الدولة الإسلامية في فكر الإمام الشهيد حسن البنا (2- 2)

الدولة الإسلامية في فكر الإمام الشهيد حسن البنا (2- 2)

 

بقلم: أحمد التلاوي*

كانت فكرة "الدولة الإسلامية" واحدةً من أهم الأفكار التي شغلت الإمام الشهيد حسن البنا، على اعتبار أنَّ المشروع السياسي والحضاري الإسلامي الذي نادَت به دعوةُ الإخوان المسلمين التي أسسها الإمام البنا اعتمدت على مجموعة من الآليات السياسية والتربوية والإعلامية للوصول إلى الغاية النهائية للمشروع الإخواني، وهي الوحدة الإسلامية، واستعادة مجد الأمة وعزّها القديم، ومكانتها الحضارية والسياسية في العالم.

 

وقد وضع الإمام "الدولة الإسلامية" على رأسِ أجندةِ عمله السياسي والدعوي خلال المراحل الأولى من عمر الدعوة؛ باعتبار أنَّ تأصيل قيم المشروع الإسلامي بمختلف مستوياتها- الاجتماعية والسياسية والفكرية والثقافية والاقتصادية.. إلخ- لا بد لها من "حاضنة" قوية لكي تقيم الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، وتُحَقِّق حاكمية الشريعة الإسلامية في الأرض.

 

وفي هذا الإطار عمد إلى التأكيد أولاً على شمولية الإسلام، وبالتالي ربطه بالعمل السياسي كجزءٍ لا يتجزَّأ أولاً من الدين الحنيف (والحنيف هو ما حاد عن السوء والتزم الطريق القويم السليم) وثانيًا من المشروع السياسي والدعوي للإخوان المسلمين، وبالتالي وضْع مشروع الدولة الإسلامية على قائمة أولويات الإصلاح في رسالة ومنهج عمل الإخوان.

 

وفي هذا الإطار انشغل في كثير من أدبياته بالحديث عن قضية الدولة والسياسة في الإسلام، مع محاولة نزع الشوائب الموجودة في الفهم والعمل السياسيَّيْن في العصر الحديث، من تدليس وغش وتحالفات شيطانية مكَّنت الأجنبي في مصر من البقاء لعقود طويلة بالتحالف مع حكمٍ ملكيٍّ فاسدٍ، مع تقديم نموذج مخالِف لما يمكن أن نسميَه بـ"العمل السياسي الأخلاقي" أو "أخلاقيات العمل السياسي" بعيدًا عن الحزبية والطائفية.

 

وبهذا النموذج الأخلاقي للسياسة سعى المرشد المؤسس- رحمه الله- إلى تأسيس النموذج الأخلاقي والمثالي للدولة، من جهة تركيبها ووظائفها ومهامها ومهام أجهزتها وسلطاتها المختلفة، وكذلك كيفية تعاملها مع مجموعة من القضايا الإشكالية التي لم ينجح عبْر التاريخ في التعامل معها سوى الحكم الإسلامي، وفشلت الأنظمةُ الأخرى العلمانية والدينية في أوروبا وغيرها خارج ديار الإسلام في تقديم الحلول الناجحة لها، مثل كيفية التعامل مع الأقليات الدينية والعرقية في الدولة الإسلامية، وقضية المواطنة، وقضايا أخرى مثل صلاحيات واستقلالية السلطات المختلفة داخل الدولة، واستلهم البنا في هذا الإطار العديد من النماذج التي حفل بها التاريخ الإسلامي، من تراث عصر النبوة وعصور الخلافات الراشدة الأربعة، وغيرها من النماذج التي صنعت المجدَ الإسلامي القديم، بالإضافة إلى الصبغة الحديثة التي صبغ بها البنا مشروعَه من خلال مستجدات الواقع الإسلامي ومتطلباته، بما لا يتعارض مع الأصول.

