يزالون يتوافدون بالآلاف إلى الميدان.. وكانت كلما  تعبت مجموعة انطلقت مجموعة أخرى لتتسلم زمام مواجهة قوات الأمن التى تمركزت أمام مسجد الاستقامة بقلب ميدان الجيزة وتطلق القنابل المسيلة للدموع بكثافة على جموع الناس..

عاينت الميدان، والشوارع المؤدية إليه .. وأيقنت أن مصر تشهد انقلابًا حقيقيًا الآن، وأن روحًا جديدة باتت تسرى فيها.. فالشباب يواجهون قنابل الغاز، وفريق منهم قد جاء بخرطوم مياه كبير وانشغل بإطفاء تلك القنابل الفظيعة.. ومجموعات عديدة من الفتيات يقابلن من يصاب من الشباب إما بالمياه الغازية، أو الخل، أو البصل؛ لعلاج آثار تلك القنابل.. أما ساكنو الميدان فقد وقفوا جميعًا فى شُرفِ مساكنهم يلقون إلينا بأكياس المناديل، وزجاجات المياه، والقطن والشاش.. وعديدون منهم بدءوا فى إنزال اللافتات الضخمة التى تطالب بإسقاط النظام!!..

تقدمت إلى الأمام مرتين.. وكاد يغشى على فيهما؛ من أثر القنابل التى باتت تسقط بكثافة عن ذى قبل.. صليتُ العصر مع من صلوا -على أرض «المعركة»- ثم واصلت التقدم من جديد، ومعاينة الميدان وشوارعه مرة أخري..

وما هى إلا ساعة أو بعض ساعة  من الهجوم والتقهقر من جانب الثوار، حتى اندفع الجميع معلنين استسلام الشرطة بعد نفاد الذخيرة.. هنا سمعنا الهتافات العالية والتكبير الذى شق عنان السماء، والزغاريد من فوق أسطح المبانى وشرفات الميدان.. وما هى إلا لحظات حتى وجدت نفسى وجهًا لوجه أمام الضباط والجنود الذين كانوا يدمون عيوننا منذ لحظات بقنابلهم الغازية.. وتلك لحظة لا يقدرها إلا من رآها، فأنت أمام موقف عصيب!!.. أحد الضباط يبكي، لا أعرف لماذا؟.. وعشرات الشبان يحاولون الفتك به وبزملائه، إلا أننى وبعض الإخوان كنا أسرع منهم، إذ قمنا بإحاطتهم بـ«كردون» ومنعنا الشباب من الاعتداء عليهم، ورددنا هتافات: سلمية.. سلمية، وقمت أنا بتقبيل الضابط الباكي، مباركًا له انتصار الثورة واندحار النظام.

مررنا فى طريقنا إلى التحرير بمقر الحزب الوطنى بالجيزة، وهو يقع أمام مديرية الأمن مباشرة، وقد حاول الشباب حرقه، كما حاولوا الاعتداء على مجموعة من الجنود والضباط قد اصطفوا أمام مديرية الأمن، وهم  يحملون أسلحتهم فى وضع الاستعداد، إلا أننا منعناهم أيضًا. كما مررنا بالسفارة الإسرائيلية، وقد اندفع مجموعة من الشباب ناحية عدد كبير من الجنود  تحرسهم المدرعات يقفون فوق كوبرى الجامعة فى مواجهة السفارة- إلا أننا منعناهم، مؤكدين لهم أن هذه المعركة ليست معركتنا الآن..

كان الجو العام مفعمًا بالحرية، والسعادة التى لا حدود لها.. ها نحن نسير فى شارع مراد من أوله، فلا نرى شرطيا واحدًا، ولا نجد من يقف فى وجوهنا، رغم ترديدنا للهتافات التى تصم النظام بالاستبداد، وتصم رئيسه بالفساد والطغيان..

ظننت أن الطريق خال من الجيزة إلى التحرير، ولم أكن أعلم أن معركتين كبيرتين تنتظران القادمين من الجيزة وأنا واحد منهم..

أمام قسم الدقي، وعلى مشارف الكوبرى الصغير، كوبرى الجلاء، أو «الكوبرى الأعمي» الذى ينتهى فى الناحية الأخرى أمام نادى القاهرة الرياضي..  رأيت ضعفى أعداد القادمين من الجيزة يقفون فى هذا الميدان الذى صارت الحركة فيه شبه مستحيلة من كثرة الوافدين إليه: من منطقة بولاق الدكرور وميدان الدقى وشارع التحرير من جهة الغرب، ومن العجوزة والكيت كات والمهندسين من جهة الشمال، وقد لفت نظرى قبل دخولنا الميدان، كثرة سيارات الإسعاف الخارجة منه، وقد علت صيحاتها المعهودة التى تطلقها إذا كانت تحمل مريضًا أو مصابًا.. وقد عرفت اللغز عندما اقتربت من «الكوبرى الأعمي».. إنها معركة حقيقية وحاسمة تختلف بكل تأكيد عن معركة الجيزة.. هذه المرة يطلقون الرصاص الحى على الشباب، رأيتهم بعيني، يخرجون محمولين وقد خضبت الدماء وجوههم وثيابهم، وبعضهم فى غيبوبة تامة، ربما كانوا أمواتًا..رأيت واحدًا و اثنين وثلاثة.. وعشرة..

كانت قوات الشرطة قد سدت هذا الكوبرى الصغير  بثلاث  من حافلات الجنود، وقد وقفوا من ورائها يلقون قنابلهم ورصاصهم على جموع المواطنين الذين قُدرت أعدادهم فى هذه اللحظة بما يزيد على 50 ألف شخص.. لكن لم يدم هذا المشهد طويلا؛ إذ تم تطويق تلك الحافلات من قِبل الشباب «الجسور»، وتم إشعال النيران فيها، ثم مطاردة منْ خلفها..

اندفع الجميع جريا وراء القوة الهاربة.. لتبدأ المعركة الفاصلة، أو كما سميتها وقتها: معركة الحياة أوالموت، وهى التى كانت على كوبرى قصر النيل المفضى إلى ميدان التحرير..

قبل وصولى إلى كوبرى قصر النيل وقعت عدة مشاهد مهمة؛ ألهبت حماس الثوار ودفعتهم إلى الاستبسال فى مواجهة قوات الأمن التى بدت -هذه المرة- فى غاية الشراسة والعنف.. من هذه المشاهد:

- وصول أنباء عن استسلام قوات الأمن فى كل من السويس والإسكندرية.

- انضمام عدد من الممثلين والمشاهير إلى جموع المتظاهرين، وقد حملهم الشباب وتحركوا بهم فى مواجهة مباشرة مع قوات الأمن.

- أنباء عن انضمام وحدة الحرس الجمهورى المرابطة فى الحديقة المجاورة للكوبرى إلى الثوار «لم أتأكد من صحة هذا الخبر».

- أنباء مؤكدة عن أوامر للجيش بالنزول.

قبل أن نصل إلى الكوبرى -وكنت من أوائل من وصلوه- قوبلنا بسيل من قنابل الغاز كأنها المطر.. ومما زاد من ألم المشهد، تلك الكثافة العالية للمتظاهرين، إذ مع كل اقتراب من قوات الأمن ومحاولة اجتياز الكوبرى لدخول الميدان، يقابل ذلك بهجوم كاسح من جانب تلك القوات.. وعندما تتراجع هذه الأعداد الغفيرة، كانت تحدث إصابات وحالات إغماء عديدة..

وبقدر شراسة المعركة، كانت نهايتها السريعة.. إذ فى أقل من ساعة كانت تلك القوات تتقهقر إلى الميدان، ومنه فرت إلى طريق كورنيش المعادي، لتقابلها مجموعة من الشباب، فيشعلون النار فى بعض عرباتها.. وتندفع الجموع الهادرة إلى قلب الميدان مع انطلاق أذان المغرب..

صليت المغرب فى الحديقة الملاصقة للنهر. واطمأننت إلى أن الناس بالميدان الآن.. وعدت  إلى «فيصل» سيرًا على الأقدام، بعدما شعرت بإرهاق شديد، وقد تورمت قدماي، وجف حلقى من الجوع والعطش.

فى طريق عودتى قابلت الآلاف، وهم يزحفون إلى الميدان.. من أين جاءوا ؟ومن الذى أخرجهم؟.. ساعتها صرت أتحدث عن نظام مبارك باعتباره نظامًا سابقًا». أ.هـ.

انعقاد دائم لمكتب الإرشاد:

دخلت الحشود الهائلة إذًا ميدان التحرير، بعد سقوط مئات الضحايا من الشهداء وآلاف المصابين، كان بينهم حوالى عشرين شهيدًا من الجماعة، منهم ستة من القاهرة وحدها(13)، وأكثر من مائتى مصاب، وأكثر من أربعمائة معتقل تعرضت غالبيتهم للتعذيب، بعدما نقلوا إما إلى السجن الحربى أو المتحف المصري، أو إلى شقق أمنية قريبة من ميدان التحرير.

?استمر انعقاد مكتب الإرشاد بصورة دائمة، فى غير مكانه التقليدي، تجنبًا للاصطدام بالأمن ومنع عقده، خصوصًا بعد الاعتداء على مقر المكتب بمنطقة المنيل من جانب أشخاص تابعين لجهاز أمن الدولة.. وقد شكل المكتب لجنة لإدارة الأزمة، داخلها ثلاث لجان: لجنة معنية بميدان التحرير، وأخرى معنية بالإعلام، وثالثة معنية بالتواصل مع القوى الفاعلة، خصوصًا شباب الثورة(14)، وقد أوكلت مهمة اللجنة الرئيسة إلى الدكتور محمد على بشر، عضو مكتب الإرشاد(15)، الذى تولى المهمة باعتباره مشرفًا على قطاع القاهرة الكبرى بعد اعتقال الدكتور محمد مرسى فجر يوم جمعة الغضب (28 من يناير) الذى كان يتولى هذه المسئولية.

?ويحكى الدكتور أسامة ياسين أنه تطورت الأمور بشكل سريع فيما بعد، فتم تشكيل غرفة عمليات دائمة تضم مسئولى مناطق القاهرة الكبرى ونوابهم، كان مقرها منطقة عابدين القريبة من ميدان التحرير، فى مكتب الأستاذ جمال حنفى (المحامي). كان الهدف الرئيسى للغرفة هو التواصل مع أعضاء مكتب الإرشاد فى القرارات، وكان من أول القرارات المهمة فى هذا الشأن: دعم المبيت فى الميدان بحيث لا يقل عدد المتواجدين فيه عن 03 ألف شخص، التواصل مع إخوان المحافظات لدعم ميدان التحرير من ناحية، ومن ناحية ثانية تنظيم فاعليات متقطعة فى محافظاتهم لتخفيف الضغط عن المحافظات الثلاث المشتعلة: القاهرة، الإسكندرية، السويس(16).

?وقد  أصدر الإخوان بيانًا يوم السبت (29 من يناير) أكدوا فيه استمرارهم فى الثورة على نظام مبارك، وأكدوا أيضًا أن ما وقع من تخريب على بعض الممتلكات، العامة والخاصة، هو من صنيعة شركاء الجهاز الأمنى من البلطجية الذين سبق أن استعان بهم الأمن فى قمع الشعب وتزوير إرادته فى الانتخابات، وأعلنوا أنهم مصرون على تحقيق مطالب الشعب الأساسية وهي: إلغاء حالة الطوارئ فورًا، حل مجلسى الشعب والشورى المزورين، الإفراج الفورى عن جميع المسجونين والمعتقلين السياسيين، الإعلان عن حكومة وطنية انتقالية من غير الحزب الوطني، تشكيل لجنة وطنية للتحقيق وتقصى الحقائق فى وقائع استخدام العنف والقتل غير المبرر ضد المتظاهرين(17).

?كانت مظاهرات الغضب التى تقدر أعدادها بعشرات الآلاف لا تزال متواصلة فى المحافظات، للمطالبة بإسقاط النظام والإصلاح السياسي، وحاصر المتظاهرون فى الأقاليم مقار للهيئات الحكومية وأشعلوا النيران فى مقار الحزب الوطنى وأقسام الشرطة، فيما تواصلت أعمال السلب والنهب. وفى هذا اليوم (السبت 29 من يناير) قرر الرئيس مبارك تعيين اللواء عمر سليمان نائبًا له، كما كلف الفريق أحمد شفيق بتشكيل الحكومة الجديدة.

?وفى الوقت ذاته أصدر مسئولو وزارة الداخلية أوامرهم لجميع قطاعات الوزارة بإخلاء مواقعهم، والانسحاب من الشوارع والمقار ونقاط التفتيش والمرور، وترك أقسام الشرطة، فى الوقت الذى قامت فيه عناصر أمنية بإحراق عدد من أقسام الشرطة، كل هذا من أجل دعم سيناريو الفوضي، وإطلاق سراح المساجين.

?بعدما سيطر الثوار على ميدان التحرير يوم الجمعة 28/1، سارعوا فى اليوم التالى إلى تشكيل لجنة تنفيذية تضم 32 شخصًا، من كل الاتجاهات؛ لتنظيم عمليات الإعاشة، والإنقاذ، والتأمين «وهنا برز دور شباب الإخوان المسلمين الذين قاموا بإغلاق الميدان، والبدء فى تأمين المنشآت الحكومية(18) وتولوا إدارة العملية الأمنية بكاملها داخل ميدان التحرير، وكان الدكتور أسامة ياسين(19) هو مسئول الأمن فى الميدان، أما المسئول عن تأمين اللجنة التنفيذية فكان الدكتور أحمد توفيق، وتولى الدكتور خالد حنفي(20) إدارة المستشفى الميدانى الذى اضطلع بدور بطولى باقى أيام الثورة، وضم أكثر من 40 طبيبًا وما يقرب من 20 عيادة ومستشفى جبهة.

> ميدان التحرير يشتعل مرة أخري:

 

عند عصر يوم السبت (29 من يناير) دخلت إلى ميدان التحرير جنازة الأخ الشهيد مصطفى الصاوي، الذى توفى بالأمس، وكانت فى طريقها للدفن بمقابر السيدة عائشة مرورًا بالتحرير، لكن حملها الشباب وطافوا بها الميدان، ثم اتجهوا إلى شارع محمد محمود، وهنا وقعت معركة كبيرة بين الثوار وقوات الأمن التى تقوم بتأمين محيط وزارة الداخلية -وكان وزير الداخلية حبيب العادلى ورئيس جهاز أمن الدولة حسن عبدالرحمن لا يزالان موجودين فى مبنى الوزارة- وقد استُشهد فى هذه المعركة عدد كبير من الشباب قُدر بالعشرات غير مئات الإصابات الخطيرة.

?كان المشهد محتقنًا فى عموم مصر وليس فى ميدان التحرير وحده، فمع كل دقيقة كان هناك حادث أو أكثر، فى القاهرة والمحافظات، يشير إلى تراجع الثورة وازدياد حدة الانفلات الأمني، فالاعتصامات فى شتى المحافظات مازالت على أشدها، والأهالى يضرمون النيران فى أقسام الشرطة، والمظاهرات تطوف شوارع المدن والقرى بأجساد الشهداء، وكان الأمن فى بعض المدن وأمام بعض المنشآت الحساسة لايزال متواجدًا، وهو ما جعل هناك شهداء جددًا ومصابين إثر الاحتكاك بين الجانبين، مثلما وقع أمام منزل السفير الصهيونى وأمام قصر عابدين، وأمام مبنى الإذاعة والتليفزيون (ماسبيرو) وغيرها من الأماكن.

