مكمن عبقرية الإمام البنا

مكمن عبقرية الإمام البنا
أولا: مقدمة

رغم مرور ثلاثة وثمانين عاما على ميلاد دعوة الإخوان المسلمين على يد الإمام حسن البنا رحمه الله (1906-1949م)، ورغم التأثير الذي أحدثته، والانتشار الذي انتشرته حتى عمت ما يقرب من تسعين دولة، فإنه لم يقف أحد على مكمن عبقرية البنا الحقيقي.
فقد أرجعها سيد قطب رحمه الله إلى قدرته الباهرة على بناء الجماعة والتنظيم، وذهب آخرون إلى أن مكمن عبقريته هو الإلهام والموهبة، وظل آخرون مبهورين به مدركين لعبقريته ولكنهم غير قادرين على الوصول إلى كنهها.
ولكن المكمن الحقيقي لعبقرية البنا الذي يظهر في طريقة قراءته للقرآن والسنة، والتاريخ الإسلامي، وفي طريقة تفكيره، وفي مصطلحاته، وفي صياغة رسائله وموضوعاتها، هو قدرته الباهرة على "التخطيط الاستراتيجي"، وفيما يلي توضيح ذلك والتدليل عليه.
وحتى يسهل ذلك قسمت البحث إلى عدة محاور: التعريف بالتخطيط الاستراتيجي وخطواته، والتدليل على أن البنا كان يعرفه ويستخدمه، والتدليل على أنه لم يفطن أحد لهذا الجانب عند البنا، وتعليل ذلك، ومناقشة لماذا يعد هذا عبقرية، وبيان كيف ساقني الله لهذا الكشف، والنتائج المترتبة على هذا الكشف.
ثانيا: التخطيط الاستراتيجي تعريفه وخطواته

التخطيط الاستراتيجي حسب أحد تعريفاته الكثيرة هو: (1)
"عملية منهجية تُحدَّد من خلالها الأولويات الضرورية القادرة على الاستجابة للتحديات، وتوظيف القدرات والموارد المتاحة لتحقيق هذه الأولويات".
وحتى يكون التخطيط منهجيا يجب أن يمر بخطوات سبعة، هي: (2)
الجاهزية للتخطيط بتحديد أسباب القيام بالتخطيط
تضمين الرسالة والرؤية والقيم
دراسة الوضع الراهن
تحديد الأولويات
وضع الخطة الاستراتيجية
تنفيذ الخطة الاستراتيجية
التقييم والمراقبة والمراجعة والتحديث
ويدخل تحت ذلك توضيح الموقف من الجهات ذات المصلحة، أو ذات العلاقة بما تخطط له.
ثالثا:دلائل معرفة البنا للتخطيط الاستراتيجي

سبق تعريف التفكير الاستراتيجي وخطواته وبعض مصطلحاته، فهل كان الإمام البنا رحمه الله مدركا للتخطيط الاستراتيجي من حيث: أهميته، ومصطلحاته، وخطواته، وفنياته، وكيفية تطبيقه عمليا، وقراءة القرآن والسيرة والتاريخ من خلاله؟!
والإجابة نعم، فالبنا انصبت جهوده الإصلاحية في وضع خطة استراتيجية متكاملة للأمة الإسلامية، ونشرها بين الناس، واختيار من يحملها معه ومن بعده،
وفيما يلي الدليل على ذلك:
{1} إدراك البنا لأهمية التخطيط الاستراتيجي: هناك عدة دلائل على إدراك الإمام البنا لأهمية التخطيط الاستراتيجي، منها:
في "رسالة المنهج الثقافي" ذكر من مواد الدراسة الثمانية واجبة الدراسة: الاطلاع العام وأسلوب البحث والتفكير، ولم أجد في المراجع التي ذكرها في هذا المنهج أي كتاب يتعلق بالتفكير الاستراتيجي(3)، وهذا طبيعي لأن التفكير الاستراتيجي لم يكن معروفا في هذا الوقت في العالم العربي، كما سيأتي، ولكنه يدل على اهتمامه بأساليب البحث والتفكير.
كان يدرك أهمية تحديد الغاية ودورها في الدفع، ويقرر أنها أصل الأعمال، حيث يقول في رسالة "إلى أي شيء ندعو الناس"، تحت عنوان جانبي "الغاية أصل الأعمال": وبما أن الغاية هي التي تدفع إلى الطريق, ولما كانت الغاية في أمتنا غامضة مضطربة كان لابد من أن نوضح ونحدد. (4)
وكان يدرك أنه لابد من التخطيط أولا، ومعرفة المراحل والحدود والخطوات، وعدم ترك الأمور للصدفة والظروف، يظهر هذا من قوله: "طريق الإخوان مرسومة محدودة معروفة المراحل والخطوات، ليست متروكة للظروف والمصادفات". (5)
وكان يدرك أن "المناهج تقي التزلزل والاضطراب وتجنب التجارب المؤلمة الطويلة". (6)
وكان يدرك أنه لابد من وضع المناهج خاصة في العهود الجديدة وعصور التحولات، وبقدر وضوح المناهج التي توضع في هذه الفترات يكون النجاح الأبدي، يظهر هذا من قوله:"وإن أخطر العهود في حياة الأمم وأولاها بتدقيق النظر عهد الانتقال من حال إلى حال؛ إذ توضع مناهج العهد الجديد وترسم خططه وقواعده التي يراد تنشئة الأمة عليها والتزامها إياها، فإذا كانت هذه الخطط والقواعد والمناهج واضحة صالحة قويمة فبشِّر هذه الأمة بحياة طويلة مديدة وأعمال جليلة مجيدة، وبشِّر قادتها إلى هذا الفوز، وأدلتها في هذا الخير بعظيم الأجر وخلود الذكر وإنصاف التاريخ وحسن الأحدوثة". (7)
وكان يدرك أن الوسائل الدعوية المعهودة التي تعتمد على الكلام المرتجل والخطابة وإثارة المشاعر والعواطف لم تعد تكفي، بل لا بد من عمل استراتيجي، يظهر هذا من قوله: " تكثر الأسئلة عن مرامي الدعوة وكنهها، وعن الطرق التي يسلكها أهلها والقائمون بها في علاج ما يحيط بتطبيق مبادئها وتعاليمها من مشاكل داخلية وخارجية، ولم يعد يكفي في ذلك كلام مرتجل، أو خطابة تثير المشاعر، أو عبارات تؤثر في العواطف، بل صار واجبا على أهل الدعوة أن يصوروها للناس تصويرا منطقيا دقيقا واضحا مبنيا على أدق قواعد البحث العلمي، وأن يرسموا أمام الناس الطرق العملية المنتجة التي أعدوها لتحقيق ما يريدون، ولتذليل ما سيصادفون من عقبات لابد من وجودها في الطريق". (8)
وكان يدرك أهمية توحيد الجهود حول أهداف محددة، حيث يقول في رسالة "دعوتنا في طور جديد"، تحت عنوان "أهداف وتحديد":"نحن نريد نفوسا حية...تتخيل مُثُلا عليا وأهدافا سامية... ولابد أن تحدد هذه الأهداف والمثل، ولابد من أن تحصر هذه العواطف والمشاعر... وبغير هذا التحديد والتركيز سيكون مثل هذه الصحوة مثل الشعاع التائه في البيداء". (9)
وكان يدرك أن كل النهضات الناجحة نجحت لأنه كان له منهج محدود يعمل به السابق ويتابعه عليه اللاحق، فيقول:"أنت إذا راجعت تاريخ النهضات في الأمم المختلفة شرقية وغربية قديما وحديثا رأيت أن القائمين بكل نهضة موفقة نجحت وأثمرت كان لهم منهاج محدود عليه يعملون، وهدف محدود إليه يقصدون، وضعه الداعون إلى النهوض، وعملوا على تحقيقه ما امتد بهم الأجل، وأمكنهم العمل، حتى إذا حيل بينهم وبينه وانتهت بهم تلك الفترة القصيرة فترة الحياة في هذه الدنيا خلفهم من قومهم غيرهم يعملون على منهاجهم، ويبدؤون من حيث انتهى أولئك، لا يقطعون ما وصلوا، ولا يهدمون ما بنوا، ولا ينقضون ما أسسوا وشادوا، ولا يخربون ما عمروا، فإما زادوا عمل أسلافهم تحسينا، وإما مكنوا نتائجه تمكينا، وإما تبعوهم على آثارهم فزادوا البناء طبقة، وساروا بالأمة شوطا إل الغاية، حيث يصلون بها إلى ما تبتغي، أو ينصرفون راشدين ويخلفهم غيرهم، وهكذا دواليك حتى تحقق الأمال، وتصدق الأحلام، ويتم النهوض، ويثمر الجهاد، وتصل الأمة إلى ما إليه قصدت، وله عملت...أساس النجاح في كل نهضاتها منهج محدود، وقوم يعملون في حدود هذا المنهج لا يملون ولا يفترون ولا يسأمون ولا يمتنون". (10)
وكان يدرك أن من الخطر على الأمة اختلاف المناهج وتضاربها، وكثرة الزعماء، حيث يقول:" لعل من أخطر النواحي في الأمة الناهضة ... اختلاف الدعوات، واختلاط الصيحات، وتعدد المناهج، وتباين الخطط والطرائق، وكثرة المتصدين للتزعم والقيادة، وكل ذلك تفريق في الجهود، وتوزيع للقوى، يتعذر معه الوصول إلى الغايات". (11)
وكان يدرك أن الأحزاب لابد أن تكون لها استراتيجية تعمل عليها، ولا يصح أن تكون هملا بغير منهج، ولذلك انتقد الأحزاب المصرية في وقته بأنها لا تملك منهجا دقيقا ولم تضع هدفا ترمي إليه، ودعاها إلى الالتفاف حول منهج واحد، وليس أمامهم غير منهج الإخوان المسلمين. (12)
وكان يدرك أن التوحد حول منهج وتشبع القائد والعاملين عليه به، يمنع من استغلالهم في غير منهجهم، فهو يمدح جماعته لحسين سري باشا رئيس الوزراء وقتئذٍ بأن أفرادها:"يفرون من كل الغايات والمطامع إلى غاية واحدة ومقصد واحد هو رضوان الله؛ وهم لهذا لا يستغلون في منهاج غير منهاجهم ولا يصلحون لدعوة غير دعوتهم... فمن حاول أن يخدعهم خدع، ومن أراد أن يستغلهم خسر، ومن طمع في تسخيرهم لهواه أخفق". (13)
وكان يدرك أن من أدواء الأمة الإسلامية عدم الاجتماع على منهاج واحد، حيث يقول: "... تفرقنا على الفتات شيعا وأحزابا يضرب بعضنا وجوه بعض... لا نتبين هدفا ولا نجتمع على منهاج". (14)
وكان يدرك أن النهضة لا بد لها من منهاج متدرج يخلص المجتمع من مواطن ضعفه، فكان من قرارات مؤتمر طلبة الإخوان:
{6} وضع منهاج الإصلاح الذي يوجه النهضة على أساس يؤدي إلى التخلص بالتدريج من الصبغة الغربية، وقيود التقليد التي تصبغ الحياة المصرية ويعود بهذه الحياة إلى الأصول القومية الإسلامية في التشريع والعادات والثقافة والاجتماع والاقتصاد.
{7} مطالبة مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين بوضع نموذج لهذا المنهاج". (15)
{2} إدراك البنا لمصطلحات التخطيط الاستراتيجي:
كثيرا ما يردد مصطلحات هي من مصطلحات التخطيط الاستراتيجي مثل:
الغاية والوسيلة. (16)
والهدف العالي. (17)
وجعل الغاية أصل الأعمال، وشخَّص من أدواء الأمة اضطراب الغاية(18)، ووسائل الدعوات(19)، والمهمة إجمالا ثم تفصيلا(20)، والغاية القريبة والغاية البعيدة(21)، والمهمة ذات الشطرين(22)، ومهمة تكوين الأمة المسلمة(23)، والأهداف العامة والأهداف الخاصة(24)، والوسيلة العامة والوسيلة الخاصة(25)، والأهداف ووسائل إصابة هذه الأهداف(26)...إلخ.
{3} إدراك البنا لخطوات التفكير الاستراتيجي:
كان يدرك أن التخطيط الاستراتيجي يقوم على شقين؛ شق نظري توضع فيه الخطط والمناهج، وشق عملي يتمثل في الإنفاذ والتحقيق، يظهر هذا من قوله: "كلما وقفت هذا الموقف من جمهور يستمع، سألت الله في إلحاح أن يقرب اليوم الذي ندع فيه ميدان الكلام إلى ميدان العمل، وميدان وضع الخطط والمناهج إلى ميدان الإنفاذ والتحقيق" (27)
كان يدرك خطوة تشخيص الوضع الراهن، وسماها تشخيص الداء(28)، وتعد رسالة "بين الأمس واليوم" كلها تشخيصا للوضع الراهن للأمة(29)، وكذلك رسالة "إلى الشباب عامة والطلبة خاصة" (30). إلى جانب الحديث عنه حديثا متفرقا في سائر الرسائل تقريبا، وقد جعل تشخيص الداء هو بداية العلاج. (31)
كان يدرك أن الوقوف عند خطوة تشخيص الداء أو تشخيص الوضع الراهن لا يكفي وحده، بل لا بد من استكمال التفكير الاستراتيجي بتحديد الأولويات العليا والأهداف والوسائل الصحيحة، وتدبير الموارد البشرية والمادية اللازمة، يظهر هذا من قوله: "قال البنا رحمه الله في هذه الرسالة:" إن الخطب والأموال والمكاتبات والدروس والمحاضرات وتشخيص الداء ووصف الدواء كل ذلك وحده لا يجدي نفعًا ولا يحقق غاية ولا يصل بالداعين إلى هدف من الأهداف؛ ولكن للدعوات وسائل لا بد من الأخذ بها والعمل لها" (32)ومن العجيب جدا هذا الشبه الكبير بين كلام البنا رحمه الله الذي كتبه عام 1934م وبين كلام علماء الاستراتيجية المكتوب في طبعته الأجنبية عام 2005م وفي طبعته العربية عام 2007م، يقول علماء الاستراتيجية(33): "كل هذا العمل الذي وصف إلى حد بعيد هو عبث لا طائل تحته إذا لم يترافق العمل من يوم إلى يوم مع الأولويات الاستراتيجية التي جرى اختيارها بمنتهى العناية، إن العلاقة التي تربط بين التفكير ذي الاتجاه الاستراتيجي الذي يتجسد في الخطة الاستراتيجية وبين العمل من يوم إلى يوم هو خطة تشغيلية مختصرة وسهلة الاستعمال متزامنة مع السنة المالية للمؤسسة ويكشف عن الحاجة إلى تخطيط تفصيلي آخر".
