الجزء الثالث من سلسلة أحاديث الثلاثاء

الجزء الثالث من سلسلة أحاديث الثلاثاء

 

[11] نظرة عامة في كتاب الله

نحمد الله تبارك وتعالى، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، ونستفتح بالذي هو خير..

 

أيها الإخوة الفُضلاء أحيِّيكم بتحيةِ الإسلام تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

 

وهكذا لا يزال هذا اليوم وهذه الليلة تزداد إشراقًا فوق إشراق وتتخذ في النفس منزلةً فوق منزلة، فأسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعنا بالحب فيه والاجتماع عليه، وأن يسلكنا مع الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ من قِبَل الحقِّ تبارك وتَعَالى، أين المتحابون فيَّ، أين المتزاورون فيِّ، اليوم أظلهم بجلالي، يوم لا ظلَّ إلا ظلِّي".

 

وبعد أيها الإخوان

في هذه الليلة لم أحدِّد نظرةً خاصةً أتحدث إليكم من خلالها حول كتاب الله تبارك وتعالى، ولكني كثيرًا ما يخطر لي، وبخاصة في حديثي ومحاضراتي ودروسي مع الإخوان في البلاد معنى عام، هذا المعنى هو نظرةٌ شاملةٌ إلى كتاب الله تبارك وتعالى، وقد أحببت أن أتحدَّث عن هذه النظرةِ العامة الليلة وبخاصة وكثيرة من مندوبي شُعب الإخوان في القاهرة معنا الليلة.

 

أحببت أيها الإخوان أن أتحدَّثَ عن هذه النظرة العامة، ليكونَ في ذلك ضوء يلقي على دعوتنا، فدعوتنا دعوةٌ إلى القرآن الكريم ويكون في ذلك توجيه إلى أذهان دعاة الإخوان ويكون في ذلك حصر للمعاني التوجيهية في كتاب الله، فما أتحدَّث إليكم عنه هذه الليلة أيها الإخوان هو تصويرٌ مجملٌ لدعوةِ الإخوان المسلمين.

 

إننا نتلو كتاب الله تبارك وتعالى ونتصفحه ونتنقل في رِيَاضِ سُوَرِهِ، وَنَتَنَقَّلُ بين هذه الأزاهير الشهية الطيبة من آياته ونجيل النظر فيه ونقطع هذه المراحل من الفواصل القرآنية فاصلة بعد فاصلة وسورة بعد سورة، وبهذه المناسبة أسوق إليكم أيها الإخوان استطرادًا من معنى الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من أحب عباد الله إلى الله الحال المرتحل، قالوا ومن الحال المرتحل يا رسول الله؟ قال من يختم فيبدأ، ويبدأ فيختم، وهكذا لا يزال في حل وترحال مع كتاب الله تبارك وتعالى".

 

وكما قال عبد الله بن مسعود: إذا تلوت آل حم، نزلت في رياض يانعات أتألق فيهن، وذلك لما فيها من روعة التصوير وجمال الأسلوب والترغيب والترهيب، وبمناسبة حديث الحال المرتحل يقولون: من المستحب أن الإنسان إذا ختم يستحب له ألا يختم بذلك، ولكن يبدأ بالفاتحة، ثم بآيات من سورة البقرة، حتى يكون قد وصل البدء بالختم ثم يدعو بعد ذلك بما يشاء" ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾ (البقرة) إن الإنسان أيها الإخوان إذا تلا في آيات الله وقرأ كتاب الله يستطيع أن يحصر العناصر الكلية لكتاب الله في أمور أربعة:

 

الأمر الأول هو العقيدة السليمة

إن كتاب الله تبارك وتعالى قد عالج العقيدة الإنسانية.. لأن الإنسانَ لا يستطيع أن يعيش بغير عقيدة، والعقيدة فطرةٌ في نفس الإنسان، ويقول في هذا المعنى أحد علماء العرب: "إنني إذا سُئِلَتُ لماذا أنا مؤمن بالله؟ لا أستطيع أن أُجيب عن هذا السؤال إلا بنفس الجواب الذي أُجيبه إذا سُئِلت لماذا آكل ولماذا أشرب ولماذا أنام؟ لأنَّ الأكل والشرب والنوم ضرورياتٌ لوجودي المادي، وكذلك الإيمان ضروري لوجودي الروحي".

 

وقد جاء القرآن الكريم أيها الإخوان لينظِّمَ هذه الضرورة الإنسانية الروحية تنظيمًا سهلاً هينًا، ونستطيع أن نحصرَ العقائدَ التي جاءت في كتاب الله، وهي إيمان بالله وبالجزاء وما وراء ذلك، وهو إيمان هين سهل ليس فيه دقائق يصعب عليك تفهمها، فالقرآن الكريم يريد منك أيها المؤمن أن تضعَ نصب عينيك حقيقةَ أنك متصلٌ بالقوة المتصرفة في هذا الكون، القوة التي تهيمن على كل شيء، القوة التي تقدر على كل شيء، وهي قريبةٌ منك بل أقرب من نفسك إليك.

 

والقرآن يريد منك أن تؤمنَ بالحياةِ الروحية المستقبلة، وأقصد بالروحية أي المتجددة، وأن تؤمن بأنَّ الحياة لا تنتهي بتحلُّل جسمك؛ ولكن لا بد من حياة أخرى تحاسب فيها، فإن عملت خيرًا كان لك الخير، وإن كان غير ذلك كان لك جزاء ما عملت، والأساس العملي لذلك كله هو أن تؤمنَ بالله واليوم الآخر.

 

فأنت حين تقرأ القرآن تقرأ من أول آية تقابلك ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4)﴾ (البقرة) ثم نقرأ بعد بضع آيات تعريفًا بالله تبارك وتعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24)﴾ (البقرة).

 

وقد نحا القرآن في هذا منحًى غريبًا لم يسبقْهُ فيه كتابٌ من كُتُبِ العقيدة؛ فأنت تجد فيه المعنى البسيط المؤثر المبني على الفطرة الإنسانية الخالية من كل كلفة ومن كل تصنع، فالقرآن الكريم يخاطب الفطرة الإنسانية مجردة من كل لون صناعي، لا يخاطبها على أساس الفلسفة أو المنطلق أو النظرات اللاهوتية، لأن هذا كله مما وضع الناس للناس، فحسبك أن تفهم وأنت تقرأ في كتاب الله ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)﴾ (الحج).

 

﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)﴾ (البقرة).

 

ثم انظر يا أخي كيفية الاستدلال بالمعجز الإنساني على قدرة الله تبارك وتعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمْ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بهم﴾ هنا يا أخي تتجلَّى الفطرة الإنسانية في أروع معاني إيمانها ﴿دَعَوْا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ (22)﴾ (يونس).

 

إن كتاب الله تبارك وتعالى يستثير القلب ليؤمن بما يجب أن يؤمن به القلب ثم لا يقف الإيمان عند هذه الناحية، لأنه إذا وقف عند هذا كان إيمانًا علميًّا نظريًّا، لكنه يشعرك بأن الآخرة تنتظرك، ورقابة الله تلازمك ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)﴾ (يونس) ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)﴾ (غافر).

 

فأينما توجهت يا أخي رأيت عين الله ناظرةً إليك، وأحسست رقابة الله عليك والنتيجة العلمية لذلك مراقبا لله "فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

 

والآخرة تراها كذلك باستمرار أمامك ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)﴾ (الكهف) ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28)﴾ (الجاثية) ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾ (الأنبياء).

 

إذًا فهي عقيدة فطرية عملية تعتمد على الفطرة وتسوق الفطرة إلى العمل وإلى الخير، وهي عقيدةٌ سليمةٌ تجمع البساطةَ والعمق معًا، هذا هو الأمر الأول.

 

والأمر الثاني عبادة صحيحة

إنك تقرأ يا أخي في كتاب الله تبارك وتعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة من الآية:43) وتقرأ ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (البقرة من الآية:197) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (البقرة من الآية: 183) ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)﴾ (الأحزاب) ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (نوح) ففي كتاب الله تبارك وتعالى يا أخي عبادات إيجابية تعملها، وعبادات سلبية تتركها، ذلك لأن ترك المحرمات عبادة ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغَضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (النور) ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(90)﴾ (المائدة).

 

ومن الأمور المبكية أن المشركين الذين عاب الله عليهم اتخاذ الأزلام لم يكونوا متمسكين بها تمسكنا بالعرافين والدجالين، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أتى كاهنًا أو عرَّافًا فصدَّقه بما قال، فقد حُجِبَتْ عنه التوبةُ أربعين صباحًا" ويقول صلى الله عليه وسلم "من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدَّقه بما قال فَقَدْ كَفَرَ بما نزل على محمد"، ودخل عبد الله بن مسعود على زوجته ذات يوم فوجد في عنقها شيئًا فنزع هذا الشيء وقال: لقد أصبح عنوان آل مسعود أنهم أغنياء عن الشرك، وإن التمائم والتولة شرك" (التولة شيء تصنعه النساء ليتحببن به إلى أزواجهن) فانظر إلى هذا المعنى يا أخي.