 

أولاً: الوطنية تجمع ولا تُفَرِّق

من خلال مختلف ما تركه الإمام حسن البنا من تراث، من خُطَبٍ ورسائلَ ومقالاتٍ وغير ذلك، فإن البنا- رحمه الله- لم ينظر إلى الدولة الإسلامية نظرةً بسيطةً سطحيةً تعتمد على التعريف الموجز للدولة كـ"أرض وشعب وحدود وسيادة" فقط، بل تعدَّاها إلى مناحٍ أكثر عمقًا وفهمًا للدولة بمكوناتها ووظائفها، بدءًا من مفهوم "الوطنية" الذي هو أساس الدولة القومية الحديثة التي ظهرت مع نهاية الحروب الدينية في أوروبا في العام 1648م، ووصولاً إلى السلطات المختلفة للدولة ودور كل منها وسبل تحقيق الاستقلالية لكل منها.

 

في رسالة (دعوتنا) تحدث البنا عن مفهوم الوطنية وأهميته في حياة الشعوب، وقال إنَّه في جانبه الإيجابي الذي يجمع ما بين الناس له أصلٌ في الإسلام، والتمسك به في هذا الإطار أمرٌ مطلوبٌ وواجبٌ شرعيٌّ، ولكنَّ البنا عابَ على بعض المشروعات ذات الصبغة الوطنية في ظاهرها، ولكنها ترمي في النهاية إلى تمكين الشعوبية والتفرقة من رقبة الأمة، ولكن الوطنية المرغوبة بل واللازمة في الإسلام وفْق مشروع الإمام البنا هي الوطنية التي تجمع ما بين أطراف وأعضاء الكيان والمجتمع الواحد، وتكون دعمًا لهم في مواجهة الاحتلال الأجنبي وطرد الغزاة، ونشر الدعوة الإسلامية في كل مكان، وبالمثل رأَى الإمام البنا مفهوم القومية.

 

وعلى هذا الأساس دعا إلى تقوية مجتمعات الأمة وتأسيس الدولة الإسلامية القوية في كل منها للانطلاق نحو حلم الوحدة الإسلامية الجامعة، وقد حدد الإمام البنا حدود وطنية المسلم بـ"العقيدة الجامعة والشاملة" وليس بالحدود الجغرافية الضيقة، وقال في هذا المُقام: "إنَّنا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكلِ بقعةٍ فيها مسلمٌ يقول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وطنٌ عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره، وكلُ المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنُا وإخوانُنَا، نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم".

 

أي أنَّ الدولة الإسلامية في نظر الإمام البنا هي دولة شاملة جامعة لكل من كانت "جنسيته" أو هويته الوطنية "الإسلام"، تقوم على أخلاقيات الفتح وليس الغزو، ونشر القيم الإنسانية النبيلة، وتحمل الخير لكل الإنسانية.

 

ورغم ذلك لم يُنكر البنا في فكره مسألة تمايز الأمم والقوميات، بل واعتبر ذلك من سنن الله سبحانه وتعالى في الأرض وفي الخلق الإنساني: "ولسنا مع هذا نُنْكِر خواص الأمم ومميزاتها الخلقية، فنحن نعلم أنَّ لكل شعب مميزاته وقسطه من الفضيلة والخلق، ونعلم أنَّ الشعوب في هذا تتفاوت وتتفاضل، ونعتقد أنَّ العروبة لها من ذلك النصيب الأوفى والأوفر، ولكن ليس معنى هذا أنْ تتَّخذ الشعوب هذه المزايا ذريعةً إلى العدوان، بل عليها أنْ تتَّخِذَ ذلك وسيلةً إلى تحقيق المهمة السابقة التي كلَّفها كل شعب، تلك هي النهوض بالإنسانية، ولعلك لست واجدًا في التاريخ من أدرك هذا المعنى من شعوب الأرض كما أدركته تلك الكتيبة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم".

