مذكرات العالم التركي "علي علوي كوروجو" مع الإمام "حسن البنَّا" (4- 6)

مذكرات العالم التركي "علي علوي كوروجو" مع الإمام "حسن البنَّا" (4- 6)

إمام صابر ودعوة محاربة

ترجمة وإعداد: أحمد يوسف

 

بعد أن غادرت القاهرة، واستقرت إقامتي في المدينة المنورة، جاء أحد الإخوة المصريين يدعى المهندس عادل إلى المدينة، فأخذت منه معلومات عن نشاطات الإخوان وقتها، علمت أنه بعد أن تركت القاهرة بسنة زاد عدد الإخوان، وفي عام 1948م اتُخذ قرار بإخراج جريدة إخوانية يومية، وحكى لي بشكل محزن هذه الحادثة، والموقف الغريب الذي قابلهم. كانت للإخوان مجلات أسبوعية وشهرية، ولما ازداد عددنا أردنا إنشاء صحيفة يومية وأبلغنا الأستاذ، ورأى الأمر مناسبًا، وشاورنا أهل الخير في الأمر، وكان كل شيء يسير بشكل جيد، وتأسست الصحيفة بالفعل، وجاء بعدها الدور على الكُتَّاب.

 

أردنا أن يكتب في الجريدة الكتَّاب المشهورون والمعروفون والمقروء لهم، وأهل الخبرة في المجال، لكن أعداءنا كانوا يتابعون التحركات ويجهزون المؤامرات لإعاقة هذا العمل المهم. أرسل الإمام إلى الكتَّاب المعروفين- الذين يفترض فيهم التديُّن- لكنهم للأسف أبدوا اعتذارهم ولم يقبل أي منهم أن يكتب في جريدة الإخوان المسلمين، بل حتى زيدت لهم المرتبات إلى ضعفين فلم يقبلوا! ولم يجرؤ أحد منهم على الكتابة.

 

العدو لا يقف مكتوف الأيدي

 

وفي يوم ما أخذ الإمام "التليفون" بيده وقال: الشيخ حافظ رمضان باشا صديقنا؛ فليكتب هو، وهو عالم بالأوضاع والسياسة ومحبوب في المجتمع. كنت بجواره واتصل بحافظ رمضان باشا وأخذا في الحديث؛ وكان صوت رمضان باشا واضحًا من سماعة التلفون: "أهلاً مرحبًا، أين أنت؛ ياريت نلتقي"، وعندما فتح الإمام البنا الموضوع معه تغيرت طريقة حديثه! حتى رمضان باشا ذهبوا إليه وحذروه وهددوه..

 

العدو لا يقف صامتًا مكتوف الأيدي. "آه يا شيخ حسن؛ وددت ذلك كثيرًا، ولكن لا طاقة لي أن أكتب في هذه الفترة”! فأغلق الإمام التليفون قائلاً: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"، ثم قال: "إخواني، علينا ألا نطمئن ولا نثق في أحد إلا الله، فهؤلاء ليسوا ملائكة معصومين، كما أنهم لم يتعلموا الكتابة في بطون أمهاتهم! هم تعلموا في هذه الدنيا، ونحن لم يبقَ لنا خيار آخر ولا حيلة أخرى! أنا سأكتب، وسنربي الشباب على الكتابة ليكتبوا هم أيضًا". وكان المهندس عادل مستمرًّا في حكاية هذه المواقف:
بدأنا نكتب بأنفسنا ولكن لا أحد يشتري الجريدة، وكمية التوزيع قليلة، إذ تتركز في القاهرة فقط مع أماكن أخرى قليلة؛ وتكاد تكون منعدمة في باقي المدن والقرى! نذهب إلى القرى لنرى حجم المبيعات فيقال: إنها بيعت كلها، وهي لم تبع وموجودة في مخازنها! وبهذا الشكل أصبح الناس ممنوعين من جريدة الإخوان المسلمين. كانت هذه الحكاية تؤثر كثيرًا في راويها المهندس عادل وكان دائمًا ما يكررها، وبعد وفاة الإمام حسن البنَّا أصبح محمد قطب وسيد قطب وأمثالهما يدعمون جريدة الإخوان وأثروها إثراءً كبيرًا.