 

ونعود فنقول: إن ترك ما نهى الله عنه امتثالاً لأمر الله تبارك وتعالى يعتبر عبادةً، عبادة ينال صاحبُها عليها مثوبة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الحسنات والسيئات في كتابه، فمن هَمَّ بحسنةٍ فَلَمْ يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعين إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت عليه سيئة".

 

ويجب في الأعمال الإيجابية التي أمرك الله تعالى بها، أن تعملها كما أمرت، فتتمم أشكالها الظاهرة، وتحسن أعمالها الباطنة، لتكون مخلصًا لله تعالى، أما العبادات السلبية فتبتعد عنها ابتغاء مرضاة الله، فقد ورد "من غَضَّ نظرة خشيةَ الله أعقبه الله إيماناً يحد حلاوته في قلبه".
وأنت يا أخي تجد آيات العبادات موجودة في ثنايا السور والآيات من كتاب الله تبارك وتعالى وهو لم يعرض لتفاصيل هذه العبادات، فتجد مثلاً في كتاب الله ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ولكنه لم يوضح عدد الركعات، فتأتي الأحاديث والسنة المطهرة فتبين ذلك ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل من الآية: 44) ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر من الآية 7).

 

أما الأمر الثالث أيها الإخوان فهو أخلاق فاضلة

والفرق بين الأخلاق والعبادات أن العبادات تعملها لله والأخلاق صفات في النفس، تصدر عنها أفعالك الإنسانية كالصدق والأمانة، والوفاء، والشجاعة، والعفو، والتسامح.

 

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)﴾ (آل عمران) ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وِحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(177)﴾ (البقرة) ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ (البقرة من الآية: 45) ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(200)﴾ (آل عمران) ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ (الرعد من الآية 20) ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً(34)﴾ (الإسراء) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ(8)﴾ (المؤمنون).

 

ويقول الإمام الشافعي رضي الله عنه: والله لو أخذ الناس بهذه الآية لكفتهم ﴿إِنَّ اللَّّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(90)﴾ (النحل).

 

وهناك يا أخي أخلاق إيجابية كالصبر، والحلم، والكرم، والوفاء، والشجاعة، وهناك أيضًا أخلاق سلبية كالجزع والبخل، وحب الدنيا، وكتاب الله تبارك وتعالى يأمرك بالأولى، وينهاك عن الثانية ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس).

 

والأمر الرابع هو أحكام اجتماعية عادلة

وهذه الأحكام أيها الإخوان ليست للفرد؛ ولكنها للمجموع.. إن صلات الناس بعضهم ببعض لا ينفع فيها صلاح الفرد وحده؛ لأن احتكاك الناس يولد عدوانًا، فلا بد من زاجر لهذا العدوان، والعدوان يقع على العرض والدم والمال، وقد جاء كتاب الله تبارك وتعالى ليحفظ للناس ذلك حتى من الكلمة ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (4)﴾ (النور) ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةً وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)﴾ (النور)

 

وأمر كتاب الله تبارك وتعالى بالكسب، وحث على السعي، ونهى أن تمتد الأيدي إلى أموال الناس، فمن خالف ذلك واعتدى فهذا جزاؤه ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)﴾ (المائدة).

 

وجاء كتاب الله تبارك وتعالى ليحفظ الدماء ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38)﴾ (المائدة من الآية 45) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)﴾ (البقرة).

 

وفي القرآن الكريم أيها الإخوان القانون العام والقانون الدولي أيضًا ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ (59) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال).

 

وفي كتاب الله تبارك وتعالى قواعد الاتفاق الدولي ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)﴾ (التوبة).

 

ويتميز الفقه الإسلامي بدقة النظر واستيعاب البحوث، واستيفاء الدراسة، والغوص في الدقائق التطبيقية، فالعقيدة السليمة والعبادة الصحيحة والخلق الفاضل والحكم العادل هي يا أخي الأركان الأربعة التي يتكون منها البناء القرآني.

 

وكتاب الله تبارك وتعالى يرمي إلى تحقيق هذه الأمور الأربعة الأساسية في نفوس المؤمنين، بعد هذا أستطيع أيها الإخوان أن أقول لكم تعليقات موجزة حول هذه الناحية:

 

إن القرآن الكريم لم يسلكْ في هذا مسالكَ الكتب العلمية، فيأتي بالعقائد في ناحية، وبالعبادات في ناحية، والأخلاق في ناحية وبالأحكام في ناحية.

 

الواقع أن كتاب الله تبارك وتعالى إنما نزل هكذا لقصدٍ حكيم، ولأسلوب بديع رائع، لولاه ما تحقق المقصود بالقرآن؛ ذلك لأن كتاب الله لا يقصد أبدًا إلى الفائدة العلمية وحدها، ولم يأتِ ليملأ رءوس الناس وأدمغتهم وحوافظهم بكثير أو قليل من النظريات العلمية؛ إنما جاء كتاب الله ليصقل النفوس، وينير جوانبها، ويزيل الغشاوات عن الأرواح، فتكون أرواح الناس هذه منابع للعلم، ويصبح عندها هذا الاستعداد للتلقي عن الحق تبارك وتعالى، وبما أن النفس الإنسانية وحدة لا تتجزَّأ، فالعقيدةُ مظهرٌ من مظاهر هذه النفس والخلق أيضًا والعبادات كذلك حالة من حالات النفس والحكم هو الآخر مقصد للتأثير في هذه النفس ولزجرها، ولذلك جاءت كل هذه الأمور على كل شكل جرعة واحدة لا تستغني عنها النفس مجتمعة حتى تؤتي أثرها.

 

ولهذا يا أخي، كان القرآن في كل مرحلة، يمزج هذا الدواء بعضه ببعض، ثم يقسمه في كل عصر بحسب ظروفه.

 

وقد تجد يا أخي الآية الواحدة، وقد تضمنَّت كل هذه الأمور مجتمعة ﴿الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون(3)﴾ (البقرة).

 

وكتاب الله تبارك وتعالى على هذه الصورة، يدفع الملل والسآمة والجفاف العلمي، ويتفادى تقسيم العلوم في الأزمان المختلفة، فوصل إلى ما يريد، ولم يصطدم بالعقل الإنساني في عصر من العصور.

 

إن أسلافنا حين نظروا إلى القرآن هذه النظرة، وحين أدركوا من مراميه هذه الأمور الأربعة، عملوا بها فكانت عقيدتهم سليمة.

 

سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة: "كيف تجدك؟" قال: أجدني مؤمنًا بالله تبارك وتعالى حقًّا، قال: انظر ماذا تقول؟ قال: يا رسول الله، لكأني أرى عرش ربي قائمًا، والجنة عن يميني، والنار عن يساري، والصراط تحت قدمي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد عرفت فالزم".

 

وفي هذا المعنى يقول أحد العارفين: لو كُشِفَ عنك الحجاب لوجدت الآخرة أقربَ إليك من أن ترحلَ إليها، فكانت عبادتهم صحيحة، والدليل على شدة حرصهم على أن تكون عبادتهم كاملةً صحيحةً، أيها الإخوان، هذا الذي كان من أَمْرِ أبي طلحة، حين كان يعمل في حديقة، فنظر فوجد الشمس على رءوس الشجر، فألقى الفأس وأسرع إلى المسجد، وأدرك العصر في آخر وقته، وذهب باكيًا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم يقول: هلك أبو طلحة يا رسول الله، الحديقة وما فيها صدقةٌ لله.

 

أما أخلاقهم أيها الإخوان، فهي في نهاية الكمال، فقد حُكِيَ أن سيدنا عمر رضي الله عنه جاءته أكسية من الشام، فوزعها على المسلمين، وبقيت عباءة ممتازة فتحيَّر لمن يعطيها ثم اهتدى إلى المسور بن مخرمة، وكان شابًّا تقيًّا صالحًا، وقال إذا أعطيته إياها لم يغضب المسلمون، وفي صلاة الفجر، وقف المسور بن مخرمة لابسًا تلك العباءة بجوار سيدنا سعد بن أبي وقاص، فغضب حين رآها أحسن من عباءته، فقال: والله لأضربن بها وجه عمر، فذهب إلى عمر وقال: يا أمير المؤمنين، قد فعلت كذا وكذا، قال عمر: اجلس يا أبا مالك، وقصَّ عليه القصص، وقال: لوكنت مكاني ماذا تصنع؟ قال: لا أصنع إلا ما صنعت، ثم قال: يا أمير المؤمنين، وما رأيك في يمين حلفتها؟ قال: وما هي؟ قال كذا، فمدَّ عمر وجهَه وقال: برَّ بيمينك، وقال: وليرفق الشيخ بالشيخ.