وكان يدرك خطوة تحديد مراحل العمل الاستراتيجي ثم ترجمة هذه المراحل إلى خطوات، ثم تقسيم الخطوات إلى فروع، ثم وضع الوسيلة المناسبة لكل فرع، يظهر هذا من قوله: "ولكل مرحلة من هذه المراحل خطواتها ووسائلها وفروعها" (34)
كان يدرك أهمية بدء المسلم الإصلاح عن طريق تحديد الغاية، يظهر هذا من قوله: "قد حان الوقت الذي يجب فيه على المسلم أن يدرك غايته"(35). وكانت أولى خطوات الإخوان المسلمين العملية بعد الخطوات النظرية تحديد المبدأ واختيار الوسيلة، يظهر هذا من قوله:"وكان أول وسائلهم العملية في تطهير النفوس وتجديد الأرواح تحديد الوسيلة واختيار المبدأ" (36)
كان يدرك أهمية دراسة التجارب الناجحة للدعوات المحلية والعالمية، القديمة والحديثة، حيث يقول:"...كانت دراسة هذه الدعوات والموازنة بينها أمرا أساسيا لا بد منه لمن يريدون الإصلاح"(37).ويظهر هذا أيضا من قوله: "أنت إذا راجعت تاريخ النهضات في الأمم المختلفة شرقية وغربية قديما وحديثا رأيت أن القائمين بكل نهضة موفقة نجحت وأثمرت كان لهم منهاج محدود عليه يعملون، وهدف محدود إليه يقصدون، وضعه الداعون إلى النهوض، وعملوا على تحقيقه ما امتد بهم الأجل، وأمكنهم العمل، حتى إذا حيل بينهم وبينه وانتهت بهم تلك الفترة القصيرة فترة الحياة في هذه الدنيا خلفهم من قومهم غيرهم يعملون على منهاجهم، ويبدؤون من حيث انتهى أولئك، لا يقطعون ما وصلوا، ولا يهدمون ما بنوا، ولا ينقضون ما أسسوا وشادوا، ولا يخربون ما عمروا، فإما زادوا عمل أسلافهم تحسينا، وإما مكنوا نتائجه تمكينا، وإما تبعوهم على آثارهم فزادوا البناء طبقة، وساروا بالأمة شوطا إلى الغاية، حيث يصلون بها إلى ما تبتغي، أو ينصرفون راشدين ويخلفهم غيرهم، وهكذا دواليك حتى تحقق الآمال، وتصدق الأحلام، ويتم النهوض، ويثمر الجهاد، وتصل الأمة إلى ما إليه قصدت، وله عملت...أساس النجاح في كل نهضاتها منهج محدود، وقوم يعملون في حدود هذا المنهج لا يملون ولا يفترون ولا يسأمون ولا يمتنون" (38)
كان يدرك أهمية خطوة استعراض الوسائل واختيار الأجدى منها، والأقرب إلى الواقع، يظهر هذا من قوله:"ولقد استعرضوا الإخوان المسلمون وسائل ذلك (تربية النفوس والأخلاق) وطرائق الوصول إليه فلم يجدوا فيها أقرب ولا أجدى من الفكرة الدينية" (39)
وكان يدرك أهمية خطوة تحديد الموقف من الجهات ذات العلاقة، وبيان طبيعة العلاقة معها، قال في "رسالة المؤتمر السادس":" سأتكلم عن غاية الإخوان المسلمين، وعن وسيلتهم، وعن موقفهم من الهيئات المختلفة...تذكرة للغافل وتعليما لمن لم يكن يعلم" (40)
وكان يدرك أهمية المراجعة والمراقبة والتقييم للخطة الاستراتيجية بين الفينة والأخرى، يظهر هذا من قوله:"إن للإخوان المسلمين منهاجا محدودا يتابعون السير عليه، ويزنون أنفسهم بميزانه، ويعرفون بين الفينة والفينة أين هم منه" (41)ويظهر أيضا من قوله: "و لا بأس أن ننتهز هذه الفرصة الكريمة فنستعرض نتائجنا, ونراجع فهرس أعمالنا, ونستوثق من مراحل طريقنا ونحدد الغاية والوسيلة فتتضح الفكرة المبهمة, وتصحح النظرة الخاطئة, وتعلم الخطوة المجهولة, وتتم الحلقة المفقودة, ويعرف الناس الإخوان المسلمين على حقيقة دعوتهم, من غير لبس ولا غموض. لا بأس بهذا, ولا بأس بأن يتقدم إلينا من وصلته هذه الدعوة ومن سمع أو قرأ هذا البيان, برأيه في غايتنا ووسيلتنا وخطواتنا؛ فنأخذ الصالح من رأيه, وننزل على الحق من مشورته, فإن الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم" (42)ويظهر أيضا من قوله: "تجتمعون الآن أيها الإخوان لتراجعوا صفحة أعمالكم، ولتتبينوا مراحل منهاجكم، ولتتحدثوا إلى أنفسكم وإلى الناس عن دعوتكم من جديد، لعل في ذلك تبصرة وذكرى والذكرى تنفع المؤمنين" (43)
{4} إدراك البنا لفنيات التخطيط الاستراتيجي:
كان البنا رحمه الله يدرك الفنيات الدقيقة اللازمة لجودة التخطيط الاستراتيجي، ومن ذلك:
كان يدرك أهمية العمل لغاية واحدة فقط، يسعى لها الإنسان، وعدم تشتيت النفس بالعمل لأكثر من غاية، يظهر هذا من قوله:"ولهذا وقفت نفسي منذ نشأت على غاية واحدة هي إرشاد الناس إلى الإسلام حقيقة وعملا, ولهذا كانت فكرة الإخوان المسلمين إسلامية بحتة في غايتها وفي وسائلها" (44)
كان يدرك أهمية التناسق بين الوسائل، وأهمية تواصل العمل بالاستراتيجية الموضوعة دون توقف أو تغيير كامل، يظهر هذا من قوله:"ولئن كانت الغاية التي نعمل لها جميعا واضحة للكثيرين فأنا واثق من أمرين يلازمان هذه المعرفة: الأمر الأول: أن الوسائل غير معروفة ولا محدودة وقد تكون متعاكسة يحبط بعضها بعضا ونحن لا نشعر. الأمر الثاني: أن الصلة منقطعة تماما بين السابق واللاحق..." (45)
وكان يدرك أن تحديد الموقف من الهيئات المختلفة يقي من الخطأ في التعامل معها، فمن لا يحدد موقفه مسبقا قد يعادي من يستحق الموالاة أو يوالي من يستحق المعاداة، يظهر هذا من قوله:"على الأخ المسلم أن يحدد موقفه وصلته بالهيئات المختلفة في مصر؛ ليكون تعامله معها ونظره إليها خاضعا لهذا التحديد؛ حتى لا يعادي من يستحق الموالاة، أو يحب من يستحق البغض، أو يشجع ناحية تعتبر حربا على دعوته" (46)
وكان يدرك أنه لا يمكن استيراد أصول النهضة من مكان لمكان آخر، فلكل نهضة أصولها، ولكل بيئة خصوصياتها، وهذا مبدأ استراتيجي قويم، يظهر هذا من قوله: "أصول النهضة في الشرق غير أصولها في الغرب" (47)
وكان يدرك أن طريق الاستراتيجيات طويل، وحتى تصل إلى النتائج المرجوة يجب عدم حرق المراحل، والسير بتؤدة، يظهر هذا من قوله:" إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده. ولستُ مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقًا طويلة ولكن ليس هناك غيرها... "(48). وجعل:"التدرج في الخطوات ووضوح المراحل والوسائل، كل ذلك من خصائص دعوة الإخوان المسلمين" (49)
{5} قراءة البنا للأمور قراءة استراتيجية:
ويتضح إدراك البنا للتفكير الاستراتيجي من خلال قراءته للقرآن والسيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين والتاريخ الإسلامي قراءة استراتيجية: حيث يبين أن مصدر غايته " إنما هي الرسالة التي تتجلى في كل آية من آيات القرآن الكريم, وتبدو في غاية الوضوح في كل حديث من أحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، وتظهر في كل عمل من أعمال الصدر الأول الذين هم المثل الأعلى لفهم الإسلام وإنفاذ تعاليم الإسلام" (50)
وتظهر قراءته الاستراتيجية للقرآن والتاريخ الإسلامي كله قديمه ووسيطه ومعاصره في رسالة "بين الأمس واليوم" كلها، حيث قرأ كل ذلك باحثا عن الأهداف والوسائل، والموارد، والنتائج التي حققتها سواء كانت نتائج بعيدة أم قريبة، والنتائج المترتبة على البعد عن الوسائل، وتضييع الأهداف وإهمالها.. إلخ(51). وقرأ تاريخ قيام الدول الإسلامية وانهيارها، وتاريخ الفرق الإسلامية. (52)
بل قرأ تاريخ الأمم الغربية قراءة استراتيجية، مستشفا لأدوار نهضتها، حيث يقول:
"وأنت إذا رجعت بذاكرتك إلى ...نهضة الدول الحديثة الأوروبية من فرنسا وإيطاليا وروسيا وتركيا سواء في الدور الأول، وهو دور تكوين الوحدات وتأسيس المؤسسات والحكومات، أو في هذا الدور وهو دور تكوين المبادئ ومناصرة النظريات لرأيت كل ذلك يخضع إلى مناهج معروفة الخطوات تؤدي إلى النتيجة الحتمية التي تعمل لها الأمة" (53)
{6} تنفيذ البنا للتخطيط الاستراتيجي:
وكل رسالة من رسائل البنا الخمس وعشرين التي وصلتنا من مجمل سبع وعشرين رسالة، تتحدث عن جزء أو أكثر من أجزاء هذا التخطيط الاستراتيجي؛
واستقراء ذلك على النحو التالي:
(أ‌) رسالة "إلى أي شيء ندعو الناس"، 26 محرم1353هـ الموافق 11 مايو 1934م، تحتوي من خطوات التخطيط الاستراتيجي على:
بعض تشخيص الوضع الراهن للأمة ومنه الفجوة بين فهم الداعي والمدعو، ووضع المقياس الموحد للفهم من خلال القرآن الكريم، والحديث عن غايات غير المسلمين في الحياة، وغاية المسلم، ثم تحدث عن الوسائل المؤدية إلى غاية المسلم بالتفصيل، ورد على شبهة صعوبة تحقيق غاية الإخوان وأنها غير قابلة للتحقيق وأنها أحلام وطريق طويل، والتدليل على صدق الغاية وفاعلية الوسائل من قصص القرآن. وبيان الموقف من القومية، وهو ما يسمى العلاقة بذوي المصلحة. إلى جانب الرد على شبهتي: مصدر المال الإخواني، وانغماس الإخوان في السياسة.
(ب‌) "رسالة العقائد" 1934م، هي وسيلة من وسائل مرحلة الإيمان العميق، فهي تخدم هذه المرحلة معرفيا، و"رسالة المأثورات" التي ألَّفها بعد ذلك تخدم هذا الهدف وجدانيا.
(ت‌) رسالة "هل نحن قوم عمليون"،28 ربيع الثاني 1353هـ الموافق 10 أغسطس 1934م، وتحتوي من خطوات التفكير الاستراتيجي علي:
الموقف من ذوي المصلحة ممن يسألون عن جماعة الإخوان المسلمين، وتقسيمهم حسب هدف كل منهم.ومراجعة لإنجازات الإخوان ومدى تقدمهم في استراتيجيتهم، من خلال رصد المؤسسات المفيدة التي وصلت إلى 50 مؤسسة في هذا التاريخ. وبعض من تشخيص الوضع الراهن للأمة فيما يتعلق بنفوس أبنائها، وتحديد ميدان المعركة الحقيقي وهو ميدان بناء النفوس.
وتحديد الوسيلة النافعة في إحياء النفوس وتحديد المبدأ وهو الدين، ثم شخص الوضع الراهن للأمة من الصلاة والزكاة والجهاد والقرآن، وبين أن الداء يكمن في التمسك بظواهر هذه العبادات دون جوهرها، ووضح الفهم الصحيح لها وفقا للقرآن والسنة والسيرة وعمل الخلفاء الراشدين.
وختم الرسالة بالحديث عن أهمية السير وفق وسائل وأهداف ومنهج وخطوات واضحة، وأن ذلك قوام كل الدعوات الدينية والغربية والمحلية والدولية. إلى جانب الرد على شبهة المال.
(ث‌) "رسالة دعوتنا"20 محرم 1354هـ 23 أبريل 1935م، وتحتوي من مبادئ التفكير الاستراتيجي على: المصارحة بالغاية والمنهاج، وتحديد الموقف من ذوي العلاقة وخاصة تصنيف موقف الناس من الدعوة من حيث: مؤمن، متردد، نفعي، متحامل.
والموقف من كل واحد منهم. ثم تصنيف موقف الناس من الدعوة من حيث الرابطة والمسالمة: معتقد لما اعتقدناه، غير معتقد لما اعتقدناه ومسالم، غير معتقد لما اعتقدناه ومعادٍ.
وبيان أهمية الفناء في الدعوة وأن هذا الفناء شرط للصلاح لها، وهو ما يوازي في مبادئ التفكير الاستراتيجي الحديثة الاقتناع بالأهداف والغايات حتى لا يكون من لم يقتنع بها عائقا في تنفيذها، بل يكون دافعا لها معتقدا بأنها خطته هو وليست مفروضة عليه.
ثم تحدث عن وضوح المبدأ الذي يدعو له الإخوان. ثم تشخيص الوضع الراهن للأمة من حيث إيمانهم بالإسلام، والفرق بين إيمان الإخوان وإيمان غيرهم. وتحدث عن دراسة النماذج الناجحة المحلية والدولية من الدعوات في الشرق والغرب والدعاة والوسائل المستخدمة. وعن تصحيح الفهم للإسلام بالأدلة.
والحديث عن الموقف من ذوي العلاقة وخاصة الموقف من الوطنية والقومية، والموقف من الخلافات الدينية والمذهبية. وتشخيص الوضع الراهن، وتتبع الأعراض، وتحديد عناصر القوة، وبث الأمل في إمكانية النهوض من جديد والإقناع بذلك من خلال رصد مظاهر السلامة وعناصر القوة الموجودة في الأمة والتي تؤهلها للنهضة من جديد، وتحدث عن الوسائل التي يجب أن تأخذ بها للنهوض.
(ج‌) ورسالة "نحو النور"، رجب 1355هـ أكتوبر 1936م وهي من أقوى الرسائل في الدلالة على دور التفكير الاستراتيجي في فكر البنا، وأنه عمدة مشروعه، فقد احتوت هذه الرسالة من خطوات التفكير الاستراتيجي على: مقدمات تشمل:
بيان الوقت الراهن وأنه عصر انتقال من مرحلة إلى مرحلة وعهد الانتقال خطير، وخطورته تستوجب تحديد المهمة التي يجب أن تعمل مصر على تحقيقها، والوسائل التي تحقق هذه الغاية، وهما وسيلتان اتباع الغرب وهذا دعاه إلى تشخيص الوضع الراهن للمدنية الغربية وبيان الأدلة التي تدل على قرب أفولها وأنها لا تصلح وسيلة لنهضة مصر.
ثم الحديث عن الوسيلة الثانية التي يجب أن تأخذ بها مصر وهي المنهج الإسلامي وبين مزاياه التي يمتاز بها عن المنهج المادي الغربي، من حيث إمداده للأمة بالأمل، والعزة القومية، والقوة الجندية، ومبادئ الحفاظ على الصحة العامة، والحث على العلم، والخلق، ومبادئ الاقتصاد، وتحديده للنظم العامة المنظمة للحياة والعلاقات الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والدولية.
ثم تحدث عن الموقف من الجهات ذات العلاقة مخصصا الحديث للموقف من الأقليات والأجانب، والعلاقة مع الغرب.وتحدث عن مبدأ استراتيجي هام للغاية وهو خطأ استيراد الحلول الجاهزة من مكان لآخر، فلكل مكان ومشكلة خصوصيتهما، وهو ما عبر عنه البنا في هذه الرسالة بقوله:"أصول النهضة في الشرق غير أصولها في الغرب".
ثم حدد بعض خطوات الإصلاح العملي في الناحية السياسية والقضائية والإدارية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية، فيما سمي بالنقاط الخمسين.
(ح‌) "رسالة المأثورات"، 1رمضان 1355هـ الموافق 1936م، وهذه الرسالة وسيلة من وسائل تحقيق هدف الإخوان في هذا الوقت وهي مرحلة الإيمان العميق، بعد رسالة العقيدة التي تخدم الهدف نفسه، فرسالة العقيدة تخدم هذه المرحلة معرفيا، والمأثورات تخدمه وجدانيا كما أسلفت.
(خ‌) رسالة "مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين"، 19 ذو الحجة 1356هـ/2 فبراير 1938م، وفيها من خطوات التخطيط الاستراتيجي: حث الطلبة على العمل، وتصحيح شبهة الفصل بين الدين والدولة، وبيان مظاهر شمولية الإسلام في: السياسة الداخلية، والخارجية، والحقوق الدولية، وحماية الأقليات، وبيان مزايا المنهج؛ التشريع الإسلامي من حيث السعة، وبيان الموقف من الحزبية السياسية.
مع ملاحظة أن الطلبة والشباب الذين يتحدث إليهم البنا في هذه الرسالة هم من ذوي المصلحة بالمشروع الإسلامي، وممن يعمل على كسب تأييدهم لخطته الاستراتيجية.
(د‌) "رسالة المنهج"، رجب 1357هـ الموافق 1938م، وهي من أوضح الرسائل الدالة على حجم التفكير الاستراتيجي في فكر البنا هي ورسالة "بين الأمس واليوم"، وتحتوي من خطوات التخطيط الاستراتيجي على:
تذكير بمراحل الدعوة وهدف كل مرحلة ووسائلها ومؤشرات نجاحها، وبيان الموقف من الجهات ذات العلاقة وتحدث عن هيئات مختلفة هي: السراي، الأزهر، الحكومات، الهيئات السياسية المختلفة، الهيئات الإسلامية، الأندية والجماعات الرياضية والعسكرية إلخ.
والموقف من الهيئات الهدامة. والحديث عن الوسائل السياسية والإدارية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تؤدي لإصلاح الدولة. والحديث عن وسيلة من وسائل المرحلة الثانية وهي مرحلة التكوين، والوسيلة هي الكتيبة ورسالة التعاليم.
(ذ‌) "رسالة التعاليم"، يوليو 1938م، وهي وسيلة من وسائل تحقيق المرحلة الثانية من مرحلة الدعوة كما ذكرها البنا، وهي مرحلة التكوين الدقيق، وقد ذكر في رسالة المنهج أن هدفها توحيد الفهم بين الإخوان ليصدروا عن رأي واحد، ووجهة نظر مشتركة.
(ر‌) "رسالة المناجاة"، رجب 1357هـ، وهي وسيلة من وسائل المرحلة الثانية من المراحل التي حددها البنا وهي مرحلة التكوين الدقيق، مثلها مثل "رسالة التعاليم"، وتأكيد لمرحلة الإيمان العميق، حيث صاغ فيها "رسالة المأثورات" وهي قريبة الهدف من هذه الرسالة.
