د.صلاح.. سلطان العلماء

د.صلاح.. سلطان العلماء
 ينطق قاضي الزور بإعدامه فيجيبه لن يضروكم إلا أذى موعدنا في الأقصى، أي همّة هذه؟ هُم منشغلون بإرهابه بالمقصلة، وهو مشغول بتحرير الأقصى، ذلك الهَمّ الذي عاش به وله العالم الرباني الدكتور صلاح سلطان، الذي عاهد أنباءه وأحباءه على المضي معا مخلصين لله جادين في بناء الأمة وتحرير الأسرى والقدس والأقصى وفلسطين.


صلاح سلطان ذلك العالم المجاهد الذي دائما ما ردد على تلاميذه أن الاحتلال الصهيوني هو المرض وما سواه هو العرض، فجاء الانقلاب وأذنابه ليبرهن ليؤكد على صدق ما ردده، ويؤكد معنى ما قاله، حينما جعل من العدو الصهيوني صديقا ومن المقاومة عدوا.


صلاح سلطان ذو الهمة العالية والسريرة النقية، والذي كان مشروعه تحرير الأقصى بتوحيد الصف الإسلامي، فكان يردد ما في صدري من كره مقدس للعدو المغتصب للأرض والعرض لم يجعل في قلبي مكانا لكره مسلم في الأرض، فكان يعمل بدأبٍ ونشاط لجمع التيار الإسلامي تحت راية واحدة نصرة للأمة ومقدساتها، فنصره من نصره وخذله من خذله، إلا إنه لم يحمل يوما بغضا أو كرها لمسلم، لأن لديه رسالة أكبر وعمل أعظم استولى على كيانه ولم يدع للنفس أو الهوى مكانا.

وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً ... تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ

في وقت المحن والابتلاء تظهر معادن الرجال الأوفياء، في وقت الجهاد والنضال تعلو قامة الأتقياء بالعزة والإباء، وترتفع هامة الأنقياء بالاستبسال والعطاء، فيسطرون بدمائهم لا بأقلامهم سير الشهداء والنبلاء، ويتلون بأرواحهم لا بحناجرهم آيات الجهاد والفداء، يلهبون بخُطَب أفعالهم لا أقوالهم حماسة الصامدين المرابطين. 


فَإنْ لا أكُنْ فِيكُمْ خَطِيبًا فَإنَّنِي ... بِسَيْفِي إذَا جَدَّ الْوَغَي لَخَطِيبُ


تراهم من قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم (سيدُ الشهداءِ حمزةُ بنُ عبدِ المطلبِ، ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائرٍ فأمرَهُ ونهاهُ، فقتلَهُ) [صحيح الجامع]


تراهم ممن شروا أنفسهم ابتغاء مرضات الله فباعوا النفس والنفيس لله عز وجل (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاَللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [البقرة: 52] يُقتَلون ويُقتَّلون فتروي دمائهم الذكية وأرواحهم الطاهرة ساحات الجهاد وميادين المقاومة بالصمود والثبات، فيصدق فيهم قوله تعالى: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: 23].


فهم أُسد تجأروا ضد الظلم وتزأروا بقوة الحق فتجعل من الحبس عرينا يهابه ساجنوهم.

تجدهم الرجال في حياتهم، الأبطال في مماتهم، يطلبون الموت أكثر مما يخشاه جلادوهم، لسان حالهم:

فإمــا حيــاة تســر الصــديق ... وإما ممات يغيظ العِدَى

لله در العالمين العاملين أحفاد رهبان الليل فرسان النهار من الصحابة الكرام، أحفاد العلماء المجاهدين من أمثال العز بن عبد السلام، الذين صدعوا بالحق، وجابهوا الباطل، الذين وقف للظلم والطغيان بالمرصاد، الذين أبوا أن يكونوا من علماء السلطان، وأصحاب الجاه، فيرفلون في نعيم الدنيا (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور) [آل عمران: 185]


لا يزيدهم البلاء إلا صبرا ويقينا كيف لا وهم ورثة الأنبياء علما وبلاء ففي الحديث سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم (مَنْ أَشَدُّ الناسِ بَلاءً؟ قال: الأنْبياءُ قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال: العلماءُ قال: ثُمَّ مَنْ؟ قال الصَّالِحُونَ) [صحيح الترغيب] لذا تجد أحدهم كما في تمام الحديث (أشدَّ فرحًا بالبلاءِ من أحدِكم بالعطاءِ).


كنا نظن أن هؤلاء الورثة من العلماء العظماء مجرد شخصيات أو قصص مسطورة في كتب السير والتراجم، حتى جاءت الثورة المصرية وما فيها من أحداث دامية فكانت محنة ومنحة، فرأينا بأم أعيننا من صدّق فعلُه قولَه، فكان من سلاطين العلماء – إن لم يكن سلطانهم.


* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

التعليقات