 

هذا معنى من معاني الخلق السامي أيها الإخوان.. سيدنا عمر لا يغضب، وسيدنا سعد ينصف، ثم يتواضع عمر، فيحل من نفسه.

 

أمَّا أحكامهم فيكفي قول سيدنا أبي بكر الصديق "لوضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله".بهذا كافأهم الله، وجعلهم سادات الدنيا في بضع سنين ﴿أُولِئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (الأحقاف).

 

أما نحن الآن فعقائدنا فيها ثغرات كثيرة، وفيها ضعف كثير، وعباداتنا كثير منها لا يؤدِّي إلى العبادات الإيمانية، وقليل من يحسنها ممن يؤدونها -وأخلاقنا محطمة- وأحكامنا أنتم تعلمون من أين تستمد.

 

فالأركان القرآنية الأربعة محطمة في أنفسنا، نسأل الله أن يعيننا وأن يوفقنا إلى تحقيق هذه الأمور، لنكون بحقٍّ أمةً قرآنيةً تحل ما أحل الله، وترحم ما حرم الله، وتحكم بما أنزل الله، هذه أيها الإخوان هي المعاني التي جالت بنفسي الليلة أحببت أن أفضيَ بها إليكم، لتكونَ نظرة شاملة وعامة ومجملة لكتاب الله تبارك وتعالى - القرآن الكريم -ولتكون بيانًا عامًّا لدعوة الإخوان المسلمين- وفقنا الله وإياكم للخير وهدانا جميعًا سواء السبيل.

وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

*****************

(12) أجمع السور لمعاني القرآن ومراميه

نحمدُ الله تبارك وتعالى، ونُصلي ونسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحابته ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدين، ونُحييكم أيها الإخوة الفضلاء، تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً.. فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

 

جميلٌ جدًّا أن يقف الإنسانُ هذا الموقف من هذه الصفوة الطيبة والنخبة الممتازة من الشباب المؤمن الطهور الذي ما جمعه هذا الجمع وما ألَّف بين قلوبه هذا التأليف إلا دعوةٌ صالحةٌ وكلمةٌ صالحةٌ وغايةٌ صالحةٌ، ونسأل الله أن يجعلنا من أهل الصلاح- الصلاح للدنيا والصلاح للآخرة، والصلاح للحق وبالحق، إنه نعم المولى ونعم النصير.

 

تُرى أية مغفرة وأية رحمة وأي فيضٍ يتنزَّل علينا في هذا المجلس الكريم الذي ينعقد في الله لله؟ّ أية رحمة؟ أية مغفرة؟ أيّ فيضٍ ينزل علينا نحن المجتمعين في روضة من رياض الجنة؟ أليس اجتماعنا من حِلَق الذكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إذا رأيتم رياض الجنة فارتعوا، قالوا: وما رياض الجنة يا رسول الله؟ قال: حلق الذكر".. ويقول- صلى الله عليه وسلم-: "ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوتِ الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة، وتنزَّلت عليهم السكينة، وحفَّتهم الملائكة وذكرهم الله في ملأ عنده".

 

أيها الإخوان الأحباء، ألم نجتمع نحن في بيتٍ من بيوتِ الله؟! إن لم يكن مسجدًا فهو ملحَقٌ بالمساجد في الغايةِ التي أُنشئ من أجلها المسجد والتي يعمل لها، أليست تقام فيه الصلوات وتُصلى فيه الجُمَع؟! قام على تقوى من الله ورضوان دائمًا يجتمع فيه الإخوان للتآزُر على البر والتقوى.. ألسنا نتذاكر كتاب الله ونتدارسه؟! وأليس عنوان أحاديث الثلاثاء: "نظرات في كتاب الله"؟!

 

فنحن في بيتٍ من بيوت الله، فأبشروا أيها الإخوان فإنَّ الملائكةَ تحفُّنا، إن رحمةَ الله تغشانا، إن السكينةَ تتنزَّل علينا.. هذه عاطفة الثلاثاء التي لا بد أن يستشعرها مثلي حين يقف بينكم والتي يجب أن تأخذ نصيبها كاملاً.. لا أزيد فيها شيئًا، ولا أتعملها تعملاً.. ولكنه وحي القلب إلى القلب.

 

وبعد.. أيها الإخوة الأحباء، إذا تأملنا سورة الحجرات.. وعرضنا لما فيها من تطبيقٍ لقواعد، فسوف نلاحظ أن النهضة الكاملة إنما تأتي من قائد وجند، ومنهاج وغاية، وقد جمعت سورة الحجرات كل ذلك؛ فثُلثُها الأول يبين حق القيادة وشرائطها وحسن الأدب معها، وثلثها الثاني تناول صفات الجند وما يكونون عليه من حبٍّ ووحدة، والثلث الأخير حدد الغاية ووضحها فالغاية وجه الله.. يعين عليها صفاء القلوب، ونقاء السرائر حتى تتجه القلوب إلى الله، وتتصف بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ(15)﴾ (الحجرات) فإذا وجد قوم غايتُهم هذه، ثم لم يرتابوا، ثم اجتمعت قلوبُهم من غير سخرية، ولا تجسس، ولا نميمة.. إلى غير ذلك من الأوصافِ التي تناولها السورة الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (الحجرات: من الآية 11).. ثم قيادة تقودهم تحت لواء رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتنهج بهم نهجه، وتسير وفق سنته، إذا وجدت- أيها الإخوان- القيادة المستنَّة بسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والقلوب المتجهة إلى الله وحده سبحانه وتعالى، فبشِّر الناهضين بتحقيق أمانيهم، مهما كان أمامها من عقبات ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية 21).

 

والثلث الأخير أو الركن الأخير من هذه السورة الكريمة هو أساس الأسس.. هو تمحيص الغاية، وهو موضوع محاضرة الليلة..

 

نريد أيها الإخوان أن نمحِّص الغاية تمحيصًا سليمًا حقيقيًّا.. فإذا محَّصناها كذلك اجتمعت عليها قلوبنا، فإذا اجتمعت عليها قلوبنا، أوجد الله منا مَن يقودنا.. وهذا المعنى قد خاطبني فيه أحدُ الإخوان بعد المحاضرة السابقة فعلَق بقلبي، فأخذتُ أفكِّر، فوجدتُ القرآن الكريم قد أشار إلى هذه الغاية في سورة واحدة لعلها أقصر سورة وإن كانت من أجمعها لمعانيه ومراميه، تلك السورة هي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾ (الإخلاص).

 

أرددها وأقرأُها وأتلوها وقلت: لِمَ لا أتحدث للإخوان في قوله تبارك وتعالى:﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾ فمعناها أيها الإخوان مُنصبٌّ ومتجهٌ إلى الغاية كل الاتجاه، ووالله لو فقه المسلمون السورة، وفهموا مراميَها، وجعلوها نُصبَ أعينهم، ووعتْها قلوبُهم وجوارحهم لكان هذا وحده كافيًا لتحقيقِ وحدتهم وتحقيق نصرتهم.

 

ولقد جاء قومٌ من يهود فسألوا النبي- صلى الله عليه وسلم-: يا محمد، انسب لنا ربك، إنك تدعونا إلى الله، وإن الغاية التي تحدثنا عنها أن نتصل بالله.. فأنزل الله تعالي ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾.. كان الردُّ هو تلك الآيات الجامعات التي جمعت حقَّ الألوهية على قصرها وروعتها وسلاستها.

 

حددت الغاية كما حدَّدها كثيرٌ من آيات القرآن الكريم ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)﴾ (‌النحل) ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾ (فصلت) ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(104)﴾ (آل عمران) ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)﴾ (الأحزاب) ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 15).

 

أليست الدعوة مبدؤها ومنتهاها ولُحمتها وسداها أن يتصل الناس بالله صلةً حقيقيةً، وأن يتعرفوا إليه تعرفًا حقيقيًّا، حتى يحرزوا معونتَه في الدنيا وحسن الثواب في الآخرة، وهي الغاية التي قامت عليها السماءُ والأرض وبُعث لها النبيون، ويقوم بها الصالحون.. هذه السورة علي وجازتها تعدِل ثلث القرآن، فقد خرج النبي- صلى الله عليه وسلم- على أصحابه يقول: "أيكم يستطيع أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة واحدة" قالوا: كيف يا رسول الله ذلك؟ قال: "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن" فمن قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله.