(ز‌) "رسالة المؤتمر الخامس"، 13 ذي الحجة 1357هـ الموافق 2 فبراير 1939م، وتحتوي من خطوات التخطيط على: الحديث عن الجاهزية للتخطيط ونشأة الفكرة.
وتحدث عن بعض خصائص دعوة الإخوان، وفي الخصائص تحدث عن التدرج وعن المراحل: التعريف والتكوين والتنفيذ، وعن الغاية والوسيلة والمهمة.
وبيان الموقف من عدة مفردات ذات علاقة بالمشروع الإسلامي، وهي: استخدام القوة والثورة، والحكم، والدستور المصري، والقانون، والوحدة القومية والعربية والإسلامية، والخلافة والهيئات الإسلامية ومنها جمعية الشبان المسلمين، والأحزاب، ومنها حزب مصر الفتاة، والدول الأوروبية. وتحدث عن نموذج ناجح محلي وهو دعائم جهاد الأسلاف.
وطالب بعدم اليأس، وهو دور من أهم أدوار القائد وهو بث الأمل في نفوس التابعين والثقة بالمنهج وصلاحيته. وتحدث عن الجدول الزمني وأنه ينتظر دورة الزمان تبعا للسنن الكونية.
(س‌) رسالة "الإخوان المسلمون تحت راية محمد (القرآن)"،20 صفر 1358هـ الموافق11 أبريل 1939م، وتحتوي من خطوات المنهج الاستراتيجي على: خصائص الدعوة (صفاتها)، وهو أمر لا يمكن إلا بعد دراسة جميع الدعوات المحلية والدولية دراسة عميقة، وتفهم مميزاتها وعيوبها، ثم بعد ذلك يحدد الخصائص التي تميز دعوته عن هذه الدعوات كلها، وهي تشبه السياسات التي تنبثق عن الخطط الاستراتيجية.
ثم تحدث عن دراسة الوضع الراهن، من خلال دراسة الدعوة الأولى وبيان الفجوة بيننا وبينها، وتشخيص داء الأمة وشخص منه في هذه الرسالة موجة التقليد الغربي، ثم تحدث عن المنهج بتحديد المهمة والمراحل: الفرد المسلم، البيت المسلم، الشعب المسلم، الحكومة المسلمة، الدولة المسلمة.
ثم تحدث عن الاستعداد لحمل الأمانة والعدة اللازمة لذلك. ورد عن شبهة خيالية هذا المنهج، وتشخيص الوضع الراهن للأمة وشخص منه هنا عدم وجود حكومة مسلمة، ورصد أضرار عدم وجودها.ثم تحدث عن طبيعة الفكرة الإسلامية الإخوانية.
(ش‌) رسالة "المرأة المسلمة"، ربيع الأول 1359هـ الموافق أبريل 1940م، تعتبر حديثا موجها لأحد ذوي العلاقة بالمشروع الإسلامي الإخواني، وهو النساء، وحوت من خطوات التفكير الاستراتيجي على: تشخيص الوضع الراهن من حيث التقليد الغربي، ثم بين موقف الإسلام من المرأة وبين أن:
الإسلام يرفع قيمة المرأة. ويفرق بينها وبين الرجل في القانون تبعا للفوارق الطبيعية، ويفرق بينهما من حيث المهمة وصيانة الحقوق. وجعل الله بينها وبين الرجل تجاذبا فطريا غايته احتمال متاعب الحياة والتعاون. ووضح أن المرأة في الإسلام يجب أن: تُهذَّب وتُربَّى على الفضائل والكمالات، وأن يفرق بينها وبين الرجل.
(ص‌) رسالة "إلى الشباب عامة وإلى الطلبة خاصة"،1940 - 1941م تقريبا، وهذه الرسالة تعتبر حديثا موجها لأحد ذوي العلاقة بالمشروع الإسلامي للبنا، وهم طائفة مهمة في عمل الدعوات، وحوت هذه الرسالة من خطوات التفكير الاستراتيجي على: بيان نقاط القوة لدى الشباب وهي امتلاك:
الإيمان، والإخلاص، والحماسة، والعمل. وبيَّن بيئة نشأة الشاب ودورها في تحديد وجهته. وبيَّن أهمية التوحد حول دعوة واحدة منعا للتشتت، وهو مبدأ استراتيجي بل هو روح التخطيط الاستراتيجي.
ثم عرف بدعوة الإخوان، وتشخيص الوضع الراهن للأمة وشخص في هذه الرسالة تعرض الإسلام لانحراف الفهم على مدار التاريخ. وتحدث عن مراحل معالجة ذلك نظريا وعمليا.
ثم تحدث عن دور الشباب في دعم مشروعه وهو: الإيمان بأنفسهم. معرفة منزلتهم كسادة للدنيا، تجديد الإيمان، وتحديد الغاية والأهداف، والأخذ بوسائل القوة، وهي: الإيمان ثم الوحدة، ثم النصر.
ثم ذكر بمنهج الإخوان:الفرد، البيت، الشعب، الحكومة، ضم أجزاء العالم الإسلامي، عودة راية الإسلام على الأجزاء التي رفعت فيها من قبل، ثم نعلن دعوتنا على العالم. ورد على شبهة خيالية هذا المنهج والوسائل. وتحدث عن تقوية عزم الشباب. وأعاد الحديث عن فهم الإخوان للإسلام.
ثم بين الموقف من بعض ذوي العلاقة بالمشروع الإسلامي، وهي دعوة الوطن والوطنية. واهتم في هذه الرسالة بالرد على عدة شبهات، هي خيالية المنهج والوسائل، دعوة الإخوان تدعو للكسل والخمول، والتفريق العنصري بين طبقات الأمة، وشبهة العمل لحساب هيئة من الهيئات. ثم دعاهم للالتحاق بالإخوان المسلمين.
(ض‌) "رسالة المؤتمر السادس"،11 ذو الحجة 1359هـ الموافق 9 يناير 1941م،
وقد صرح البنا رحمه الله في مقدمة هذه الرسالة بأن هدفه مراجعة الأعمال وبيان الإنجازات، وتذكير بمراحل المنهج والغايات والوسائل والموقف من الهيئات المختلفة، والحديث عن الدعوة للتذكير، وهو ما يتوافق تماما مع خطوات التخطيط الاستراتيجي وخاصة خطوة المراجعة والتقييم.
وإلى جانب ما سبق تحدث عن تشخيص الوضع الراهن للإسلام، وقارن بين نجاح الدعوة في منهجها مقارنة بالدعوات الأخرى، وتشخيص وضع الإسلام الحالي.
وشخص الوضع الراهن للأمة وانصب تشخيصه على بعض نتائج فساد النظام الاجتماعي في مصر متعرضا فيه: لوضع مصر ومكانتها ومواردها، وحال الفلاح والملاك الكبار والعمال وشركات الاحتكار والطب والتعليم والأخلاق والقوة الروحية.
وشخص سبب فساد النظام الاجتماعي بأنه الغزو الفكري، وبيَّن أن المسؤول عن الفساد الاجتماعي هو الحاكم والمحكوم على السواء، وبين السبل للتخلص من هذا الفساد وهي: الجهاد والتضحية والتحرر من السلطان الأجنبي والعودة للنظام الإسلامي. وبين الوسائل العامة المؤدية للعودة إلى الإسلام، وهي: الإقناع ونشر الدعوة، واستخلاص العناصر الطيبة، والنضال الدستوري.
ثم بيَّن الموقف من استخدام القوة كوسيلة للإصلاح، ثم تحدث عن الموقف من بعض الجهات ذات العلاقة بالمشروع الإسلامي وهي: السراي والحكومات والأحزاب والهيئات الإسلامية.
وفي المذكرة المرفقة بهذه الرسالة للملك فاروق: ذكَّره بتاريخ مصر وعظمتها، وأن الظروف العالمية فرصة لعودة دور مصر، وبيَّن له مظاهر القوة في مصر من ملك وشعب وثروات ووحدة في الشعور والفكر واللغة والتقاليد والعادات والآمال والطموح والزعامة للعالم الإسلامي، وهي كلها تندرج تحت خطوة تشخيص الوضع الراهن، وبيان عناصر القوة والضعف والفرص والتحديات.
ثم بين له كيف تعود مصر للمجد: بعلاج سريع يكمن في علاج سريع لفوضى الحياة الاجتماعية ثم بثلاثة أهداف: التحرر من التقليد والسعي نحو الإسلام، واستكمال استقلال مصر سياسيا واقتصاديا وعسكريا وقضائيا، وجمع كل زعماء الدول الإسلامية على رأي جامع.
(ط‌) رسالة "دعوتنا في طور جديد"،17 شعبان 1361هـ الموافق 29 أغسطس 1942م، وحوت من خطوات التفكير الاستراتيجي على:
تقييم ما تم من منهج الإخوان المسلمين، حيث بيَّن البنا النشأة وتغلغل الدعوة بين العوام ثم بين المفكرين الذين بدؤوا يكتبون عن الإسلام ومزاياه.
وتحدث عن خصائص دعوة الإخوان وهو أمر كما بينت سابقا ينتج عن مجهود كبير في المقارنة بين الدعوات المحلية والعالمية ودراسة مميزاتها وعيوبها.
ثم تحدث عن الموقف من الجهات ذات العلاقة أو ذات المصلحة، وخصص الحديث هنا للموقف من: القومية، والعروبة، والشرقية. ثم تحدث عن الأهداف وتحديدها.
ودرس تاريخ الدعوة الإسلامية الأولى دراسة استراتيجية، وبين أن استراتيجيتها تتمثل في: الغايات وهي: الإيمان بعظمة الرسالة وأن غيرها الباطل. والاعتزاز باعتناقها والاعتقاد بأنهم أساتذة العالم.
والأمل في تأييد الله لهم. ثم الوسائل وهي: التكاليف الشخصية للفرد التي تحقق غايته روحيا وعقليا وصحيا وإرادة. ثم نظَّم الأسرة، ثم عالج مشاكل المجتمعات. ودعاهم إلى التفكير تفكيرا استقلاليا وفق الإسلام بعيدا عن التقليد.
وتحدث عن الوسيلة العامة لدعوة الإخوان المسلمين وهي المشاركة في الخير العام. وتحدث عن الوسيلة الخاصة بالعاملين لعودة الإسلام وهي: الإيمان، والعمل، والمحبة والإخاء. وتحدث عن الوسيلة الرسمية لتحقيق الروح الاستقلالي وهي: المدرسة والتعليم.
(ظ‌) رسالة "بين الأمس واليوم" أو"النبي الأمي من تطورات الفكرة الإسلامية وأهدافها"،1943م، وهذه الرسالة من أهم الرسائل التي يتضح فيها جليا ملكة البنا في التخطيط الاستراتيجي، حيث يقوم معظمها على قراءة القرآن قراءة استراتيجية مستشفا من هذه القراءة الأهداف العليا للإصلاح الاجتماعي، والوسائل المؤدية لهذه الأهداف، ودرس رحلة النبي صلى الله عليه وسلم في تحقيق هذه الأهداف، ونتائج ذلك محليا وإقليميا وعالميا، ثم درس عوامل التحلل التي أصابت الأمة بعد أن حادت عن هذه الأهداف العليا والوسائل المحققة لها، وتعرضها في ضعفها هذا للصراع السياسي والصراع الاجتماعي.
وكل هذه الدراسة هي عينها خطوة تشخيص الوضع الراهن، ودراسة تاريخ ما تخطط له. ثم تحدث عن دعوة الإخوان بوصفها دعوة البعث والإنقاذ.
(ع‌) رسالة "الأسر" ويليها "النظام التعاوني" 1943م، وهذه الرسالة تدور كلها حول وسيلة مهمة من وسائل تحقيق أهداف البنا في هذه المرحلة، حيث كانت هذه الفترة فترة ضغط على الإخوان المسلمين مما حال بينهم وبين إقامة الكتائب التربوية التي كانوا يقيمونها منذ عام 1938م، فوضع هذه الوسيلة بديلا لها ولتحقق هدف المرحلة وهي مرحلة التكوين الدقيق. مع تثبيت المرحلة السابقة وهي الإيمان العميق.
(غ) رسالة "مؤتمر رؤساء المناطق والشعب ومراكز جهاد الإخوان المسلمين على مستوى القطر:"، 2 شوال 1364هـ الموافق سبتمبر 1945م، وحوت من خطوات التفكير الاستراتيجي على: تقييم وضع جماعة الإخوان ومدى تقدمهم وأن العالم أصبح يلتف حولهم، والتذكير بالفهم الشامل للإسلام والحث على الجهاد في سبيل إعادة هذا الفهم.
ثم تحدث عن تشخيص وضع الإسلام والأدوار التي مر بها، وهما دوران: الدعوة الأولى التي وصلت بالمسلمين إلى السيادة، ثم دور اختلاط الأمر وشكلية العبادة، وتحول العلم والمعرفة إلى جدال، وتشخيص حال المصلحين أنفسهم وأنهم اتخذوا الإصلاح وسيلة للجاه والمال، ففسدت النفوس وتفرقت الكلمة، وطُمع في المسلمين.
ثم درس نماذج من الإصلاح، وبين أن المصلحين كانوا على طرائق:إصلاح النفوس، خدمة الشعوب، تقويم أداة الحكم. ومنهم من انتصر لنفسه وانتقص من غيره، ثم ظهر الإخوان.
وتحدث عن مقاصد الإخوان وهي:تصحيح فهم الدين بروح العصر. وجمع المسلمين على مبادئ كتابهم. وخدمة المجتمعات. والإصلاح الاقتصادي. والمطالبة بالاستقلال وبالحكومة الإسلامية. والمساهمة في السلام العالمي.
وتحدث عن الوسائل وهي وسائل الدعوة الأولى: التبليغ ونشر الدعوة وتربية النفوس للتكوين. ووضع المناهج في شؤون الحياة للتوجيه والتقدم بها للهيئات للتنفيذ. وأثناء ذلك إسداء الخير والمعروف للناس.
ثم تحدث عن الموقف من بعض الجهات ذات المصلحة، وخصص الحديث هنا للموقف من: وزارة الشؤون الاجتماعية والتعامل معها ومع قرارها الخاص بالجمعيات.
كوعن الحقوق الوطنية لوادي النيل، ومطالب وادي النيل: الجلاء. رفع قيود الحرب. الإشراف المصري على قناة السويس. وحدة وادي النيل. تأمين الحدود الغربية ناحية برقة وطرابلس والشرقية ناحية فلسطين والجنوبية ناحية إرتريا وزَيْلَع ومصوَّع.
وعن مطالب الإخوان للبلاد العربية: الثقة بالجامعة العربية وإنهاضها، وعن مطالبهم للبلاد الإسلامية والأقليات الإسلامية: التحرر والاستقلال والحقوق.
والمطالبة بإعلان الحكومة إسلاميتها، وتجديد مناهج التعليم وجعل الشريعة مصدر القانون. وبيان الموقف من الأجانب. وتحدث عن الوسائل: العزة بالحق، والإيمان والأمل. ونشر البيانات التي توضح للناس حقهم، وكشف ألاعيب المخادعين، وجمع كلمة الناس في مؤتمرات، والدعوة لمؤتمر عربي إسلامي جامع، والبعثات، والسلاح السلبي بالاعتزال.
(ف) رسالة"المؤتمر الشعبي الأول في القاهرة"،8 شوال 1364هـ الموافق 4 أكتوبر 1945م، وتشبه كثيرا محاور الرسالة السابقة، حيث رد فيها على شبهة الدين والسياسة، وسبب تقديم الإخوان الشأن الخارجي على الداخلي في هذه المرحلة، وأعاد الحديث عن الحقوق القومية، ووسائل استردادها، وأعتقد أن هذا المؤتمر كان وسيلة من وسائل الضغط على الحكومة القائمة لتنفيذ المطالب المذكورة في الرسالة السابقة؛ فقد عقد بعده بأربعة أيام فقط، وحوى المطالب نفسها.
(ق) رسالة "الجهاد"،1947م تقريبا، وهذه الرسالة كانت إعدادا فكريا للمجاهدين من الإخوان المسلمين الذين كان يعدهم للجهاد في فلسطين، حيث حوت تبصيرا بأمور الجهاد في الإسلام وآدابه وأحكامه، فهي وسيلة من وسائل إعداد الإخوان في مرحلة قوة الساعد والسلاح بعد أن أكمل قوة العقيدة والإيمان، ثم قوة الوحدة والارتباط.