 

مُستبقو الخطى

 

 كنت في القاهرة عام 1945م حين انفصل فريق من شباب الإخوان عن الجماعة بدعوى أن العمل بطيء جدًّا، وأسسوا جمعية جديدة اسمها "جمعية شباب محمد"، وكانوا يصدرون جريدة أسبوعية تحت نفس الاسم. وفي يوم ما بينما أنا بجانب مصطفى صبري أفندي، قام أحد الشباب بإحضار تلك الجريدة إلى الشيخ مصطفى وكانوا كل أسبوع يسلمونها للشيخ في يده. وأخذني الفضول أن أسال الشيخ صبري أفندي عن هؤلاء الشباب، وسألته قائلاً: هؤلاء مجموعة من الشباب انفصلوا عن الإخوان أليس كذلك؟ نعم؛ هم رأوا أن الجماعة صامتة ومفرطة وبطيئة! وهم مستعجلون يستبقون الخطى، نسأل الله أن يحسن ختامهم، هؤلاء للأسف لا يعرفون حقيقة السياسة وما هي! يظنون أن العمل مع غير المتدينين شيء سهل، فيظنون مثلاً أن "الإلحاد" هو هذا الذي يرونه في مصر فقط!.

 

العدو متعمق

 

هؤلاء شباب أهوج، لا حول له ولا قوة! بعد أن كبر العمل والجماعة وأصبحت الأمة تجتمع حولها خرجوا ليقولوا هذا العمل ليس صحيحاً ويجب أن نغيره!.

 

 أعداء الإسلام متعمقون جداً، في كل مكان وأذرعهم ممتدة، وفعلاً انتهى هؤلاء الإخوة بعد زمن دون أن يفعلوا شيئًا، للأسف أضعفوا الإخوة وقسموهم!.

 

تجربة الإخوان السياسية

 

كانت للإخوان تجربة الدخول في السياسة، ففي عام 1943م أجريت انتخابات داخل الجماعة، وجاء بعض الإخوة المتحمسين إلى مواقع المسؤولية، وأرادوا أن يترشح البنَّا مستقلاً، أو يكلف بعض الإخوة كي يخوضوا الانتخابات.

 

قَبِل الإمام هذا الأمر حتى يكون نواة تجربة وخبرة في العمل السياسي، وخلال يومين أو ثلاثة أيام امتلأت الحافلات و"عربات الترام"، باللافتات واللوحات الدعائية، وتم الإعلان في كل مكان أن الإمام حسن البنَّا سيخوض الانتخابات، لم تكن هناك أحزاب كثيرة وقتها، فكان الناس يخوضون الانتخابات مستقلين. لكن الحكومة أجلت الانتخابات- حيث كانت في معرض عقد صفقة مع الإنجليز- مدّعية أن الأمن في البلاد غير مستتب وغيرها من الحجج الواهية.

 

أحداث جلل

 

وقعت إحدى هذه الحوادث بينما كنت في مصر عام 1944م، والأخرى بعد مغادرتي مصر وتحديدًا عام 1946م، وقد أضرّ هذان الحدثان بالإخوان كثيرًا، وفي هذه الوقائع قُتل رئيسان للوزراء. قتل أحمد ماهر باشا 1944م، ومحمد النقراشي باشا عام 1946م، وادّعوا أن قاتليهم من شباب الإخوان! كان مقتل أحمد ماهر أول الحوادث التي هزت كيان الإخوان المسلمين، وكان الإمام لا يزال على قيد الحياة، كان أحمد ماهر رئيسًا للوزراء وشخصًا معروفًا في مصر..

 

لم يكن الادعاء الأول مصدقًا، وفي الحادثة الثانية اعترف الشباب أنهم من الإخوان، وعلى إثرها أغلقت "جمعية الإخوان"، وتم حظر ممتلكاتها، وبعدها جاء الحظر على الإمام نفسه، فظل تحت المراقبة دائمًاً، وأصبح كل شيء محظورًا! فلم يعد هناك نشاط يُذكر. كان سفير باكستان وقتها قد عرض على الإمام اللجوء إلى باكستان، وكان يقول له: نحن ننقذك يا إمام! لكنه كان يرد: "قد اعتاد إخواني حتى هذا اليوم أن يروني في مقدمتهم، فلن أترك الميدان وأهرب! فإني إن هربت انهدم الكثير، وماذا عساي أفعل إذا لم يكن معي إخواني؟! أنا لست شيئًا بغيرهم، وإن أغلقت الجمعية الآن وصرت أنا محظورًا عن العمل فإنني سأنتظر وأصبر".

 

مقتل حسن البنَّا

 