 

وفي هذه الألفاظ الثلاثة كمالات الألوهية جميعًا، ففي لفظ الجلالة كمال بالذات، وفي لفظ الأحد كمال الصفات، وفي لفظ الصمد كمال الأفعال، فكمال الذات والصفات والأفعال كمال الألوهية، وما ألطف قول العلماء: إن القرآن جمع المكارم والعقائد والعبادات، و"قل هو الله أحد" جمعت العقائد فهي تعدل ثلث القرآن!!

 

أيها الإخوان الفضلاء، ولأضرب لكم مثلاً: إن عامل "الترام" المختص بتحويل الشريط وتغيير اتجاه سير "الترام"، لا يحمل "الترام" فيوجهه حيث يشاء، إنما بعَصًا بسيطةٍ هي عصا التحويل، وبغمزة خفيفة يحوّل الشريط فيتحوَّل "الترام" أو يتجه وجهته الجديدة دون عناء، فالقلب الإنساني ومعرفة الله تعالى هكذا، فالمعرفة الحقة هي عصا التحويل، فإذا مست القلب الإنساني تحوَّل من حال إلى حال، فإذا تحوَّل فقد تحرك الإنسان كله، وإذا تحوَّل الفرد، تحوَّلت الأمة وليست الأمة إلا مجموعة من الأفراد، فلو أردت الإصلاح فأصلِح القلب البشري بأن تعرِّفه بالله حقَّ المعرفة.

 

أما إصلاح اليوم فإن حاولتَ إصلاح الناحية الاجتماعية فسدَت الناحية الصحية، وإن حاولت إصلاح الناحية الصحية فسدت الناحية الاقتصادية، وإذا أردت جميعَها تطلَّب ذلك مجهوداتٍ كبيرةً وأموالاً طائلةً وموظفين مخلصين أكفاء، فلو أردت الإصلاح اذهب إلى الشريط، واعمل بعصا التحويل، وهي معرفة الله عز وجل.

 

إن معرفة الله- تبارك وتعالى- تثير في القلب معنًى روحيًّا قويًّا عميقًا يسيطر عليه ويهيمن عليه ويسيره ويتحكم فيه، والغاية لن تكون سليمةً إلا إذا اتصلت بالله، وتعرفت إلى الله، وتوكلت على الله؛ لهذا ما أحوجَنا أيها الإخوان إلى أن نتنزَّهَ قليلاً أو كثيرًا في رياض معرفة الله تبارك وتعالى، ونقطف الأزاهير اليانعة الشذية من كتاب الله تبارك وتعالى.

 

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾ انظر يا أخي إلى هذا الاستفتاح.. قل هو الله أحد.. كان يمكن أن يقول: الله أحد، إنما قال "هو" هذا الجمال اللفظي، ثم الصورة المعنوية الجميلة التي تُرسَم في ذهنك ثم التهيئة القلبية في القلب؛ لأن ضمير "هو" إشارة إلى أن معرفة الله محلّها القلب لا اللسان، تعيها النفس ثم ينطلق بها اللسان، تنفذ من الأذن وتتخلل القلب، ففكِّر "هو" للقلب لا للأذن ولا للسان.. للقلب الكريم الذي هو من أمر الله.. "هو" تذكير للقلب الإنساني بمعرفة الله.. داء للنفس الإنسانية.. اذكري أيتها النفس من لقَّنك العهد.. ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)﴾ (يس).

 

"هو" ضمير "خطاب للقلب" يُثير في النفس الإنسانية كلَّ المعاني المقصودة بعد ذلك، والتي تشير إلى كمال الألوهية، فتحنُّ النفسُ وتشتاق: من هو؟ هو الله.

 

صوِّر لنفسك القدرة الإلهية العالية التي لا يعجزها شيء ﴿... إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(20)﴾ (البقرة).. تجد أن هذا من قدرة الله تبارك وتعالى.

 

صوّر لنفسك العلم الواسع المحيط الذي لا يغيب عنه شيء، فهو علم الله.
صوِّر لنفسك الحياةَ الكاملةَ التي لا يتطرَّق إليها فناءٌ ولا يلحقها بِلى فهي حياة الله تبارك وتعالى.

 

صوِّر لنفسك كلَّ معنًى من معاني الكمال، واسبَح في هذا المعنى إلى حيث تقصر العقول عن كل فهم، فذلك كمال الله سبحانه وتعالى، الله العليم بكل شيء ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16)﴾ (لقمان) ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ(19)﴾ (غافر).

 

صوّر لنفسك يا أخي ما هو فوق الوهم، وفوق التصور من العلم المحيط، ومن القدرة الكاملة البالغة، ومن الإرادة الحازمة.

 

صوِّر لنفسك يا أخي كلَّ هذا الملك، فهو ملك الله ﴿قُلْ لِمَنْ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ(84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ(85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ(87﴾ (المؤمنون).

 

الحق أيها الإخوان الفضلاء أن معاني الألوهية حين تنكشف للنفس الحجب، وتُزال عنها، وتستجلي أنوار الحقائق، حين يفيض عليها قبسٌ من نور الألوهية، نرى من كمال الألوهية ما هو فوق الحدود.

 

وقد سئل الشبلي مرةً: عرف لنا ربك، فقال: "هو الواحد المعروف قبل الحدود والحروف، فلا تحيط به الأفهام" ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)﴾ (الأنعام).

 

هذه المعاني الواسعة المتسعة الفسيحة، التي يسرح فيها القلب المؤمن، والتي تسجِّلها النفسُ الصافيةُ النفسُ المؤمنةُ، هذه المعاني التي ترى بها النفسُ الطاهرةُ العالمَ كلَّه.. العالم الذي لا يحده حدٌّ.. ترى الإرادة التي لا يحجزها شيء.. ليس هناك لفظٌ أجمعُ لهذه المعاني كلها أيها الإخوة من لفظ الجلالة في "قل هو الله أحد" هذه الكمالات- التي تشرق على النفس المؤمنة فترى القدرة التي لا يعجزها شيء.

 

فالله وحده تفرَّد بالوحدانية، فلا يشاركه في اسمه ولا في أوصافه مشاركٌ.. ﴿قُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى أَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (61)﴾ (النمل).

 

تفرَّد اللهُ- تبارك وتعالى- بكل معاني الألوهية ﴿هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ "هو" تثير في القلب الإنساني الشعورَ بكمال الألوهية، و"أحد" تنفي الكمالات عما سوى الله سبحانه "الله الصمد" لِمَ هذا التكرار في لفظ "الله"؟! إن هذا حداءٌ بالنفس الإنسانية من جديد؛ لأن النفس إذا عرفت كمال الألوهية ألِفَته وتلذَّذت بتكراره، فأعاد عليها ما تحب.. "الله" المتفرد بكمال الألوهية.. "الصمد" السيد المقصود لقضاء الحاجات جميعًا.

 

وهذا كله أيها الإخوان تنظيمٌ أصيلٌ للصلة العملية فيما بين الإنسان وربه، وإشارةٌ إلى كمال الألوهية في صفاتها.. الصمد.. إشارةٌ إلى كمال الألوهية في أفعالها.. فإذا كانت لك حاجة يا أخي فارفعها إلى الكامل في ذاته، الكامل في صفاته، الكامل في أفعاله، الذي يفعل كل شيء، ويتفرد بكل شيء، وإذا كنت قد أدركت كمال الألوهية يا أخي، إذا كنت عرفت تفردها فلم تلجأ إلى غيره؟!

 

فالصمد وحده المتفرد بالقدرة، فعليك يا أخي- عليك أيها العبد- أن تتجه إلى الله، واعلم أن "إياك نعبد" حق الله الأحد، و"إياك نستعين" حق الله الصمد.

 

حين يتحقق الإنسان من هذه المعاني أيها الإخوان الفضلاء، وحين تثبت في نفسه وتركز في فؤاده، وحين تصبح خلقًا لازمًا وصفةً لاصقةً بقلبه، مشرقةً على روحه، لا تخشى إلا الله، ولا ترهب إلا الله، ولا تطلب إلا من الله، ولا تغيب عن الله طرفةَ عين، حينئذ يكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولا يغيب الله عنه، ويرتقي إلى الإحسان "اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

 

أيها الإخوة.. إن العبد إذا تحقق من هذا المعنى، الغاية التي يجب أن تجتمع عليها قلوب مَن حمل لواء الله، وأن يتجردوا لله مِن ميولهم وشهواتهم، وأن يُثبتوا هذه المعرفة في نفوسهم، فيكون الله أحبَّ إليهم من أزواجهم وأولادهم وأموالهم ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ (التوبة).