(ك) رسالة "في علم الحديث"، 1 محرم 1367هـ 1947م، وهذه الرسالة لم يذكر البنا فيها غرضه من تأليفها، ولم تذكرها طبعة مركز البصائر وهي أحدث وأشمل طبعات الرسائل كما سيأتي ضمن رسائل البنا، ولكن بمعرفة هدف البنا في حياته، والرسالة التي كان يريد أن يبلغها أستطيع أن أؤكد أن غرضها مرتبط بغرض ما كرسالة "الجهاد" المؤلفة معها في العام نفسه، "ورسالة التعاليم"، و"رسالة المأثورات" "والمناجاة"، فالبنا رحمه الله لم يكن يكتب رفاهية، بل كان يكتب في إطار استراتيجيته العامة، تربيةً وتعليما وتثقيفا للعاملين في مشروعه، ولكني أعترف بأن الغرض الدقيق منها لم يستبن لي الآن، ولعله كان يريد توحيد مشارب التعامل مع الحديث الشريف، لتقليص الخلافات الفقهية.
(ل) مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، 3 محرم 1367هـ الموافق 16 نوفمبر 1947م، وحوت هذه الرسالة من خطوات التخطيط الاستراتيجي على: تشخيص وضع مصر من حيث الروح المعنوية والفساد الإداري وضعف سلطان القانون والضيق الاقتصادي، والأخلاق وتبلبل الأفكار، وأنه لم تعد الإصلاحات الجزئية مجدية، وهناك أجواء ثورة وتتنازع الوطن الشيوعية والاشتراكية والديمقراطية والإسلام الراسخ، وعدم جدوى الإصلاحات الجزئية، وتشخيص وضع العروبة والدول الإسلامية: فلسطين وباكستان وإندونيسيا وطرابلس الغرب وبرقة وشمال إفريقية. وتشخيص حال تفكير الزعماء والقادة وانحداره.
واقترح الحل بعد هذا التشخيص وهو اختيار الإسلام، وناقش الاعتراضات على أن الإسلام لم يعد مستخدما بل يفصل بين الدين والدولة، وأنه ضد التطور ورجعية، ويخيف الأجانب والأقليات.
ثم حدد غايات وادي النيل وهي: الجلاء ووحدة وادي النيل، والوسيلة الجهاد أو المفاوضة وقد فشلت، والنبذ على سواء اقتصاديا واجتماعيا وعلميا.
ثم عاد لتشخيص الوضع الراهن للوحدة بدءا من الدولة الأولى ثم المصالح المادية ثم الاحتلال الأجنبي، ثم التأثر بالشعوبية والعنصرية، ثم اتجاه القوى الكبرى للتوحد مرة أخرى بعد العنصرية، ورأى أن وسيلة الوحدة عنده تشجيع الجامعة العربية تمهيدا لروابط أعلى.ووضح نظام الحكم في الإسلام وأنه ركن أساس، ودعائمه هي:مسؤولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها.
ثم تعرض للموقف من أداة من أدوات الإصلاح الدولية في وقته، وهي الدستور والقوانين، وبين أن النظام الدستوري والنيابي لا تخالف بينه وبين الإسلام، ولكنه يعاني من غموض في مسؤولية الوزارة، ويعاني من مخالفة وحدة الأمة من خلال الأحزاب، ومن اختيار أهل الحل والعقد عن طريق نظام الانتخابات.
ثم عاد لتشخيص الوضع الراهن للحكم في مصر، وشخَّص من مظاهر ضعفه:ضعف الحكومات، وضياع هيبة القانون، والحزبية العمياء.
ثم عرض الحل الإسلامي لهذه المشاكل عن طريق بيان أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، وقواعد النظام الاقتصادي في الإسلام، ثم عرض للوسائل التي تعالج ضعف الاقتصاد المصري، وهي: استقلال النقد. تمصير الشركات. استغلال منابع الثروة. الصناعة. إعادة النظر في نظام الملكيات. تنظيم الضرائب. محاربة الربا. تشجيع الصناعات المنزلية.
فهذه الرسالة دليل صارخ على أن طريقة تفكير البنا في المشكلات هي طريقة التفكير الاستراتيجي التي تعتمد على التشخيص الدقيق أولا ثم وضع الحل الأمثل والأنجع بناء على هذا التشخيص.
(م) رسالة "الإخوان والانتخابات"،2 ذو القعدة 1367هـ الموافق 5 سبتمبر 1948م، وهذه الرسالة هدفها حسم الخلاف حول وسيلة جديدة من وسائل البنا الاستراتيجية في الإصلاح وهي خوض الانتخابات البرلمانية، يعرض فيها رأي المؤيدين لخوض الانتخابات ورأي المعارضين، ثم رأيه وأسبابه.
(ن) "رسالة قضيتنا"، يناير 1949م، وهذه الرسالة آخر ما كتب البنا رحمه الله وكان يرى بأم عينه تسلسل أقدام وأيدي جماعته في السجون، وتجميد نشاطاتها المباركة التي جاهدت بها وفيها ولها، فنظر لهذه الأحداث بعين الشفقة على جهوده وجهود الشباب الأخضر الذي شاركه المسيرة على مدار عشرين عاما، يحدوهم الأمل، فقدم في هذه الرسالة
وخاصة في الفصل الرابع؛ "ماذا قدم الإخوان لوادي النيل والعروبة والإسلام" إلى جانب الدفاع عن التهم الموجهة للإخوان النتائج المادية الدالة على نجاح الإخوان في استراتيجيتهم، وحصرها في: تقديم فكرة جديدة وشعور جديد.
وتقديم جيل جديد يعيش بفكرة ويعمل لغاية ويكافح في سبيل عقيدته وظهر حسن إعداده في حرب فلسطين. وبناء مدارس ومعاهد ومساجد ولهم ألفا شعبة في مصر وفي السودان خمسون. وشركات ومصانع ومنشآت اقتصادية. وإصدار صحف وجرائد ومجلات. ومؤسسات طبية وأندية رياضية وإحسان. ووحدة جامعة للعناصر المخلصة.
وتأمل قوله رحمه الله في نهاية هذا الفصل:"فهل من الأحزاب أو الهيئات من سلك هذا السبيل، أو قدم مثل هذا المنهاج والإنتاج؟". ففيه إلحاح فكرة المنهاج على البنا. وهذا الفصل يعد تقييما لخطته الاستراتيجية بعد عشرين عاما من بدئها.
رابعا: الدليل على أنه لم يفطن أحد لمكمن عبقرية البنا

لا ينبغي علميا إرسال الأقوال على عواهنها دون دليل، ولذلك كان لا بد من التعرض لتحقيق ادعائي بأنه لم يفطن أحد لمكمن عبقرية البنا من قبل، وعندي على هذا الادعاء ثلاثة أدلة، هي:
راجعت محتويات عدة مواقع للإخوان وأهمها إخوان ويكيبيديا ولم أجد فيها ذكرا لذلك، حسب اطلاعي.
طريقة شرح الرسائل المصورة على المواقع الإخوانية المختلفة لا تشير إلى أي شيء من ذلك، حسب اطلاعي.
أحدث وأكمل طبعة لرسائل البنا(54)، لم تشر في المقدمة العامة ولا في المقدمات التي وضعتها قبل كل رسالة إلى شيء من هذا، كما أنها لم تدرك هذا الرابط بين رسائل البنا، بدليل أنها لم تضع "برسالة العقائد"و"رسالة في علم الحديث" ضمن الرسائل، وكأنها لم تر بينها وبين سائر الرسائل رابطا يستدعي نشرها معها.
هناك قراءتان موسعتان لفكر الإمام البنا رحمه الله، لم أجد فيهما إشارة إلى هذا المكمن، وإن كانتا قد استخدمتا بعض مصطلحات التخطيط الاستراتيجي في بعض مباحثهما، ولكنهما لم يدركا الأمر تمام الإدراك؛
هاتان القراءتان هما :
قراءة الأستاذ الدكتور عبد الحميد الغزالي رحمه الله، وهي بعنوان:"حول أساسيات المشروع الإسلامي لنهضة الأمة، قراءة في فكر الإمام الشهيد حسن البنا" الصادرة عن المركز الإسلامي للدراسات والبحوث، ونشرته دار التوزيع والنشر الإسلامية، ومقدمته تشير إلى أن تاريخ كتابته كانت عام 1999م الموافق 1420هـ؛
والقراءة الثانية هي قراءة الدكتور محمد عبد الرحمن المرسي رمضان، تحت عنوان "منهج الإصلاح دراسة في رسائل الإمام البنا"، وقدم لها المهندس خيرت الشاطر، وكانت طبعتها الأولى عام 2005م الموافق 1426هـ.
والقراءة الأولى؛ قراءة الأستاذ عبد الحميد الغزالي بخلفيته السياسية والاقتصادية التي تشمل التخطيط الاستراتيجي بالتأكيد، قام فيها بترتيب فكر البنا وفقا لخلفيته الاستراتيجية، وليس وفقا لاستراتيجية البنا نفسه؛
لأنه لم ينتبه لها، ولم ير فكرته الاستراتيجية المتكاملة، بدليل:
الهيكل العام لدراسته لا يدل على رؤيته للاستراتيجية المتكاملة في فكر البنا، وكذلك مقدمته.
لم يفصل بين الخطوات الرئيسة في مشروع البنا: التعريف، التكوين، التنفيذ، وبين المراحل التي تندرج تحت هذه الخطوات، وهي: مرحلة الدولة، التمهيد للخلافة، استعادة الكيان الدولي، الأستاذية، فجعلها كلها خطوات متداخلة. (55)
لم يجد تفسيرا لحديث البنا كثيرا عن الهيئات والدعوات مثل: الوطنية والقومية والعروبة وغيرها من الدعوات التي تحدث عنها البنا؛ لذلك لا نجد لها ذكرا في كتابه.
قال في تقديم الفصل الثالث من الباب الأول؛ "دراسة الواقع"(56):"إن الذي يريد أن يتصدى لقضايا مجتمعه وأمته... لابد أن يدرس واقعه ومحيطه؛ محليا وإقليميا ودوليا...وهذا ما نطلق عليه فقه الواقع ومن هنا وجب التأكيد للقائمين على حركة النهضة أن يتبينوا هذه الحقيقة ويستدركوها في مناهجهم التربوية وخططهم المستقبلية وذلك من خلال عمل مؤسسي شامل". وهذا النص يدل على عدم التفاته رحمه الله إلى أن هذا ما يسمى في علم الاستراتيجية "بتشخيص الوضع الراهن"، ولم يلتفت إلى أن البنا رحمه الله سماه "تشخيص الداء"، وأن البنا قام به بالفعل بدليل النصوص التي نقلها عن البنا في هذا الفصل.
الخلط بين المكونات والوسائل، فقد جعل مكون "تقديم البرامج العملية الصالحة لشؤون الحياة"، من مكونات وسيلة الدعوة والبيان والوعظ والإرشاد، وهي في الواقع من وسائل مرحلة التنفيذ.
وجعل رحمه الله الجهاد وسيلة رابعة من الوسائل الحركية(57)، والجهاد عند البنا وبفهمه له يشمل كل الوسائل الحركية فالنضال الدستوري جهاد وعمل الخير جهاد... إلخ.
ولكن هذا لا ينفي أنه رحمه الله وقف على بعض الجوانب الاستراتيجية في فكر البنا مثل سياسات الدعوة(58)، ولكنه سماها وفقا لخلفيته، وليس لأنه رآها ضمن منظومة استراتيجية متكاملة في فكر البنا؛ لأن البنا نفسه لم يسمها سياسات، بل سماها خصائص.
وأما القراءة الثانية فقد كانت أبعد من الأولى عن إدراك هذا المنحى في فكر البنا، فهي رصد لموضوعات في فكر البنا، ومحاولة الربط بينها في سياق واحد، وليس في مقدمته ولا هيكله ما يدل على وقوفه على هذا المنحى في فكر البنا، ولم يتحدث عن مرحلة التنفيذ بعد مرحلة التكوين. ولكنه تحدث في بعض العناوين عن الرسالة والباعث والهدف (59)
وليس من غرض بحثي استقصاء ذلك في القراءتين، ولكن التدليل عليها ببعض الأمثلة، وربما تسنح الظروف بعرضها بالتفصيل.
خامسا: لماذا لم يفطن أحد لمكمن عبقرية البنا

من الطبيعي أن يثور هذا السؤال بعد هذا التأكيد على أن مكمن عبقرية البنا هو قدرته الفذة على التخطيط الاستراتيجي، وأنه أمر واضح في رسائله غاية الوضوح على كل المستويات.
والإجابة عليه، هي:
عدم شيوع مفهوم التفكير الاستراتيجي وخطواته في المجال المدني إلا في السبعينات والثمانينات، وربما يكون هذا هو أول سبب من أسباب ذلك (60)
الفارق الزمني بين صدور رسائله، فعلى مدار عشرين عاما كان يصدر رسائله على فترات متباعدة، وفي مناسبات مختلفة، ومن حضر رسالة قد لا يستطيع أن يحضر رسالة أخرى؛ إما بسبب البعد الإقليمي عن مكان إلقاء الرسالة، وإما لتحديد الحكومات لعدد من يحضرون، وقد حدث هذا في المؤتمر السادس عام 1941م، وهذا أدى إلى غياب تصورهم للتسلسل المنهجي لاستراتيجية البنا.
ضياع "رسالة المنهج:، التي ألفت عام 1938م، حيث إن هذه الرسالة من أكثر الرسائل التي تجمع الخطوط الرئيسة لاستراتيجية البنا كاملة، بينما غيرها من الرسائل يغلب عليها أن تكون أجزاء من الاستراتيجية. ولم تحظ هذه الرسالة بالطباعة في أي طبعة لرسائل البنا بعد تعميمها على جميع الشُّعَب، حتى نشرت عام 2006م. (61)
انشغال الحواريين بالمحن التي مرت بالجماعة لمدة عشرين عاما، ثم انشغال من نجا منهم بعد ذلك حتى الآن بإعادة التعريف والتكوين، حتى أنهم لم يفرغوا لجمع تراث البنا كله في مجلدات مسلسلة إلا عام 2006م.
تُدرس رسائل البنا دراسة رأسية، حيث يتم دراسة كل رسالة على حدة، وشرحها مستقلة عن غيرها، ولهذا انقطعت الصلة وانفرط الترابط بين موضوعاتها، وكلها مترابطة، ولا يمكن تكوين تصور شامل صحيح عن فكر البنا بدون الدراسة الأفقية.
الانصراف التام عن دراسة فكر البنا أسوة بدراسة غيره من المفكرين والمصلحين؛ بسبب الحظر الشديد لأفكاره ولجماعته في غالب الدول العربية، فحتى عهد قريب كانت الرسائل تتداول خفية.
سادسا: هل هذه عبقرية؟

العبقري في اللغة هي "نسبة إلى موضع بالبادية تنسب إليه الجن العبقرية، ثم نسب كل عمل جليل دقيق الصنعة إليه كأن الجن تعمله" (62).
وهذا ينطبق على البنا من عدة نواحٍ:
{1} أنه أتقن نمط تفكير لم تكتمل أركانه إلا بعد وفاته بعقدين على الأقل، وهو التخطيط الاستراتيجي، حيث كان معروفا في المجال العسكري، ومرتبطا بالجيوش والتعبئة والتكتيكات الحربية، ولم تكتمل حدوده في المجال العسكري إلا بعد عام 1970م (63)
ولم يدخل التخطيط الاستراتيجي إلى المجال المدني إلا مع المدرسة الحديثة، ولم تتطور هذه المدرسة بشكل حقيقي إلا بعد عام 1945م، حيث تركت "نموذج النصر الذي تسعى الحرب لتحقيقه، وبدأت تقرأ الاستراتيجية كعلم اجتماعي لا يمكن وضع حدود له فقط داخل حقل الصراع و المعارك" (64). ولم يكتمل نموه ويزدهر إلا في السبعينات وانتعش في الثمانينات وأوائل التسعينات. (65)
نعم كانت هناك مؤلفات في التخطيط الاستراتيجي العسكري من العصور القديمة، ولكنها كانت باللغات الأجنبية، والبنا لم يكن يعرف لغة غير اللغة العربية، وهذا الأمر يثير سؤالا لم أستطع الحصول على إجابة له: ما رافده في التخطيط الاستراتيجي وإتقانه تنظيرا وتطبيقا بهذه المهارة؟
{2} أنه عمل بمفرده عمل مؤسسات؛ حيث وضع خطة استراتيجية كاملة للأمة كلها وحده، وسعى إلى تطبيقها على مدار عشرين عاما، وندرك مدى العبقرية إذا علمنا أن وضع خطة استراتيجية لشركة يحتاج إلى جهود عدة أشخاص، كل منهم متخصص في جزء من أجزاء التخطيط الاستراتيجي.
{3} أنه فكر خارج الأساليب الإصلاحية الشائعة في عصره وقبله، ونقدها، وفكر في أساليب أخرى، ومن المعروف أن العبقري هو من يفكر خارج الصندوق.
{4} أنه رغم مرور عدة عقود على وفاته ورغم انتعاش علم التخطيط الاستراتيجي واكتماله وشيوعه، وكثرة متقنيه،لم يقدر أحد على أن يخطط للأمة مثل تخطيطه.
