حسن الهضيبي.. القاضي.. النزيه.. الشريف

حسن الهضيبي.. القاضي.. النزيه.. الشريف

نشرت مجلة "روز اليوسف" هذا المقال عن الإمام المستشار حسن الهضييبى، سنة 1951 ترصد فيه مناقبه وطهارته ونزاهته، أيام نزاهتها وطهارتها وتحريها الدقة وأيام وقوفها إلى جانب الشعب المصري، ولم تكن قد حُولت بعد إلى بوق للحاكم الظالم الباطش للشعب، ولم تنحو اتجاهًا (أيديولوجيًّا) ضيقًا يعادي ثقافة وعادات الشعب المصري، وبعد أن أممت أصبحت معملاً لتفريخ الشيوعيين والملاحدة، وأصبحت تطرح الأفكار الشاذة التي تخاصم الشعب المصري وحضارته الإسلامية الرائدة.. كانت هذه المجلة تقلق مضاجع الطغاة والمستبدين.. كانت المهنية هي الحل، ولا شيء بديل عنها، لم تقص أيًّا من الاتجاهات، أو تلفق لهم التهم أو الأكاذيب، لم نراها تصاب بـ"فوبيا" الإسلاميين، وتهاجمهم طوال الوقت مرضاة للحكم العسكري الفاشي كما حدث بعد ذلك.

 

كتبت هذه المجلة عن المستشار الهضيبي هذه السطور حين أشيع عن اختياره مرشدًا عامًّا للإخوان المسلمين فقالت:

"عندما كان المستشار الأستاذ حسن الهضيبي رئيسًا بمحكمة الجنايات بسوهاج، وكان يترافع عن القاتل محام كبير وشقيق لوزير العدل يومئذ، وفي الاستراحة زاره المحامي الكبير ورحب به الأستاذ الهضيبي، وطلب من الساعي إحضار فنجان من القهوة له.. سأل المحامي الكبير:

لعل سيادة المستشار مستريح في الصعيد؟

وأجاب المستشار الهضيبي: إن مهمة القاضي تحقيق العدل، والعدل لا يتقيد بزمان أو مكان..

قال المحامي: غدًا سوف أتناول الغذاء مع أخي وزير العدل، وأنا مستعد لأطلب منه العمل على راحتكم.. وهنا ثار الأستاذ الهضيبي وهب واقفًا للمحامي الكبير:

تفضل يا أستاذ.. أجئت تساومني؟!!!

وهنا كان الساعي قد أحضر فنجان القهوة، فاتجه الأستاذ الهضيبي وقال له: عد بالقهوة.

وخرج المحامي الكبير شقيق وزير العدل مصفر الوجه". انتهى كلام "روز اليوسف".

 

هكذا كانت مصر يوم أن كان فيها عدل نزيه، عدل لم ينسق للحاكم، وينحز إليه ويحكم على هواه، لذا ابتعد الضباط (المراهقين سياسيًّا) بعد ثورة 1952 عن القضاء، وأنشأوا قضاءً استثنائيًّا تحت مسمى (محكمة الشعب)، والشعب بريء من هذه المحاكمات "الباستيلية"، التي كان يتصدرها مغامر أرعن، يدعى جمال سالم، كان هذا الرجل يضيق من الحق، مصابًا بالخيلاء وجنون العظمة التي تقع على لا شيء.. لذا لم نستغرب دعوته لمطالبة جمال ورفقائه بتسليم أنفسهم للسفير البريطاني أثناء عدوان 1956.. الشعب كان مغيبًا بالإعلام الفاسد الملاكي، الذي ظل يمسح الأحذية للحاكم طوال خمسة عقود، وانتقى جمال رؤساء لهذه المحاكم العسكرية من أراذل البشر، هل يعقل أن يختار الرئيس الوطني الكبير جمال عبد الناصر (اللي يفوت على الصحراء تخضر وهي لا اخضرت ولا حاجة!!!) شخصية مثل الفريق فؤاد الدجوي الذي كان يؤدي التحية العسكرية للنقيب شمس بدران مدير مكتب المشير عامر وهو بمثابة عار وشنار للعسكرية المصرية التي تحترم نظام الأقدمية عن طيب خاطر، هذا الرجل الذي سلم قطاع غزة لليهود الصهاينة سنة 1956، وعندما أصيبت زوجته وتطلب إجراء عملية جراحية لها (كيس دهني) صمم الرجل على إجراء العملية في تل أبيب، علما بأنه كان يوجد مستشفى مصري متقدم في قطاع غزة، وخرج الرجل على التليفزيون الإسرائيلي يمتدح إسرائيل وعدلها وتقدمها، واستغلت إسرائيل هذا الموقف أحسن استغلال، ونشرته على نطاق واسع، وهنا قرر ناصر بتحويله للمحاكمة وإعدامه رميًا بالرصاص، ولم يوف الزعيم المهيب بوعده، ولكن على العكس من ذلك عين الدجوي رئيسًا للمحكمة العسكرية العليا، وترقيته إلى رتبة الفريق، وهنا عمل هذا الخائن على قتل وسجن الوطنيين بأحكام العار التي كانت تأتي مكتوبة له من رئاسة الجمهورية، وطبعًا أصابت هذه الأحكام كوادر الإخوان المسلمين منهم الشهيد سيد قطب، والمستشار الهضيبي، وولده المستشار المأمون، والمستشار علي جريشة، وغيرهم الكثير..  