 

أيها الإخوان الأحباء.. نحن نريد أن ننتفع بهذا انتفاعًا حقيقيًّا.. نريد أن تتصل قلوبنا بالله، وأن تشرق عليها أنوارُ معرفته، ونعتمد اعتمادًا حقيقيًّا على الله في كل شيء.

 

ثم في ختام الآية ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)﴾ هذا تحقيق وتركيز وتثبيت لمعنى الانفراد في كمال الذات والصفات والأفعال في النفوس، فننقي عن ذاته ما هو من أخص خصائص البشر وهو التوالد والتناسل.

 

وبعد.. فإن الله العلي الكبير، القوي القدير الذي بيده ملكوت كل شيء قد حملنا أمانةً، ووضع بين أيدينا رسالةً، ورسم لنا منهاجاً كاملاً من نظم الحياة في كتابه (القرآن الكريم)، فالأمة التي تسير على هذا المنهج وتستمسك به هي الأمة الناهضة ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43)﴾ (الزخرف).

 

أيها الإخوان.. ما دمنا نحن قد حملنا رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجب أن نتصل بالله حقًّا، وأن نتفانَى في المعرفة تفانيًا يؤتينا القدسَ الأسْمَى، فنتجه بتوجيه الله تعالى إلى الغاية "صفًّا واحدًا" والدنيا اليوم تترقَّب هذه الغايةَ لتنقذ من وهدتها، ولتتبين طريقها على نور من الله.. فهل أنتم عاملون مستجيبون ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ.. (24)﴾ (الأنفال).

 

أيها الإخوان.. إننا ندعوكم إلى أن تجتمع قلوبُنا على هذه الغاية السليمة الصافية، على أن نفرَّ إلى الله إخوانًا صادقين على هذه المبادئ، ولنجاهدْ من أجلها، ونُعلِ رايتَها، وهذا حلمٌ له تعبيرٌ، وكلكم يوسف هذه الأحلام.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

(13) التوبة

أيها الإخوة.. إذا أردتم أن تتصلوا بالله فجدِّدوا التوبة

نحمد الله تبارك وتعالى، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

 

أيها الإخوة الفضلاء، أحييكم بتحية الإسلام، تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته تأبى دائمًا عاطفة الثلاثاء إلا أن تتقدم القول فيما نريد، وتأبَى إلا أن تأخذ نصيبَها من صدْر هذا الحديث.

 

أيها الإخوة.. ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسدُ كلُّه وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب، فنحن لا نريد أن نهضم حقَّ قلبنا في عاطفة الجوانح في مظهر كهذا المظهر الطاهر، وجمع كهذا الجمع المخلص ليلةً في الأسبوع، لهذا أحب دائمًا أن أعطي هذه العاطفة بعض حقها في هذه الليلة الكريمة، التي نرقبها لنسعد فيها برؤيتكم، ونأنس فيها بالحديث إليكم، وكما قلت وكما أقول دائمًا وكما أرجوكم أيها الإخوان أن تعلموه ألا تقصروا الفائدة من هذا الجمع على حقيقةٍ علميةٍ تدرسونها، أو عبارةٍ بليغةٍ تحفظونها، أو ناحية من نواحي الدرس عميقة تتفهمونها، ولكن اذكروا دائمًا أن هناك ما هو أعلى وأسمى، وهو أن تتغذَّى أرواحنا، وهو أن تأنس قلوبُنا، وهو أن تسعَد نفوسُنا بهذا اللقاء في الله ولله، بهذا الحب، بهذه الأخوَّة التي هي عدة الضعفاء، وكنز الفقراء، وسعادة البائسين والمحرومين، حين لا يجدون أنسًا، وحين لا يجدون إسعادًا، فنحن في هذه الليلة- ليلة الأربعاء- بقدر ما نحرص على الفائدة العلمية يجب أن نحرص كذلك على القوة الروحية والسعادة النفسية، التي يُفيضها في النفس ويُسكنها على الروح لقاءٌ لا يُرادُ به إلا وجهُ الله تبارك وتعالى وتعاونٌ على البر والتقوى، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يجعله حبًّا خالصًا لوجهه نافعًا في الدنيا والآخرة، إنه نعم المولى ونعم النصير.

 

أيها الإخوة الفضلاء.. إن مما تُثيره في نفسي الليلة عاطفةُ الثلاثاء شعورًا من نوع جديد، فهو رجوع بالذهن والفكر والقلب معًا إلى بطن الصفا، بدأت نفسي تحس هذا الشعور وبدأت تتجه هذه الاتجاه لأول ما وقفت في صلاة المغرب الليلة وتلفتُّ إلى الإخوان، وتلفتُّ من ورائي لأسوي الصفوف، وأنزل عند هذه السنة، فما كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يكبر للصلاة حتى ينظر خلفَه، فإما أن يُسوِّيَ الصفوف بنفسه وإما أن يأمر رجلاً فيسويَ الصفوف للصلاة، وكان يقول- صلى الله عليه وسلم-: "سوُّوا صفوفَكم، صفُّوا الأقدام والمناكب، ولينوا بأيدي إخوانكم".

 

وقفت ونظرت إلى الإخوان، وكانت هذه النظرة هي التي ذهبت بفكري وقلبي إلى بطن الصفا؛ حيث كان يجتمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لأول دعوته مع نخبة من مختلف الأعمار والمنازل، "فمنهم الصبي ومنهم الكهل، ومنهم الشاب ومنهم الغني، ومنهم الفقير، ومنهم الظاهر، ومنهم المغمور، ومنهم اللقن المثقف، ومنهم الأمي العامي منهم العبد ومنهم الحر" وهم جميعًا في عدد الأصابع لا يزيدون عن الآحاد ولا يصلون المائة، يجتمع- صلى الله عليه وسلم- مع هذه النخبة في بطن الصفا يفيض عليها من روحه الكريم، ويلقِّنها من كتاب الله العظيم، ويُملي عليها من آيات الوحي الإلهي ويكوِّن منها الأمة الجديدة بالدعوة الجديدة للعالم الجديد.

 

والله يا إخوان كدتُّ أنسَى التكبير في الصلاة؛ لأني كدتُّ أغلب في تصور هذا الموقف، فطويت النفس على ما في النفس، وانتهزت فرصةَ هذه الوقفة بينكم لأنفِّس عن نفسي بعض ما في نفسي، لم لا يكون من هذا الانعقاد- الصفا- ومن هذه الفئة الخلَف لتلك الفئة السالفة؟! ولم لا تلقون الدعوة الجديدة لتكون منكم الفئة الجديدة لنبني عليها العالم الجديد؟! يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرُّهم مَن خالفهم"، وجاء في بعض الأثر "الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة" وطالعتُ في أشخاصكم وفي صدوركم هذه النخبةَ الكريمةَ بين يدَي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- التي تبدأ بابن التاسعة إلى ابن الأربعين، مجموعة فيها الفقير الذي لا يجد قوت يومه، والغني الذي وسَّع الله عليه في رزقه، التقت هذه المجموعة، ليس بأعظمها جاهًا، ولا بأعزِّها عددًا، ولا بأقواها عدةً ولكنه رجل منها ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوْحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَّاحِدٌ﴾ (الكهف: من الآية 110) التقَت حول هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فيم كانت تحلم؟ وفيم كانت تفكر؟ وماذا تريد؟ وإلى أي مدى يمتدُّ أمل هذه المجموعة التي تجتمع في خفية، وتتناجى في سر ماذا يريد هؤلاء الناس؟ إنهم يريدون أن يضعوا في رؤوس الناس عقلاً جديدًا، وأن يقيموا على ظهر الأرض دنيا جديدةً، وأن يرمِّموا من هياكل البشرية بناءً جديدًا، وأن يصلوا بين السماء والأرض هذه المجموعة القليلة في عددها، العزلاء من كل عدة، تريد أن تهب للناس بإذن الله نظامًا جديدًا وإنسانيةً جديدةً، فإذا بها تركز في الأرض رايةَ الله، وإذا بها تجمع قلوب العباد على رب العباد، وإذا بها تضع في القلب شعورًا جديدًا، وتضع بين يدي الإنسانية كتابًا جديدًا، وتوجِد للناس أمةً نموذجيةً، استحقت وصفَ الله تبارك وتعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).

 

أما وقد ذهب بروحي إلى المجموعة الأولى من دعائم دعوة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في بطن الصفا أجِدُ أن العواملَ الأساسية التي قامت عليها الدعوة في نفوس هذه المجموعة أمورٌ ثلاثةٌ لو قامت في أنفسنا كما قامت في أنفسهم لسلكت بنا من مسالك العزة والنصر ما سلكت بهم.

