الإمام البنا مثالاً للذاتية والإيجابية والتحفيز

الإمام البنا مثالاً للذاتية والإيجابية والتحفيز


نحن في أمسِّ الحاجةِ إلى نماذجَ فعَّالة تتفاعل مع الأحداث، وتكوِّن الرؤى وتحفِّز الآخر؛
فالعبرة ليست بالتفوق الكمي بقدر ما هي بالتفوق النوعي، فكان الإمام حسن البنا من هؤلاء الذين أضافوا وأبدعوا وتحركوا وفكروا وعاشوا لدينهم وأعطوا كل وقتهم بل وحياتهم فداءً له.

 

فحريٌّ بنا أن نغوص في أعماق هؤلاءِ لدراسةِ مواطن التميز والتفوق؛ لنقتدي بهم، ونتعلم منهم، ونستقي من سيرتهم المنهج والقدوة.

 

نشأ الإمامُ وبداخله فكرة مفادها أن يعمل شيئًا لدينه ووطنه، وتفاعل داخليًا مع هذه الفكرة، وسيطرت عليه ونمت وكبرت بداخله فأبى أن يترك المحتل يعبث بالوطن، وأبى أن يُضيِّع الدينَ وسط أطروحات هزلية وأيدلوجيات مهزومة باتت تُسيطر على الناس.

 

فكانت سطوة المحتل، وانتشار الانحلال الخلقي، وضياع الدين وسط البدع والأفكار الدخيلة، وفقدان الهوية، واشتداد الخطوب على الدين والأمة، دافعًا ومحفزًا له لأن يفعل شيئًا لدينه.
فبدأ الأمر يشغله، وبدأت الفكرة تتنامى، وذاك لسؤالٍ دائمًا يجول في خاطره: كيف أخدمُ ديني، وأعيدُ للإسلام مكانته في قلوب الناس وفي واقع الحياة؟ ومن أين أبدأ؟

 

إنَّ الرجلَ بداخله مارد قوي يحفزه، وإرادة صلبة ملحة، وفكرة واضحة جلية، وكان يعلم جيدًا أنَّ الأفكار رغم رصانتها وقوتها لا تفعل شيئًا إلا إذا صدقها العمل، وأنه لا بدَّ من بدايةٍ، فأول الغيث قطرة، وأي فكرة تولد بسيطة على أن تساندها عزيمة قوية وبداية جادة، كان يرى أنَّ عليه دورًا عظيمًا منذ صغره، فكان في نفسه أنه ذاك الفتى الذي قال عنه طرفة بن العبد في معلقته:

إذا القومُ قالوا مَن فتى خِلْتُ أنني    عُنيتُ فلمْ أكسل ولمْ أتبلدِ

 

وهذا البيتُ الذي استشهد به الإمام حين سُئل عن أي بيت من الشعر يُفضِّل وعلَّق أستاذُه: "أنه سيكون لكَ شأنٌ عظيمٌ يا بُني".

 

وكان للإمام رؤية واضحة لما يجب عليه فعله، كانت تلك الرؤية واضحة في موضوع الإنشاء الذي كتبه بمناسبة آخر العام الدراسي عام 1927م، أي قبل الشروع بإنشاء جماعة الإخوان المسلمين، وكان تحت عنوان: (اشرح آمالك بعد إتمام دراستك، وبيِّن الوسائل التي تعدها لتحقيقها؟)، وإليكم من هذا الموضوع:

 

"وأعتقد أنَّ خير النفوس تلك النفوس الطيبة التي ترى سعادتها في سعادة الناس وإرشادهم، وتعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحًا وغنيمة، والجهاد في الحق والهداية على توعرٍ طريقها راحة ولذة، وأعتقد أنَّ العمل الذي لا يعدو نفقة صاحبه قاصر ضئيل، وخير الأعمال وأجلها الذي يتمتع بنتائجه العامل وغيره، وأعتقد أنَّ أجلَّ غاية التي يرمي الإنسان إليها وأعظم ربح يربحه أنْ يحوز رضا الله".