لذلك كله لا نكون مبالغين إذا قلنا "عبقرية البنا"؛ لأن اللغة والواقع يؤيدان ذلك.
سابعا: كيف ساقني الله إلى هذا الكشف؟

أحس أن الله تعالى ساقني إلى هذا سوقا دون تخطيط مني، فقد عملت فترة محررا في أحد مكاتب الاستشارات الإدارية، ساهمت فيها في تحرير خطة استراتيجية كاملة، في عدة أجزاء، وضعتها هيئة كندية لهيئة محلية، فتشبعت بما فيها من أفكار وخطوات.
ثم بعد ذلك رأيتني منجذبا للقراءة في أصول التخطيط الاستراتيجي وطرقه، ثم بعد ذلك رأيتني مشدودا لقراءة رسائل البنا كاملة عدة مرات، فلاحظت انطباق الفكر الاستراتيجي على فكره مطابقة تامة.
ثامنا: نتائج هذا الكشف

أعتقد أن هذا الكشف له عدة نتائج، أهمها:
تصحيح القراءات القليلة السابقة لأحد جوانب فكر البنا، فبدون معرفة هذه الخلفية الاستراتيجية في فكر البنا سيتعرض من يتصدى لدراسته إلى الخطأ وعدم الدقة، والمثال على ذلك أن موقف البنا من الحكومة والسرايا كانت في بداية مرحلة التعريف بالدعوة ونشرها المجاملة والمداراة، ثم بعد أن تم التكوين الدقيق بدأ البنا في توضيح موقف قوي قوامه الدفع نحو الإصلاح بالوسائل المتنوعة، يظهر هذا من قوله:"وإن كانت ظروفنا في الماضي كدعوة ناشئة تدعونا إلى المجاملة والمداراة، فإن ظروفنا الآن وقد أعز الله الدعوة توجب علينا نعامل الناس في صراحة ووضوح..."(66).فمن لا يعرف استراتيجية البنا لن يجد تفسيرا لكثير من مثل هذه الأمور.
هذا الكشف يفسر كثيرا من خصائص أسلوب البنا وخاصة التكرار، حيث كان يكرر الفكرة الواحدة مرارا في أكثر من رسالة من رسائله، وهذا من أساسيات التفكير الاستراتيجي، حيث يجب أن يكون المشاركون في تنفيذ الخطة الاستراتيجية واعين بها أشد الوعي، متذكرين لها في كل وقت، لدرجة أن علماء التخطيط يطالبون بأن يكون العاملون في الخطة على اقتناع تام بها، وبالهدف والرؤية والرسالة، لدرجة أنك إذا اتصلت على أحدهم في منتصف الليل وهو نائم وسألته مباشرة عنهم لأجابك.
هذا الكشف يبين الخيط الرفيع الرابط بين موضوعات رسائله التي تبدو متفرقة.
هذا الكشف يبين سبب اختلاف موضوع الرسالة الواحدة من رسائل البنا، فرسائله الخالصة لموضوع واحد من أولها لآخرها هي النصف من رسائله تقريبا، مثل: "رسالة العقائد"، و"نحو النور"، و"المأثورات" ، و"التعاليم"، و"المناجاة"، و"المرأة المسلمة"، و"إلى الشباب"، و"الجهاد"، و"رسالة بين الأمس واليوم"، و"مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي"، و"الإخوان والانتخابات"، و"رسالة قضيتنا"، وبقية رسائله تحوي موضوعات تبدو لمن يعرف هذه الخلفية الاستراتيجية مختلفة متنافرة لا رابط بين موضوعها، فإذا علم هذه الخلفية أدرك سبب هذا وعلم الرابط الدقيق بين موضوعاتها.
هذا الكشف يساعد على نقد فكر البنا، وبيان ما يحتاج إلى تجديد فيه، بناء على أصول التفكير الاستراتيجي التي اتبعها.
يمكن هذا الكشف من دراسة مدى استمرار صلاحية هذا المشروع في الظروف الراهنة للأمة، أم أنها تحتاج لمشروع إصلاحي جديد.
يمكن هذا الكشف من تقييم مدى التقدم والتعثر في تنفيذ مشروع البنا.
يمكن من مقارنة مشروع البنا بغيره من مشاريع الإصلاح المعاصرة له والسابقة عليه بيسر وسلاسة، وبيان المشتركات والاختلافات.أولا: مقدمة

رغم مرور ثلاثة وثمانين عاما على ميلاد دعوة الإخوان المسلمين على يد الإمام حسن البنا رحمه الله (1906-1949م)، ورغم التأثير الذي أحدثته، والانتشار الذي انتشرته حتى عمت ما يقرب من تسعين دولة، فإنه لم يقف أحد على مكمن عبقرية البنا الحقيقي.
فقد أرجعها سيد قطب رحمه الله إلى قدرته الباهرة على بناء الجماعة والتنظيم، وذهب آخرون إلى أن مكمن عبقريته هو الإلهام والموهبة، وظل آخرون مبهورين به مدركين لعبقريته ولكنهم غير قادرين على الوصول إلى كنهها.
ولكن المكمن الحقيقي لعبقرية البنا الذي يظهر في طريقة قراءته للقرآن والسنة، والتاريخ الإسلامي، وفي طريقة تفكيره، وفي مصطلحاته، وفي صياغة رسائله وموضوعاتها، هو قدرته الباهرة على "التخطيط الاستراتيجي"، وفيما يلي توضيح ذلك والتدليل عليه.
وحتى يسهل ذلك قسمت البحث إلى عدة محاور: التعريف بالتخطيط الاستراتيجي وخطواته، والتدليل على أن البنا كان يعرفه ويستخدمه، والتدليل على أنه لم يفطن أحد لهذا الجانب عند البنا، وتعليل ذلك، ومناقشة لماذا يعد هذا عبقرية، وبيان كيف ساقني الله لهذا الكشف، والنتائج المترتبة على هذا الكشف.
ثانيا: التخطيط الاستراتيجي تعريفه وخطواته

التخطيط الاستراتيجي حسب أحد تعريفاته الكثيرة هو: (1)
"عملية منهجية تُحدَّد من خلالها الأولويات الضرورية القادرة على الاستجابة للتحديات، وتوظيف القدرات والموارد المتاحة لتحقيق هذه الأولويات".
وحتى يكون التخطيط منهجيا يجب أن يمر بخطوات سبعة، هي: (2)
الجاهزية للتخطيط بتحديد أسباب القيام بالتخطيط
تضمين الرسالة والرؤية والقيم
دراسة الوضع الراهن
تحديد الأولويات
وضع الخطة الاستراتيجية
تنفيذ الخطة الاستراتيجية
التقييم والمراقبة والمراجعة والتحديث
ويدخل تحت ذلك توضيح الموقف من الجهات ذات المصلحة، أو ذات العلاقة بما تخطط له.
ثالثا:دلائل معرفة البنا للتخطيط الاستراتيجي

سبق تعريف التفكير الاستراتيجي وخطواته وبعض مصطلحاته، فهل كان الإمام البنا رحمه الله مدركا للتخطيط الاستراتيجي من حيث: أهميته، ومصطلحاته، وخطواته، وفنياته، وكيفية تطبيقه عمليا، وقراءة القرآن والسيرة والتاريخ من خلاله؟!
والإجابة نعم، فالبنا انصبت جهوده الإصلاحية في وضع خطة استراتيجية متكاملة للأمة الإسلامية، ونشرها بين الناس، واختيار من يحملها معه ومن بعده،
وفيما يلي الدليل على ذلك:
{1} إدراك البنا لأهمية التخطيط الاستراتيجي: هناك عدة دلائل على إدراك الإمام البنا لأهمية التخطيط الاستراتيجي، منها:
في "رسالة المنهج الثقافي" ذكر من مواد الدراسة الثمانية واجبة الدراسة: الاطلاع العام وأسلوب البحث والتفكير، ولم أجد في المراجع التي ذكرها في هذا المنهج أي كتاب يتعلق بالتفكير الاستراتيجي(3)، وهذا طبيعي لأن التفكير الاستراتيجي لم يكن معروفا في هذا الوقت في العالم العربي، كما سيأتي، ولكنه يدل على اهتمامه بأساليب البحث والتفكير.
كان يدرك أهمية تحديد الغاية ودورها في الدفع، ويقرر أنها أصل الأعمال، حيث يقول في رسالة "إلى أي شيء ندعو الناس"، تحت عنوان جانبي "الغاية أصل الأعمال": وبما أن الغاية هي التي تدفع إلى الطريق, ولما كانت الغاية في أمتنا غامضة مضطربة كان لابد من أن نوضح ونحدد. (4)
وكان يدرك أنه لابد من التخطيط أولا، ومعرفة المراحل والحدود والخطوات، وعدم ترك الأمور للصدفة والظروف، يظهر هذا من قوله: "طريق الإخوان مرسومة محدودة معروفة المراحل والخطوات، ليست متروكة للظروف والمصادفات". (5)
وكان يدرك أن "المناهج تقي التزلزل والاضطراب وتجنب التجارب المؤلمة الطويلة". (6)
وكان يدرك أنه لابد من وضع المناهج خاصة في العهود الجديدة وعصور التحولات، وبقدر وضوح المناهج التي توضع في هذه الفترات يكون النجاح الأبدي، يظهر هذا من قوله:"وإن أخطر العهود في حياة الأمم وأولاها بتدقيق النظر عهد الانتقال من حال إلى حال؛ إذ توضع مناهج العهد الجديد وترسم خططه وقواعده التي يراد تنشئة الأمة عليها والتزامها إياها، فإذا كانت هذه الخطط والقواعد والمناهج واضحة صالحة قويمة فبشِّر هذه الأمة بحياة طويلة مديدة وأعمال جليلة مجيدة، وبشِّر قادتها إلى هذا الفوز، وأدلتها في هذا الخير بعظيم الأجر وخلود الذكر وإنصاف التاريخ وحسن الأحدوثة". (7)
وكان يدرك أن الوسائل الدعوية المعهودة التي تعتمد على الكلام المرتجل والخطابة وإثارة المشاعر والعواطف لم تعد تكفي، بل لا بد من عمل استراتيجي، يظهر هذا من قوله: " تكثر الأسئلة عن مرامي الدعوة وكنهها، وعن الطرق التي يسلكها أهلها والقائمون بها في علاج ما يحيط بتطبيق مبادئها وتعاليمها من مشاكل داخلية وخارجية، ولم يعد يكفي في ذلك كلام مرتجل، أو خطابة تثير المشاعر، أو عبارات تؤثر في العواطف، بل صار واجبا على أهل الدعوة أن يصوروها للناس تصويرا منطقيا دقيقا واضحا مبنيا على أدق قواعد البحث العلمي، وأن يرسموا أمام الناس الطرق العملية المنتجة التي أعدوها لتحقيق ما يريدون، ولتذليل ما سيصادفون من عقبات لابد من وجودها في الطريق". (8)
وكان يدرك أهمية توحيد الجهود حول أهداف محددة، حيث يقول في رسالة "دعوتنا في طور جديد"، تحت عنوان "أهداف وتحديد":"نحن نريد نفوسا حية...تتخيل مُثُلا عليا وأهدافا سامية... ولابد أن تحدد هذه الأهداف والمثل، ولابد من أن تحصر هذه العواطف والمشاعر... وبغير هذا التحديد والتركيز سيكون مثل هذه الصحوة مثل الشعاع التائه في البيداء". (9)
وكان يدرك أن كل النهضات الناجحة نجحت لأنه كان له منهج محدود يعمل به السابق ويتابعه عليه اللاحق، فيقول:"أنت إذا راجعت تاريخ النهضات في الأمم المختلفة شرقية وغربية قديما وحديثا رأيت أن القائمين بكل نهضة موفقة نجحت وأثمرت كان لهم منهاج محدود عليه يعملون، وهدف محدود إليه يقصدون، وضعه الداعون إلى النهوض، وعملوا على تحقيقه ما امتد بهم الأجل، وأمكنهم العمل، حتى إذا حيل بينهم وبينه وانتهت بهم تلك الفترة القصيرة فترة الحياة في هذه الدنيا خلفهم من قومهم غيرهم يعملون على منهاجهم، ويبدؤون من حيث انتهى أولئك، لا يقطعون ما وصلوا، ولا يهدمون ما بنوا، ولا ينقضون ما أسسوا وشادوا، ولا يخربون ما عمروا، فإما زادوا عمل أسلافهم تحسينا، وإما مكنوا نتائجه تمكينا، وإما تبعوهم على آثارهم فزادوا البناء طبقة، وساروا بالأمة شوطا إل الغاية، حيث يصلون بها إلى ما تبتغي، أو ينصرفون راشدين ويخلفهم غيرهم، وهكذا دواليك حتى تحقق الأمال، وتصدق الأحلام، ويتم النهوض، ويثمر الجهاد، وتصل الأمة إلى ما إليه قصدت، وله عملت...أساس النجاح في كل نهضاتها منهج محدود، وقوم يعملون في حدود هذا المنهج لا يملون ولا يفترون ولا يسأمون ولا يمتنون". (10)
وكان يدرك أن من الخطر على الأمة اختلاف المناهج وتضاربها، وكثرة الزعماء، حيث يقول:" لعل من أخطر النواحي في الأمة الناهضة ... اختلاف الدعوات، واختلاط الصيحات، وتعدد المناهج، وتباين الخطط والطرائق، وكثرة المتصدين للتزعم والقيادة، وكل ذلك تفريق في الجهود، وتوزيع للقوى، يتعذر معه الوصول إلى الغايات". (11)
وكان يدرك أن الأحزاب لابد أن تكون لها استراتيجية تعمل عليها، ولا يصح أن تكون هملا بغير منهج، ولذلك انتقد الأحزاب المصرية في وقته بأنها لا تملك منهجا دقيقا ولم تضع هدفا ترمي إليه، ودعاها إلى الالتفاف حول منهج واحد، وليس أمامهم غير منهج الإخوان المسلمين. (12)
وكان يدرك أن التوحد حول منهج وتشبع القائد والعاملين عليه به، يمنع من استغلالهم في غير منهجهم، فهو يمدح جماعته لحسين سري باشا رئيس الوزراء وقتئذٍ بأن أفرادها:"يفرون من كل الغايات والمطامع إلى غاية واحدة ومقصد واحد هو رضوان الله؛ وهم لهذا لا يستغلون في منهاج غير منهاجهم ولا يصلحون لدعوة غير دعوتهم... فمن حاول أن يخدعهم خدع، ومن أراد أن يستغلهم خسر، ومن طمع في تسخيرهم لهواه أخفق". (13)
وكان يدرك أن من أدواء الأمة الإسلامية عدم الاجتماع على منهاج واحد، حيث يقول: "... تفرقنا على الفتات شيعا وأحزابا يضرب بعضنا وجوه بعض... لا نتبين هدفا ولا نجتمع على منهاج". (14)
وكان يدرك أن النهضة لا بد لها من منهاج متدرج يخلص المجتمع من مواطن ضعفه، فكان من قرارات مؤتمر طلبة الإخوان:
{6} وضع منهاج الإصلاح الذي يوجه النهضة على أساس يؤدي إلى التخلص بالتدريج من الصبغة الغربية، وقيود التقليد التي تصبغ الحياة المصرية ويعود بهذه الحياة إلى الأصول القومية الإسلامية في التشريع والعادات والثقافة والاجتماع والاقتصاد.
{7} مطالبة مكتب الإرشاد للإخوان المسلمين بوضع نموذج لهذا المنهاج". (15)
{2} إدراك البنا لمصطلحات التخطيط الاستراتيجي:
كثيرا ما يردد مصطلحات هي من مصطلحات التخطيط الاستراتيجي مثل:
الغاية والوسيلة. (16)
والهدف العالي. (17)
وجعل الغاية أصل الأعمال، وشخَّص من أدواء الأمة اضطراب الغاية(18)، ووسائل الدعوات(19)، والمهمة إجمالا ثم تفصيلا(20)، والغاية القريبة والغاية البعيدة(21)، والمهمة ذات الشطرين(22)، ومهمة تكوين الأمة المسلمة(23)، والأهداف العامة والأهداف الخاصة(24)، والوسيلة العامة والوسيلة الخاصة(25)، والأهداف ووسائل إصابة هذه الأهداف(26)...إلخ.