 

وحكم أيضًا على كبار الوطنيين مثل فؤاد سراج الدين، ومصطفى أمين، وإبراهيم فرج، وتعرض هؤلاء للتعذيب والإهانة..

 

ولقد وقف القضاة الشرفاء لناصر بالمرصاد وطالبوه بتطبيق العدل وإشاعته حتى ضجر منهم في نهاية الأمر وعمل مذبحة لهم لا تقل عن مذبحة المماليك، بعد هذا الحادث الأليم زحف إلى هذه المملكة النظيفة قطاع ضيق جدًّا من يعمل المطلوب منه على أكمل وجه، هؤلاء الذين حكموا على معارضي مبارك، ولم يستطيعوا أن يقيموا العدالة الكاملة حتى ضج الناس من الظلم والعسف، وانفجر الناس في وجه مبارك واستطاعوا أن يسقطوا رأس نظامه، ولكن تراخوا مع ذيوله من أجنحة المكر الثلاثة المتمثلة في القضاء، والشرطة، والإعلام الذين يشدون البلاد كلما تفيق إلى الوراء، يريدون أن يرجعوا النظام الفاسد بكل كيانه.. صحيح أن هناك الآلاف من الشرفاء، ولكن أيديهم مغلولة مثل الشعب، لأن الفاسدين يمتلكون الإمكانيات الهائلة من ماكينة إعلام جهنمي يحول الكذب إلى حقائق، والحقائق إلى كذب، مطمئن وآمن من العقوبة، ومن كرم الرئيس مرسي الذي بدأ حكمه بعبارة "أنني ليس لي حقوق ولكن علي واجبات".

 

هذا هو المستشار الهضيبي الذي كان يتقي شر الشبهات، وكان يتحرى الحلال في رزقه، لم يستول على أراضي الدولة ويطرد الضعفاء منها، معتمدًا على حصانته القضائية وتقربه من أمن الدولة، كان الرجل عنده ضمير ويخاف الله الذي سيحاسب القضاة حسابًا عسيرًا، كان يردد الحديث النبوي "قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة" كثيرًا.. لم يتعامل مع السلطة التنفيذية بمبدأ "سيب وأنا سيب"، تمنحه الأراضي الساشعة، والجوائز، وتعين له أولاده وأقاربه وبلدياته، في المقابل يعمل "ودن من طين وودن من عجين" ويتستر على فسادها، لم يؤثر عنه أنه أخذ هدايا وجوائز من مؤسسات الدولة تقدر بالملايين، وقد قدم استقالته من سلك القضاء عندما تولى مرشد عام جماعة الإخوان المسلمين استشعارًا للحرج.. لم يتاجر الرجل بسجنه، وتحمل الأذى في سبيل الفكرة والمبدأ، تعرض للإهانة من العدو والصديق حتى أن الشيخ محمد الغزالي افترى عليه وأدعى بأنه ينتمي للماسونية، في كتابه "كفاحنا الإسلامي في العصر الحديث" في طبعته الصادرة 1963، والرجل كان وراء القضبان هو وأسرته.. صحيح أن الغزالي اعتذر للإمام الهضيبي بعد، وعندما كان يقابله يسترضيه، ويطلب منه العفو، وقال عنه: "أنه ما ادعى لنفسه العصمة، بل من حق الرجل أن أقول له إنه لم يسع لقيادة الإخوان، ولكن الإخوان هم الذين سعوا إليه، وإن من الظلم تحميله أخطاء هيئة كبيرة مليئة بشتى النزاعات والأهواء.. ومن حقه أن يعرف الناس عنه أنه تحمل بصلابة وبأس كل ما نزل به، فلم يجزع ولم يتراجع، وبقى في شيخوخته المثقلة عميق الإيمان، واسع الأمل، حتى خرج من السجن". 