?ومنذ هذا اليوم بدأ المواطنون فى حرق مقرات أمن الدولة، رمز الفساد والاستبداد، وقد سبقت الإسكندرية باقى المحافظات فى هذا الأمر، تلتها كفر الشيخ، فالإسماعيلية، فالبحيرة، فالدقهلية، كما بدأت السجون فتح أبوابها أمام المساجين، ومن ثم زادت أعمال النهب والبلطجة والسرقة فى العديد من مناطق الجمهورية، وقد قام نواب الحزب الوطنى بدعم هؤلاء المجرمين وتحريكهم لترويع الأهالى وسرقة ممتلكاتهم والسطو على البنوك وشركات الصرافة، وقد قام ضباط شرطة أيضًا بعمليات سلب وترويع ضد الأهالى فى أكثر من منطقة(21).

الإخوان يبادرون بتشكيل اللجان الشعبية:

لكل هذا بادر الإخوان(22)، بمشاركة باقى القوى الوطنية بتشكيل لجان شعبية لحماية المنشآت العامة والخاصة، وإدارة عمليات الحفاظ على الممتلكات، وقد بلغ عدد من شاركوا فى هذه اللجان فى هذا اليوم فى مدينة الإسكندرية على سبيل المثال أكثر من 100 ألف شاب.

كان الشغل الشاغل لقيادة الجماعة أن تعود الحياة للشارع المصرى بشكلها الطبيعي، فقام شباب الإخوان، كلٌ فى منطقته، بتنظيم المرور، وإدارة المخابز، وغيرها من الأمور الحياتية، وفيما يتعلق بالوضع الخارجى أكد الإخوان أنهم حريصون على استمرار مؤسسات الدولة، وخاصة الاقتصادية، فى أداء عملها؛ لأن هذه المؤسسات مرتبطة بمنظومة عالمية يحترمها الإخوان من باب الحرص على استقرار علاقة مصر بالعالم الخارجي.

فى يوم الأحد (30 من يناير) تم إطلاق سراح منْ اعتُقلوا من الإخوان، وعددهم 34 من بينهم سبعة أعضاء فى مكتب الإرشاد ومسئولو المكاتب الإدارية وقيادات إخوانية فى عدد من المحافظات، قام الأهالى بتحريرهم بعدما كسروا أبواب سجن وادى النطرون الذى هربت قيادته جميعًا(23).. وقد توجهت تلك القيادات -من فورها- إلى ميدان التحرير، ما ألهب حماس المتواجدين؛ حيث استقبلوهم استقبالا كريمًا، وتحدث كل من د.عصام العريان، د.محمد سعد الكتاتنى إلى الجماهير، من فوق المنصة التى أنشأها شباب الجماعة وسط الميدان وكانت أكبر المنصات وأكثرها تأثيرًا.

وفى هذا اليوم أيضًا بدأت فئات ذات تأثير تشارك كمجموعات فى الثورة، مطالبة بما يطالب به الثوار؛ إذ انضم إلى الميدان: أئمة ومشايخ الأزهر بزيهم المعتاد، وانضم القضاة -لأول مرة- للميدان مطالبين برحيل النظام(24)، وبدأت أسر مصرية بكاملها فى التوافد على الميدان للمشاركة فى الاعتصام، وقد تصاعدت الهتافات بسقوط مبارك.. حدث هذا فى الوقت الذى بدأت فيه أجهزة الإعلام الرسمية تنشر الشائعات التى تهدف إلى إحباط الجماهير وترويعهم، فضلا عما قرره النظام من الدفع بعناصر الداخلية لعدد من المدن والمحافظات بدءًا من اليوم التالى (الاثنين 31 من يناير)؛ للسيطرة -كما تمنوا- على تلك الانتفاضة الهائلة.

رسالة تطمينية إلى الشعب المصري:

ومن أجل دعم هذا  الزخم الشعبى المتزايد، وقطع الطريق على أنصار النظام الفاسد الذين أخرجوا كل ما لديهم من إمكانات لإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل تفجر الثورة ولو كان ذلك بقتل المواطنين وبث الفزع فى صفوفهم- بعث الإخوان برسالة تطمينية للشعب المصرى الثائر، أكدوا فيها أنهم وسط الحركة الشعبية التى قامت بها الجماهير من أجل التغيير السلمى للنظام، وحذرت الجماعة من الانخداع بالعروض الماكرة التى يقدمها النظام لإجهاض تلك الانتفاضة الكبري، ولهذا فقد أعلنوا رفضهم التام تشكيل الحكومة الجديدة التى تُعد التفافًا على إرادة الشعب، ودعوا الجميع إلى الاستمرار فى الفعاليات، وتحريك المسيرات الحاشدة فى جميع أنحاء مصر حتى يترك النظام كله السلطة، برئيسه وحزبه ووزرائه وبرلمانه، كما طالبوا الجميع بالصبر والمصابرة، وألا يتطرق إلى عزيمتهم ضعف أو وهن، وعدم الانصراف حتى ينخلع النظام، ولن يتأتى ذلك إلا بالتمسك بالوحدة، والتناصر والالتحام، وتقديم المطالب الشعبية العليا على المطالب والشعارات الخاصة(25).

?ويُعد يوم الاثنين (31 من يناير) يومًا فارقًا من أيام الثورة الثمانية عشر؛ إذ ارتفع سقف مطالب الجماهير، ولم يعُدْ الثوار يقبلون بأقل من رحيل النظام بكامله، وقد سرت تلك المطالب فى جميع أنحاء الجمهورية، حتى أيقن النظام -بعد طول عناد- أنه لا بد من تقديم تنازلات، ولأول مرة تُعرف (المليونيات)؛ حيث نظم الثوار مليونية فى هذا اليوم، ودعوا لمثلها فى اليوم التالي، مع تكثيف دعوات الخروج بمظاهرات حاشدة فى شوارع مدن ومحافظات الجمهورية للضغط على النظام من أجل الرحيل، ولأول مرة أيضًا تُرى رموز قبطية من قساوسة ورهبان يدخلون ميدان التحرير بزيهم المعتاد، ويهتفون مع الهاتفين: «يسقط يسقط حسنى مبارك»، كما انضم إلى المتظاهرين مجموعة من مقاتلى حرب أكتوبر، ثم بدأت شخصيات ورموز معروف عنها قربها من النظام، فى نهش لحمه والطعن فى ذمته ونزاهته، ما أكد للمعتصمين أن نهاية النظام قد اقتربت، وهو ما دعاهم إلى رفض عملية الترقيع الوزارى التى قام رئيس الجمهورية من خلالها بتغيير 41 وزيرًا، معتبرين هذا الإجراء نوعًا من السخرية بما يطالبون به والتفافًا حول مطالبهم المشروعة.

?ولشدة غباء مبارك ونظامه بلغت الاحتجاجات فى هذا اليوم ذروتها؛ إذ لم تبق محافظة واحدة إلا وانتفض الأهالى بها وخرجوا بمئات الألوف يطالبون ليس فقط برحيل النظام، بل بمحاكمة رأسه وأركانه، كما امتدت تلك الاحتجاجات إلى خارج مصر، فسمعنا عن وقفات ومظاهرات فى شتى بلاد العالم، حتى إن الجالية المصرية فى إيطاليا استطاعت فى هذا اليوم حشد أكثر من 10000 من أبنائها فى مظاهرة لفتت أنظار العالم تطالب برحيل الفاسد وتسليم البلد لأصحابه.. وكان أحد أعراض هذا الغباء ما قام به إعلام هذا النظام من تزييف للحقائق والكذب على الشعب كله، وادعاء أن ميدان التحرير ليس به إلا قلة لا يؤبه لها، فى حين كان الميدان ممتلئًا عن آخره بما يقارب المليون مواطن.


الإخوان يقيمون فى الميدان:


بدءًا من يوم الثلاثاء (1 من فبراير) بدأ الإخوان -من جميع محافظات الجمهورية- فى التقاطر إلى ميدان التحرير، لتتشكل أكبر مليونية منذ بدء الثورة حضرها ما يزيد على ثمانية ملايين مواطن، كان الهدف من هذا الحشد الكبير هو حسم القضية والضغط على النظام الذى بدا مترنحًا للتخلى سريعًا عن السلطة، وكان الأمر بهذه الصورة يتطلب تهيئة الميدان كى يقيم القادمون إليه إقامة كاملة، لا يغادرونه حتى تتحقق مطالبهم(26)..

?بدأ الإخوان فى نصب خيامهم فى أرجاء الميدان وقريبًا من مداخله التسعة، وبدأ مسئولو ومنسقو الميدان يوزعون عليهم الأدوار المنوطة بكل منهم، فكان على كل أخ أن يتولى حراسة أحد المنافذ لمدة أربع ساعات، ويظل فى حراسة الميدان أربع ساعات أخري، ويتفاعل مع الميدان أربع ساعات ثالثة، وأن يكون فى انتظار أى تكاليف أخرى فيما تبقى لديه من وقت، أما عدد ساعات نومه فيشترط ألا تزيد على أربع ساعات، وعلى الأخ أن يشارك إخوانه فيما يرتبونه من أمور تربوية تتعلق بصلاة التهجد، والصيام، والذكر، والدعاء، وخلافه.

?كانت كل المؤشرات تدفع نحو الاستمرار فى الثورة، ورفض أى محاولات للتفاوض مع النظام الذى أبدى بعض المرونة فى هذا الجانب، وقد اتفق الجميع على أن الشعب وحده هو الذى يقرر مصيره الآن، فهو يمارس سلطاته التى خولها له الدستور، وقد أصدر الإخوان فى هذا اليوم بيانًا أكدوا فيه حتمية تحقيق ما يلي:

?1- إعلان تنحية الرئيس وإنهاء الوجود القانونى لمجلسى الشعب والشوري.

?2- تولى رئيس المحكمة الدستورية العليا مهام رئيس الجمهورية.

?3- إلغاء حالة الطوارئ وإصدار قرار بالعفو العام عن العقوبات الأصلية والتكميلية التى أعقبت جميع المحاكم الاستثنائية لسياسيين، وإطلاق سراح جميع المحبوسين بأحكام استثنائية بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية.

?4- تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية لتسيير شئون البلاد.

?5- إجراء انتخابات برلمانية حرة ونزيهة تحت إشراف قضائى كامل طبقًا لإرادة الشعب.

?6- قيام البرلمان المنتخب بإجراء التعديلات الدستورية اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية عامة حرة مباشرة(27).

?   

?> خطاب عاطفى ومحاولة لإفشال الثورة:


قلنا إن الحشد الكبير فى هذا اليوم لم يشهده الميدان من قبل، وقد بدا الجميع على قلب رجل واحد، مطلبهم الأول: تخلى الرئيس عن السلطة، كما بدا الأمر محسومًا لصالح الثوار؛ إذ لا قِبل للنظام بالملايين التى ملأت الميادين، وقد عطلوا أعمالهم، واتخذوا قرارهم بعدم الرحيل قبل أن يرحل الطاغية، وأن يذهب نظامه إلى غير رجعة.

?فى ظل هذه الأجواء قيل إن الرئيس سوف يلقى خطابًا مهمًا، وحسب المشهد العام فلا أقل من أن يعلن تخليه عن السلطة، بعدما سُدت جميع الأبواب أمامه، وبعدما وُضع أمامه خيار واحد هو: الرحيل.. وانتظر الناس الخطاب، واشرأبت أعناق منْ بالميدان الذين كانوا يقفون على أطراف أصابعهم من شدة الزحام، يستمعون إلى خطاب (الرئيس) الذى شرق وغرب، وتحدث عن وطنيته وتاريخه ومروءته، ثم انطلق يستحث عاطفة المصريين ويدغدغ مشاعرهم -وكانت تلك خطة ليبقى فى الحكم- حتى إذا انتهى من الخطاب انسحب عدد لا بأس به من الميدان، واتصل الآباء والأمهات بالأبناء الثوار يرجونهم التعاطف مع الرجل وإعطاءه فرصة أخيرة بعدما أبدى رغبته فى العيش فى بلده وأن يُدفن تحت ترابه.. كان رد الفعل مخيبًا لآمال الثوار، الذين استشعروا الخطر،وحاولوا بشتى الطرق تثبيت الناس ولفت انتباههم إلى الخدعة الكبرى التى يرتكبها النظام ضدهم.. استجاب البعض ولم يستجب البعض الآخر.

?استغل النظام هذه الفرقة وبدأ فى ترتيب أوراقه؛ إذ سرعان ما خرجت المظاهرات المؤيدة لمبارك، من قِبل أعضاء الحزب الوطنى والبلطجية وبترتيب من أمن الدولة، ثم بدأت الحرب الحقيقية على ميدان التحرير، بغرض القضاء على رمز الثورة، والالتفاف على الثوار.. هذا ما أراده النظام، إلا أن الله كانت له إرادة أخرى ومشيئة غير مشيئة هؤلاء الفاسدين.


موقعة  الجمل.. اليوم الذى نجى ا^ فيه الثورة


منذ يوم السبت (29 من يناير) -أى فى اليوم التالى لجمعة الغضب التى دخل فيها الثوار ميدان التحرير وقرروا الاعتصام فيه حتى رحيل النظام- وهناك محاولات لا تنقطع لإفساد خطة الثوار، والاستيلاء على الميدان، والإبقاء على النظام بأى ثمن ولو أدى ذلك إلى حرق البلاد وتحويلها إلى خرابة وأشلاء.

?كان جهاز أمن الدولة يتولى هذه المهمة القذرة، إضافة إلى أجهزة أخري، معروفة وغير معروفة، وقد رصد الثوار منذ هذا اليوم، عن طريق أجهزة استخباراتهم البسيطة المنتشرة فى أرجاء الميدان، العديد من هذه المحاولات، وتحققت صحة معلوماتهم عندما بدأ البلطجية التابعون لأمن الدولة، منذ هذا اليوم، فى الإغارة على الميدان ليلا، وهو ما عجل بإنشاء الفرق والمجموعات لتأمين مداخله، وتفتيش الداخلين، ونشر عناصر من الثوار لالتقاط أنباء أى محاولات للتآمر على المكان.. وقد وفق الثوار فى هذا اليوم وما تلاه من أيام فى القبض على عدد لا بأس به من البلطجية، عرفوا منهم ملامح خطة تخريب الميدان وتفزيع من فيه، وقد كان الثوار يسلمون هؤلاء البلطجية للجيش، إلا أنه -للأسف- كان يُطلق سراحهم على الفور، وهو ما اضطرهم إلى تغيير خطتهم فى هذا الأمر، باحتجاز هؤلاء المجرمين والتحقيق معهم بأنفسهم.

?ومنذ يوم السبت أيضًا بدأت طائرات (الإف 16) فى الحوم فوق الميدان، وصاحب ذلك -مع ما تُحدثه من أصوات مخيفة لاقترابها من الأرض- بث شائعات تؤكد إطلاق صواريخ أو غاز قاتل على المعتصمين من هذه الطائرات، وقد علم الثوار -بطرقهم الخاصة- أن هذه كلها شائعات الغرض منها إفراغ الميدان وإعادة المحتجين إلى بيوتهم، وأن يبقى النظام مستمسكًا بالسلطة، مع تقديم بعض الإصلاحات التى تهدئ الخواطر وتعيد الحياة إلى ما كانت عليه قبل يوم 25 من يناير.

?بعد خطاب مبارك فى يوم الثلاثاء (1 من فبراير) بدأ البلطجية فى الانتشار فى مختلف شوارع القاهرة وباقى المحافظات؛ تمهيدًا للاحتكاك بالمتظاهرين الذين رفضوا الخطاب وأكدوا مطالبهم برحيل النظام.. وكانت تلك الأخبار تصل إلى مسئولى الإخوان؛ حيث كان إخوان كل منطقة من المناطق أو محافظة من المحافظات يبلغون القيادة بما رصدوه فى هذا اليوم.. وقد أكد الجميع أن البلطجية يتم تجميعهم بشكل منظم؛ للانطلاق فى مجموعات إلى أهداف بعينها، كما تم رصد محاولات من جانب أجهزة الأمن لإبعاد وكالات الأنباء الخارجية عن ميدان التحرير؛ لتدبير أمر لم يكونوا يعرفون ما هو ولا متى سيكون، كما وصلتهم أنباء عن وجود وزير الصحة بمستشفى قصر العيني، وأن 15 سيارة إسعاف تحركت على مقربة من الميدان، وبالفعل تجمعت سيارات الإسعاف كأنها تنتظر حدثًا كبيرًا.