{3} إدراك البنا لخطوات التفكير الاستراتيجي:
كان يدرك أن التخطيط الاستراتيجي يقوم على شقين؛ شق نظري توضع فيه الخطط والمناهج، وشق عملي يتمثل في الإنفاذ والتحقيق، يظهر هذا من قوله: "كلما وقفت هذا الموقف من جمهور يستمع، سألت الله في إلحاح أن يقرب اليوم الذي ندع فيه ميدان الكلام إلى ميدان العمل، وميدان وضع الخطط والمناهج إلى ميدان الإنفاذ والتحقيق" (27)
كان يدرك خطوة تشخيص الوضع الراهن، وسماها تشخيص الداء(28)، وتعد رسالة "بين الأمس واليوم" كلها تشخيصا للوضع الراهن للأمة(29)، وكذلك رسالة "إلى الشباب عامة والطلبة خاصة" (30). إلى جانب الحديث عنه حديثا متفرقا في سائر الرسائل تقريبا، وقد جعل تشخيص الداء هو بداية العلاج. (31)
كان يدرك أن الوقوف عند خطوة تشخيص الداء أو تشخيص الوضع الراهن لا يكفي وحده، بل لا بد من استكمال التفكير الاستراتيجي بتحديد الأولويات العليا والأهداف والوسائل الصحيحة، وتدبير الموارد البشرية والمادية اللازمة، يظهر هذا من قوله: "قال البنا رحمه الله في هذه الرسالة:" إن الخطب والأموال والمكاتبات والدروس والمحاضرات وتشخيص الداء ووصف الدواء كل ذلك وحده لا يجدي نفعًا ولا يحقق غاية ولا يصل بالداعين إلى هدف من الأهداف؛ ولكن للدعوات وسائل لا بد من الأخذ بها والعمل لها" (32)ومن العجيب جدا هذا الشبه الكبير بين كلام البنا رحمه الله الذي كتبه عام 1934م وبين كلام علماء الاستراتيجية المكتوب في طبعته الأجنبية عام 2005م وفي طبعته العربية عام 2007م، يقول علماء الاستراتيجية(33): "كل هذا العمل الذي وصف إلى حد بعيد هو عبث لا طائل تحته إذا لم يترافق العمل من يوم إلى يوم مع الأولويات الاستراتيجية التي جرى اختيارها بمنتهى العناية، إن العلاقة التي تربط بين التفكير ذي الاتجاه الاستراتيجي الذي يتجسد في الخطة الاستراتيجية وبين العمل من يوم إلى يوم هو خطة تشغيلية مختصرة وسهلة الاستعمال متزامنة مع السنة المالية للمؤسسة ويكشف عن الحاجة إلى تخطيط تفصيلي آخر".
وكان يدرك خطوة تحديد مراحل العمل الاستراتيجي ثم ترجمة هذه المراحل إلى خطوات، ثم تقسيم الخطوات إلى فروع، ثم وضع الوسيلة المناسبة لكل فرع، يظهر هذا من قوله: "ولكل مرحلة من هذه المراحل خطواتها ووسائلها وفروعها" (34)
كان يدرك أهمية بدء المسلم الإصلاح عن طريق تحديد الغاية، يظهر هذا من قوله: "قد حان الوقت الذي يجب فيه على المسلم أن يدرك غايته"(35). وكانت أولى خطوات الإخوان المسلمين العملية بعد الخطوات النظرية تحديد المبدأ واختيار الوسيلة، يظهر هذا من قوله:"وكان أول وسائلهم العملية في تطهير النفوس وتجديد الأرواح تحديد الوسيلة واختيار المبدأ" (36)
كان يدرك أهمية دراسة التجارب الناجحة للدعوات المحلية والعالمية، القديمة والحديثة، حيث يقول:"...كانت دراسة هذه الدعوات والموازنة بينها أمرا أساسيا لا بد منه لمن يريدون الإصلاح"(37).ويظهر هذا أيضا من قوله: "أنت إذا راجعت تاريخ النهضات في الأمم المختلفة شرقية وغربية قديما وحديثا رأيت أن القائمين بكل نهضة موفقة نجحت وأثمرت كان لهم منهاج محدود عليه يعملون، وهدف محدود إليه يقصدون، وضعه الداعون إلى النهوض، وعملوا على تحقيقه ما امتد بهم الأجل، وأمكنهم العمل، حتى إذا حيل بينهم وبينه وانتهت بهم تلك الفترة القصيرة فترة الحياة في هذه الدنيا خلفهم من قومهم غيرهم يعملون على منهاجهم، ويبدؤون من حيث انتهى أولئك، لا يقطعون ما وصلوا، ولا يهدمون ما بنوا، ولا ينقضون ما أسسوا وشادوا، ولا يخربون ما عمروا، فإما زادوا عمل أسلافهم تحسينا، وإما مكنوا نتائجه تمكينا، وإما تبعوهم على آثارهم فزادوا البناء طبقة، وساروا بالأمة شوطا إلى الغاية، حيث يصلون بها إلى ما تبتغي، أو ينصرفون راشدين ويخلفهم غيرهم، وهكذا دواليك حتى تحقق الآمال، وتصدق الأحلام، ويتم النهوض، ويثمر الجهاد، وتصل الأمة إلى ما إليه قصدت، وله عملت...أساس النجاح في كل نهضاتها منهج محدود، وقوم يعملون في حدود هذا المنهج لا يملون ولا يفترون ولا يسأمون ولا يمتنون" (38)
كان يدرك أهمية خطوة استعراض الوسائل واختيار الأجدى منها، والأقرب إلى الواقع، يظهر هذا من قوله:"ولقد استعرضوا الإخوان المسلمون وسائل ذلك (تربية النفوس والأخلاق) وطرائق الوصول إليه فلم يجدوا فيها أقرب ولا أجدى من الفكرة الدينية" (39)
وكان يدرك أهمية خطوة تحديد الموقف من الجهات ذات العلاقة، وبيان طبيعة العلاقة معها، قال في "رسالة المؤتمر السادس":" سأتكلم عن غاية الإخوان المسلمين، وعن وسيلتهم، وعن موقفهم من الهيئات المختلفة...تذكرة للغافل وتعليما لمن لم يكن يعلم" (40)
وكان يدرك أهمية المراجعة والمراقبة والتقييم للخطة الاستراتيجية بين الفينة والأخرى، يظهر هذا من قوله:"إن للإخوان المسلمين منهاجا محدودا يتابعون السير عليه، ويزنون أنفسهم بميزانه، ويعرفون بين الفينة والفينة أين هم منه" (41)ويظهر أيضا من قوله: "و لا بأس أن ننتهز هذه الفرصة الكريمة فنستعرض نتائجنا, ونراجع فهرس أعمالنا, ونستوثق من مراحل طريقنا ونحدد الغاية والوسيلة فتتضح الفكرة المبهمة, وتصحح النظرة الخاطئة, وتعلم الخطوة المجهولة, وتتم الحلقة المفقودة, ويعرف الناس الإخوان المسلمين على حقيقة دعوتهم, من غير لبس ولا غموض. لا بأس بهذا, ولا بأس بأن يتقدم إلينا من وصلته هذه الدعوة ومن سمع أو قرأ هذا البيان, برأيه في غايتنا ووسيلتنا وخطواتنا؛ فنأخذ الصالح من رأيه, وننزل على الحق من مشورته, فإن الدين النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم" (42)ويظهر أيضا من قوله: "تجتمعون الآن أيها الإخوان لتراجعوا صفحة أعمالكم، ولتتبينوا مراحل منهاجكم، ولتتحدثوا إلى أنفسكم وإلى الناس عن دعوتكم من جديد، لعل في ذلك تبصرة وذكرى والذكرى تنفع المؤمنين" (43)
{4} إدراك البنا لفنيات التخطيط الاستراتيجي:
كان البنا رحمه الله يدرك الفنيات الدقيقة اللازمة لجودة التخطيط الاستراتيجي، ومن ذلك:
كان يدرك أهمية العمل لغاية واحدة فقط، يسعى لها الإنسان، وعدم تشتيت النفس بالعمل لأكثر من غاية، يظهر هذا من قوله:"ولهذا وقفت نفسي منذ نشأت على غاية واحدة هي إرشاد الناس إلى الإسلام حقيقة وعملا, ولهذا كانت فكرة الإخوان المسلمين إسلامية بحتة في غايتها وفي وسائلها" (44)
كان يدرك أهمية التناسق بين الوسائل، وأهمية تواصل العمل بالاستراتيجية الموضوعة دون توقف أو تغيير كامل، يظهر هذا من قوله:"ولئن كانت الغاية التي نعمل لها جميعا واضحة للكثيرين فأنا واثق من أمرين يلازمان هذه المعرفة: الأمر الأول: أن الوسائل غير معروفة ولا محدودة وقد تكون متعاكسة يحبط بعضها بعضا ونحن لا نشعر. الأمر الثاني: أن الصلة منقطعة تماما بين السابق واللاحق..." (45)
وكان يدرك أن تحديد الموقف من الهيئات المختلفة يقي من الخطأ في التعامل معها، فمن لا يحدد موقفه مسبقا قد يعادي من يستحق الموالاة أو يوالي من يستحق المعاداة، يظهر هذا من قوله:"على الأخ المسلم أن يحدد موقفه وصلته بالهيئات المختلفة في مصر؛ ليكون تعامله معها ونظره إليها خاضعا لهذا التحديد؛ حتى لا يعادي من يستحق الموالاة، أو يحب من يستحق البغض، أو يشجع ناحية تعتبر حربا على دعوته" (46)
وكان يدرك أنه لا يمكن استيراد أصول النهضة من مكان لمكان آخر، فلكل نهضة أصولها، ولكل بيئة خصوصياتها، وهذا مبدأ استراتيجي قويم، يظهر هذا من قوله: "أصول النهضة في الشرق غير أصولها في الغرب" (47)
وكان يدرك أن طريق الاستراتيجيات طويل، وحتى تصل إلى النتائج المرجوة يجب عدم حرق المراحل، والسير بتؤدة، يظهر هذا من قوله:" إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده. ولستُ مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقًا طويلة ولكن ليس هناك غيرها... "(48). وجعل:"التدرج في الخطوات ووضوح المراحل والوسائل، كل ذلك من خصائص دعوة الإخوان المسلمين" (49)
{5} قراءة البنا للأمور قراءة استراتيجية:
ويتضح إدراك البنا للتفكير الاستراتيجي من خلال قراءته للقرآن والسيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين والتاريخ الإسلامي قراءة استراتيجية: حيث يبين أن مصدر غايته " إنما هي الرسالة التي تتجلى في كل آية من آيات القرآن الكريم, وتبدو في غاية الوضوح في كل حديث من أحاديث الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، وتظهر في كل عمل من أعمال الصدر الأول الذين هم المثل الأعلى لفهم الإسلام وإنفاذ تعاليم الإسلام" (50)
وتظهر قراءته الاستراتيجية للقرآن والتاريخ الإسلامي كله قديمه ووسيطه ومعاصره في رسالة "بين الأمس واليوم" كلها، حيث قرأ كل ذلك باحثا عن الأهداف والوسائل، والموارد، والنتائج التي حققتها سواء كانت نتائج بعيدة أم قريبة، والنتائج المترتبة على البعد عن الوسائل، وتضييع الأهداف وإهمالها.. إلخ(51). وقرأ تاريخ قيام الدول الإسلامية وانهيارها، وتاريخ الفرق الإسلامية. (52)
بل قرأ تاريخ الأمم الغربية قراءة استراتيجية، مستشفا لأدوار نهضتها، حيث يقول:
"وأنت إذا رجعت بذاكرتك إلى ...نهضة الدول الحديثة الأوروبية من فرنسا وإيطاليا وروسيا وتركيا سواء في الدور الأول، وهو دور تكوين الوحدات وتأسيس المؤسسات والحكومات، أو في هذا الدور وهو دور تكوين المبادئ ومناصرة النظريات لرأيت كل ذلك يخضع إلى مناهج معروفة الخطوات تؤدي إلى النتيجة الحتمية التي تعمل لها الأمة" (53)
{6} تنفيذ البنا للتخطيط الاستراتيجي:
وكل رسالة من رسائل البنا الخمس وعشرين التي وصلتنا من مجمل سبع وعشرين رسالة، تتحدث عن جزء أو أكثر من أجزاء هذا التخطيط الاستراتيجي؛
واستقراء ذلك على النحو التالي:
(أ‌) رسالة "إلى أي شيء ندعو الناس"، 26 محرم1353هـ الموافق 11 مايو 1934م، تحتوي من خطوات التخطيط الاستراتيجي على:
بعض تشخيص الوضع الراهن للأمة ومنه الفجوة بين فهم الداعي والمدعو، ووضع المقياس الموحد للفهم من خلال القرآن الكريم، والحديث عن غايات غير المسلمين في الحياة، وغاية المسلم، ثم تحدث عن الوسائل المؤدية إلى غاية المسلم بالتفصيل، ورد على شبهة صعوبة تحقيق غاية الإخوان وأنها غير قابلة للتحقيق وأنها أحلام وطريق طويل، والتدليل على صدق الغاية وفاعلية الوسائل من قصص القرآن. وبيان الموقف من القومية، وهو ما يسمى العلاقة بذوي المصلحة. إلى جانب الرد على شبهتي: مصدر المال الإخواني، وانغماس الإخوان في السياسة.
(ب‌) "رسالة العقائد" 1934م، هي وسيلة من وسائل مرحلة الإيمان العميق، فهي تخدم هذه المرحلة معرفيا، و"رسالة المأثورات" التي ألَّفها بعد ذلك تخدم هذا الهدف وجدانيا.
(ت‌) رسالة "هل نحن قوم عمليون"،28 ربيع الثاني 1353هـ الموافق 10 أغسطس 1934م، وتحتوي من خطوات التفكير الاستراتيجي علي:
الموقف من ذوي المصلحة ممن يسألون عن جماعة الإخوان المسلمين، وتقسيمهم حسب هدف كل منهم.ومراجعة لإنجازات الإخوان ومدى تقدمهم في استراتيجيتهم، من خلال رصد المؤسسات المفيدة التي وصلت إلى 50 مؤسسة في هذا التاريخ. وبعض من تشخيص الوضع الراهن للأمة فيما يتعلق بنفوس أبنائها، وتحديد ميدان المعركة الحقيقي وهو ميدان بناء النفوس.
وتحديد الوسيلة النافعة في إحياء النفوس وتحديد المبدأ وهو الدين، ثم شخص الوضع الراهن للأمة من الصلاة والزكاة والجهاد والقرآن، وبين أن الداء يكمن في التمسك بظواهر هذه العبادات دون جوهرها، ووضح الفهم الصحيح لها وفقا للقرآن والسنة والسيرة وعمل الخلفاء الراشدين.
وختم الرسالة بالحديث عن أهمية السير وفق وسائل وأهداف ومنهج وخطوات واضحة، وأن ذلك قوام كل الدعوات الدينية والغربية والمحلية والدولية. إلى جانب الرد على شبهة المال.
(ث‌) "رسالة دعوتنا"20 محرم 1354هـ 23 أبريل 1935م، وتحتوي من مبادئ التفكير الاستراتيجي على: المصارحة بالغاية والمنهاج، وتحديد الموقف من ذوي العلاقة وخاصة تصنيف موقف الناس من الدعوة من حيث: مؤمن، متردد، نفعي، متحامل.
والموقف من كل واحد منهم. ثم تصنيف موقف الناس من الدعوة من حيث الرابطة والمسالمة: معتقد لما اعتقدناه، غير معتقد لما اعتقدناه ومسالم، غير معتقد لما اعتقدناه ومعادٍ.
وبيان أهمية الفناء في الدعوة وأن هذا الفناء شرط للصلاح لها، وهو ما يوازي في مبادئ التفكير الاستراتيجي الحديثة الاقتناع بالأهداف والغايات حتى لا يكون من لم يقتنع بها عائقا في تنفيذها، بل يكون دافعا لها معتقدا بأنها خطته هو وليست مفروضة عليه.
ثم تحدث عن وضوح المبدأ الذي يدعو له الإخوان. ثم تشخيص الوضع الراهن للأمة من حيث إيمانهم بالإسلام، والفرق بين إيمان الإخوان وإيمان غيرهم. وتحدث عن دراسة النماذج الناجحة المحلية والدولية من الدعوات في الشرق والغرب والدعاة والوسائل المستخدمة. وعن تصحيح الفهم للإسلام بالأدلة.
والحديث عن الموقف من ذوي العلاقة وخاصة الموقف من الوطنية والقومية، والموقف من الخلافات الدينية والمذهبية. وتشخيص الوضع الراهن، وتتبع الأعراض، وتحديد عناصر القوة، وبث الأمل في إمكانية النهوض من جديد والإقناع بذلك من خلال رصد مظاهر السلامة وعناصر القوة الموجودة في الأمة والتي تؤهلها للنهضة من جديد، وتحدث عن الوسائل التي يجب أن تأخذ بها للنهوض.
(ج‌) ورسالة "نحو النور"، رجب 1355هـ أكتوبر 1936م وهي من أقوى الرسائل في الدلالة على دور التفكير الاستراتيجي في فكر البنا، وأنه عمدة مشروعه، فقد احتوت هذه الرسالة من خطوات التفكير الاستراتيجي على: مقدمات تشمل:
بيان الوقت الراهن وأنه عصر انتقال من مرحلة إلى مرحلة وعهد الانتقال خطير، وخطورته تستوجب تحديد المهمة التي يجب أن تعمل مصر على تحقيقها، والوسائل التي تحقق هذه الغاية، وهما وسيلتان اتباع الغرب وهذا دعاه إلى تشخيص الوضع الراهن للمدنية الغربية وبيان الأدلة التي تدل على قرب أفولها وأنها لا تصلح وسيلة لنهضة مصر.