 

ثانيًا: أصول الدولة الإسلامية وعوامل التحلُّل

في رسالته "بين الأمس واليوم" حدَّد الإمام البنا- رحمه الله- مجموعة من الأطر التي على أساسها بنى مشروعَه الجديد للنهضة الإسلامية، ممثلةً في الدولة الشاملة التي تنطلق من عناصر القوة التي حدَّدها الله تعالى في كتابه الكريم، وأبرزتها سنة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، هذه الأطر تكلمت أولاً عن الدولة الإسلامية الأولى في أصولها النقية، وثانيًا عن عوامل ضعف الدولة الإسلامية وأسباب سقوطها، ودراسة عوامل القوة والضعف هذه ومحاولة تعظيم نتائج عوامل القوة، وتلافي نقاط الضعف التي أدَّت إلى سقوط دولة الخلافة الإسلامية.

 

ومن ضمن عناصر قوة الدولة كما حددها الامام البنا في كتاباته:

- وحدة القيادة السياسية.

- اتباع النظام الاجتماعي القرآني.

- اللامركزية في الحكم: بيت المال والجيش وإدارة شئون الولايات.. إلخ.

- الابتعاد عن سيطرة السلطات الدينية على العمل السياسي وعلى الجانب الروحي من حياة البشر.

- الابتكار الحضاري الذاتي بجانب النقل والتطوير عن الحضارات الأخرى.

- الالتزام الإيماني.

 

وعلى المستوى الآخر، وبجوار مؤامرات الخارج وسياسات المستعمر لضرب الوحدة الإسلامية وتفكيك دولة الخلافة، وجد البنا أنَّ هناك عوامل أدَّت إلى تحلُّل الدولة الإسلامية وعدَّدَها على النحو التالي:

 

- الخلافات السياسية والعصبية وتنازع "الرياسة والجاه"، بالرغم من التَّحْذِير الشديد الذي جاء به الإسلام في ذلك ودعواته إلى الرغبة عن طلب السلطة والحكم.

 

- الخلافات الدينية والمذهبية والانصراف عن الدين كعقائد وأعمال إلى "ألفاظ ومصطلحات ميتة لا روح فيها ولا حياة"، وإهمال كتاب الله وسنة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والجمود والتعصب للآراء والأقوال والاهتمام بالجدل بعيدًا عن مصلحة الأمة الإسلامية ككل.

 

- الانغماس في أمور الدنيا وترفها، بعيدًا عن ما يجب على الحاكم الاهتمام به من شئون المسلمين.

 

- انتقال السلطة والحكم إلى الشعوبيِّين من غير العرب، من الفرسِ والمماليكِ والأتراكِ وغيرهم "ممن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح"، مع زيادة وتيرة الدسائس والمؤامرات.

 

- إهمال العلوم والمعارف التطبيقية، والاهتمام بالفلسفات النظرية العقيمة، بما يخالف ما أمرَ به صحيح الدين الإسلامي الحنيف والقرآن الكريم.

 

- الاغترار بالسلطة وإهمال النظر في التطور الاجتماعي للأمة الإسلامية مقارنة بغيرها، بحيث زادت الفجوة الحضارية سياسيًّا واجتماعيًّا وعلميًّا.

 

ويضاف إلى ذلك عوامل داخلية وخارجية أخرى تتعلق بطغيان المادة، والصراع الاجتماعي، ونهضة الأمم الأخرى ومؤامرات أعداء الأمة عليها، حتى تفككت وسقطت أرجاء الأمة في أيدي الاستعمار الغربي سواء الفرنسي أو الإسباني أو البريطاني، فكانت البداية في ضياع الأندلس، واستمر مسلسل الضياع والتفكك حتى القرن العشرين الميلادي المنصرم، حيث كارثة انهيار الخلافة العثمانية، بالإضافة إلى نكبة ضياع فلسطين.