 

أول هذه الأمور الإيمان الكامل: هذا الإيمان الذي جرَّدهم من كلِّ هدف إلا هدف دعوتهم، لقد سمعوا النداءَ ففرُّوا إلى الله واتخذوا "لا إله إلا الله" شعارًا لهم، وهزِئوا لكل ما عداها، وسخِروا من كل ما سواها، فالمشركون على ضلال لأنهم يؤلِّهون ما دون الله، والفرس على ضلال لأنهم يعبدون شهواتِهم وأهواءَهم، وأهل الكتاب على ضلال لأنهم اتخذوا أحبارهم أربابًا من دون الله، والأرض تدور في مدارِ ضلال لأنها لم تهتدِ بهُدَى الله، ولم تستنِر بنور الله، وهم على الحق الصُّراح لأنهم تجرَّدوا من وثنيتهم وأهوائهم وشهواتهم، ووهَبوا كلَّ هذا إلى الله، فهم لا يعبدون إلا الله، ولا يخضعون إلا لله، ولا يعتمدون إلا على الله، ولا يسألون إلا الله، ولا يتلذَّذون إلا بشعورهم بالأنس بالله، وحين يألمون لا يألمون إلا لذنب يُبعدهم عن الله، كل ذلك كان العامل الأول الذي جمع بين قلوبهم؛ لأن النسب قد عَلا عن أن يكون لفلان وفلان:

أبي الإسلام لا أبَ لي سواه      إذا افتخروا بقيسٍ أو تميم

 

علموا أن الأرض لله، يورثها من يشاء من عباده، وأن العاقبة للمتقين فانْمَحَت الفوارق التي تمزِّق الجماعات، والتي تُباعد بين القلوب لأنهم قد صبغوا بصبغة جديدة﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: من الآية 138).

 

الأمر الثاني الحب واجتماع القلوب وائتلاف الأرواح: فعلام يختلفون؟! على عرَضٍ زائل من عرَض الدنيا، على تفاوُتٍ في الرتب والوظائف والألقاب، وهم يعلمون﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13)؟! فلم توجد عوامل تدعوهم إلى الفرقة، فاجتمعوا وتوحَّدوا، وصاروا إخوانًا في الله، فلم يحقِر أحدٌ منهم أحدًا، بل أحبَّ كلٌّ أخاه حبًّا دونه كل حب، حبًّا بلغ درجة الإيثار ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (الحشر: من الآية 9) ويقرأون قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ (التوبة).

 

أما الأمر الثالث فهو التضحية: عرفوا هذا كله فخرجوا لله من كل شيء وقدموا لله كل شيء، حتى أن أحدهم كان يتحرَّج أن يأخذَ شيئًا من الغنيمة التي أحلها الله لهم ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا﴾ (الأنفال من الآية: 69) حتى هذا تحرجوا منه، وتورعوا عنه، وتركوه حسبة لله تبارك وتعالى، حتى لا يكون في أعمالهم شائبة مطمع.

 

 هذه الأمور الثلاثة الإيمان الذي جردهم من كل فكرة إلا معرفة الله عز وجل، الأخوة التي ربطت بينهم قلوبهم، فصاروا على قلب رجل واحد والتضحية التي دفعتهم إلى تقديم النفس والمال لله، هذا الأمور هي التي أخرجتهم على هذه الصورة، هذه الأمور هي التي خرجت بهذه المجموعة من الذلة إلى العزة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الجهالة إلى العلم، فكانوا هداة البشرية وعرائس الجنة.

 

هذا الشعور أيها الإخوان يفيض بنفسي حين وقفت في الصف ونظرت إليكم وحين وقفت لأتحدث إليكم، وأسأل الله أن يجعل منا ومنكم أخلاقًا لهؤلاء الأسلاف، وأن نتجرد لله، وأن يجعلنا من المتحابين في الله، المجتمعين على كلمته، كما اجتمعوا وقدموا كل شيء ابتغاء مرضاة الله، اللهم إنا نود أن نكون كذلك فاجعلنا اللهم كذلك،

 

وقد اقترح أحد الإخوان في الأسبوع الماضي موضوعًا، ولعل الناس ينتظرون في مثل هذه الظروف أن نتحدث إليهم حديثًا، أبعد ما يكون، عما سأتحدث إليكم الآن، ولكني في الحقيقة، خيل إليَّ أن هذا الحديث قريب كل القرب مما نحن فيه الآن ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)﴾ (المعارج).

 

لقد همس أحد الإخوان في أذني في نهاية الحديث الماضي: حدثنا عن "التوبة"، وتركني وانصرف.. وإذا بآخر يهمس ويقول : "ذكرنا بالله، فقد كثرت ذنوبنا"، وإذ بثالث يقول: "إن شاء الله يكون كلامنا في الأسبوع القادم أن نفكر في توبتنا"، وطلب الأخ يحيى أفندي عبد العزيز أن نكمل أحاديثنا في تاريخ الأنبياء، ويكون موضوع الليلة هو سيدنا إبراهيم عليه السلام لنكمل السلسلة التي كنا قد بدأناها، وفكرت في أي المواضيع أتكلم، ثم وجدت نفسي منساقة إلى الحديث في الموضوع الأول "التوبة".

 

أيها الإخوان.. عجيب وأنا إنما أتحدث لنفسي قبل أن أحدث إليكم.. وليس الشأن شأن حديث عن كتاب أو نقل نصوص.. ولكنَّ الشأن قلوب تأتلف وتجتمع، فلعل بيننا قلبًا تتصل به القلوب الغافلة، ولعل بيننا رجلاً مقبولاً فنتصل به فيفيض علينا بما يفيضه الله عليه من تباشير الرحمة.

 

أيها الإخوان.. قد نقول الكثير بعيدًا عما نحن فيه الآن، ولكني أراه قريبًا كلَّ القرب، ووالله لوأحسن كل منساب لكان بيننا سلاحٌ من أمضى الأسلحة، وهو الذي أقول عنه إن الناس قد يرونه بعيدًا مما نحن فيه وأراه قريبًا مما نحن فيه، لأن القوة قوتان.. قوة الخالق وقوة المخلوق، فإذا فقدت قوة المخلوق لجأنا إلى قوة الخالق، وإن عجزنا عن أن ندافع عن أنفسنا كما يفعل أهل الأرض فانتصر بالله﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وإذا عجزنا عن أن نستكمل قوة المادة، فلا أوجب من أن نستكمل قوة الروح.

 

فإذًا دعوني أيها الإخوان أتحدَّث إليكم عن التوبة فلعلنا نتوجَّه إلى الله في هذا الجمع بقلوبنا، وأن نحسن التقرب إلى ربنا، فتتنزل علينا رحمة الله وسكينته ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ (2)﴾ (الحشر) ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة من الآية: 40).

 

*************

[14] أشراط الساعة

نحمد الله تبارك وتعالى ونُصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدين فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

 

سألني بعض الإخوان عن الساعة وأشراطها وكيفيتها، والكلام عن الساعة تناوله القرآن الكريم، وأوضحته السنة المطهرة، وهناك كتبٌ أُلِّفت في هذا الموضوع بالذات ككتاب "الإشاعة في أشراط الساعة"، والكلام في هذا الموضوع يطول، ولكنا في مثل هذا الوقت سنحاول أن نضغطَ الأبحاث المتعلقة بها فنلخصها ونأخذ منها مكان العبرة، فتَصَوُّرُ المقصود تصورًا واضحًا يزيل اللبس ويمنع الإشكال.

 

إن الساعة أمرٌ خفي، استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلعْ عليه أحدًا ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ (لقمان: 34)، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: 187)، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ (الأحزاب: 63)..
فالساعة أمرٌ خفي، لا يعلمها إلا الله، تأتي الناس بغتة، ولكنها قريبة ومنتظرة.. ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (القمر: 1).

 

هذا رأي القرآن الكريم في الساعة، أما رأيه في أشراطها، فقد أشار إلى بعضها إشاراتٍ عابرةً، ولم يتناولها تفصيلاً، كما قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ (محمد: 18)، ومن هذه الأشراط ما ورد من خروج الدابة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ (النمل: 82) ونزول عيسى عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ (الزخرف: 62) وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ (النساء: 159) وظهور يأجوج ومأجوج في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ (الكهف: 94) إلى قوله تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ (الكهف: 99) وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (الأنبياء:96) وظهور الدخان في السماء في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (الدخان: 96) هذا مجمل ما ذُكر في أشراط الساعة، أما كيفيتها فقد أشار القرآن الكريم إليها في قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ (التكوير: 1،2) إلى آخر هذه الآيات: ﴿إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6)﴾ (الواقعة) وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابَ﴾ (النمل: 88) وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (إبراهيم: 48) إن هذا الوضع الذي جاء به القرآن الكريم عجيب، هو من معجزاته، فإنه لم يجدوا ما يناقض العقل ولا ما يخفى على الناس أو يحتاج إلى تفكير، بل إن ما يقرره علماء الفلك أمورٌ لا تتعارض مع ما في القرآن الكريم؛ لأنه كتاب جامع لم يتورَّط في تفصيلات، بل ذكر أمورًا عامة، فأنت حين تؤمن به تؤمن إيمانًا لا شكَّ فيه، فإذا انتقلنا إلى الكلام عن الساعة في الأحاديث، فإننا نجد أننا مأمورون بالأخذ بالأحاديث إذا صحت وسلمت.. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةً حَسَنَةً﴾ (الأحزاب: 21).