?فى يوم الأربعاء (2 من فبراير) -أو اليوم الدامى كما أطلق عليه الثوار هذا اللفظ- كان الميدان على موعد مع معركة شرسة بين أنصار  الحزب الحاكم والبلطجية من جهة والثوار من جهة أخرى .. وقد اختار النظام هذا الموعد لسببين: أنه جاء بعد الخطاب العاطفى لمبارك والذى استدر به عطف الكثيرين الذين انسحبوا من الميدان، أما السبب الآخر فلأن هذا اليوم كان بعد يوم مليونية الثلاثاء، وعادة تقل الأعداد كثيرًا فى اليوم التالى للمليونية، ولهذا لم يكن فى الميدان وقت نشوب المعركة سوى عدة آلاف من الثوار، معظمهم من الإخوان المسلمين القادمين من المحافظات والذين يقيمون بشكل دائم داخل الخيام التى نصبوها داخل الميدان فى وقت مبكر كما ذكرنا من قبل.


> معركة فاصلة:


فى تمام الساعة الثانية والنصف ظهرًا فوجئ الثوار بآلاف البلطجية وأعضاء الحزب الوطني(28)، وخيالة يمتطون الجمال والأحصنة [13 حصانًا وجملا واحدًا]، ويحملون صور مبارك، وفى أيديهم الأسلحة البيضاء والنارية -يدخلون الميدان من مداخله التسعة- فى توقيت واحد- للاستيلاء عليه وإخراج من فيه، وقد استمرت هذه المعركة منذ دخول هذه الآلاف بعد ظهر الأربعاء حتى فجر الخميس، ويبدو أنها كانت معركة مرتبة ترتيبًا محكمًا من جانب النظام؛ إذ تمت على مراحل ثلاث: المرحلة الأولى من الساعة الثانية ظهرًا حتى السادسة مساءً، ثم من السادسة حتى الحادية عشرة، ثم كانت استراحة لمدة ثلاث ساعات أعقبها هجوم جديد أشد ضراوة بدأ من الثانية صباح يوم الخميس حتى موعد صلاة الفجر، وقد استخدم البلطجية القنابل والزجاجات الحارقة، وكسر الرخام والطوب والأحجار التى تم جلبها فى سيارات نقل تابعة للحكومة ولمؤسستى الأخبار والأهرام، يعاون هؤلاء البلطجية قناصة محترفون من الحرس الجمهورى والقوات الخاصة اعتلوا أسطح العمارات المجاورة وبدءوا فى قنص الثوار، وقد استُشهد فى الموقعة ثمانية عشر من الثوار، وأصيب أكثر من 2500 آخرين.


> الإخوان يتصدون للمجرمين:


وقد تحمل الإخوان عبء التصدى لهذا العدوان، وتمكنوا من دحر البلطجية وفلول النظام، ومنعهم من دخول الميدان، وقد وقع منهم ستة قتلى وأكثر من مائة مصاب أمام الدور السلبى للجيش الذى التزم الصمت أمام ما يجرى من اعتداء على الثوار، بل إن أحد قادته أصر فى اليوم التالى (الخميس 3 من فبراير) وبعد تغير الموقف لصالح الثوار على إنزال شباب الميدان من فوق أسطح العمارات ومن فوق كوبرى 6 أكتوبر، وهدد بإطلاق النار عليهم إذا لم يستجيبوا لذلك(29)، وكان واضحًا أنه يفعل ذلك ليعاود البلطجية دخول الميدان مرة أخري.

?كما لم يخضع الإخوان لتهديدات النظام بترك الميدان أثناء  موقعة الجمل وبعدها ؛ حيث كان قرار الجماعة: عدم ترك الميدان إلا بعد رحيل النظام ولو كان المقابل هو الموت.. يبدو هذا فى الحوار الذى دار بين الدكتور محمد البلتاجى وأحد مسئولى جهاز المخابرات؛ إذ أشار البلتاجى فى شهادته أمام محكمة جنايات القاهرة فى قضية «موقعة الجمل» إلى أن أحد الأشخاص طلب منه (يوم الأربعاء 2 من فبراير، الساعة الثانية ظهرًا) مقابلة أحد القيادات الأمنية داخل مكتب شركة (سفير) للسفريات بميدان التحرير، وأنه دخل المكتب ومعه مجموعة من المتظاهرين، والتقى الرجل الذى قدم نفسه بأنه اللواء عبدالفتاح من جهاز المخابرات العامة، وطلب منه إخلاء الميدان حقنًا للدماء، وأبلغه بأن لديه معلومات مؤكدة عن وجود مجموعات من أنصار مبارك سوف تدخل الميدان للاشتباك مع المتظاهرين، وأن ذلك سيؤدى إلى إراقة دماء كثيرة، ولا بد من إخلاء الميدان وفض التظاهر.

?وأضاف البلتاجي: «قلت له: يا سيادة اللواء، كيف تسمحون لهؤلاء البلطجية بدخول الميدان؟ فقال لي: إنهم مواطنون مصريون يريدون التعبير عن رأيهم المؤيد للرئيس مبارك، فقلت له: وهل ضاق بهم ميدان مصطفى محمود؟! فلديهم كل ميادين مصر للتظاهر فيها، ومن الممكن فتح استاد القاهرة، فهو يستوعب الآلاف، فقال: هم يريدون التعبير عن رأيهم بالتحرير مثلكم، وأنا لا أستطيع منعهم.

?واستمر الحوار نحو ساعة، لكن اللواء استمر فى المكتب لساعات يتابع الأحداث أولا بأول، وقبل أن ينتهى اللقاء قلت له: ما الضمان فى حالة عودة المتظاهرين إلى بيوتهم كى يصلوا سالمين بعد أن أحاط مؤيدو مبارك الميدان من جميع الجهات؟! فقال: نحن مسئولون عن خروجكم سالمين دون أن يتعرض لكم أحد، فأنهيت الحوار، قائلا: شكرًا سيادة اللواء، إذا كنتم تستطيعون تأمين خروجنا من الميدان سالمين فأنتم تستطيعون  حمايتنا بداخله، وأنتم المسئولون عن حدوث أى اعتداءات على المتظاهرين»(30).


> الملايين تزحف إلى الميدان:


?كان تراجع البلطجية والتابعين للنظام بمثابة انتصار جديد للثورة، واندحار للنظام الذى حاول رئيسه منذ يوم واحد كسب عطف الجماهير، فإذا به يعادى الشعب كله، ويخرج المصريون بالملايين يساندون أبطال ميدان التحرير، بمن فيهم الذين انسحبوا بالأمس تعاطفًا مع خطاب مبارك، الذى لم يكن -كما صرح الإخوان- سوى خديعة واستدراج، وقد شاهد المصريون جميعًا الجريمة التى ارتكبها مبارك وأنصاره ضد المتظاهرين المسالمين فى ميدان التحرير، والذين لا يطالبون إلا بحق مشروع، ولا يرفعون سلاحًا أو يقرون عنفًا.

?كانت المشاهد مؤلمة، والمأساة كبيرة، وقد تابعت الملايين -على مدار ساعات- ما جرى للشباب على أيدى المجرمين.. وقد اكتملت تلك المأساة فى اليوم التالى للحادثة؛ إذ لم يستح النظام مما فعله بالأمس، ولم يفهم بعدُ أنه منبوذ من شعبه، فأصر على مواصلة حلقات غبائه المعهودة، فقام بإطلاق الرصاص الحى على الوافدين للتحرير، بعد إحكام غلق الطرق والمنافذ الموصلة للميدان، وانتشر البلطجية التابعون للأمن فى كل مكان، بل أغُلقت مداخل القاهرة(31)، وصادر البلطجية المؤن اللازمة للمتظاهرين كالطعام والشراب. وخطط النظام أيضًا لإضرام النيران فى بعض المنشآت الحكومية فى ميدان التحرير لإظهار الثوار بأنهم يثيرون الفوضي. وقد تنبه الثوار لذلك فقاموا بتأمين تلك المنشآت وتشديد الحراسات عليها، كما قامت الأجهزة الأمنية بإطلاق الشائعات فى الأحياء ضد الثوار، واستخدموا فى أحياء أخرى مكبرات الصوت فى المساجد لتحذير الأهالى من المتظاهرين الذين سوف يسرقون بيوتهم ويعتدون على حرماتهم


> حملات لتشويه وملاحقة الإخوان:


وقد وقع على الإخوان النصيب الأكبر من الأذى فى الأيام التى تلت موقعة الجمل، فقد تم اختطاف العديد من شباب الجماعة من مداخل القاهرة، ومن بيوتهم، وقد نُقلوا لأماكن مجهولة وتعرضوا لتعذيب بشع، وكان واضحًا أن الجماعة، قادة وأعضاء، مستهدفون من قِبل النظام؛ لاعتقاده أن الإخوان هم الذين يحركون الثورة ويؤلبون الجماهير ويحمون ظهر الثوار، وقد أطلقت الأجهزة الأمنية والمخابراتية شائعات تستهدف تشويه الجماعة وتنفير الناس منها، وتصوير الإخوان على أنهم طلاب سلطة ولا تعنيهم مصلحة الوطن قدر اعتنائهم بمصلحتهم أنفسهم ورغبتهم الملحة فى الوصول إلى الحكم، كما أطلقت شائعات تقول إن الإخوان هم الذين أحرقوا أقسام الشرطة وخربوا المؤسسات وسرقوا الممتلكات العامة والخاصة، وأن أفرادًا منهم ومن حماس التابعة لهم هم منْ قاموا بقتل الثوار وإشاعة الفوضي، فى الميدان وغير الميدان.

?وإزاء ما كان يقوم به موقع إخوان أون لاين -وكان لسان حال الجماعة الوحيد وقتها- من نشر أخبارهم وآرائهم والتفاعل مع المواطنين باعتباره أكثر المواقع صدقية لدى الجماهير، فقد قامت قوات أمنية مصحوبة بالبلطجية صباح يوم الجمعة (4 من فبراير) باقتحام مكتب الموقع، واعتقال الصحفيين والفنيين والإداريين الذين كانوا موجودين فيه، وتم اقتيادهم إلى مقر وزارة الداخلية القريب من المكتب. وقد استولت تلك القوة التى يصحبها أحد ضباط المخابرات العامة على عدد من الأجهزة والأوراق بعد تفتيش جميع غرف المكتب. وكان الموقع قد تعرض للتشويش فجر الخميس (3 من فبراير) تم على إثره وقف التصفح، لكن تمكن فريقه الفنى من إعادة التصفح بطريقة أخري.


> المحكمة تبرئ المجرمين!!


قضت محكمة جنايات القاهرة يوم الأربعاء 10 من أكتوبر 2102م -والكتاب فى مرحلة التجهيز- ببراءة جميع المتهمين فى قضية الاعتداء على المتظاهرين يومى 2 و3 من فبراير 2011 بميدان التحرير والتى عُرفت إعلاميًا بـ«موقعة الجمل» والمتهم فيها 24 من أعضاء الحزب الوطنى المنحل، وقالت المحكمة فى منطوق حكمها: «حكمت المحكمة بانقضاء الدعوى الجنائية قِبل عبدالناصر الجابرى لوفاته، وحضوريًا ببراءة كل من: محمد صفوت الشريف، وشهرته صفوت الشريف، وماجد محمود يونس الشربيني، ومحمد الغمراوى داود، وحسن خليفة وأحمد فتحى مصطفى كامل سرور وشهرته فتحى سرور، ومحمد محمد أبوالعينين، ويوسف عبداللطيف هنداوى خطاب وشهرته يوسف خطاب، وشريف حسن أمين والي، ووليد ضياء الدين صالح، وعائشة عبدالهادى عبدالغني، وحسين قاسم على مجاور، وإبراهيم أبوالعيون أحمد كامل، وأحمد حمادة أحمد شيحة، وحسن التونسي، وإبراهيم فرحات، ورجب هلال بدوى حميدة وشهرته رجب حميدة، وطلعت أحمد بدوى القواس وشهرته طلعت القواس، وإيهاب أحمد سيد بدوى وشهرته إيهاب العمدة، وعلى رضوان أحمد محمد، وسعيد سيد على عبدالخالق، ومحمد محمد عودة عابد، وحسام الدين على مصطفى حنفي، وهانى عبدالرءوف إبراهيم.

?وغيابيًا ببراءة كل من: مرتضى أحمد محمد منصور، وأحمد مرتضى أحمد محمد منصور، وأحمد وحيد صلاح جمعة إبراهيم، ورفض الدعاوى المدنية وإلزام رافعيها مصاريفها ومبلغ مائتى جنيه ومبلغ أتعاب المحاماة.

?وقالت المحكمة فى أسباب حكمها: «إن المحكمة لم تطمئن لأقوال الشهود فى الدعوي، حيث جاءت جميعها سماعية ووليدة أحقاد بين المتهمين والشهود نتيجة خلافات حزبية وبسبب الانتخابات البرلمانية». وأضافت المحكمة أن بعض الشهود كانوا من المسجلين خطر وفقًا لصحيفة الحالة الجنائية الخاصة بهم.

?وأشارت المحكمة إلى أن الدعوى خلت من أى شاهد رؤية واحد تطمئن إليه، وأكدت المحكمة أنها اطمأنت لشهادة اللواء الرويني، الذى قال إنه لم يرصد قتلى بالميدان، ولم يتم رصد أسلحة مع المتهمين، الذين ألقى القبض عليهم بالميدان، والذين تمت محاكمتهم عسكريًا فى القضية 118 لسنة 2011 عسكرية شرق القاهرة، وأن المحكمة اطلعت على أوراق الدعوى ومستنداتها وحققتها بنفسها، وتبين لها أن جميع الأدلة غير كافية لإدانة المتهمين، وأنه على الرغم مما أثير حولها من طلبات الرد من قبل بعض المتهمين إلا أن ذلك لم يمنعها من إعمال العدالة امتثالا لقول االله تعالي:{يجًرٌمنكمً شنآن قوًمُ علي" ألا تعًدٌلوا \عًدٌلوا هو أقًرب لٌلتقًوي"} [المائدة:8].


> ردود فعل غاضبة:


وقد صدرت ردود فعل غاضبة على هذا الحكم الذى جاء مخالفًا للحقيقة، صادمًا للجماهير التى كانت تنتظر القصاص من هذه العصابة التى قتلت وأصابت عشرات المصريين.. وقد خرج الآلاف للاحتجاج على الحكم فى مظاهرات فى ميدان التحرير وفى باقى المحافظات مطالبين بإقالة النائب العام، وفى يوم الجمعة (12 من أكتوبر 2012) اعتصم آلاف من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين أمام مكتب النائب العام اعتراضًا على هذه الأحكام المضحكة المبكية التى لا تخلو من توجيه سياسى لتبرئة النظام السابق وتبييض وجهه الكالح على حساب حقوق ذوى الشهداء الذين قُتلوا غدرًا وغيلة.. وقد استجاب رئيس الجمهورية، د.محمد مرسي، لنداءات واستغاثات المواطنين فحاول إقالة النائب العام، إلا أن بقايا النظام الفاسد، فى القضاء والإعلام، اعتبروا ذلك اعتداءً على السلطات وخروجًا على مقتضى الوظيفة، وإهدارًا لاستقلال القضاء ومفهوم الحريات، فكان التراجع من قِبل الرئاسة، وهو ما زاد الاحتقان الشعبى ضد مؤسسة القضاء وعلى رأسها النائب العام.