ثم الحديث عن الوسيلة الثانية التي يجب أن تأخذ بها مصر وهي المنهج الإسلامي وبين مزاياه التي يمتاز بها عن المنهج المادي الغربي، من حيث إمداده للأمة بالأمل، والعزة القومية، والقوة الجندية، ومبادئ الحفاظ على الصحة العامة، والحث على العلم، والخلق، ومبادئ الاقتصاد، وتحديده للنظم العامة المنظمة للحياة والعلاقات الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والدولية.
ثم تحدث عن الموقف من الجهات ذات العلاقة مخصصا الحديث للموقف من الأقليات والأجانب، والعلاقة مع الغرب.وتحدث عن مبدأ استراتيجي هام للغاية وهو خطأ استيراد الحلول الجاهزة من مكان لآخر، فلكل مكان ومشكلة خصوصيتهما، وهو ما عبر عنه البنا في هذه الرسالة بقوله:"أصول النهضة في الشرق غير أصولها في الغرب".
ثم حدد بعض خطوات الإصلاح العملي في الناحية السياسية والقضائية والإدارية والاجتماعية والعلمية والاقتصادية، فيما سمي بالنقاط الخمسين.
(ح‌) "رسالة المأثورات"، 1رمضان 1355هـ الموافق 1936م، وهذه الرسالة وسيلة من وسائل تحقيق هدف الإخوان في هذا الوقت وهي مرحلة الإيمان العميق، بعد رسالة العقيدة التي تخدم الهدف نفسه، فرسالة العقيدة تخدم هذه المرحلة معرفيا، والمأثورات تخدمه وجدانيا كما أسلفت.
(خ‌) رسالة "مؤتمر طلبة الإخوان المسلمين"، 19 ذو الحجة 1356هـ/2 فبراير 1938م، وفيها من خطوات التخطيط الاستراتيجي: حث الطلبة على العمل، وتصحيح شبهة الفصل بين الدين والدولة، وبيان مظاهر شمولية الإسلام في: السياسة الداخلية، والخارجية، والحقوق الدولية، وحماية الأقليات، وبيان مزايا المنهج؛ التشريع الإسلامي من حيث السعة، وبيان الموقف من الحزبية السياسية.
مع ملاحظة أن الطلبة والشباب الذين يتحدث إليهم البنا في هذه الرسالة هم من ذوي المصلحة بالمشروع الإسلامي، وممن يعمل على كسب تأييدهم لخطته الاستراتيجية.
(د‌) "رسالة المنهج"، رجب 1357هـ الموافق 1938م، وهي من أوضح الرسائل الدالة على حجم التفكير الاستراتيجي في فكر البنا هي ورسالة "بين الأمس واليوم"، وتحتوي من خطوات التخطيط الاستراتيجي على:
تذكير بمراحل الدعوة وهدف كل مرحلة ووسائلها ومؤشرات نجاحها، وبيان الموقف من الجهات ذات العلاقة وتحدث عن هيئات مختلفة هي: السراي، الأزهر، الحكومات، الهيئات السياسية المختلفة، الهيئات الإسلامية، الأندية والجماعات الرياضية والعسكرية إلخ.
والموقف من الهيئات الهدامة. والحديث عن الوسائل السياسية والإدارية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي تؤدي لإصلاح الدولة. والحديث عن وسيلة من وسائل المرحلة الثانية وهي مرحلة التكوين، والوسيلة هي الكتيبة ورسالة التعاليم.
(ذ‌) "رسالة التعاليم"، يوليو 1938م، وهي وسيلة من وسائل تحقيق المرحلة الثانية من مرحلة الدعوة كما ذكرها البنا، وهي مرحلة التكوين الدقيق، وقد ذكر في رسالة المنهج أن هدفها توحيد الفهم بين الإخوان ليصدروا عن رأي واحد، ووجهة نظر مشتركة.
(ر‌) "رسالة المناجاة"، رجب 1357هـ، وهي وسيلة من وسائل المرحلة الثانية من المراحل التي حددها البنا وهي مرحلة التكوين الدقيق، مثلها مثل "رسالة التعاليم"، وتأكيد لمرحلة الإيمان العميق، حيث صاغ فيها "رسالة المأثورات" وهي قريبة الهدف من هذه الرسالة.
(ز‌) "رسالة المؤتمر الخامس"، 13 ذي الحجة 1357هـ الموافق 2 فبراير 1939م، وتحتوي من خطوات التخطيط على: الحديث عن الجاهزية للتخطيط ونشأة الفكرة.
وتحدث عن بعض خصائص دعوة الإخوان، وفي الخصائص تحدث عن التدرج وعن المراحل: التعريف والتكوين والتنفيذ، وعن الغاية والوسيلة والمهمة.
وبيان الموقف من عدة مفردات ذات علاقة بالمشروع الإسلامي، وهي: استخدام القوة والثورة، والحكم، والدستور المصري، والقانون، والوحدة القومية والعربية والإسلامية، والخلافة والهيئات الإسلامية ومنها جمعية الشبان المسلمين، والأحزاب، ومنها حزب مصر الفتاة، والدول الأوروبية. وتحدث عن نموذج ناجح محلي وهو دعائم جهاد الأسلاف.
وطالب بعدم اليأس، وهو دور من أهم أدوار القائد وهو بث الأمل في نفوس التابعين والثقة بالمنهج وصلاحيته. وتحدث عن الجدول الزمني وأنه ينتظر دورة الزمان تبعا للسنن الكونية.
(س‌) رسالة "الإخوان المسلمون تحت راية محمد (القرآن)"،20 صفر 1358هـ الموافق11 أبريل 1939م، وتحتوي من خطوات المنهج الاستراتيجي على: خصائص الدعوة (صفاتها)، وهو أمر لا يمكن إلا بعد دراسة جميع الدعوات المحلية والدولية دراسة عميقة، وتفهم مميزاتها وعيوبها، ثم بعد ذلك يحدد الخصائص التي تميز دعوته عن هذه الدعوات كلها، وهي تشبه السياسات التي تنبثق عن الخطط الاستراتيجية.
ثم تحدث عن دراسة الوضع الراهن، من خلال دراسة الدعوة الأولى وبيان الفجوة بيننا وبينها، وتشخيص داء الأمة وشخص منه في هذه الرسالة موجة التقليد الغربي، ثم تحدث عن المنهج بتحديد المهمة والمراحل: الفرد المسلم، البيت المسلم، الشعب المسلم، الحكومة المسلمة، الدولة المسلمة.
ثم تحدث عن الاستعداد لحمل الأمانة والعدة اللازمة لذلك. ورد عن شبهة خيالية هذا المنهج، وتشخيص الوضع الراهن للأمة وشخص منه هنا عدم وجود حكومة مسلمة، ورصد أضرار عدم وجودها.ثم تحدث عن طبيعة الفكرة الإسلامية الإخوانية.
(ش‌) رسالة "المرأة المسلمة"، ربيع الأول 1359هـ الموافق أبريل 1940م، تعتبر حديثا موجها لأحد ذوي العلاقة بالمشروع الإسلامي الإخواني، وهو النساء، وحوت من خطوات التفكير الاستراتيجي على: تشخيص الوضع الراهن من حيث التقليد الغربي، ثم بين موقف الإسلام من المرأة وبين أن:
الإسلام يرفع قيمة المرأة. ويفرق بينها وبين الرجل في القانون تبعا للفوارق الطبيعية، ويفرق بينهما من حيث المهمة وصيانة الحقوق. وجعل الله بينها وبين الرجل تجاذبا فطريا غايته احتمال متاعب الحياة والتعاون. ووضح أن المرأة في الإسلام يجب أن: تُهذَّب وتُربَّى على الفضائل والكمالات، وأن يفرق بينها وبين الرجل.
(ص‌) رسالة "إلى الشباب عامة وإلى الطلبة خاصة"،1940 - 1941م تقريبا، وهذه الرسالة تعتبر حديثا موجها لأحد ذوي العلاقة بالمشروع الإسلامي للبنا، وهم طائفة مهمة في عمل الدعوات، وحوت هذه الرسالة من خطوات التفكير الاستراتيجي على: بيان نقاط القوة لدى الشباب وهي امتلاك:
الإيمان، والإخلاص، والحماسة، والعمل. وبيَّن بيئة نشأة الشاب ودورها في تحديد وجهته. وبيَّن أهمية التوحد حول دعوة واحدة منعا للتشتت، وهو مبدأ استراتيجي بل هو روح التخطيط الاستراتيجي.
ثم عرف بدعوة الإخوان، وتشخيص الوضع الراهن للأمة وشخص في هذه الرسالة تعرض الإسلام لانحراف الفهم على مدار التاريخ. وتحدث عن مراحل معالجة ذلك نظريا وعمليا.
ثم تحدث عن دور الشباب في دعم مشروعه وهو: الإيمان بأنفسهم. معرفة منزلتهم كسادة للدنيا، تجديد الإيمان، وتحديد الغاية والأهداف، والأخذ بوسائل القوة، وهي: الإيمان ثم الوحدة، ثم النصر.
ثم ذكر بمنهج الإخوان:الفرد، البيت، الشعب، الحكومة، ضم أجزاء العالم الإسلامي، عودة راية الإسلام على الأجزاء التي رفعت فيها من قبل، ثم نعلن دعوتنا على العالم. ورد على شبهة خيالية هذا المنهج والوسائل. وتحدث عن تقوية عزم الشباب. وأعاد الحديث عن فهم الإخوان للإسلام.
ثم بين الموقف من بعض ذوي العلاقة بالمشروع الإسلامي، وهي دعوة الوطن والوطنية. واهتم في هذه الرسالة بالرد على عدة شبهات، هي خيالية المنهج والوسائل، دعوة الإخوان تدعو للكسل والخمول، والتفريق العنصري بين طبقات الأمة، وشبهة العمل لحساب هيئة من الهيئات. ثم دعاهم للالتحاق بالإخوان المسلمين.
(ض‌) "رسالة المؤتمر السادس"،11 ذو الحجة 1359هـ الموافق 9 يناير 1941م،
وقد صرح البنا رحمه الله في مقدمة هذه الرسالة بأن هدفه مراجعة الأعمال وبيان الإنجازات، وتذكير بمراحل المنهج والغايات والوسائل والموقف من الهيئات المختلفة، والحديث عن الدعوة للتذكير، وهو ما يتوافق تماما مع خطوات التخطيط الاستراتيجي وخاصة خطوة المراجعة والتقييم.
وإلى جانب ما سبق تحدث عن تشخيص الوضع الراهن للإسلام، وقارن بين نجاح الدعوة في منهجها مقارنة بالدعوات الأخرى، وتشخيص وضع الإسلام الحالي.
وشخص الوضع الراهن للأمة وانصب تشخيصه على بعض نتائج فساد النظام الاجتماعي في مصر متعرضا فيه: لوضع مصر ومكانتها ومواردها، وحال الفلاح والملاك الكبار والعمال وشركات الاحتكار والطب والتعليم والأخلاق والقوة الروحية.
وشخص سبب فساد النظام الاجتماعي بأنه الغزو الفكري، وبيَّن أن المسؤول عن الفساد الاجتماعي هو الحاكم والمحكوم على السواء، وبين السبل للتخلص من هذا الفساد وهي: الجهاد والتضحية والتحرر من السلطان الأجنبي والعودة للنظام الإسلامي. وبين الوسائل العامة المؤدية للعودة إلى الإسلام، وهي: الإقناع ونشر الدعوة، واستخلاص العناصر الطيبة، والنضال الدستوري.
ثم بيَّن الموقف من استخدام القوة كوسيلة للإصلاح، ثم تحدث عن الموقف من بعض الجهات ذات العلاقة بالمشروع الإسلامي وهي: السراي والحكومات والأحزاب والهيئات الإسلامية.
وفي المذكرة المرفقة بهذه الرسالة للملك فاروق: ذكَّره بتاريخ مصر وعظمتها، وأن الظروف العالمية فرصة لعودة دور مصر، وبيَّن له مظاهر القوة في مصر من ملك وشعب وثروات ووحدة في الشعور والفكر واللغة والتقاليد والعادات والآمال والطموح والزعامة للعالم الإسلامي، وهي كلها تندرج تحت خطوة تشخيص الوضع الراهن، وبيان عناصر القوة والضعف والفرص والتحديات.
ثم بين له كيف تعود مصر للمجد: بعلاج سريع يكمن في علاج سريع لفوضى الحياة الاجتماعية ثم بثلاثة أهداف: التحرر من التقليد والسعي نحو الإسلام، واستكمال استقلال مصر سياسيا واقتصاديا وعسكريا وقضائيا، وجمع كل زعماء الدول الإسلامية على رأي جامع.
(ط‌) رسالة "دعوتنا في طور جديد"،17 شعبان 1361هـ الموافق 29 أغسطس 1942م، وحوت من خطوات التفكير الاستراتيجي على:
تقييم ما تم من منهج الإخوان المسلمين، حيث بيَّن البنا النشأة وتغلغل الدعوة بين العوام ثم بين المفكرين الذين بدؤوا يكتبون عن الإسلام ومزاياه.
وتحدث عن خصائص دعوة الإخوان وهو أمر كما بينت سابقا ينتج عن مجهود كبير في المقارنة بين الدعوات المحلية والعالمية ودراسة مميزاتها وعيوبها.
ثم تحدث عن الموقف من الجهات ذات العلاقة أو ذات المصلحة، وخصص الحديث هنا للموقف من: القومية، والعروبة، والشرقية. ثم تحدث عن الأهداف وتحديدها.
ودرس تاريخ الدعوة الإسلامية الأولى دراسة استراتيجية، وبين أن استراتيجيتها تتمثل في: الغايات وهي: الإيمان بعظمة الرسالة وأن غيرها الباطل. والاعتزاز باعتناقها والاعتقاد بأنهم أساتذة العالم.
والأمل في تأييد الله لهم. ثم الوسائل وهي: التكاليف الشخصية للفرد التي تحقق غايته روحيا وعقليا وصحيا وإرادة. ثم نظَّم الأسرة، ثم عالج مشاكل المجتمعات. ودعاهم إلى التفكير تفكيرا استقلاليا وفق الإسلام بعيدا عن التقليد.
وتحدث عن الوسيلة العامة لدعوة الإخوان المسلمين وهي المشاركة في الخير العام. وتحدث عن الوسيلة الخاصة بالعاملين لعودة الإسلام وهي: الإيمان، والعمل، والمحبة والإخاء. وتحدث عن الوسيلة الرسمية لتحقيق الروح الاستقلالي وهي: المدرسة والتعليم.
(ظ‌) رسالة "بين الأمس واليوم" أو"النبي الأمي من تطورات الفكرة الإسلامية وأهدافها"،1943م، وهذه الرسالة من أهم الرسائل التي يتضح فيها جليا ملكة البنا في التخطيط الاستراتيجي، حيث يقوم معظمها على قراءة القرآن قراءة استراتيجية مستشفا من هذه القراءة الأهداف العليا للإصلاح الاجتماعي، والوسائل المؤدية لهذه الأهداف، ودرس رحلة النبي صلى الله عليه وسلم في تحقيق هذه الأهداف، ونتائج ذلك محليا وإقليميا وعالميا، ثم درس عوامل التحلل التي أصابت الأمة بعد أن حادت عن هذه الأهداف العليا والوسائل المحققة لها، وتعرضها في ضعفها هذا للصراع السياسي والصراع الاجتماعي.
وكل هذه الدراسة هي عينها خطوة تشخيص الوضع الراهن، ودراسة تاريخ ما تخطط له. ثم تحدث عن دعوة الإخوان بوصفها دعوة البعث والإنقاذ.
(ع‌) رسالة "الأسر" ويليها "النظام التعاوني" 1943م، وهذه الرسالة تدور كلها حول وسيلة مهمة من وسائل تحقيق أهداف البنا في هذه المرحلة، حيث كانت هذه الفترة فترة ضغط على الإخوان المسلمين مما حال بينهم وبين إقامة الكتائب التربوية التي كانوا يقيمونها منذ عام 1938م، فوضع هذه الوسيلة بديلا لها ولتحقق هدف المرحلة وهي مرحلة التكوين الدقيق. مع تثبيت المرحلة السابقة وهي الإيمان العميق.
(غ) رسالة "مؤتمر رؤساء المناطق والشعب ومراكز جهاد الإخوان المسلمين على مستوى القطر:"، 2 شوال 1364هـ الموافق سبتمبر 1945م، وحوت من خطوات التفكير الاستراتيجي على: تقييم وضع جماعة الإخوان ومدى تقدمهم وأن العالم أصبح يلتف حولهم، والتذكير بالفهم الشامل للإسلام والحث على الجهاد في سبيل إعادة هذا الفهم.