 

ثالثًا: الدولة الإسلامية كضرورة حضارية

على أساس هذه الصورة وضع الإمام البنا على رأس أهداف دعوة الإخوان المسلمين هدفين رئيسيين؛ أولهما: تحرير العالم الإسلامي من الاستعمار الأجنبي، والثاني "أن تقوم في هذا الوطن الحُرِّ دولةٌ إسلاميةٌ حُرَّةٌ تعمل بأحكام الإسلام وتُطَبِّق نظامَه الاجتماعي، وتُعْلن مبادئه القويمة وتبلِّغ دعوته الحكيمة الناس، وما لم تقم هذه الدولة فإنَّ المسلمين جميعًا آثمون مسئولون بين يدي الله العلي الكبير عن تقصيرهم في إقامتها وقعودِهِم عن إقامتها، ومن العقوق للإنسانية في هذه الظروف الجائرة أنْ تقوم فيها دولة تهتف بالمبادئ الظَّالمة، وتُنادي بالدعوات الغاشمة ولا يكون في الناس من يعمل لتقوم دولة الحق والعدالة والسلام".

 

وفي السياق العام وضع البنا والإخوان المسلمون من بعده تصوُّرًا للدولة الإسلامية يقوم على أساس مبدئي عام يقول "الدولة الإسلامية دولة مدنية مرجعيتها إسلامية" بعيدًا عن طراز الدولة العلمانية التي تفصل ما بين الدين والسياسة والدولة، وعن نظام الدولة الكَنَسِيَّة الأوروبية القديمة التي غالت في سيطرة الكنيسة الكاثوليكية على الحكم، وغالت في هيمنة رجال الدين على أمور الدين والدنيا بما لا يُوجَد له أي أساس في الإسلام، لا على المستوى النظري أو المستوى التطبيقي.

 

وفي هذا المُقام بدأ الإمام البنا في رسالة "مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي" في تحديد القواعد الرئيسة لنظام الحكم الإسلامي- أول وأهم ركن من أركان الدولة- بشكل عام ومنهجي، وفي هذا الإطار فإن نظام الحكم في الإسلام يعتمد على القواعد الثلاث الآتية: مسئولية الحاكم، واحترام إرادة الأمة، والمحافظة على وحدة هذه الأمة، على أنْ يكون نظام الحكم الإسلامي نظامًا نيابيًّا يقوم على الشورى والانتخاب والتداول السلمي للسلطة، والحفاظ على المصلحة العام للأمة.

 

مسئولية الحاكم: الحاكم مسئول أمام الله سبحانه وتعالى، وأمام الشعب والناس، "وهو أجير لهم وعامل لديهم"، وقد بنى البنا فلسفته الخاصة في هذا المقام على أساس كلام رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، مثل "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، وقال إنَّ أبا بكر الصديق رضي الله عنه وضع أساس العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكومين بقوله عندما تولَّى الحكم: "أيها الناس، كنت أحترف لعيالي فأكتسب قوتهم، فأنا الآن أحترف لكم، فافرضوا لي من بيت مالكم".

 

وحدة الأمة: والمبدأ في هذا الإطار هو المبدأ القائم على أساس الأخوَّة في الله والدين، "لأنَّ الأخوَّة التي جمع الإسلام عليها القلوب أصل من أصول الإيمان لا يتم إلا بها ولا يتحقق إلا بوجودها"، وعلى العكس يكون الأثر السيء متى تفرقت الأمة، ومن هنا ظهرت أهمية الطاعة لأولي الأمر ووحدة قراره شرط الالتزام بطاعة الله سبحانه وتعالى.

 

احترام إرادة الأمة: وهذا المبدأ هو الأكثر تسييسًا فيما طرحه الإمام البنا من أركان الدولة الإسلامية، وهو مبدأ أجمعت عليه كافة أنظمة الحكم في العصر الحالي، باعتبار أنَّ "الشعب هو مصدر السلطات كلها"، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية وميراث الخلفاء الراشدين العديد من القواعد التي حدَّدَتْ هذه المسئولية.

 

وينقسم نظام الحكم في الدولة الإسلامية إلى راعٍ وحكومة ورعية (وليس إلى حاكم وحكومة وكفى لأن الشعب جزء أصيل من نظام الحكم باعتبار أنَّه مصدر السلطات) وفي خصوص الشق الأول لنظام الحكم في الدولة الإسلامية، وهو الحاكم، فإنه يجب أنْ يكون مستوفيًا لكافة شروط الولاية أو الإمامة الكبرى التي حددها الإسلام: الإسلام، والكفاية في الأداء، وسلامة العقل والجسم، والأمانة، والعدل، وغير ذلك من السمات.