 

والذي يقصد هذه الغاية يعترض مفرق طريقين، إما التصوف الصادق أو طريق التعليم والإرشاد، واختار الإمام الثاني لتعدد وعظيم فضله، وأنه أوجب الطريق على المتعلم.
وكان له أملان بعد إتمام الدراسة:

 

خاص: إسعاد أسرتي وقرابتي كما قال.

عام: أنْ أكون مرشدًا معلمًا إذا قضيتُ في تعليم الأبناءِ سحابةَ النهار ومعظم العامِ قضيتُ ليلي في تعليم الآباءِ هدفَ دينهم.

 

".. وأعددتُ لتحقيق الأول معرفةً بالجميل وتقديرًا للإحسان، ولتحقيق الثاني "الثبات والتضحية"، وهما ألزم للمصلح من ظله ومن الوسائل العلمية درسًا طويلاً وتعرفًا بالذين يعتنقون هذا المبدأ، ويعطفون على أهله، وجسمًا تعوَّد الخشونة على ضآلته، وألف المشقة على نحافته، ونفسًا بعثها لله صفقة رابحة وتجارة بمشيئة الله منجية راضيًا منه قبولها.
ذلك عهد بيني وبين ربي أسجله على نفسي، وأشهد عليه أستاذي في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير، ودليل لا يطلع عليه إلا اللطيف الخبير".. وهكذا كان الإمامُ يعرف ما يريد، وكيف السبيل إلى ما يريد.

 

حقًّا لا أستطيع التعليق على مثل هذه المعاني الجياشة، وتلك النفس المعطاءة، وذاك الوضوح في الرؤية وإرادة حثيثة لإنجاز مشروعٍ ما لخدمة الناس والدين والوطن مبني على معاني الحب والإخاء والتضحية والثبات.. من هنا بدأ الإمام البداية، كان حلمًا كبيرًا يريد تحقيقه وليس عيبًا أن نحلم، فكما قال هو: "حقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد".

 

بدأ في الإسماعيلية بخمسة فلم يعقه عائق، ولم يبعده مانع، أدرك أنَّ الموانع الخارجية رغم قوتها وعنادها أضعف بكثيرٍ من الإرداة الداخلية.. "إنَّ النجاح قوة داخلية إذا تمكَّنت من المرءِ لن يقف أمامها السدود المنيعة".

 

فأخذ يصول ويجول يكلم هذا، ويقنع ذاك، وينظم هنا ويخطب هناك، يفكر ويحل المشاكل مستعينًا بالله مع إخوانه.

 

أسس دعوته على الحبِ والإخاءِ، كما أسس الرسول- صلى الله عليه وسلم- مجتمع المدينة، فانطلقت الدعوة قوية متينة صافية نقية صفاء المنهل التي نهلت منه كتاب الله وسنة نبيه؛ فتمكَّن من قلوب الناسِ، وصححت مفاهيم وعلمتهم الإسلام بشموليته وكماله، وأنه منهج حياة ولا فلاح لنا بدونه.

 

والشيءُ الأهمُ في دراستنا لشخصية الإمام البنا هو ما يجب أن تكون عليه اقتداءً بشخصيته:

(1) على كل منا أن يعيش لفكرة بداخله تُسيطر عليه يفكر فيها دائمًا تستحوذ عليه، وأن يحلم دائمًا بها "فأي حقيقة كانت حلمًا يومًا ما"، وعلينا أن نُعلي من سقف طموحنا، وأن نعيش أحلامنا في كل لحظة، وأن يكون كل منا بطلاً لحلم، وأنه يرى كل منَّا في نفسه شيئًا قادرًا على تحقيق هذا الحلم، وقهر المستحيل وعلينا أن نعلم أنَّ النجاح يبدأ من الداخل، وعلى كل منَّا تخيل صورة يريد أن يكونها ثم يعيش هذه الصورة كما لو كانت واقعًا، فلابد من أن يكون لدينا شيء نستيقظ من أجله كل صباح.

 

(2) وجود رؤية واضحة في حياة كل منا "غاية وأهداف ووسائل"، فعلى كل منَّا أن يعيشَ لهدفٍ واضحٍ يستحق التضحيةَ من أجله، وكان ذلك جليًا في رؤية الإمام لمستقبله من خلال موضوع الإنشاء.

 

(3) أن تمتلك إرادةً قويةً وإصرارًا على النجاح، وقهر كل المعوقات.