 

ونجد هذه الأحاديث متفقةً مع كتاب الله تعالى، ولا تعارض بينهما، فقد نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نفسه علم الساعة في الحديث المشهور لما سأله جبريل عليه السلام عنها فقال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، ثم يصرح بأنها قريبة في قوله صلى الله عليه وسلم "بعثت أنا والساعة كهاتين"، والأحاديث الشريفة في أشراط الساعة كثيرة، ذكرها البخاري ومسلم وغيرهما من المحدثين.

 

ومما يلاحظ أن النبي- صلى الله عليه وسلم- في كثيرٍ من هذه الأحاديث يوجز ويشير كأحاديث الفتن وأشراط الساعة، أن بعض الأحاديث تذكر المسيح الدجال، وأنه يهودي، وأنه قد ظهر في زمنه صلى الله عليه وسلم، حتى إن عمر رضي الله عنه يستأذنه صلى الله عليه وسلم في قتله فيقول له صلى الله عليه وسلم: "إن يكنه فلن تسلط عليه"، وبعض الأحاديث تذكر كثيرًا من أوصافه، أنه سينزل في آخر الزمان ثم إننا نجد أن الأهواء السياسية جاءت تصف المهدي المنتظر فتضع له أحاديث مثل: "خليفة الله في أرضه المهدي"؛ لأن الخليفة كان حينئذ (المهدي العباسي) فهذا من قبيل الدعاية السياسية، ولذلك فمن حسن الحظ لم نَرَ في السنة الصحيحة ما يثبت دعوى المهدي، وإنما أحاديثه تدور بين الضعف والوضع.

 

ثم إذا أضفت إلى هذا أن قومًا قد أغربوا في وصف يأجوج ومأجوج حتى قالوا: إنهم ليسوا من ولد آدم، علمت ما في هذه الأحاديث من الاضطراب، فإذا لاحظنا هذا ولاحظنا معه الإيجاز والإرشاد علمنا أننا لسنا مقيدين بهذه الأخبار التي وردت على هذه الحالة، ولسنا مكلفين أن نتصورها على التفصيل الذي شرحه لنا بعض المؤلفين، وإنما نؤمن بها على إجمالها الذي أجمله لنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في نحو أحاديث الفتن والأحداث الغريبة كطلوع الشمس من مغربها والأحداث الاجتماعية، كالاضطراب بين الأمم، ومن الغريب أن اليهود يأملون في إقامة دولة بأرض فلسطين في بيت داود، زاعمين أن ملكًا يدخل على حمار إلى بيت المقدس، وهم ينتظرونه إلى الآن.

 

ومن لطائف اللورد "اللنبي" أنه لما دخل فلسطين دخلها وأصحابه على حمير ليكون ذلك تحقيقًا لنبوءة اليهود، ولكن أنى لهم ذلك، وقد كتب الله عليهم الذلة والمسكنة إلى يوم القيامة.

 

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)﴾ (الأعراف) ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمْ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)﴾ (البقرة).

 

والخلاصة أيها الإخوان أن واجب المؤمنين أن يؤمنوا بهذه الأمور إيمانًا إجماليًّا، ويتمسكوا بكتابهم وسنة نبيهم، وأن يَدَعُوا تفاصيلها إلى الزمن، فهو كفيل ببيانها.

 

************

[15] الجزاء في القرآن

نحمد الله تبارك وتعالى، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين..

أيها الإخوان أحييكم بتحية الإسلام تحيةً من عند الله مباركةً طيبة، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، موضوع حديثنا الليلة أيها الإخوة الأحباب عن الجزاء في القرآن.

 

وفكرة الجزاء من حيث هي فكرة تعني أن الإنسانَ موعود بحياة بعد هذه الحياة، يُحاسب فيها على ما عمل من خيرٍ أو شرٍّ في حياتِه الأولى هذه التي نعيشها في الدنيا معنى الجزاء أن الإنسان موعود بحياة تتجدد بعد موته يكون فيها الحساب، فإن عمل خيرًا جُوزي به وعاش سعيدًا وإن عمل شرًّا حُوسب عليه وعاش شقيًّا، وهذه الفكرة على بساطتها، اختلفت عليها أنظار الأمم السابقة، فمنهم من جحدها، ويقول: نحن جئنا من تراب (وما هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر) وهناك أمم اعترفت بها، ولكنها صورتها تصويرًا خاطئًا، كقدماء المصريين كانوا يؤمنون بالبعث، وكانوا يعتقدون أن الإنسان مكوَّن من جسم وروح، واعتقدوا أن الإنسان سوف يُحاسب على ما قدَّم في حياته الدنيا، إلا أنهم اعتقدوا أن الذي يحاسبهم اثنا عشر قاضيًا، ثم قالوا: إن الإنسان يحتاج أن ينقل معه من داره الدنيا ما ينعم به في الدار الآخرة، وهذه فكرةٌ خاطئةٌ، حتى وإن وجدت عندهم أصل الفكرة، وجاءت الأديان يا أخي لتصحح هذه العقيدة للناس، وجاء القرآن الكريم بنظراتٍ صحيحةٍ وأفاض في ذكرها وتكرارها، لأنها أساس هذه الحياة الدنيا.

 

فمن ناحية الجزاء نجد أن القرآن الكريم قد أثبته وقدره ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (8)﴾ (الزلزلة) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)﴾ (المجادلة).

 

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾ (الأنبياء) ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31)﴾ (الجاثية).

 

قرَّر القرآن الكريم يا أخي أن الدار الآخرة تنتسب إلى الدنيا ونسبة الدار الآخرة إلى الدنيا هي نسبة الموجود إلى المعدوم ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)﴾ (العنكبوت).

 

معنى هذا يا أخي أن الحيوية سوف تكون أكمل ما تكون في الدار الآخرة، وقرر القرآن الكريم أن الحساب فيما سوف يكون بكل دقة وأنها الدار الخالدة الباقية.

 

والآن يا أخي يثور سؤال: كيف يعامل الحق تبارك وتعالى طلاب الآخرة؟ وإذا تأملنا آياتِ القرآن الكريم سوف ندرك أن الله تبارك وتعالى يعامل طلابَ الآخرة معاملةً كلها إحسان، أما طلاب الدنيا فيعاملهم الحق تبارك وتعالى معاملةً عاقبتها الإيلام ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ (الإسراء من الآية: 18) وهذا في الحقيقة حرمان وليس إعطاء، وهو "لمن نريد"، وليس لكل مَن يطلب، وهذا يعني يا أخي أن الله تبارك وتعالى قد سلبهم كل شيء، ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18)﴾ (الإسراء).

﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)﴾ (الإسراء) ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نَؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)﴾ (آل عمران) فأنت تجد يا أخي أن صاحب الآخرة من الموفقين، أما صاحب الدنيا فهو ضائع في الأولى وضائع في الثانية، ولكن بالعدل وبالقسطاس ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا، وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ(15)﴾ (هود) وهذا يعني أن الله تبارك وتعالى يعطيه من الدنيا بقدر ما يأخذ منه من الآخرة..﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)﴾ (الشورى) فنجد يا أخي أن صاحب الآخرة قد ضمن الفوز في كل موقف، فهو إما أن يأخذ حقه أو أضعافه أو يكون مشكورًا، فهو في رضوان الله، أما صاحب الدنيا فهو في انتكاس ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)﴾ (آل عمران).

هذا هو يا أخي التصور الموجز الذي تجد منه ألوانًا كثيرة في القرآن الكريم.

 

طريق الجزاء

أيها الإخوة الأحباب:

إن البعث هو في حقيقته تقرير بأن الإنسان سيحيا بعد هذه الحياة، وقد دافع القرآن الكريم عن هذه النظرية دفاعًا رائعًا، وقدَّم لها من البراهين ما لا يدع مجالاً للشك إلا في القلب المريض.. خذ مثلاً:﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنْ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ (الحج: من الآية 5).

 

فهذا البرهان يا أخي منتزع من تطور الإنسان الموجود؛ إذ هو نبت هذه الأرض يتحول إلى نطفة تتحول إلى حيوان ثم إلى علقة ثم إلى مضغة ثم إلى جسم ثم إلى طفل ثم إلى شاب ثم إلى شيخ ثم إلى فناء، وفي كل هذا البرهان تجد إحالة إلى الواقع المشاهد والملموس في نشأة الإنسان.