?ومن الأمور المضحكة المبكية فى هذه القضية أيضًا ما قيل من قِبل هيئة الدفاع عن المتهمين، من أجل تمييع القضية وإلصاق التهم لغير المتهمين، بأن الدكتور محمد البلتاجى وجماعة الإخوان المسلمين وحركة حماس وحزب االله هم من قتلوا الثوار واختلقوا موقعة الجمل.. وقد استنكر الشعب كله هذا الاتهام الذى يدل على إجرام ووضاعة من أطلقوه، وتوالت البيانات والشهادات، من شخصيات ورموز عامة حضروا الواقعة، تصف هؤلاء بالبهتان والإفك وتنسب الفضل للإخوان فى أنهم هم الذين حموا الميدان من السقوط وقدموا أرواحهم فداءً للثورة.

?وقد كتب الزميل محمد البديوى -وكان مشاركًا فى تلك الواقعة- مستنكرًا أحكام البراءة التى أصدرتها المحكمة، يقول:« قدِم الميدان ليلا (5) آلاف من الإخوان لنصرتنا.. استشهد منا (5) شباب وقبضنا على مجموعة من المعتدين، المفارقة أننا رفضنا أن يعتدى أحد عليهم، وقلنا «سلمية سلمية»، شباب الإخوان يتزايدون، هديرهم يتزايد، نشاطهم وإقدامهم، بعد صلاة العشاء قدم علينا نحو (5) آلاف منهم فى مسيرة حاشدة، بعد أن كنا على شفا حفرة.. اليأس يدب فى أجسادنا، فأيقنا أن االله معنا.. ألسنا الحق وهم الباطل؟! على ناصية شارع شامبليون كان يعتلى هذه العمارات شباب الباطل، يلقون بكرات النار علينا، والقنابل المسيلة للدموع التى لم تتستر دولة كاملة فى إخفاء مصدرها، ومن منحها لهم، لكن االله كان معنا.. كنا نضع الحواجز ونتقدم شبرًا فشبرًا، ورفاقنا يتساقطون جرحي.. إخوان، وسلفيون، وليبراليون، ومسيحيون، كنا الكل فى واحد، والواحد فى كل.

?سقط منا (9) أو (8) شهداء، وأصيب المئات، لكننا فى المقابل ألقينا القبض على أكثر من مائة منهم.. يعترفون لنا.. هذا عضو الحزب الوطني، وهذا جنده فلان الفلاني، وهذا الشخص مسجل خطر، كان الخطأ الأكبر فى تاريخ الثورة أننا كنا نسلم هؤلاء المعتدين إلى «الجيش» الذى نردد أنه انحاز إلى الثورة، حسبى االله ونعم الوكيل.. الآن صار رفاقنا فى الكفاح السلمي، الإخوان المسلمون، هم من دبروا الواقعة، حسبى االله ونعم الوكيل فيمن أفرج عن هؤلاء البلطجية، وأطلق سهام حقده باتجاهنا، لو عاد الزمن بنا.. هل سنقتل هؤلاء البلطجية، أم نسلمهم للجيش»(23).


جمعة  الرحيل.. والإصرار على خلع النظام


فى هذا اليوم (الجمعة 4 من فبراير 2011) خرج ما يزيد على سبعة ملايين مصرى ومصرية، فى ميادين وشوارع القاهرة والمحافظات، مطالبين برحيل النظام، مصرين على البقاء فى الميادين حتى يعلن مبارك تنحيه عن السلطة ويذهب غير مأسوف عليه، وقد أطلق على الجمعة (الرحيل) تيمنًا برحيل الفاسد عقب هذا الاجتماع الشعبى الكبير الذى جاء ردًا على ما وقع فى حادثة الجمل، ويقين الشعب أن هذا النظام مستهتر ومستبد ومخادع.

?وفى تأكيد واضح على كذب الادعاءات التى أطلقها أحمد شفيق رئيس الوزراء الجديد والتابع للنظام الفاسد، بتأمين المظاهرات وعدم التعرض للمتظاهرين، قام بلطجية وميليشيات الداخلية بغلق منافذ القاهرة لمنع تدفق الآلاف إليها، بل إطلاق النار على تلك الحشود الزاحفة إلى ميدان التحرير، وقاد على مصيلحى وزير التضامن الاجتماعى عددًا ضخمًا من البلطجية لمنع متظاهرى الشرقية من الوصول إلى الميدان.. فى ظل هذه التجاوزات وغيرها اندفعت الجماهير، فى جميع المحافظات، تطالب -هذه المرة- بإجراء محاكمة علنية وعاجلة للنظام وللمسئولين عن مذبحة التحرير فيما عُرف بـ(موقعة الجمل).


> حيل جديدة لتضييع الوقت:


وفى الوقت الذى كانت فيه ميليشيات النظام تطلق النار على المتظاهرين، كان أعضاء الحزب الوطنى والمؤسسة العسكرية يرغبون الشعب فى هذا النظام المجرم؛ ففى هذا اليوم قام المشير محمد حسين طنطاوى بزيارة لميدان التحرير؛ فى محاولة منه لإقناع المتظاهرين بالرحيل، إلا أنه قوبل باستهجان ورفض شديدين، ما جعله ينسحب مسرعًا خوفًا من اعتداء المتظاهرين عليه، فلم تستغرق زيارته تلك سوى ثلاث دقائق.. أما ميدانيًا فقد انتشرت أعداد كبيرة تابعة للنظام -بشكل منظم تنظيمًا دقيقًا- بين المعتصمين تفتح معهم الحوارات وتحاول إثناءهم أو إحباطهم، إلا أن الإخوان كانوا أسرع فى الرد؛ إذ شكلت لجان لهذا الغرض، كانت تتولى توعية الثوار لهذا المخطط وعدم الاستجابة لهؤلاء العملاء الذين تم طردهم عن طريق الثوار، كما تم القبض على بعضهم ممن تجاوزوا فى حق الميدان وثبت انتماؤهم لمختلف الأجهزة الأمنية التابعة للنظام.

?ولجأ النظام إلى حيلة أخرى جديدة؛ لتضييع الوقت وتثبيط همم الثوار، بادعائه رغبته فى إجراء حوار وطني، والتفاوض مع الإخوان كبرى الفصائل السياسية.. هذا فى الوقت الذى كانت ميليشياته تمارس العنف ضد المحتجين وتحاول إفساد مظاهراتهم ووقفاتهم، فى محاولة للسيطرة على الثورة، فما بقيت مدينة من مدن المحافظات ظهرت فيها الاحتجاجات إلا وقامت تلك الميليشيات التى تحمل الأسلحة والمولوتوف بمحاولة فضها بالقوة، والاعتداء على ممتلكات وحرمات من قاموا بها، فضلا عن المظاهرات المأجورة التى نظمها أعضاء الحزب الفاسد ونواب مجلسه المزور، والتى ترفع الصور والشعارات التى تؤيد بقاء مبارك فى السلطة،ووقف المظاهرات والاحتجاجات المعادية له.. بل استغل النظام المساجد فى محاولة لإثناء الناس عن مطالبهم برحيل مبارك، بتجنيد الدعاة التابعين لأمن الدولة -وكانت أعدادهم تفوق الحصر- ببث اليأس فى صفوف المواطنين، والإفتاء -زورًا- بحرمة الخروج على الحاكم ولو كان على شاكلة حسنى مبارك.. إلا أن كل هذه المحاولات ذهبت سدي؛ لافتقادها الصدق والإخلاص، ولأن االله أراد أن تذهب هذه العصابة إلى السجن لا أن تظل حاكمة مستبدة تذيق شعبها الويلات.


> النظام يبدأ فى الانهيار:


جن جنون النظام بعد هذا اليوم (جمعة الرحيل)، إذ -رغم ترتيباته واستعداداته- لم يكن أصغر ولا أحقر ولا أغيظ منه فى هذا اليوم، وقد نجحت تلك الجمعة نجاحًا مبهرًا، ما جعل الثوار يعلنون عن (أسبوع الصمود) الذى كان -بحق- أسبوعًا حاشدًا وفارقًا فى أيام الثورة، فما أتت الجمعة التالية إلا وكان مبارك قد أعلن تخليه عن السلطة.

?وفى أعقاب هذه الجمعة بدأ النظام فى تقديم تنازلات جديدة، فأعلن عن إقالة جمال مبارك من رئاسة لجنة السياسات بالحزب الوطني، وإقالة زكريا عزمي، رئيس ديوان رئاسة الجمهورية والعقل المدبر لمبارك، وتم تعيين د.حسام بدراوى رئيسًا للحزب.. وبدا للعيان أن النظام بدأ فى الانهيار الحقيقي، فبدأ بعض وسائل الإعلام التابعة له -بمبادرة فردية من مسئوليها- فى الانحياز للثورة، وبدأ إعلاميون بأعداد كبيرة يقومون بمحاولات فرز وتطهير للمؤسسات الصحفية، كما حدث فى روز اليوسف حيث مُنع رئيس مجلس إدارتها ورئيس تحريرها من دخول مبناها، وكما حدث مع نقيب الصحفيين مكرم محمد أحمد الذى مُنع من دخول مبنى النقابة.

?ومن ثم بدأ النظام الحديث عن حوار مع الثوار، وباقى القوى السياسية، وعن رغبته فى الوفاء بما يرفعونه من مطالب، وتم الإلحاح فى ذلك بعد الدعوة لمليونيات متواصلة أيام: الأحد (6 من فبراير)، الثلاثاء (8 من فبراير)، الخميس (10 من فبراير)، الجمعة (11 من فبراير)، وقد كانت تلك المليونيات تمثل رعبًا للنظام، بعدما انضم الشعب إلى صفوفها وصارت أعدادها تفوق جميع تقديراته.


> الإخوان: الحوار بشروط الثوار:


لم يرفض الإخوان الحوار ولم يقبلوه فى الوقت ذاته، وأصدرت الجماعة بيانين فى يومين متتاليين لتوضيح رأيها فى هذا الشأن، البيان الأول يوم الجمعة (4 من فبراير)، والبيان الثانى يوم السبت (5 من فبراير)، أكد الإخوان فى البيانين أنهم يقبلون الحوار إذا كان جادًا منتجًا مخلصًا يبتغى المصلحة العليا للوطن، شريطة أن يتم فى مناخ يحقق إرادة الجماهير ومطالبها، وأن يكون متكافئًا بهدف التوافق حول طريقة الخروج من الأزمة العنيفة التى أوصلنا إليها النظام، على أن يبدأ النظام فى الاستجابة لمطالب الجماهير(33).

?كما لم يتخل الإخوان -رغم قبولهم التحاور من حيث المبدأ- عن: تنحى مبارك، محاكمة المسئولين عن إراقة الدماء فى المظاهرات، وغيرها من المطالب الجوهرية التى أكدوها فى بيان يوم السبت 5 من فبراير والذى جاء فيه: «إن الإخوان المسلمين انطلاقًا من حرصهم على تحقيق مصالح الشعب كاملة، وحرصهم على وحدة القوى الوطنية كلها، واعترافًا منهم بالدور العظيم الذى قام به شباب الأمة وتضحياته الجليلة فى تفجير واستمرار الثورة المباركة، ورغبةً منهم فى الحفاظ على مصالح الأمة ومؤسساتها ومرافقها، وحرصًا منهم على استقلال وطننا ورفضهم أى تدخل دولى أو إقليمى فى شئونه الداخلية؛ فقد قررنا الدخول فى جولة حوار، نتعرف فيها على جدية المسئولين إزاء مطالب الشعب، ومدى استعدادهم للاستجابة لها، وهذا ما يتسق مع مبدئنا فى الحوار الجاد المخلص البناء. 

?ولهذا فنحن نلتزم بأن يكون هذا الحوار شاملا يستوعب كل القوى الوطنية والجماعات السياسية والأحزاب، وعلى رأسهم وفى مقدمتهم ممثلون حقيقيون للشباب، صاحب الفضل فى هذه الثورة؛ حتى نُسمع صوتنا وصوت الأمة للمسئولين، ونحدد لهم مطالبنا المشروعة العادلة. ونحن نرى أن هذا الحوار لا بد أن يتم فى مناخ مختلف عن المناخ الذى نعيش فيه ويشعر به الجميع، وذلك يقتضي: تأكيد احترام الحريات العامة، التنفيذ الفورى لأحكام القضاء المعطلة بواسطة السلطة، وقف الحملات الإعلامية الحكومية التى ترمى لتشويه ثورة الشعب، إتاحة فرص متكافئة فى جميع وسائل الإعلام القومية، الإفراج الفورى عن المسجونين السياسيين والمعتقلين، ولا سيما الذين اعتُقلوا فى أحداث المظاهرات الأخيرة.

?كما يؤكد الإخوان المسلمون إصرارهم على التمسك بمطالب الشعب، التى أعلنها الملايين فى مظاهراتهم العديدة المستمرة فى مصر والعالم أجمع، وعلى رأسها: تنحى رئيس الدولة،ومحاكمة المسئولين عن إراقة الدماء فى المظاهرات السلمية، وحل المجالس النيابية المزورة، الإلغاء الفورى لحالة الطوارئ، تشكيل حكومة وطنية انتقالية تتولى السلطة التنفيذية؛ حتى تتم الانتخابات النيابية بطريقة نزيهة حرة تحت إشراف قضائى كامل، وضرورة الفصل التام بين السلطات، وإطلاق حرية: تشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات،  إصدار الصحف والمجلات، وضمان حرية الإعلام. 

?كما يؤكد الإخوان المسلمون ضرورة تأمين المتظاهرين وكفالة حريتهم فى التظاهر السلمي؛ حتى تتحقق مطالبهم المشروعة.  والإخوان المسلمون إذ يشاركون كل القوى السياسية والوطنية والشبابية فى هذا الحوار؛ ليأملون أن يسمع المحاورون لهم نداءهم، وأن يتفهموا مطالبهم، ويضعون المسئولين أمام واجبهم لتنفيذ تلك المطالب التى أجمعت عليها الأمة؛ حفاظًا على مصلحة مصر والمصريين جميعًا.  حفظ االله مصر من كل سوء، وبلغها آمالها، وحفظ أهلها وشبابها، ورفع فى العالم قدرها.. {قلٌ \عًملوا فسيرى پله عملكمً رسوله الًمؤًمٌنون ستردون إلي" عالٌمٌ پًغيًبٌ الشهادةٌ فينبٌئكم بٌما كنتمً تعًملون} [التوبة: 105]». أ.هـ.

?وفى صباح يوم الأحد (6 من فبراير) شارك  الدكتور محمد مرسى والدكتور محمد سعد الكتاتنى (عضوا مكتب الإرشاد) فى أولى الجلسات الخاصة بهذا الحوار الذى دعا إليه عمر سليمان نائب الرئيس، وذلك فى مقر مجلس الوزراء. وكان الإخوان قد تلقوا الدعوة أولا من المشير حسين طنطاوي، ثم من مكتب عمر سليمان.

?وقد عقد الأخوان -مرسى والكتاتني- مؤتمرًا صحفيًا مساء هذا اليوم، بمقر الكتلة البرلمانية للإخوان بجسر السويس لتوضيح ما تم فى هذه الجلسة، أكدا خلاله أن انسحاب الجماعة من الحوار قائم إذا اكتشفوا عدم جديته، وأن استمرارهم فيه مرتبط بتنفيذ ما تنادى به ثورة 52 يناير، وقد بدأ الإخوان مؤتمرهم بالوقوف دقيقة حدادًا على أرواح شهداء الثورة. واعتبر د.محمد مرسى أن الموجودين فى ميدان التحرير هم الجمعية العمومية للشعب، وهى لاتزال منعقدة، وأن الجميع لا بد أن ينزل على مطالبها، مشيرًا إلى أن الشرعية الشعبية فوق الدستور وفوق النظام ورغباته. وأكد أن الإخوان موجودون فى الحوار لتحقيق مطالب الثورة.