 

أما الحكومة فقد قال فيها الإمام البنا: "يفترض الإسلام الحنيف الحكومة قاعدةً من قواعد النظام الاجتماعي الذي جاء به للناس، فهو لا يُقِرُّ الفوضى، ولا يدع الجماعة المسلمة بغير إمام، ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه: "إذا نزلت ببلد وليس فيه سلطان فارحل عنه"، كما قال في حديث آخر لبعض أصحابه كذلك: "إذا كنتم ثلاثة فأمِّروا عليكم رجلاً".

 

وقد ظهرت الدولة في حياة الأمم لصيانة حقوق المواطنين وحراسة الدين كوسيلة شرعية وضرورة اجتماعية لازمة، تعمل على تحقيق العديد من الأهداف في الداخل والخارج، ففي الداخل تحتل قضية بناء الإنسان وزيادة رصيده الحضاري والمعرفي وتنميته، وتثبيت مبدأ الحكم بالشريعة الإسلامية، وإقامة مجتمع الأخلاق، وفي الخارج تطوير وضعية الأمة بين الأمم الأخرى والتفاعل مع من سالم المسلمين من الأمم الأخرى، وحماية مصالح الأمة في الخارج، وردع المعتدين والغُزاة، وغير ذلك من مهام الدولة الحديثة.

 

رابعًا: سمات الدولة الإسلامية

والدولة في المشروع الإخواني لها العديد من السمات، فهي دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية كما سبق القول تقوم على أساس العقد الاجتماعي بين المحكومين والحاكم، وعلى أساس ذلك يكون لكل فرد فيها الحق في المواطنة، فهي إذن دولة مواطنة ذات طابع تمثيلي، أي الشورى نيابة الأمة من جانب أهل الحل والعقد، كذلك هي دولة تعددية تقوم على أساس مبدأ تداول السلطة، وتكون السيادة فيها للمؤسسات لا الأفراد، وكذلك للقانون وليس للأحكام العرفية، أو ما يُعرف في الأدبيات الحديثة باسم قوانين الطوارئ.

 

والمشروع الحضاري للإمام البنا- رحمه الله- يرى أنَّ الدولة الإسلامية يجب أنْ تقوم على أساس الطاعة والدعم بالأموال والأنفس من جانب المواطنين تجاه الدولة أو الأمة حال قيام الدولة أو الحاكم بواجباته والتزاماته مثل تحقيق العدالة والأمن وصيانة المال العام ونشر التعليم والتنمية ونشر الفضيلة، والعمل على اكتساب كافة دعائم القوة الشاملة لتسود الأمة الإسلامية على كل ما عداها من أممٍ أخرى وتُقَدِّم النموذج الذي يُحتذى من الآخرين كأقوى وسيلة لنشر الإسلام في العالم.

 

وبما أنَّ الإخوان فكرة إصلاحية شاملة كما قال البنا في رسالته إلى المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس الجماعة، فإن مشروع الدولة الإسلامية تم وضع تصور دقيق وشامل له بين شكل سلطات الدولة ومهامها (التشريعية والقضائية والتنفيذية)، وكذلك شكل المشروع الاجتماعي والاقتصادي الذي يجب على الدولة في الإسلام تبنيه، وكيفية الحفاظ على المال العام.

 

ولعل أهم ما طرحه الإمام البنا في هذا المقام كان مبدأ استقلالية القضاء وسيادته، وكذلك مبدأ الفصل ما بين السلطات، هذا على المستوى السياسي، أمَّا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي فقد ركَّز البنا على أهمية سيادة الأخلاق الإسلامية في العمل الاقتصادي والبعد الاجتماعي بحيث لا يكون هناك فساد أو احتكار، وتسود قيم العدالة الاجتماعية، والتكافل الاجتماعي، وحماية المال العام.

-----------

(*) باحث ومحلل سياسي

التعليقات