 

﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)﴾ (الحج).

 

وهذا البرهان يؤكد يا أخي أن الذي انتزع الحياة من التراب المبيت، فجعله إنسانًا والذي انتزع الحياة من التراب الميت فجعله نباتًا، أفلا يجعلها تلد أبناءها من جديد؟!!

 

وهنا برهان الإعادة إلى الخلق الأول أنت أيها الإنسان من أين وجدت من العدم، فالذي أوجدنا من العدم مرةً يوجدنا مرةً أخرى ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (يس).. إن هذه الآية قد نزلت بعد أن جاء النضر بن حارثة ومعه قبضة من التراب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله خلق إنسان جديد، وهذا المعنى يا أخي تكرَّر في آياتٍ كثيرةٍ من القرآن الكريم﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلْ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)﴾ (الإسراء).

 

وهنا يا أخي نلاحظ معنى رائعًا، فالقرآن الكريم يذكر حجة الخصم ثم يرد عليها فإذا هي لا شيء، ثم نأتي إلى هذا المعنى الذي ورد في الآية الكريمة ﴿وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66)﴾ (مريم) وهذا أسلوب مفاجأة – خطاب للنفوس – ﴿أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا (67)﴾ (مريم) ويأتي الرد يا أخي في مثل هذه الهدوء ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ (مريم من الآية: 68).

 

هذا المعنى يا أخي تكرَّر في كتاب الله تبارك وتعالى، وهو الإحالة إلى الخلق وهناك في سورة الواقعة أدلة قيد سيقت متماسكة تمام التماسك.. ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوْ آبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56)﴾ (الواقعة).

 

ثم تأتي الأدلة تترى ﴿نحن خلقناكم فلولا تصدقون﴾ (الواقعة) ثم تأتي الإحالة إلى خلق الحياة من النطفة ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ (62)﴾ (الواقعة) ثم تأتي الإحالة إلى الحياة من الأرض ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلَلْتُمْ تَتَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68)﴾ (الواقعة) ولكن ما للماء وللبعث؟ ذلك أن الماء يا أخي هو بيئة الحياة الصالحة.

 

 ثم يأتي بعد ذلك يا أخي برهان عجيب ﴿أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ (72)﴾ وهذا الإعجاز، يجدر بالعقل البشري أن يقف أمامه.

 

إن النار تخرج من شجرة والشجرة حياتها على الماء، فالماء الذي هو العنصر المضاد للنار تتولد عنه النار، إذًا فالذي ينتزع الضد من الضد، وينتزع النار من الماء، ألا يستطيع أن ينتزع الرجل من الأرض التي هي أمه ومنشؤه ومرباه؟!!

 

هذه يا أخي خمسة براهين، سيقت نسقًا.. ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾.

والآن يا أخي.. تناول تلك الشبهة التي يقولون بها.. وهي أن الإنسان بعد أن يموت يتحلل إلى تراب.. يتحول إلى نبات.. يأكله الإنسان، فيكون اثنان مشتركين في العنصر، فأي الروحين يسكن الجسم؟!!

 

ونقول: لقد تنبأ القرآن الكريم بهذه الشبهة: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)﴾ (ق).

 

وإذا تأملنا هذه الأدلة يا أخي بعقل مستنير، فإننا ندرك أنها لا تقبل نقضًا، أما مريض القلب فلا سلطان لأحد عليه إلا أن يسأل الناس له أن يشفي الله مرض قلبه.

 

ومن منهج التربية في القرآن الكريم، حين نتناول هذه الشبهات، أنه لم يعبأ بكل الشبهات حول فكرة البعث، ذلك أنه يلزم للمدرس أن يعطي للطفل أمورًا تشع ذهنه ولا توزع فكره، وأنه يلزم البدء بالعنصر الإيجابي قبل العنصر السلبي، فلا يجوز الوعظ بالعنصر السلبي إلا على قدر الضرورة، ولقد سار القرآن الكريم على هذه الخطة، فلم يعرض للشبهات القوية.. لشبهة التناسخ مثلاً.. وهي شبهة مردودة بكل نصوص القرآن ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ فكيف تنتقل روح الإنسان الصالح إلى جسم الطالح.. ولكن القرآن الكريم لم يتناول هذه الناحية، لأنه قرَّر قرارًا قاطعًا بأن الروح بعد خروجها تذهب إلى ربها، ولم يتوسع في تفاصيل هذه الناحية؛ لأن خطة القرآن الكريم هي عدم الجدل، والشبهة ساقطة من نفسها.

 

أيها الإخوة الأحباب:

وضع الله سبحانه وتعالى قاعدة في الجزاء.. يضاعف الحسنات، أما السيئات فتبقى كما هي أو تغفر ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا(40)﴾ (النساء) ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ويقول رسول الله- صلي الله عليه وسلم-: "إن الله كتب الحسنات والسيئات في كتابه، فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنه، فإن عملها كتبت له عشرة إلى سبعين إلى أضعاف كثيرة، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملْها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له سيئة".

 

من هنا يا أخي نجد أن الله تبارك وتعالى قد جعل ثلاثة أقسام للمكافأة، وجانبًا واحدًا للمجازاة؛ ذلك لأن النفس البشرية مأخوذة إلى الشر ومجذوبة إليه، ويعلم الله تبارك وتعالى أن ميل الإنسان الفطري إلى الشر؛ لأنه في دار الشر، قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "كل بني آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوابون".

 

وهذا الميل إلى الشر لا يقاومه إلا أمل فسيح في الخير.. في المكافأة، فلو كانت الحسنة حسنة، والسيئة سيئة، لكانت السيئات أكثر قطعًا، وهنا ييأس الإنسان، ولهذا فقد فتح الله تبارك وتعالى ثلاثة أبواب للحسنة، وبابًا واحدًا للمؤاخذة.. وعرض الحسنات في تنويعٍ بديع ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17)﴾ (السجدة) ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ(40)﴾ (غافر).

 

أما المراد بكل هذا يا أخي .. فهو مقاومة عوامل الشر في نفس الإنسان، والتغلب على النزعات والوساوس وأخيرًا اليأس.. يقول سيدنا عمر رضي الله عنه "كثر خير الله وطاب"، فنجد أن الله تبارك وتعالى قد عامل الناس بالفضل ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (61)﴾ (النحل).

 

فالمحسن يا أخي في الجنة، والجنة "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)﴾ (الغاشية) ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (القيامة).

 

أما النار، ففيها العذاب الأليم، يسقون فيها الحميم، ويطعمون فيها الغسلين و﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (المطففين).

 

في الجنة يا أخي رضوان الله الكبير، فيها النعيم المعنوي، والنعيم الحسي.
وفي النار أيضًا العذاب المعنوي، والعذاب الحسي، ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)﴾ (الأعراف) ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ كَافِرُونَ (45)﴾ (الأعراف).

 

وإذا لم يكن الجزاء ماديًّا يا أخي وروحيًّا معًا.. لكان جزاءً أعوج، فالقرآن الكريم يعلم أن الإنسان روحٌ وجسم.. وأن جسمه ومطالبه المادية هي التي تسوقه إلى الشرِّ، وأنه حين ينكف عن المطالب المادية، فلا بد هنا من تعويض، فإذا قيل: إن الجزاء روحي فقط، فأين تعويض الجسم الذي هو متسلط على الروح؟ فكان لا بد إذًا من تعويض مادي.. والعدالة في الجزاء تقتضي هذا المعنى.

 

نتيجة عملية

إذا عرفنا هذا يا أخي وعرفنا أن الله تبارك وتعالى قد أحسن إلينا، طلب منا الحسنة الواحدة، وأعدَّ لنا المكافأة المضاعفة على هذه الحسنة، وأنه تبارك وتعالى قد تعطف علينا وجعل السيئة بجزاء واحد، وهي مغفرة بالتوبة النصوح، وإذا علمنا أن أسلافنا قد بلغ إيمانهم بهذا الجزاء أنهم كانوا يرونه مجسمًا أمامهم، في مشيهم ومجيئهم وذهابهم فالنتيجة العملية هي أن تطمئن قلوبنا إلى الآخرة، وأن نظل ذاكرين، وأن نضع أمام أعيننا قول الله تبارك وتعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)﴾ (الحديد).

 

فاستجيبوا أيها الإخوان لدعوة ربكم، واذكروا الآخرة دائمًا، ثم اعتقدوا أن ذلك ليس بعملكم، ولكنه بفضل لله أولاً وأخيرًا، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه.

التعليقات