?وعن سبب دخول الإخوان فى هذا الحوار، أشار الكتاتنى إلى «أننا أمام شرعية جديدة ومرحلة جديدة تحتاج لتضافر جهود الجميع، وأنه لا يمكن للإخوان بما تملكه من إمكانات شعبية أن تترك حدوث مثل هذا الأمر دون المشاركة فيه، خاصة أن مشاركة الإخوان ضمانة حقيقية لتحقيق مطالب الجماهير وثورتهم المباركة».

?وحول مطالب الإخوان فى الحوار قال د.عصام العريان -الذى قدم المؤتمر-: «لم نطالب فى الحوار بمطالب خاصة بنا، إنما طالبنا بمطالب الشعب فى الحرية والكرامة والديمقراطية»، ونفى العريان ما أذاعته إحدى القنوات بأن الإخوان وافقوا على استمرار مبارك فى الحكم حتى سبتمبر المقبل، مؤكدًا أن الإخوان مع مطالب الشعب وعلى رأسها تنحى مبارك.

?كما أصدرت الجماعة بيانًا آخر (يوم الأحد 6 من فبراير) عقب جلسة الحوار الأولي، أكدت فيه ما جاء على لسان الأخوين اللذين شاركا فى الحوار -مرسى والكتاتني- وذلك بعد حالة من اللغط حول أجندات ومصالح خاصة للجماعة على حساب الثورة، جاء فيه: «إلحاقًا بالبيان الذى أصدرناه بالأمس وشرحنا فيه موقفنا من الحوار من حيث المبدأ والمناخ والشكل والموضوع، وبعد أن تمت جولة الحوار الأولي، فإنه التزامًا منا بحق الشعب والرأى العام المصرى صاحب السيادة فى تقرير مصيره ومستقبله نعرض وبمنتهى الصدق والشفافية موقفنا، وما تم فى هذه الجولة، ونؤكد:

?- أننا جزء من شعب مصر العظيم، لا يمكن أن ننفصل عنه ولا نتأخر فى تحمل مسئوليتنا، أو واجبنا فى مشاركته فى السراء والضراء والتضحية والفداء.

?- أننا لم نغير موقفنا من التمسك بالمطالبة بجميع مطالب الشعب الذى نحن جزء من نسيجه.

?- أننا قبلنا الدخول فى جولة الحوار رغبة فى توصيل هذه المطالب مباشرة للمسئولين الجدد حتى نختبر جديتهم فى الاستجابة لها، وحتى نجنب شعبنا وبلدنا مزيدًا من الخسائر نتيجة تصلب النظام وعناده.

?- أن دخولنا هذا الحوار إنما هو لمصلحة الثورة ولمصلحة الشعب والوطن، ونحن مع استمرارها حتى نراقب ونتأكد من تحقيق مطالبها.

?- أننا حريصون على وحدة القوى الوطنية والسياسية والشعبية والشبابية، ولذلك اشترطنا أن يتم هذا الحوار جماعيا بحيث تمثل فيه كل أطياف الوطن وقواه، وعلى رأسهم الشباب صاحب الفضل فى هذه الثورة المباركة.

?- أننا شاركنا حتى يسمع المسئولون رأى الشعب ومطالبه الموحدة والمجمع عليها، وإذا كانت بعض هذه القوى قد غابت هذه المرة عن الحوار فلا بد من تدارك ذلك فى المستقبل.

?- أننا طلبنا أن يتم تغيير المناخ الذى يتم فيه الحوار عن المناخ الحالى لبعث قدر من الثقة المفقودة بين الشعب والنظام؛ ولذلك طلبنا تنفيذًا فوريا لكثير من الإصلاحات التى لا تحتاج لإجراءات دستورية وقانونية لطمأنة الشعب ولإثبات الجدية وحسن النية فى الاستجابة لباقى المطالب.

?- أننا ليس لنا أجندة خاصة ولا نريد ركوب الموجة كما يدعى المبطلون، ولقد كررنا كثيرًا أننا لسنا طلاب سلطة ولا متطلعين إلى منصب ولا جاه، وكذلك فلن نرشح أحدًا منا لرئاسة الدولة.

?- أن من أهم النقاط التى تم الاتفاق عليها فى هذا الحوار:

?- الإقرار بأن حركة الشعب التى بدأت فى 25 يناير الماضى حركة وطنية وشريفة.

?- ضرورة الحفاظ على سلامة المتظاهرين والإقرار بحقهم الكامل فى التظاهر السلمى فى أى وقت لمراقبة تنفيذ مطالبهم والتعبير عن رأيهم.

?- إنهاء حالة الطوارئ بمجرد تحسن الظرف الأمنى وقبل إجراء أى انتخابات مقبلة.

?- تعديل المواد (76)، (77)، (88) وما يلزم من تعديلات دستورية أخرى تتطلبها عملية الانتقال السلمى للسلطة.

?- تشكيل لجنة تضم أعضاء من السلطة القضائية وبعض الشخصيات السياسية، تتولى دراسة واقتراح التعديلات الدستورية، وما تتطلبه من تعديلات تشريعية لبعض القوانين المكملة للدستور فى ميعاد ينتهى فى الأسبوع الأول من مارس.

?- ملاحقة الفاسدين والتحقيق مع المتسببين فى الانفلات الأمني، والآمرين والمنفذين لإطلاق النار على الشباب ومحاكمتهم فورًا.

?- تحرير وسائل الإعلام والاتصالات، وعدم فرض أى قيود على أنشطتها تتجاوز أحكام القانون، ومن ثم وقف الحملات الإعلامية الموجهة لتشويه ثورة الشعب.

?- تشكيل لجنة وطنية للمتابعة تضم شخصيات عامة ومستقلة وممثلين عن الحركات الشعبية، تتولى متابعة التنفيذ الأمين لما تم التوافق عليه.

?هذا وقد حدث خلاف فى الرأى حول بقية المطالب التى يطالب بها الشعب، ونحن نتمسك بمطالب الشعب، فالكلمة النهائية للجماهير.

?إننا دخلنا هذا الحوار من مركز متكافئ مع الطرف الآخر، ووفق إرادة حرة واستجابة النظام للمطالب الشعبية هى التى ستحدد إلى متى سيستمر الحوار، كل ذلك والتظاهر السلمى المليونى مستمر لتحقيق مطالب الشعب {يا أيها پذٌين آمنوا \صًبٌروا صابٌروا رابٌطوا اتقوا پله لعلكمً تفًلٌحون} [آل عمران: 200]».أ.هـ.


> الجماعة تنسحب من الحوار.. ومؤامرات جديدة لفض الثورة:


وكما توقع الجميع، فقد انهار الحوار سريعًا، وانسحب الإخوان منه كما وعدوا قبل الدخول فيه، ففى اللحظات التى انعقد فيها الحوار كان النظام -من جهة ثانية- يختطف الإخوان ويعذبهم، وقد دخل الجيش على الخط فكانت الشرطة العسكرية هى التى تقوم بهذا الدور، فضلا عما قامت به أجهزة الإعلام الحكومية من شن حملة تشويه على الجماعة، واتهامها بتعطيل الأعمال والمؤسسات وقطع الأرزاق، وأنها سبب الثورة على النظام والانفلات الأمنى فى سائر مناطق الجمهورية.

?وكانت هناك محاولات لشق صف الثورة وفض اجتماع التحرير، حتى بدأ النظام -لغبائه المعهود- فى محاولات لقتل قادة الميدان، فقد بدأت محاولات لسم المعتصمين يوم السبت (5 من فبراير) باستخدام زجاجات المياه المعدنية(34)، ولوحظ انتشار كثيف لعناصر من المخابرات العامة ومباحث أمن الدولة بين المعتصمين يرتدون الزى التقليدى للجيش ويحاولون سحب بعض القادة خارج الميدان، أو افتعال معارك معهم فى الداخل تكون نتائجها: قتل بعضهم، إفساد علاقة الشعب بالجيش، وقد نبه الجيش الثوار لهذه الحيل وقامت عناصره بتغيير زيها، وأمرت الثوار بالقبض على كل من يرتدى الزى القديم.

?كما ضبط الثوار بعض البلطجية ومعهم صور كل من: د.محمد البلتاجي، د.صفوت حجازي، د.أحمد دراج وغيرهم من المعروفين فى الميدان، وضبطت معهم أسلحة بيضاء، وقد اعترفوا بأن شخصيات فى الحزب الوطنى هى التى أمرتهم بقتل أصحاب هذه الصور- الذين لا يعرفونهم من قبل- ودفعت لهم أجر ذلك.

?كما قبض متظاهرو التحرير -وقت عقد جلسة الحوار الأولي- على العشرات من أفراد الشرطة المندسين وسطهم لرصد حركتهم وإبلاغها إلى ميليشيات الداخلية والبلطجية فى الخارج. وأثبت النظام أيضًا أنه معاد للحوار ضائق بالنقد وبحرية التعبير -رغم المأزق الذى يحاصره من جميع الجوانب- فكانت هناك حملة إعلامية ضالة مضلة، ليست ضد الإخوان فقط، بل ضد الشعب كله، بالتشكيك فى الثورة واتهام الثوار بالعمالة، وقد تصاعدت موجة الاعتقالات والقمع ضد الصحفيين الشرفاء طالت مدير مكتب قناة الجزيرة بالقاهرة عبدالفتاح فايد، وكانت هذه القناة قد أشعلت حماس المصريين بنقلها وقائع الثورة الحقيقية، فاضحة بذلك وزير الإعلام أنس الفقى الذى قام بدور إجرامى فى تغطية أحداث الثورة، قائم على الكذب والتضليل.

?كان عمر سليمان يجتمع بالقوى السياسية، يعدهم ويمنيهم، ويتعهد بإصلاح ما فسد وبحماية الثوار وتلبية مطالبهم، فى الوقت الذى كانت الأجهزة الأمنية تُعِد خططها للهجوم على ميادين الثورة فى القاهرة والمحافظات، وتجند البلطجية وعساكر الأمن المركزى الأميين لقتل الثوار بادعاء خيانتهم للوطن وإرهابهم وخطرهم على أسرهم وعائلاتهم.. وفى الوقت الذى كانت وسائل الإعلام الحكومية تطنطن بهذا الحوار وأهميته للخروج من الأزمة وضرورته للتوافق الوطنى كانت الأجهزة التابعة للحكومة تحشد عمال القطاع العام والحكومة للمشاركة الجبرية فى مظاهرات -سوف تخرج فيما بعد- تأييد للرئيس مبارك، ومنْ يرفض من هؤلاء العمال يتم تهديده بالفصل إن كان معينًا وإن لم يكن قد حصل على تعيين وعقد ثابت يتم إغراؤه بالتعيين والتثبيت، وكان هؤلاء العمال والموظفون تجرى لهم عمليات غسيل مخ لمعاداة الثورة والثوار داخل مديريات الأمن التابعين لها.

?كان الحوار إذًا وهميًا، غرضه استيلاء النظام على ميدان التحرير بعد فض اعتصام الثوار، وكانت التنازلات التى قدمها النظام هى الأخرى وهمية، وكان هدفها هو هدف الحوار نفسه، وقد قام الجيش بالدور نفسه عندما قام قائد المنطقة المركزية العسكرية بزيارة المتظاهرين فى ميدان التحرير يوم السبت (5 من فبراير) وطلب منهم -بشكل واضح- فض المظاهرة، وكانت هناك محاولات منذ صباح هذا اليوم يقوم بها عدد من قيادات الجيش لكى يرحل المتظاهرون عن الميدان، الذين أكدوا أنهم لا تعنيهم حوارات ولا استقالات؛ لأنهم -على حد قولهم- يطالبون برحيل النظام كله، ولن يفضوا اعتصامهم إلا إذا رحل مبارك.

?وكان عمر سليمان يفاوض قادة الحركات السياسية والحزبية، فى حين يسخر أحمد شفيق من الثوار ومن أعدادهم، وفى حين ينتشر البلطجية بأعداد كبيرة فى الميادين العامة فى عواصم المحافظات لإرهاب الأهالى لعدم الخروج فى مظاهرات تطالب مبارك بالرحيل، كل هذا تحت رعاية رجال الشرطة وبترتيب من رجال الحزب الوطني.


> بيان للتوضيح وتحديد المواقف:


ومع كل هذه التناقضات رفض الإخوان -ومعهم جموع الشعب- استكمال الحوار، ليس لعدم جديته فقط، بل لغرضه الخبيث فى محاولة إجهاض الثورة.. وقد أصدر الإخوان يوم الإثنين (7 من فبراير) -فى اليوم الرابع عشر من الثورة- بيانًا أوضحوا فيه موقفهم من هذا الحوار، جاء فيه:

?« إن الإخوان المسلمين رغبةً منهم فى مزيد من التوضيح وتحديد المواقف ودرء الشبهات يقررون:

?1- إن هذه الثورة الشعبية أسقطت النظام ومن ثم لا بد أن يرحل، ويتمثل ذلك فى ضرورة تنحى رئيس الجمهورية، وهو المطلب الأول والأكبر الذى تنادى به الجماهير، ولا يُقبل مطلقًا أن تتم التضحية بمصلحة الشعب بل حياة المئات من أبنائه والوطن واستقراره من أجل فرد. وإذا كانت هناك معضلات دستورية وضعها ترزية الدساتير والقوانين فعلى فقهاء القانون الدستورى إيجاد حل لها ومخرج منها، وإذا كانت هناك تعلة واهية بضرورة الحفاظ على كرامة الرجل، فأين كرامة الشعب التى ديست طيلة ثلاثين عامًا قتلا وتعذيبًا وقهرًا وإرهابًا وإفقارًا وإذلالا؟

?2- إننا حين دخلنا جولة الحوار فإنما أردنا أن نحمل إلى المسئولين هذا المطلب وغيره من المطالب الشعبية العادلة المشروعة، مع الاستمرار فى الثورة وحق الشعب فى التظاهر السلمى دون تعرض لهم حتى تتحقق هذه المطالب، وإننا نعيد تقييم الموقف من جميع جوانبه باستمرار، لتحديد موقفنا من هذا الحوار.

?3- إن البيان الذى أصدره النظام لم نتوافق عليه ولم نوقع عليه، وإن معظم المشاركين فى هذا الحوار كان سقف مطالبهم هو سقف المطالب الشعبية العادلة، ولكن- للأسف- لم يتضمنها البيان الرسمي.

?4- إننا نرى أن ما تضمنه البيان هو عبارة عن مجموعة من الإصلاحات الجزئية لا ترقى أبدًا لمستوى تطلعات الشعب، وحتى هذه الإصلاحات لم يتحقق معظمها على أرض الواقع، ونحن نتابع تطبيق الباقي، ولكن الأهم عندنا وعند الشعب هو تنحى رئيس الجمهورية الذى من شأنه أن يزيل الاحتقان ويمتص الغضب.

?5- إن للشعب ونحن معه مطالب أخرى أكثر أهمية مما ورد فى البيان الرسمى سبق أن ذكرناها فى بياناتنا السابقة نتمسك بها، ونصر على تحقيقها.

?6- إن مما يؤسف له ويطعن فى مصداقية المسئولين ويشكك فى جديتهم فى الإصلاح استمرار اعتقال أعداد من أفراد الشعب المصري، ومنهم عدد كبير من الإخوان بواسطة البلطجية ورجال الأمن، ثم تسليمهم إلى الشرطة العسكرية التى تسومهم سوء العذاب وتهينهم أشد الإهانة، كما كانت تفعل مباحث أمن الدولة، ونحن نربأ بالمؤسسة العسكرية التى نحبها ونحترمها أن تتورط فى هذه الأعمال السيئة. كما أن الحملة الإعلامية الرهيبة التى تشنها أجهزة الإعلام الحكومية على جماعة الإخوان المسلمين التى تتهمهم بأنهم وراء هذه الثورة، وأنهم السبب فى تعطيل الأعمال والمؤسسات وقطع الأرزاق، هى ادعاء باطل، فالثورة فجرها الشباب واستجاب لهم الشعب ونحن جزء منه، وهذه الجماهير الحاشدة لا يستطيع أحد أن يثنيها عن مطالبها، أما تعطيل الأعمال والمؤسسات وقطع الأرزاق؛ فالنظام هو السبب فيه بتصلبه وعناده فى رفض مطالب الشعب وعلى رأسها تنحية الرئيس.