 

ومن مناقب الإمام الهضيبي ما ذكره المستشار عبد الله العقيل في كتابه الجامع "من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية" أن الهضيبي أول من كسر تقاليد الانحناء بين يدي الملك عند حلف اليمين القانونية التي يؤديها القضاة أمام الملك قبل تولي منصب "المستشار" إذ كانت دفعته حوالي عشرة سبقه منهم خمسة لم يترددوا في الانحناء عند حلف اليمين الدستوري رغم تهامسهم بالتذمر من هذا التقليد الذي يمارسه الديوان الملكي، وعندما عين مرشدًا عامًّا للجماعة أرسل له الملك فاروق باثنين من كبار الحاشية لزيارته ومعهما صورة الملك لتعليقها في دار الإخوان، فرفض الهضيبي هذا بشدة، وهذا يرد على الشائعات التي رويت عنه بعلاقته الوطيدة بالملك فاروق، كيف يكون هذا والرجل وجماعته اشتركوا في حماية حركة الجيش في 23 يوليو 1952، وكانت الإخوان المسلمين المنبر السياسي الوحيد الذي علم بساعة الصفر، وتولى الإخوان حماية المنطقة الشرقية للقاهرة، واستثنت من قرار حل الأحزاب السياسية.

 

تعرض الرجل للسجن والتعذيب سنوات طويلة برغم تعديه السبعين من العمر وتحمل صابرًا وحظي بإعجاب الجميع الإسلاميين والليبراليين على السواء، ومنهم مصطفى أمين الذي قال عنه:

"أعجبت بصموده، انهالت عليه الضربات فلم يركع، حاصرته المصائب فلم ييأس، تلقى الطعنات من الخلف والأمام فلم يسقط على الأرض، كأنه يحلم وكل من حوله يائسون، كان قويًّا وأنصاره ينفضون ويستضعفون.. رأيته في محنته أكبر منه في مجده، سقط من المقعد واقفًا وغيره فوق المقعد راكعًا، رأيته يستعذب الحرمان وغيره لا يستعذب إلا السلطان.. الرجال كالمعادن لا تظهر قيمتهم إلا إذا وضعوا في النار، وهنا يظهر الفرق بين الرجل الحديدي والرحل القش، بين الذي يموت واقفًا والذي يعيش راكعًا، بين الذي يكبر في الشدائد والذي يتضاءل في المحن والأزمات".

 

وقد أوصى الرجل بأن يدفن في مقابر الصدقة تواضعًا منه وإنكارًا للذات، وهو المستشار رئيس المحكمة، والحاصل على البكوية، وصاحب الأملاك والعزب، هي ورثه وملك آبائه، لم يثر من الحرام والنهب والسلب ولم يجار الأنظمة الفاسدة التي تصدى لها فكلفته سنوات من عمره وصحته ومنصبه وجاهه..

 

رحم الله المستشار حسن الهضيبي.. نتمنى من قضاة اليوم بأن يهرعوا إلى سيرة أمثاله من الشرفاء، ليعوا الدرس ويدعمون القيم والمبادئ وإشاعة العدل..

التعليقات