 

(4) أن يكون لدينا أرضية من الثقافة الإسلامية الأصيلة، والقراءة في شتَّى العلوم والفنون، والرجوع إلى أمهاتِ الكتب وحفظ القرآن والمتون، فكما قال أبو الإمام لابنه: "من حفظ المتنون نال الفنون".

 

فقد حفظ الإمام القرآن في الكتاتيب وفي مدرسة الرشاد وغيرها، وحفظ كثيرًا من الأحاديثِ النبويةِ الشريفةِ وألفية ابن مالك وشرحها، واستكمل الكثيرَ من جوانب الثقافة الإسلامية في سنٍ مبكرة، وقرأ في شتَّى مجالات المعرفة، وتشكلت ثقافته من كلَِّ أصنافِ ميراثِ الحضارة الإسلامية والتاريخ، فكان ذلك مكونًا رئيسيًّا لشخصيته، وكوَّنت لديه الإرادة الجادة المبنية على أسسِ من الفهمِ الصحيح لهذا لدين، فعَلَى كل منَّا أن يُلزم نفسه بأوراد خاصة وإنجازاتٍ في أوقات محددة من حفظٍ للقرآنِ والحديثِ وقراءات يومية في شتَّى مجالات المعرفة بالإضافة إلى علوم التخصص لكل منا.

 

(5) على كل منَّا أن يكون منظمًا في حياته، منضبطًا في أوقاته، لا يدع المرء منا شيئًا للظروف، فبمجرد أن تتضح لنا صورةً ما نُريد تحقيقها يجب أن يكون التخطيط الدقيق الخطوة التالية على الطريق، وبهذا التخطيط يصبح لدينا حس هدفي بدونه لا تعرف ماذا تريد، وماذا تستطيع، واعلم أنَّ ساعةً من التخطيط تُوفِّر لك ثلاث ساعات من التنفيذ، ولنا أن نعلم أنَّ النظام والتخطيط الدقيق وضبط الوقت كان عنوان حياة الإمام حسن البنا.

 

(6) الإيجابية: وهي الأهم على الإطلاق إذْ قد يكون لدى الإنسان أفكار قوية وأحلام كبيرة، وإرادة لأن يفعل شيئًا، ولكن الأهم أن يبدأ ويتفاعل بفكرته مع الناس، ويخرجها من حيزها الضيق داخل النفس إلى مجالها الرحب في الحياة ومع الناس.

 

إنَّ الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر المظر الإيجابي الرئيسي في الإسلام الدال على الإيجابية، والتعامل بين الناس؛ حيث إنَّ الإسلامَ خاتمُ الرسالات، والرسول صلى الله عليه وسلم خاتمُ الأنبياء، فكان لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهميته المطلقة لاستمرار انتشار رسالة الله بين العباد، فَهِمَ الإمامُ ذلكَ منذ نعومةِ أظفارِهِ فكان رئيسًا لجمعية الأخلاق الحميدة المعنية بنشر المعروف والنهي عن المنكر، وذلك في الإعدادية داخل المدرسة وخارجها، وأنشأ جمعية منع المحرمات يبعث منها هو وأقرانه خطاباتٍ تحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحُسن أداء العبادة.

 

وعن إيجابيته بعد إنشاء الجماعة حدِّث ولا حرج؛ أسفار لكل البلاد، خطب هنا وهناك، مؤتمرات ومخاطبات لأهل الحكم، حث على الجهاد، حرب فلسطين، إحياء للسنن، مواحهته للاستعمار... الخ حتى استشهاده رضوان الله عليه.

 

وأخيرًا مع هذه الإيجابية والتفاعل والبداية الجادة لا بدَّ من المثابرة والمجهود والإصرار على النجاح مع اليقين والثقة بنصر الله تعالى.

 

وهكذا نكون قد عشنا مع معاني عظيمة مستفادة من شخصة الإمام حسن البنا، مستقاة من أفكاره وأرادته الصلبة وإخلاصه وإيجابيته وفعاليته، فكان القدوة وعلينا الاتباع رحمة الله عليه ورحمه رحمةً واسعةً، وتقبله ربِّي من الشهداء المخلصين.

التعليقات