?إن هذين الأمرين: الاعتقال والتعذيب والحملات الإعلامية الباطلة يلقيان بظلال داكنة على قضية الحوار، فليتحمل العقلاء مسئوليتهم وليستجيبوا لصوت الأمة الذى هو من صوت االله، وجماعة الإخوان المسلمين طيلة تاريخها صادقة فى قولها ثابتة فى مواقفها، تحمل الحق وتصدع به فى وجه كل ظالم، ويسعى أفرادها يحملون الخير لأوطانهم ومواطنيهم، ويدافعون عن حقوق الشعب وحريته وكرامته، وضحوا ويضحون فى سبيل ذلك بكل غال ونفيس ابتغاء مرضاة االله، ويرقبون كل الموقف بدقة ويتخذون حيال كل حادث رد الفعل المناسب له، وهم على يقين أن االله عز وجل يدافع عن الذين آمنوا {الله غالٌبِ علي" أمًرٌهٌ لكٌن أكًثر پناسٌ لا يعًلمون} [يوسف: 21]».أ.هـ.



عصيان مدنى بدون ترتيب


كان واضحًا أن الطغيان متجذر فى أركان النظام، وأن مبارك نفسه قد اعتقد أن له ملك مصر وأن أهلها عبيد عنده، ليس عليهم سوى السمع والطاعة، والخنوع والخضوع، ولو أساء إليهم، ولو حملهم ما لا يطيقون، ولو قتلهم تقتيلا.

?أغلق النظام حواسه جميعًا أمام هتافات الجماهير بأعدادهم المليونية فى جميع شوارع مصر، وتناسى أن هناك ثورة هى سيدة الموقف وحاكمة البلاد، وأن السلطات جميعًا صارت فى أيدى الثوار، تناسى كل هذا واستمر فى طريق الغباء، بمحاولاته نشر الفوضى وإيجاد فراغ أمنى فى أماكن حساسة من البلاد، وترهيب المواطنين وتفزيعهم عن طريق قواه الأمنية التى باع بعض قادتها آخرتهم بدنيا هذا الحاكم الطاغية.

?لم يكن أمام الجماهير على مستوى القطر كله سوى الالتحام بالثوار، وإيجاد حالة من العصيان المدنى العفوي، فى طول البلاد وعرضها.. استمر هذا العصيان فى التحرير وفى شتى المحافظات منذ يوم الثلاثاء (8 من فبراير) حتى رحيل الفاسد يوم الجمعة (11 من فبراير)، وكانت مليونية يوم الثلاثاء بميدان التحرير -فى رأى الكثيرين- هى التى حسمت الأمور وكتبت النهاية لهذا النظام؛ إذ امتلأ الميدان عن آخره، ثم فاض إلى الشوارع المحيطة به حتى لا تجد مكانًا لقدم، وبالمثل كانت عواصم المحافظات، حتى قدرت أعداد من خرجوا فى هذا اليوم بما يزيد على 18 مليون مصري.

?تحدى الجميع النظام المتبلد، وخرجت الملايين غير عابئة بالحالة الجوية وهطول الأمطار بكثافة، بل هيأ الثوار أنفسهم للبقاء فى الميادين لشهور مقبلة، فأعدوا لذلك العدة، وصارت الميادين -ومنها ميدان التحرير- رمزًا لمصر الكبيرة التى يملكها المصريون(53) دون هذا الرجل العاق المدعو حسنى مبارك، الذى توحدت الشعارات على إسقاطه ومحاكمته، حتى فى مسقط رأسه بالمنوفية حيث طاف ملايين الأهالى شوارع وميادين المحافظة منددين بمن قتل أهله ويرفض الرحيل.


> الإصرار على رحيل الطاغية:


هنا أصدر الإخوان بيانًا يتبرءون فيه من هذا النظام الذى يستخف بعقول الناس، ويتحدى مشاعرهم، ويعتبرهم سفهاء لا وعى لهم ولا عقل.. جاء فى البيان:

?« لا يزال النظام -الذى سقطت شرعيته بالمسيرات والمظاهرات المليونية فى القاهرة ومعظم عواصم المحافظات- يتحدى الناس ويعاند إرادتهم، فبدلا من أن يرحل الرئيس ليتهيأ المناخ لانتقال سلمى للسلطة يخرج فى مشهد مستفز فى اجتماع مع بعض معاونيه، ومنهم ذوو الوجوه الكريهة للشعب، ليثبت أن الأمر لا يزال بيده، وأنه يمارس السلطة ويباشر الحكم، الأمر الذى من شأنه أن يدفع المتظاهرين الثائرين إلى تصعيد جديد.

?- ومن مشاهد الاستفزاز أيضًا أن تنشر الصحف الحكومية على لسانه أنه يقدم العزاء لأسر الشهداء فى استخفاف شديد بعقول الناس، إذًا فمن الذى قتلهم؟ أليس مسئولا بشخصه عن كل شهيد وجريح ومعتقل ومعذب ومفقود منهم؟ أليس هو رئيس السلطة التنفيذية التى تأتمر بأمره وتتباهى بتنفيذ توجيهاته؟

?- ثم نسمع أنه شكل لجنة قانونية لاقتراح تعديلات دستورية -  فى الدستور الذى أفسده- ومع احترامنا لأعضاء هذه اللجنة، فإننا نرى أنها لجنة غير شرعية لأنها مكونة بقرار من رئيس فاقد للشرعية.

?- ونحن لا نزال نرى فى القرارات التى يصدرها هذا الرئيس غير الشرعى محاولة مستميتة للالتفاف على إرادة الجماهير، وكسب الوقت للتشبث بالسلطة وإبقاء النظام، وإلا فهل تكفى إقالة بعض مسئولى الحزب الوطني، وهم الذين أفسدوا الحياة السياسية والاقتصادية، وهم الذين زوروا انتخابات المجالس النيابية والمحلية تزويرًا فاضحًا شاهده وشهد به الجميع فى الداخل والخارج ثم خرجوا يتباهون بالنصر، وقد مرغوا سمعة مصر فى الرغام، وقهروا إرادة شعبها الصبور؟ ألا يستحق كل منْ اقترف هذا الجرم المحاكمة والإدانة؟ ثم ألم يقرهم الرئيس على ذلك؟ وهل يكفى تقديم بضعة أشخاص كباش فداء للفاسدين والمفسدين، فأين الآلاف الآخرون؟ ولماذا يتم التستر عليهم؟ إن كل ملفات الفساد لا بد أن تفتح فالشعب هو صاحب السيادة وصاحب السلطة، وصاحب الثروة وصاحب الحق فى العلم والمعرفة.

?- إن الأموال المنهوبة التى ظهر طرف منها تكفى لسداد ديون مصر كلها، وتكفى لإقامة دعائم اقتصاد قوى يكفل للناس عملا لكل عاطل وأجرًا كريمًا لكل عامل وكفالة عزيزة لكل عاجز، وتنهض بالوطن وتحرره من الفقر والمساعدات الأجنبية، وما يتبعها من ذلة وتبعية، ولذلك فالشعب لن يسكت عن حقوقه المنهوبة حتى تعود إليه، ولا عن الناهبين حتى يقتص منهم.

?- إن الإفراج عن المسجونين السياسيين والمعتقلين -وخصوصًا المعتقلين بسبب التظاهرات الأخيرة- محك حقيقى للجدية والمصداقية.

?- ليس من الكرامة أن يبقى الرئيس جاثمًا فوق صدور شعبه رغم طوفان المقت والكراهية الذى يكنه هذا الشعب لهذا الرئيس، لذلك فكل من يزعم حرصه على كرامة الرئيس عليه أن يسعى لرحيله حفاظًا على مصالح الشعب والوطن.

?- أما آن لإعلاميى السلطة أن يثوبوا إلى رشدهم ويوقظوا ضمائرهم وينحازوا إلى أهلهم ويثبتوا ولاءهم لأمتهم ووطنهم ويلتزموا بأمانة الكلمة واستقامة القصد بعيدًا عن توجيهات النظام وإملاءاته؟

?- إن شعبنا قد شب عن الطوق وعادت إليه الروح والوعى ولن تخدعه الإجراءات المحدودة التى يجريها المسئولون، ولن يفقده صبره وإصراره على تحقيق مطالبه مهما كانت التضحيات.

? {الله غالٌبِ علي" أمًرٌهٌ لكٌن أكًثر پناسٌ لا يعًلمون}  [يوسف: 21]» أ.هـ.


الثورة خارج الميدان


كانت الحشود الهائلة فى مليونية الثلاثاء (8 من فبراير) كفيلة بإيقاظ السكارى والغافلين، لكنها لم تُحدث أثرًا فى ذلك النظام الغبى الأرعن، الذى لم يتخل -رغم ذلك الخطر- عن أنانيته وطمعه وعنجهيته، فكان على الثوار أن يتخذوا إجراءً جديدًا، خصوصًا أن هناك إصرارًا من النظام على عدم ترك السلطة، بالتحجج بأن الشعب غير جاهز لتولى الحكم، أو بحجة أن البديل هم الإخوان المسلمون الذين سوف يؤسسون لدولة دينية كالقائمة فى إيران، وأخيرًا أرسل النظام المستبد رسائله إلى الشعب، فى صورة شائعات، بأن الجيش سوف يقوم بانقلاب إذا استمر الحال على ما هو عليه.

?خرج الثوار فى عصر هذا اليوم -ولأول مرة- من ميدان التحرير واعتصموا أمام مبنى مجلس الشعب، مطالبين بإسقاط النظام وقد تخطوا الحواجز والدبابات التى وزعتها القوات المسلحة فى طريقهم إلى مكان المظاهرة، واتجهت مظاهرة أخرى صغيرة إلى مبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون (ماسبيرو) إلا أن قوات الجيش منعتها من الوصول إلى المبني.

?كان الجميع واثقًا من سقوط النظام، ومن ثم كان هناك رفض تام لأى تفاوض أو حوار قبل تسليم مبارك السلطة كاملة ورحيله غير مأسوف عليه، وقد شهد الميدان عصر هذا اليوم عقدى زواج جديدين وسط زغاريد وهتافات تبشر بقرب رحيل النظام.. وبالمثل كانت ميادين المحافظات قد بدأت فى التحرك نحو المبانى والأماكن الحكومية؛ إشارة إلى أن غدًا أو بعد غد ستكون هذه الأماكن فى يد الثوار، أما وقفة اليوم فهى إنذار أخير للنظام كى يسلم سلطانه ويرحل.

?فى يوم الأربعاء (9 من فبراير) أعلن الثوار الدخول فى اعتصام مفتوح أمام مجلس الوزراء حتى رحيل مبارك، بعد دخولهم فى اعتصام مفتوح بالأمس أمام مجلسى الشعب والشوري.

?ويبدو أن أمريكا قد درست موقفها من الثورة، وانتهت إلى قرارها بالاستغناء عن عميلها الأول فى الشرق الأوسط، فبدأت منذ هذا اليوم فى التصعيد ضده وممارسة الضغوط عليه، فطالبت عمر سليمان بإلغاء الطوارئ، كما طالبته بالبدء الفورى فى عملية نقل السلطة. وقد انتقدت أمريكا تصريحات عمر سليمان التى تحدث فيها عن عدم جاهزية مصر لأن تكون دولة ديمقراطية، واعتبرتها تصريحات (غير مفيدة) ولا تتماشى مع فكرة وضع جدول زمنى للإصلاحات فى البلاد.

?تحولت مصر فى هذا اليوم وما تلاه من أيام -حتى ذهب الديكتاتور بغير رجعة-  إلى ميدان كبير للثورة، فما بقى بيت إلا وفيه محتج يطالب النظام بالرحيل، وأعلن موظفو الحكومة الإضراب، وقادوا الاحتجاجات، ودخلوا مع المتظاهرين فى الاعتصامات، وتوافد عشرات الألوف للمبيت فى الميدان، حاملين الطعام والشراب والخيام والبطاطين.. كل هذا والنظام قد أدخل نفسه فى غيبوبة متعمدة لتجاهل مواطنيه أجمعين.


> إنذار أخير:


وقد أصدر الإخوان بيانًا فى هذا  اليوم، يحذرون فيه النظام من الاستمرار فى عناده، ويدعونه إلى ترك السلطة وحقن الدماء.. جاء فيه:

?« إن الجماهير الحاشدة التى شاركت فى مظاهرات أمس، والتى فاقت أعدادها كل المظاهرات السابقة إضافة إلى اشتراك فئات جديدة مثل أساتذة الجامعات والمهندسين والمحامين والصحفيين وكذلك الموقف المشرف الذى وقفه الإعلاميون الحكوميون الشرفاء فى التليفزيون المصرى ضد سياسة النظام التضليلية، والتحريضية.. كل ذلك يؤكد أن الشعب المصرى بكل فئاته وطوائفه عقد العزم، وشحذ الإرادة على تحقيق أهدافه، ومطالبه فى الحرية والكرامة والعدل والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية.. كما يؤكد أن الثورة فى ازدياد مطرد بمرور الزمن، وتصلب النظام وعناده.

?- ولا ندرى هل المطلوب أن يخرج الشعب كله عن بكرة أبيه، وبملايينه الثمانين حتى يفهم النظام، ويستجيب للمطالب العادلة المشروعة، وإذا كان كثير من أركان النظام أقروا بعدالة المطالب ومشروعيتها، فلماذا يلتفون حولها، ويحاولون خداع الناس  وإجهاضها؟

?- إن هذه الجماهير لن ترهبها تلك التصريحات التى تهدد بالانقلاب العسكري، وهى تثق فى أن الجيش هو جيش الشعب ورجاله هم أبناء الشعب، وهم حماة الوطن والشعب معًا، ولا يمكن أن ينقلبوا على الشعب وآماله ومطالبه.

?- ومما يدعو للأسف بعد هذه الثورة الشعبية السلمية العظيمة أن يخرج علينا من النظام منْ يتهم الشعب بأنه غير جاهز للديمقراطية، وأن المتظاهرين يحركهم التيار الإسلامي، وأفكارهم واردة من الخارج لقد بلغ هذا الشعب درجة من الفهم والوعى والرقى والتحضر يعجز أركان النظام عن فهمها، وتصديقها، واستيعابها؛ لأنهم تربوا على ظلم الناس وقهرهم وممارسة الاستبداد بهم؛ كما أن فزاعة الإسلاميين، أو بالأحرى الإخوان المسلمين أصبحت أكذوبة لا يصدقها أحد فى الداخل أو أصدقاء النظام فى الخارج.

?- إن الإخوان المسلمين حينما شاركوا فى جولة الحوار لم يكن يعنى ذلك قط التخلى عن الثورة، أو الخروج عنها، وإنما كان بغرض التعجيل بتحقيق مطالبها من خلال نقل سلمى وسريع للسلطة، ولم يكن بغرض إضفاء شرعية على النظام الذى أسقطه الشعب، فلقد شاركنا فى انتخابات مجلس الشعب الأخيرة، واتهمنا الآخرون بأننا نمنح النظام الشرعية، وكان تزوير هذه الانتخابات ضدنا وضد غيرنا هو العمل الذى نزع عن النظام الشرعية، وأسهم ضمن عوامل عديدة فى إثارة هذه الثورة المباركة.

?- إن هناك من يفترون علينا أننا نريد إقامة دولة دينية كالقائمة فى إيران، ونحن ابتداءً كررنا كثيرًا أننا لا نتطلع إلى السلطة، ولا نريد الرئاسة، ولا المناصب، ولا نسعى لكسب الأغلبية فى البرلمان ولكننا نتطلع إلى الإصلاح الشامل فى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والتعليمية والإعلامية وسائر جوانب الحياة ابتغاء وجه االله، والدولة التى نتطلع إليها إنما هى دولة مدنية ديمقراطية ذات مرجعية إسلامية، الشعب فيها مصدر السلطات وصاحب السيادة.