كانت هناك جمعية تسمى "جمعية الشبان المسلمين"، وكان رئيسها آنذاك صالح باشا حرب، وفي يوم من الأيام ذهب إليه الإمام البنَّا في زيارة خاصة، وكان يصطحب معه نسيبه - الذي كان يعمل محامياً - حيثما ذهب، وقد كتب هذا الرجل بعد ذلك وقرأنا عنه، فكان مما حكاه: "غادرنا المكان بعد أن صلينا المغرب ولم تكن معنا سيارة فقررنا العودة إلى البيت بـ"تاكسي"، ومن المعروف أن شارع "الملكة نازلي" (رمسيس حاليًّا) مزدحم جدًّا، لكنه بين المغرب والعشاء يكون فارغًا تمامًا، أغلقت الكهرباء عن الشارع بحجة تعديلات وإصلاحات، وانتظرنا وانتظرنا كثيرًا ولكن لم نجد "تاكسي" واحدًا يمر! جاءت سيارة "جيب" ونزل منها عدة أشخاص وأطلقوا على الإمام ست رصاصات ثم ركبوا وهربوا، وعندما سقط الإمام على الأرض سألني: هل استطعت أن تأخذ رقم السيارة؟ فقلت له: لم أستطع! الجو مظلم؛ ثم وقف على قدميه! وقال: هناك مركز صحي؛ لنذهب إليه.. أسرعنا الخطى، وكان يجري والدماء تسيل منه، فلما وصلنا إلى المركز الطبي لم نجد أحدًا هناك، وكانت الكهرباء منقطعة والمركز متوقفًا عن العمل! الحمد لله أعطيتُ مرادي: وفي هذا الاضطراب أخذت أجري يمينًا ويسارًا إلى أن انقطع رجائي ولم أجد أحدًا، والإمام يفقد دماءه!.

 

وفي هذا الموقف قال لي: محمد؛ أنا راحل، الحمد لله! ماذا كنا نقول حتى هذا اليوم؟ ماذا كانت شعاراتنا وأناشيدنا؟ الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا. وها أنا أصل إلى أملي الذي رجوته من الله دائمًا، أنا ذاهب، أوصل سلامي لكل الإخوان، أنا إنسان فانٍ قربت نهاية عمره، فالله هو الباقي، ونبوة النبي "صلى الله عليه وسلم" باقية إلى يوم القيامة، والدعوات باقية، فقل للإخوان: لا تحزنوا! لا تحزنوا على موتي، ولا تسقطوا من اليأس؛ فدعوتنا خالدة. نطق الإمام بهذه الكلمات كوصية له، ثم فاضت روحه إلى بارئها، وبعدها جاء الأطباء وجاءت الكهرباء!.

 

وتحدث الأطباء فيما بينهم: هذا الرجل أُهمل حتى يموت! الرجل مات بتصفية دمه؛ لأن الرصاص لم يصبه في مكان يسبب الموت، إلا أنه مات من كثرة ما فقد من الدماء!.

 

جنازة محظورة

 

كانت جنازة الإمام البنَّا ودفنه مشهدًا مؤلمًا كما كانت حادثة مقتله! لم تعطِ الحكومة الإذن لأحد أن يشترك في الجنازة، فلم يشارك فيها إلا والده الكبير وبعض النساء، وحمل الجنازة شقيقاته، وصلى عليه والده ثم دُفن. كان والد الإمام البنَّا رجلاً من أهل العلم، شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل، وكان "ساعاتي" مشهورًا، اسمه "أحمد عبد الرحمن الساعاتي".

 

لم يشارك في الجنازة إلا والده، ونساء عائلته، ووزير المالية المسيحي "مكرم عبيد" الذي لم يهتموا بمنعه من الجنازة؛ لأنه مسيحي! هذا الرجل الذي جاء إلى قبر الإمام وقال: "أكبر جناية ارتكبت وأسوأ إهانة حدثت هي أن يترك الإمام وحده ولا يشترك أحد في جنازته! هذا الرجل الذي عشقت نزاهته وعفته وإخلاصه الكبير لدعوته".

 

كربلاء البنَّا

 

كلما تذكرت هذه الحادثة المؤلمة تذكرت موقعة كربلاء! عباس محمود العقاد، أحد الكتاب المصريين الكبار، كتب هذه الكلمات عن سيدنا الحسين قائلاً: استشهد الإمام الحسين ولم يتبق رجل من الذين قتلوه؛ قتلوه وهربوا وجسده ملقى على الأرض! وفي الليل تحفر النساء القبر ويدفنّ الشهداء! كم هو مؤلم هذا المشهد! والله وملائكته شاهدون على هذه الواقعة. وقد شبهت أنا واقعة مقتل الإمام بـ"واقعة كربلاء"، فكم هو مؤلم مشهد دفن هذا الرجل الذي يعدُّ محبوه وإخوانه بالآلاف؟!

 

إعدام "عدنان مندريس"

 

كان لـ"عدنان مندريس" يرحمه الله تعالى آلاف المحبين أيضًا- حيث بقي رئيسًا للوزراء في تركيا 10 سنوات- وحكم عليه بالإعدام بحجج واهية وظلمٍ بين، ثم دفن في جزيرة بعيدة كي لا يذهب إليه أحد، ولو عقدت الانتخابات وقتها بدل إعدامه لأصبح رئيسًا للوزراء! لكن هذه هي أعمال أعداء الدين ومكر الظالمين والخائنين، لهذا يجب أن نحذر!."

التعليقات