?- إننا نؤكد أن هذه الثورة المباركة هى ثورة الشعب المصرى كله لم يحركها حزب ولا جماعة ولا فصيل، وإن كان الجميع قد شارك فيها ولا يستطيع أحد أن يدعى أنه يقودها، أو يمثلها وحده، وإنما المطالب فيها مطالب جماعية لن تهدأ ثائرتها إلا بتحقيقها وعلى رأسها تنحى الرئيس.. نصر االله شعبنا وحقق آماله وحفظ وطننا وأمتنا، وهو نعم المولى ونعم النصير». أ.هـ.

?كان اليوم السابع عشر للثورة (الخميس 10 من فبراير) هو أصعب أيامها وأثقلها على الثوار، فالشلل قد حل بكل مرافق الدولة، والناس خرجت إلى الشوارع فى انتظار خروج الفاسد لإعلان تنحيه عن السلطة.. وأخيرًا خرج لا ليعلن هذا القرار المنتظر وإنما ليلف ويدور ويخادع، ويعد بالإصلاحات، ويعهد إلى نائبه بذلك، ثم يتحدث هذا النائب (عمر سليمان) فيزيد الطين بلة.. وقد أيقن الثوار أن غدًا (الجمعة 11 من فبراير) ربما تكون هناك مذبحة لهم من ترتيب نظام العار الذى بات يقتل شعبه ويخطط للتمثيل به.

?وبالفعل كانت هناك خطط للانقضاض مرة أخرى على الثوار وفض اجتماعهم الكبير فى ميدان التحرير، وضعها النظام الكذوب قبل سقوطه، غير أن يد االله كانت أسرع فى اختطاف هؤلاء الزبانية المجرمين.. فقد حصل موقع (إخوان أون لاين)(36) على الخطة الأمنية التى وضعها النظام لقمع المظاهرات التى سوف يشهدها ميدان التحرير يوم الجمعة المقبل، ويأتى هذا بالتزامن مع قيام وزارة الداخلية بإرسال رسائل قصيرة على الهواتف المحمولة نصها: «من وزارة الداخلية.. الشرطة لن تكون إلا فى خدمة الشعب وحمايته».

?ترتكز الخطة التى انفرد (إخوان أون لاين) بنشرها على حشد ما يقرب من 30 ألفًا من أفراد القوات الخاصة بالأمن المركزي، وجهاز مباحث أمن الدولة لفض المظاهرات فى ميدان التحرير، ومنع عودة المتظاهرين إليه من خلال خطة تعمل وفق (8) محاور، لكل محور فرقة خاصة به تعرف بعضها جيدًا ولا تتجاوز المساحة المخصصة لها.

?وكشفت مصادر أمنية للموقع عن أن التحركات بدأت من مساء يوم الأربعاء (9 من فبراير)، مع التشديد على هذه العناصر أن تحمل كارنيهات وبطاقات شخصية مدنية غير عسكرية وتتجمع فى مكان ما بالقاهرة، على أن يبدأ التعامل مع المتظاهرين مساء الخميس، أو فى الساعات الأولى من صباح الجمعة بعد إرهاق المتظاهرين من عناء مظاهرات اليوم.

?ووفق الخطة فإن هذه المجموعات ستقوم بضرب المتظاهرين والدخول فى اشتباكات معهم واستخدام القنابل المسيلة للدموع وقنابل الدخان للتعمية والتى سيتم تخزينها فى أحد الأماكن المتاخمة لميدان التحرير لسهولة الوصول إليها.

?وتقضى الخطة بأن تنتهى هذه العملية فى غضون ساعة ونصف الساعة على أكثر تقدير، تبدأ بعدها القوات المسلحة الدخول إلى الميدان  لفضه وطرد المتظاهرين منه.

?المهمة الأخيرة التى أوردتها الخطة أن تقوم فرق الأمن بمحاصرة أماكن التظاهر بالقاهرة وتحويلها إلى كردونات مغلقة.

?وتزامنت تلك الخطة مع تحركات مريبة تشهدها شركات القطاع العام فى محافظة الإسكندرية؛ حيث قامت جهات حكومية بسحب مجموعة من الأتوبيسات الخاصة بشركات قطاع البترول والكهرباء والنقل العام وسائقيها لنقل مجموعات القمع، فضلا عن تحركات أخرى بجوار مقار أمن الدولة ومديرية الأمن بالإسكندرية.

?الأمر لم يتوقف على محافظة الإسكندرية؛ حيث شهدت محافظة المنيا مساء اليوم نفسه (الأربعاء 9 من فبراير) تحركات مريبة لقوات الأمن المركزي؛ حيث تم إخلاء معسكر قوات الأمن المركزى بمدينة المنيا ونقل عناصره فى سيارات ميكروباص لأماكن غير معلومة.

?وقال أحد شهود العيان: رأيت العشرات من سيارات الميكروباص تقف أمام معسكر قوات الأمن المركزي، وتنقل عناصر المعسكر وهم يرتدون زيا مدنيا؛ ومن المتوقع توجيهها إلى القاهرة؛ تمهيدًا للمشاركة فى قمع متظاهرى ميدان التحرير.

?يأتى هذا فى الوقت الذى تم فيه منع حركة القطارات والطرق البرية (خط الصعيد- القاهرة) بعد محافظة المنيا، وقد فوجئ ركاب قطار النوم القادم من أسوان مساء الأربعاء (9من فبراير) بتوقف القطار فى محطة المنيا، وأخبرهم سائق القطار بأن خط سير القطار انتهى عند هذه المحطة، وهو  ما تكرر نفسه مع القادمين من الطريق البري.


> فليرحل النظام مختارًا:


وقد أصدر الإخوان بيانًا فى هذا اليوم، توقعوا فيه سقوط النظام قريبًا، وطالبوا الشعب بالصبر والثبات.. جاء فيه: «بعد هذه الثورة الهادرة التى زلزلت أركان النظام وخرج فيها الملايين ثمانية عشر يومًا متوالية يهتفون هتافًا مدويا يكفى لخلع الجبال الرواسي؛ يطالب برحيل النظام ويعلن سقوطه باستبداده وقهره ومحاسبة أركانه، وبعد أن ظن الناس أن الزئير قد سُمع، وأن الرسالة قد وصلت؛ خرج علينا مبارك ببيان صاعق، يؤكد لهم فيه أنه لا يزال يمسك بزمام الحكم وينقض آخره أوله، فقد ظل يتحدث عن أنه سيفعل ويفعل، ثم يعود ليقرر أنه فوض نائبه فى كل صلاحياته، ولا يمكن تصنيفه إلا ضمن منظومة الأحاديث الخادعة التى يريد بها أن يلتف على مطالب الجماهير، وعلى رأسها تنحيه الكامل عن الحكم، إن كان يحترم إرادة الشعب ويحرص على مصالح الوطن وأمنه واستقراره وإلا فإن الجماهير سوف تظل فى ثورتها حتى تتحقق مطالبها.

?- ثم أعقبه بيان نائبه الذى لم يضِفْ جديدًا قط، وإنما أفقده كثيرًا من تقدير الناس له؛ لأنه قدم نفسه باعتباره امتدادًا للنظام ورئيسه، محاولا بإجراءات ثانوية القفز على مطالب الشعب الأساسية الجوهرية، داعيا الجماهير للعودة إلى ديارهم دون تحقق شيء ملموس ذى قيمة من شأنه أن يفتح نافذة أمل لحياة حرة كريمة عادلة، فلا تزال السياسات هى السياسات والوجوه هى الوجوه، والفاسدون يرتعون كما كانوا يرتعون.

?- إن أسلوب الاستعلاء على الشعب والتصلب والعناد من شأنه أن يزيد الثورة ثورانًا، وها نحن أولاء نرى أنها تتسع وتزداد جغرافيا وفئويا وعدديا، والذى نخشاه أن تزيد خسائر البلد وتتضاعف، فكم هى المؤسسات التى توقفت عن العمل والأيدى التى انصرفت عن الشغل من أجل نيل الحرية والكرامة، وكم هى الأموال التى هربت والاستثمارات التى رحلت، فهل تساوى تلك الخسائر كلها رغبة فرد ظالم فى التشبث بسلطة بضعة أشهر؟

?- إن الديمقراطية التى يتشدقون بها تفرض النزول على إرادة الشعب، ومصلحة الوطن تفرض على من يزعم الوطنية وحب الوطن أن يؤْثِرها على مصلحته ومصلحة أسرته، فليرحل الظالم مختارًا قبل أن يرحل مكرهًا.

?- إن البيانين اللذين أصدرهما مبارك ونائبه مرفوضان تمامًا من الشعب، ونحن جزء من هذا الشعب المصرى العظيم.

?- أما أنت أيها الشعب المصرى البطل فقدرك أن تواجه نظامًا متغطرسًا متجبرًا فاسدًا يراهن على نفاد صبرك وقصر نفسك، فاثبت له- عكس ذلك- طول صبرك وشدة عزمك وإصرارك على استعادة حقك؛ فما ضاع حق وراءه مطالب فلتستمر فى ثورتك، مهما طال الزمن، ومهما بلغت التضحيات، فاالله لا يضيع عمل المصلحين.. {الذٌٌين جاهدوا فٌينا لنهًدٌينهمً سبلنا إن پله لمع پًمحًسٌنٌين}».أ.هـ.


أخيرًا.. الفاسد يُرغم على الرحيل


مرت الثورة المصرية -بدون شك- بأوقات عصيبة، وتميزت بعض أيامها على باقيها، غير أن يوم الجمعة (11 من فبراير 2011) يبقى هو يومها الأول والأغر، لا يقل أبدًا عن يوم انطلاق الثورة (25 يناير 2011)، بل هو الأهم؛ حيث كافأ االله فيه المصريين بذهاب هذا الطاغية الأشر، حسنى مبارك، الذى أضاع البلاد والعباد، وطال حقده الأسود كل من يقول ربى االله، فكان هذا اليوم علامة على فضل االله على الناس، وكيف أنه -سبحانه- قادر على خسف من يشاء من عباده المفسدين، وتوريث أرضه وملكه لمن يشاء من عباده الصالحين..

?ذهب الطاغية الجبار المستكبر فلم تسقط دمعة واحدة ترثيه، بل عمت الأفراح ربوع مصر، وأضيئت شوارعها، وهتفت الحناجر حتى الصباح، وأطلق الشباب الأعيرة النارية والألعاب المضيئة ابتهاجًا بالمناسبة التاريخية الكبيرة، ولم تكف النساء عن إطلاق الزغاريد وصيحات الفرح حتى طلع النهار..

?لقد رحل مبارك، نعم، رحل بفساده وغبائه وحقده وخيانته لوطنه وأبناء وطنه، رحل ولن يعود، بل سوف يُسجن، وسوف يُحاكم، وسوف يقضى بقية عمره مذلولا مقهورًا، وسوف يتمنى الموت وما هو بميت؛ ليذيقه االله بعض ما أذاقه للناس، ولِم لا والجزاء من جنس العمل، ولِم لا وهناك محص معد، لا تفوته الهفوة، فما بالك بمن أفسد وطنًا بأكمله هو خير الأوطان، وحارب دينًا هو دين الإسلام..

?أرغم الفاسد على الرحيل، أى لم يرحل بسهولة، وإنما فعل ذلك مضطرًا، خوفًا على حياته وقد كان أحرص الناس عليها، فعل ذلك بعدما تحركت الجموع إلى قصره، فى العروبة، ساعتها أيقن أنه كان فى حلم، عندما ظن أنه اشترى مصر، أو أنه ورثها عن والده..

?خرجت الملايين فى تلك الجمعة، والتى قدرت أعدادها بحوالى (24) مليون مواطن منددة بعدم استجابة الطاغية لمطالبها، وعدم احترامه لإرادتهم التى صارت فوق إرادته وفوق كل الإرادات.. لقد ازدادت تلك الجماهير غيظًا بعد خطابى الفاسد ونائبه، وصار واضحًا من كثافة المظاهرات فى شتى المحافظات وشحنة الغضب التى يحملها المتظاهرون أن هذا اليوم هو يوم الحسم، وأن تلك الجمعة هى جمعة التحدى والرحيل، ولن يقبل المتظاهرون بعد هذا اليوم بهذا الرئيس المجرم ولا بوزير إعلامه الذى يكذب على شعب يربو عدد سكانه على الثمانين مليونًا.

?واصلت الملايين زحفها إلى ميدان التحرير، وإلى ماسبيرو، وانضمت جموع الشعب إلى تلك الملايين التى تحركت أيضًا بعد صلاة الجمعة إلى ميدان قصر العروبة، وعلت الهتافات المنددة بالسفاح لتصل -بشكل مباشر- إلى سمعه لأول مرة، وأين يذهب أمام تلك الجحافل المبغضة له والتى لم يعد ينفع التفاوض معها بعدما أدركوا أنه خب مراوغ لا يلتزم بعهد ولا اتفاق، كما لم يعد يصلح التعامل معها بالقوة والعنف من جانب حرسه وقواته، إذ الكثرة زادت على حد الغلبة.. فكان لا بد من الاستسلام، والانصياع لما يأمر به الشعب الذى نكل به من قبل وأهانه، وها هو اليوم يتجرع كأس المذلة والهوان.

?أعلن عمر سليمان مساء هذا اليوم (الجمعة 11 من فبراير 2011) تنحى الديكتاتور عن رئاسة الجمهورية، وأنه أوكل مهام إدارة شئون البلاد للقوات المسلحة..

?لقد سيطرت حالة من الفرحة الهستيرية على المتظاهرين الذين سجدوا شكرًا الله فى الشوارع والميادين، وأطلقوا التكبيرات والزغاريد، وتبادلوا العناق فيما بينهم، مرددين: «االله وحده أسقط النظام»، ثم تحرك المواطنون الباقون فى بيوتهم إلى الشوارع، فى مشهد لم يمر على مصر من قبل، وقد اعتبره البعض يوم الفتح الأكبر فرددوا التكبيرات التى رددها النبى وصحابته عند دخول مكة.. ولم ينس المتظاهرون شهداء الثورة، فوقفوا من توهم دقيقة حدادًا على أرواحهم، ورددوا الهتافات التى تثنى عليهم وتعترف بفضلهم.


> الإخوان يهنئون أنفسهم والشعب:


وقد أصدر الإخوان بيانًا هنئوا فيه الشعب المصري، الصابر الصامد، وحيوا فيه الشهداء الذين وهبوا دماءهم من أجل تحرير مصر من العبودية والاستبداد، وحيوا الثوار الذين تحملوا عبء هذا التغيير التاريخى المجيد.. جاء فى البيان:

«{قلٌ اللهم مالٌك الملًكٌ تؤًتٌي الملك من تشاء وتنزٌع الملًك مٌمن تشاء وتعٌز من تشاء وتذٌل من تشاء بٌيدٌك الخيًر إنك علي كلٌ شيًءُ قدٌيرِ} [آل عمران: 26].

- يا جماهير مصر الصابرة الصامدة، يا أبطال الحرية وأنصار الحق، يا أهل التضحية والفداء: نحييكم فردًا فردًا، رجلا وامرأةً، شابًا وفتاةً، طفلا وطفلةً، مسلمين ومسيحيين، تحيةً من أعماق قلوبنا ونشد على أيديكم ونقبل جباهكم، ونحمد االله أن أزاح عن صدورنا جميعًا كابوسًا خانقًا، وطاغيةً مستبدًا، وأزاح عن شعب مصر العظيم غلالة الغبار حتى ظهر معدنه النفيس للعالم أجمع بأنه شعب -  وإن كان صبورًا، إلا أنه- يأبى الضيم ويثور على الظلم ويعشق الحرية والكرامة، فهنيئًا لكم هذه اللحظات الكريمة المباركة التى كانت ثمرة عظيمة لثورة مباركة.

- وأنتم أيها الشهداء يا من ضحيتم بحياتكم فى سبيل االله، ومن أجل تحرير أهلكم ووطنكم: تحيةً خالصةً لكم فى أرقى مكان وأكرم جوار، فى أعلى الجنان وجوار الرحمن، ومع حزننا العميق لفراقكم فإن سلوانا أنكم لستم أمواتًا ولكنكم أحياء فى الجنة تمرحون {لا تحًسبن پذٌين قتٌلوا فٌى سبٌيلٌ پلهٌ أمًواتْا بلً أحًياءِ عٌند ربٌهٌمً يرًزقون <169> فرٌحٌين بٌما آتاهم پله مٌن فضًلٌهٌ يسًتبًشٌرون بٌالذٌين لمً يلًحقوا بٌهٌم مٌنً خلًفٌهٌمً ألا خوًفِ عليًهٌمً لا همً يحًزنون} [آل عمران: 169، 170].

- وتحيةً لجيش مصر العظيم الذى حمى الثورة منذ نزل إلى الشوارع وأمن الناس والمؤسسات بعد انسحاب الشرطة، وتلاحم مع المتظاهرين، ورفض محاولات توريطه والإيقاع بينه وبين الشعب، ولا عجب!! فالجيش هو جيش الشعب، وأبناؤه هم أبناء الشعب، ونحن نثق فى أن السلطة التى ائتمن عليها بصفة مؤقتة سوف يتم نقلها بطريقة سلمية إلى أهل السياسة؛ للحفاظ على مدنية الدولة وديمقراطيتها وإقامة المؤسسات التشريعية فيها وفق انتخابات حرة نزيهة.

- وإلى الثائرين فى كل ربوع مصر، ولا سيما الشباب منهم، نقول: إن المرحلة الأسهل قد انتهت، رغم مرارتها وقسوتها؛ ألا وهى مرحلة هدم النظام الفاسد، أما المرحلة التالية فهى المرحلة الأصعب، وهى مرحلة بناء نظام جديد على أسس صحيحة تُحترم فيها الحريات العامة وحقوق الإنسان وكرامته، وتتوزع فيها الثروة بطريقة عادلة، ويقام فيها العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين المواطنين، وتُطبق فيها قواعد العدالة الاجتماعية، وُتبنى مؤسسات الدولة على مبادئ وقيم وقوانين سليمة، ويكافح فيها الظلم والفساد، ويحارب الاستبداد حربًا لا هوادة فيها ولا تهاون معها.

?- أيها المواطنون الشرفاء.. لقد حققتم بفضل االله مكاسب عظيمة، فلا بد من حراستها والحفاظ عليها، وهذا يقتضى الاستمرار فى اليقظة والانتباه والوحدة والإيجابية، والحب والتواصل، وفقنا االله جميعًا، وسدد على طريق الحق خطانا وحقق آمالنا لشعبنا وأمتنا ووطننا {قلٌ اعًملوا فسيرى الله عملكمً رسوله الًمؤًمٌنون} [التوبة: 105]».أ.هـ.


الهوامش


(1) انظر: الثورة المصرية.. نموذجًا حضاريا، د. نادية مصطفي، مركز الدراسات الحضارية، 2011.

?(2) بيان أصدرته الجماعة يوم السبت 51 من يناير 2011، انظر: موقع (إخوان أون لاين).

?(3) أقدم أكثر من حالة على الانتحار قبيل الثورة يأسًا من النظام القائم، وقد اعتبروا ذلك رسائل تحذيرية للمسئولين وردًا على سياسة التجاهل والإهمال. وشهدت محافظة الإسكندرية وحدها خلال أيام: 16، 17، 18/1/2001 خمس حالات انتحار من شباب المحافظة، بالإضافة إلى ثلاثة آخرين حاولوا الانتحار. من المعلوم أن عهد مبارك سجل أكبر معدل لانتحار الشباب فى تاريخ مصر، حيث بلغت محاولات الانتحار السنوية فى السنوات الخمس الأخيرة حوالى (15) ألف حالة، منها (5) آلاف حالة انتحار ناجحة.

?(4) انظر بيان الجماعة فى 19 من يناير 2011، موقع (إخوان أون لاين).

?(5) بيان أصدرته الجماعة فى 23 من يناير 2011، موقع (إخوان أون لاين).

?(6) لم تعلن الجماعة قرارها هذا، حرصًا على عدم معرفة سلطات الأمن به كى لا تجهض الوقفات قبل تنفيذها.

?(7) انظر: أضواء على ثورة 52 يناير، د.محمد عبدالرحمن (عضو مكتب الإرشاد)، دار التوزيع والنشر، 2012.

?(8) منهم: د.محمد البلتاجي، د.حازم فاروق، م. أشرف بدر الدين، عادل حامد.

?(9) سقط فى السويس وحدها أربعة قتلى فى هذا اليوم (الثلاثاء 25 من يناير)؛ من جراء إطلاق قوات الأمن الرصاص الحى والمطاطى وقنابل الغاز على المتظاهرين.

?(10) انظر: بيان الجماعة الصادر يوم 26 من يناير 2011، موقع (إخوان أون لاين).

?(11) حذر -على سبيل المثال- موقع (ديبكا فايل) الاستخباراتى الصهيونى من وجود الإخوان فى مظاهرات الثلاثاء (25 من يناير)، وطالب الحزب الحاكم بدفع مؤيديه لمواجهة المطالبين بإسقاط النظام، كما حذر الموقع من مشكلة حقيقية إذا قاد الإخوان تلك المظاهرات فى الأيام المقبلة.

?(12) انظر: أضواء على ثورة 25 يناير، مرجع سابق.

?(13) كان أول شهيد للجماعة هو الأخ مصطفى الصاوي، ارتقى يوم جمعة الغضب (82 من يناير 1102م)، على كوبرى قصر النيل، وكان أول من استُشهد على الكوبري، وقد مات -رحمه الله- وإصبعه على وضع الشهادة كما أخبر بذلك الأطباء الذين حاولوا إسعافه فى مستشفى «الأنجلو أمريكان». كان مصطفى الذى يبلغ من العمر 26 سنة وتخرج فى كلية التجارة، حافظًا لكتاب الله، وكان عذب الصوت بالقرآن، يؤم المصلين بمسجد الحصرى بالعجوزة، وكثيرًا ما تمنى الشهادة، وكانت له صفات خلقية رائعة تحدث عنها أهله والكثير من أصدقائه بعد موته -رحمه الله- وقد كانت جنازته -التى مرت بميدان التحرير فى طريقها للمقابر- وقودًا ألهب حماس الثوار، ودافعًا لشباب الإخوان الذين يعرفونه لأن يستمروا فى ثورتهم حتى يزول هذا النظام الذى قتل هذا الشاب الطاهر.

?(14) راجع حلقات قناة الجزيرة مع الدكتور أسامة ياسين ضمن برنامج (شاهد على العصر) الذى يقدمه الإعلامى أحمد منصور، الحلقات بعنوان: «شاهد على الثورة المصرية».

?(15) محافظ المنوفية - فيما بعد.

?(16) راجع حلقات الجزيرة مع الدكتور أسامة ياسين ضمن برنامج «شاهد على العصر»، مرجع سابق.

?(17) انظر: البيان كاملا على موقع (إخوان أون لاين).

?(18) راجع حلقات قناة الجزيرة ضمن برنامج «شاهد على العصر» الذى يقدمه الإعلامى أحمد منصور مع الدكتور صفوت حجازي،الحلقات بعنوان: «شاهد على الثورة المصرية».

?(19) وزير الشباب - فيما بعد.

?(20) عضو البرلمان عن الحرية والعدالة - فيما بعد.

?(21) حدث  هذا فى منطقة المعادى بالقاهرة، وفى منطقة الرماية بالجيزة. وفى مدينة المحلة الكبرى تم القبض على ضباط وعناصر جهاز أمن الدولة يحرقون مقرهم ويحاولون الهرب. كما تم ضبط أمين شرطة بالسويس يدعى السيد هوجن يقود عددًا من البلطجية لإرهاب الأهالي، مدعيًا أنه من الإخوان، وقبضت اللجان الشعبية بالسويس أيضًا على سيارة إسعاف بها مجموعة من ميليشيات الشرطة والبلطجية فى منطقة الملاح كانوا يقومون بترويع الأهالي، وفى الإسكندرية قامت ميليشيات الشرطة التى ترتدى الزى المدنى بأعمال سرقة ونهب واسعة، وحدث ذلك أيضًا في: 15 مايو بحلوان، كفر الشيخ، الدقهلية، الفيوم، أسيوط، دمنهور حيث تصدت قوات الجيش لمحاولة ضابط وأربعة جنود سرقة فرع البنك الأهلى بالمدينة، وقد قتل الأهالى الضابط واعتقلوا الجنود الأربعة.

?(22) بعض مديرى أمن المحافظات طلبوا من قيادات الإخوان النجدة لتأمين محافظاتهم، مثلما طلب اللواء محمد شعراوى من الدكتور جمال حشمت تأمين مدينة دمنهور.

?(32) أشار د.محمد مرسى -وكان أحد هؤلاء المعتقلين، فى تصريح لموقع (إخوان أون لاين) فور تحريرهم بلحظات- إلى أنهم قبل صلاة الفجر سمعوا هرجًا ومرجًا، وقام الحارس الموجود على عنبر (3) بالاستنجاد بزميله ليُخرجه من العنبر، وبعد أن خرج أغلق عليهم الباب، وحدث حريقٌ فى السجن نتيجة طلب المساجين فتح الزنازين عليهم بعد أن أغلقتها إدارة السجن وهربت، ثم فوجئوا بأكثر من 100 شخص يقومون بتكسير الباب لإنقاذهم من الحريق الذى شب داخل السجن.

?وأوضح الدكتور مرسى أنهم ظلوا يبحثون عن أى جهة سواء كان نيابة أو غيرها حتى يعرفوا حقيقة وضعهم؛ هل هم معتقلون أم ماذا، خاصة أنهم عندما تقابلوا مع اللواء عمر الفرماوى مساعد مدير أمن 6 أكتوبر بعد اعتقالهم فجر الجمعة وسألوه عن وضعهم القانونى قال لهم بشكل واضح: «أنا لا أعرف شيئًا»، مشيرًا إلى أنه بعد اعتقالهم تم تجميعهم فى أحد الأقسام التابعة لمديرية أمن 6 أكتوبر، وقبل الظهر قالوا إنهم سوف يذهبون بهم إلى النيابة بالتجمع الخامس، إلا أنهم فوجئوا أن سيارة الترحيلات تُغير مسارها، وانطلقت بهم إلى أكثر من 70 كم، وبعدها فوجئوا أنهم داخل سجن وادى النطرون (2) عنبر (3).

?(24) انطلقت فى هذا اليوم مظاهرة للقضاة من ناديهم بشارع ثروت، إلى التحرير للمشاركة فى الثورة. وانضم قضاة الغربية لمظاهرات الشارع للمطالبة بتنحى الفاسدين.

?(25) انظر بيان الجماعة الصادر يوم الإثنين 13 من يناير 2011، موقع (إخوان أون لاين).

?(26) انظر حوار د.أسامة ياسين مع الأستاذ أحمد منصور على قناة الجزيرة، مرجع سابق.

?(27) انظر بيان الجماعة يوم 1 من فبراير 1102م، موقع (إخوان أون لاين).

?(28) قبض الثوار فى هذا اليوم وما تلاه من أيام الثورة على (1800) شخص من البلطجية وجنود وأمناء الشرطة، وعدد من الضباط الكبار (فى زى مدني) قادوا تلك العملية (انظر: شهادة د.صفوت حجازى على قناة الجزيرة، مرجع سابق).

?(29) يقول الدكتور محمد البلتاجي: «وقع الاعتداء الآثم علينا فى ميدان التحرير يوم الأربعاء 2 من فبراير فى موقعة الجمل، فتقدم الشباب يدافعون عن الميدان، ثم تقدموا للأمام بعد انسحاب الغزاة، فملئوا ميدان عبدالمنعم رياض وصعدوا فوق كوبرى أكتوبر واعتلوا أسطح العمارات حتى لا يتركوا أى فرصة لهجوم آخر يأتيهم غدرًا..

?وأضاف البلتاجى -على حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك»-: «ظهر يوم الخميس 3 من فبراير طلبنى اللواء حسن الروينى قائد المنطقة العسكرية المركزية لمقابلته فى المتحف المصري، فرفضت أن ألتقيه منفردًا، وذهبت إليه بصحبة الدكتور عبدالجليل مصطفي، والدكتور محمد أبوالغار، والدكتور أحمد دراج، وأبو العز الحريري، فأصر الرجل على مقابلتى منفردًا، ورفضت اللقاء إلا فى حضور من معي، وأمام إصراره طلب منى الزملاء أن أجتمع به ثم أخبرهم بما يريد..

?وقال البلتاجي: طلب منى الرجل أن يعود الشباب من ميدان عبدالمنعم رياض إلى داخل التحرير، وأن ينزلوا من فوق كوبرى أكتوبر ومن أعلى أسطح العمارات، فقلت له فى حزم: كيف أقنعهم بذلك وقد تعرضوا للقتل والاعتداء أمس دون أن تتحركوا لتدافعوا عنهم؟ ثم هم الآن يؤمنون ظهور إخوانهم  ==  فوق الأسطح حتى لا يتكرر العدوان عليهم ثانية، فقال لي: إن ما حدث أمس لن يتكرر وإننا لن نسمح ثانية بالاعتداء على المتظاهرين، قلت له: وما الذى يضمن لهم ذلك؟ إن من حق هؤلاء الشباب أن يدافعوا عن أنفسهم خاصة أن المعتدين ليسوا مجرد بلطجية وإنما هم قوات خاصة للنظام، فقال لي: قلت لك لن يتكرر ما حدث وقد قلنا للمسئولين الكبار اليوم أبعدوا أنصاركم عن الميدان.

?واستطرد البلتاجي: أكد الرجل إصراره على ضرورة نزول الشباب من فوق العمارات، وهدد بأنه يمكنه أن يستخدم القوة لإجبارهم على النزول، فقلت: لا بد أن يتأكد الشباب أولا أنكم بدأتم فى حمايتهم بالفعل لا بالقول، وطلبت منه أن تصعد الدبابات فوق كوبرى أكتوبر لتأمين ميدان عبدالمنعم رياض فوعد بذلك، وفى المساء مررت بالشباب فى الصفوف الأولى وحكيت لهم ما دار مع اللواء الرويني، فأصروا على البقاء فى مواقعهم ووافقتهم الرأي، واستمروا على ذلك عدة أيام رغم إلحاح القيادة العسكرية وتهديداتها بإنزالهم بالقوة.

?(30) المصرى اليوم، الخميس 14 من يونيو 2012.

?(31) احتجُز على الطريق الزراعى وحده فى هذا اليوم أكثر من (50) ألف مواطن كانوا قادمين من محافظات وجه بحرى إلى التحرير، قامت قوات الأمن والبلطجية بإطلاق النار عليهم مما أدى إلى مقتل اثنين وإصابة العشرات، موقع (إخوان أون لاين).

?(32) انظر: موقع (اليوم السابع)، الثلاثاء 21 من يوليو 2012.

?(33) انظر بيان الجماعة الصادر يوم الجمعة (4 من فبراير 2011)، موقع (إخوان أون لاين).

?(34) راجع شهادة د.صفوت حجازى على قناة الجزيرة، مرجع سابق.

?(35) أشهر أول عقد زواج بالميدان يوم الأحد (6 من فبراير 2011)، وبعدها توالت العقود والأعراس؛ تتويجًا لهذا المعني؛ وتيمنًا بزوال الطاغية وأن تعم الأفراح ربوع مصر.

?(36) انظر: موقع (إخوان أون لاين) فى يوم الأربعاء 9 من فبراير 2011.

?

التعليقات