ثم تحدث عن تشخيص وضع الإسلام والأدوار التي مر بها، وهما دوران: الدعوة الأولى التي وصلت بالمسلمين إلى السيادة، ثم دور اختلاط الأمر وشكلية العبادة، وتحول العلم والمعرفة إلى جدال، وتشخيص حال المصلحين أنفسهم وأنهم اتخذوا الإصلاح وسيلة للجاه والمال، ففسدت النفوس وتفرقت الكلمة، وطُمع في المسلمين.
ثم درس نماذج من الإصلاح، وبين أن المصلحين كانوا على طرائق:إصلاح النفوس، خدمة الشعوب، تقويم أداة الحكم. ومنهم من انتصر لنفسه وانتقص من غيره، ثم ظهر الإخوان.
وتحدث عن مقاصد الإخوان وهي:تصحيح فهم الدين بروح العصر. وجمع المسلمين على مبادئ كتابهم. وخدمة المجتمعات. والإصلاح الاقتصادي. والمطالبة بالاستقلال وبالحكومة الإسلامية. والمساهمة في السلام العالمي.
وتحدث عن الوسائل وهي وسائل الدعوة الأولى: التبليغ ونشر الدعوة وتربية النفوس للتكوين. ووضع المناهج في شؤون الحياة للتوجيه والتقدم بها للهيئات للتنفيذ. وأثناء ذلك إسداء الخير والمعروف للناس.
ثم تحدث عن الموقف من بعض الجهات ذات المصلحة، وخصص الحديث هنا للموقف من: وزارة الشؤون الاجتماعية والتعامل معها ومع قرارها الخاص بالجمعيات.
كوعن الحقوق الوطنية لوادي النيل، ومطالب وادي النيل: الجلاء. رفع قيود الحرب. الإشراف المصري على قناة السويس. وحدة وادي النيل. تأمين الحدود الغربية ناحية برقة وطرابلس والشرقية ناحية فلسطين والجنوبية ناحية إرتريا وزَيْلَع ومصوَّع.
وعن مطالب الإخوان للبلاد العربية: الثقة بالجامعة العربية وإنهاضها، وعن مطالبهم للبلاد الإسلامية والأقليات الإسلامية: التحرر والاستقلال والحقوق.
والمطالبة بإعلان الحكومة إسلاميتها، وتجديد مناهج التعليم وجعل الشريعة مصدر القانون. وبيان الموقف من الأجانب. وتحدث عن الوسائل: العزة بالحق، والإيمان والأمل. ونشر البيانات التي توضح للناس حقهم، وكشف ألاعيب المخادعين، وجمع كلمة الناس في مؤتمرات، والدعوة لمؤتمر عربي إسلامي جامع، والبعثات، والسلاح السلبي بالاعتزال.
(ف) رسالة"المؤتمر الشعبي الأول في القاهرة"،8 شوال 1364هـ الموافق 4 أكتوبر 1945م، وتشبه كثيرا محاور الرسالة السابقة، حيث رد فيها على شبهة الدين والسياسة، وسبب تقديم الإخوان الشأن الخارجي على الداخلي في هذه المرحلة، وأعاد الحديث عن الحقوق القومية، ووسائل استردادها، وأعتقد أن هذا المؤتمر كان وسيلة من وسائل الضغط على الحكومة القائمة لتنفيذ المطالب المذكورة في الرسالة السابقة؛ فقد عقد بعده بأربعة أيام فقط، وحوى المطالب نفسها.
(ق) رسالة "الجهاد"،1947م تقريبا، وهذه الرسالة كانت إعدادا فكريا للمجاهدين من الإخوان المسلمين الذين كان يعدهم للجهاد في فلسطين، حيث حوت تبصيرا بأمور الجهاد في الإسلام وآدابه وأحكامه، فهي وسيلة من وسائل إعداد الإخوان في مرحلة قوة الساعد والسلاح بعد أن أكمل قوة العقيدة والإيمان، ثم قوة الوحدة والارتباط.
(ك) رسالة "في علم الحديث"، 1 محرم 1367هـ 1947م، وهذه الرسالة لم يذكر البنا فيها غرضه من تأليفها، ولم تذكرها طبعة مركز البصائر وهي أحدث وأشمل طبعات الرسائل كما سيأتي ضمن رسائل البنا، ولكن بمعرفة هدف البنا في حياته، والرسالة التي كان يريد أن يبلغها أستطيع أن أؤكد أن غرضها مرتبط بغرض ما كرسالة "الجهاد" المؤلفة معها في العام نفسه، "ورسالة التعاليم"، و"رسالة المأثورات" "والمناجاة"، فالبنا رحمه الله لم يكن يكتب رفاهية، بل كان يكتب في إطار استراتيجيته العامة، تربيةً وتعليما وتثقيفا للعاملين في مشروعه، ولكني أعترف بأن الغرض الدقيق منها لم يستبن لي الآن، ولعله كان يريد توحيد مشارب التعامل مع الحديث الشريف، لتقليص الخلافات الفقهية.
(ل) مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي، 3 محرم 1367هـ الموافق 16 نوفمبر 1947م، وحوت هذه الرسالة من خطوات التخطيط الاستراتيجي على: تشخيص وضع مصر من حيث الروح المعنوية والفساد الإداري وضعف سلطان القانون والضيق الاقتصادي، والأخلاق وتبلبل الأفكار، وأنه لم تعد الإصلاحات الجزئية مجدية، وهناك أجواء ثورة وتتنازع الوطن الشيوعية والاشتراكية والديمقراطية والإسلام الراسخ، وعدم جدوى الإصلاحات الجزئية، وتشخيص وضع العروبة والدول الإسلامية: فلسطين وباكستان وإندونيسيا وطرابلس الغرب وبرقة وشمال إفريقية. وتشخيص حال تفكير الزعماء والقادة وانحداره.
واقترح الحل بعد هذا التشخيص وهو اختيار الإسلام، وناقش الاعتراضات على أن الإسلام لم يعد مستخدما بل يفصل بين الدين والدولة، وأنه ضد التطور ورجعية، ويخيف الأجانب والأقليات.
ثم حدد غايات وادي النيل وهي: الجلاء ووحدة وادي النيل، والوسيلة الجهاد أو المفاوضة وقد فشلت، والنبذ على سواء اقتصاديا واجتماعيا وعلميا.
ثم عاد لتشخيص الوضع الراهن للوحدة بدءا من الدولة الأولى ثم المصالح المادية ثم الاحتلال الأجنبي، ثم التأثر بالشعوبية والعنصرية، ثم اتجاه القوى الكبرى للتوحد مرة أخرى بعد العنصرية، ورأى أن وسيلة الوحدة عنده تشجيع الجامعة العربية تمهيدا لروابط أعلى.ووضح نظام الحكم في الإسلام وأنه ركن أساس، ودعائمه هي:مسؤولية الحاكم ووحدة الأمة واحترام إرادتها.
ثم تعرض للموقف من أداة من أدوات الإصلاح الدولية في وقته، وهي الدستور والقوانين، وبين أن النظام الدستوري والنيابي لا تخالف بينه وبين الإسلام، ولكنه يعاني من غموض في مسؤولية الوزارة، ويعاني من مخالفة وحدة الأمة من خلال الأحزاب، ومن اختيار أهل الحل والعقد عن طريق نظام الانتخابات.
ثم عاد لتشخيص الوضع الراهن للحكم في مصر، وشخَّص من مظاهر ضعفه:ضعف الحكومات، وضياع هيبة القانون، والحزبية العمياء.
ثم عرض الحل الإسلامي لهذه المشاكل عن طريق بيان أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، وقواعد النظام الاقتصادي في الإسلام، ثم عرض للوسائل التي تعالج ضعف الاقتصاد المصري، وهي: استقلال النقد. تمصير الشركات. استغلال منابع الثروة. الصناعة. إعادة النظر في نظام الملكيات. تنظيم الضرائب. محاربة الربا. تشجيع الصناعات المنزلية.
فهذه الرسالة دليل صارخ على أن طريقة تفكير البنا في المشكلات هي طريقة التفكير الاستراتيجي التي تعتمد على التشخيص الدقيق أولا ثم وضع الحل الأمثل والأنجع بناء على هذا التشخيص.
(م) رسالة "الإخوان والانتخابات"،2 ذو القعدة 1367هـ الموافق 5 سبتمبر 1948م، وهذه الرسالة هدفها حسم الخلاف حول وسيلة جديدة من وسائل البنا الاستراتيجية في الإصلاح وهي خوض الانتخابات البرلمانية، يعرض فيها رأي المؤيدين لخوض الانتخابات ورأي المعارضين، ثم رأيه وأسبابه.
(ن) "رسالة قضيتنا"، يناير 1949م، وهذه الرسالة آخر ما كتب البنا رحمه الله وكان يرى بأم عينه تسلسل أقدام وأيدي جماعته في السجون، وتجميد نشاطاتها المباركة التي جاهدت بها وفيها ولها، فنظر لهذه الأحداث بعين الشفقة على جهوده وجهود الشباب الأخضر الذي شاركه المسيرة على مدار عشرين عاما، يحدوهم الأمل، فقدم في هذه الرسالة
وخاصة في الفصل الرابع؛ "ماذا قدم الإخوان لوادي النيل والعروبة والإسلام" إلى جانب الدفاع عن التهم الموجهة للإخوان النتائج المادية الدالة على نجاح الإخوان في استراتيجيتهم، وحصرها في: تقديم فكرة جديدة وشعور جديد.
وتقديم جيل جديد يعيش بفكرة ويعمل لغاية ويكافح في سبيل عقيدته وظهر حسن إعداده في حرب فلسطين. وبناء مدارس ومعاهد ومساجد ولهم ألفا شعبة في مصر وفي السودان خمسون. وشركات ومصانع ومنشآت اقتصادية. وإصدار صحف وجرائد ومجلات. ومؤسسات طبية وأندية رياضية وإحسان. ووحدة جامعة للعناصر المخلصة.
وتأمل قوله رحمه الله في نهاية هذا الفصل:"فهل من الأحزاب أو الهيئات من سلك هذا السبيل، أو قدم مثل هذا المنهاج والإنتاج؟". ففيه إلحاح فكرة المنهاج على البنا. وهذا الفصل يعد تقييما لخطته الاستراتيجية بعد عشرين عاما من بدئها.
رابعا: الدليل على أنه لم يفطن أحد لمكمن عبقرية البنا

لا ينبغي علميا إرسال الأقوال على عواهنها دون دليل، ولذلك كان لا بد من التعرض لتحقيق ادعائي بأنه لم يفطن أحد لمكمن عبقرية البنا من قبل، وعندي على هذا الادعاء ثلاثة أدلة، هي:
راجعت محتويات عدة مواقع للإخوان وأهمها إخوان ويكيبيديا ولم أجد فيها ذكرا لذلك، حسب اطلاعي.
طريقة شرح الرسائل المصورة على المواقع الإخوانية المختلفة لا تشير إلى أي شيء من ذلك، حسب اطلاعي.
أحدث وأكمل طبعة لرسائل البنا(54)، لم تشر في المقدمة العامة ولا في المقدمات التي وضعتها قبل كل رسالة إلى شيء من هذا، كما أنها لم تدرك هذا الرابط بين رسائل البنا، بدليل أنها لم تضع "برسالة العقائد"و"رسالة في علم الحديث" ضمن الرسائل، وكأنها لم تر بينها وبين سائر الرسائل رابطا يستدعي نشرها معها.
هناك قراءتان موسعتان لفكر الإمام البنا رحمه الله، لم أجد فيهما إشارة إلى هذا المكمن، وإن كانتا قد استخدمتا بعض مصطلحات التخطيط الاستراتيجي في بعض مباحثهما، ولكنهما لم يدركا الأمر تمام الإدراك؛
هاتان القراءتان هما :
قراءة الأستاذ الدكتور عبد الحميد الغزالي رحمه الله، وهي بعنوان:"حول أساسيات المشروع الإسلامي لنهضة الأمة، قراءة في فكر الإمام الشهيد حسن البنا" الصادرة عن المركز الإسلامي للدراسات والبحوث، ونشرته دار التوزيع والنشر الإسلامية، ومقدمته تشير إلى أن تاريخ كتابته كانت عام 1999م الموافق 1420هـ؛
والقراءة الثانية هي قراءة الدكتور محمد عبد الرحمن المرسي رمضان، تحت عنوان "منهج الإصلاح دراسة في رسائل الإمام البنا"، وقدم لها المهندس خيرت الشاطر، وكانت طبعتها الأولى عام 2005م الموافق 1426هـ.
والقراءة الأولى؛ قراءة الأستاذ عبد الحميد الغزالي بخلفيته السياسية والاقتصادية التي تشمل التخطيط الاستراتيجي بالتأكيد، قام فيها بترتيب فكر البنا وفقا لخلفيته الاستراتيجية، وليس وفقا لاستراتيجية البنا نفسه؛
لأنه لم ينتبه لها، ولم ير فكرته الاستراتيجية المتكاملة، بدليل:
الهيكل العام لدراسته لا يدل على رؤيته للاستراتيجية المتكاملة في فكر البنا، وكذلك مقدمته.
لم يفصل بين الخطوات الرئيسة في مشروع البنا: التعريف، التكوين، التنفيذ، وبين المراحل التي تندرج تحت هذه الخطوات، وهي: مرحلة الدولة، التمهيد للخلافة، استعادة الكيان الدولي، الأستاذية، فجعلها كلها خطوات متداخلة. (55)
لم يجد تفسيرا لحديث البنا كثيرا عن الهيئات والدعوات مثل: الوطنية والقومية والعروبة وغيرها من الدعوات التي تحدث عنها البنا؛ لذلك لا نجد لها ذكرا في كتابه.
قال في تقديم الفصل الثالث من الباب الأول؛ "دراسة الواقع"(56):"إن الذي يريد أن يتصدى لقضايا مجتمعه وأمته... لابد أن يدرس واقعه ومحيطه؛ محليا وإقليميا ودوليا...وهذا ما نطلق عليه فقه الواقع ومن هنا وجب التأكيد للقائمين على حركة النهضة أن يتبينوا هذه الحقيقة ويستدركوها في مناهجهم التربوية وخططهم المستقبلية وذلك من خلال عمل مؤسسي شامل". وهذا النص يدل على عدم التفاته رحمه الله إلى أن هذا ما يسمى في علم الاستراتيجية "بتشخيص الوضع الراهن"، ولم يلتفت إلى أن البنا رحمه الله سماه "تشخيص الداء"، وأن البنا قام به بالفعل بدليل النصوص التي نقلها عن البنا في هذا الفصل.
الخلط بين المكونات والوسائل، فقد جعل مكون "تقديم البرامج العملية الصالحة لشؤون الحياة"، من مكونات وسيلة الدعوة والبيان والوعظ والإرشاد، وهي في الواقع من وسائل مرحلة التنفيذ.
وجعل رحمه الله الجهاد وسيلة رابعة من الوسائل الحركية(57)، والجهاد عند البنا وبفهمه له يشمل كل الوسائل الحركية فالنضال الدستوري جهاد وعمل الخير جهاد... إلخ.
ولكن هذا لا ينفي أنه رحمه الله وقف على بعض الجوانب الاستراتيجية في فكر البنا مثل سياسات الدعوة(58)، ولكنه سماها وفقا لخلفيته، وليس لأنه رآها ضمن منظومة استراتيجية متكاملة في فكر البنا؛ لأن البنا نفسه لم يسمها سياسات، بل سماها خصائص.
وأما القراءة الثانية فقد كانت أبعد من الأولى عن إدراك هذا المنحى في فكر البنا، فهي رصد لموضوعات في فكر البنا، ومحاولة الربط بينها في سياق واحد، وليس في مقدمته ولا هيكله ما يدل على وقوفه على هذا المنحى في فكر البنا، ولم يتحدث عن مرحلة التنفيذ بعد مرحلة التكوين. ولكنه تحدث في بعض العناوين عن الرسالة والباعث والهدف (59)
وليس من غرض بحثي استقصاء ذلك في القراءتين، ولكن التدليل عليها ببعض الأمثلة، وربما تسنح الظروف بعرضها بالتفصيل.
خامسا: لماذا لم يفطن أحد لمكمن عبقرية البنا

من الطبيعي أن يثور هذا السؤال بعد هذا التأكيد على أن مكمن عبقرية البنا هو قدرته الفذة على التخطيط الاستراتيجي، وأنه أمر واضح في رسائله غاية الوضوح على كل المستويات.
والإجابة عليه، هي:
عدم شيوع مفهوم التفكير الاستراتيجي وخطواته في المجال المدني إلا في السبعينات والثمانينات، وربما يكون هذا هو أول سبب من أسباب ذلك (60)
الفارق الزمني بين صدور رسائله، فعلى مدار عشرين عاما كان يصدر رسائله على فترات متباعدة، وفي مناسبات مختلفة، ومن حضر رسالة قد لا يستطيع أن يحضر رسالة أخرى؛ إما بسبب البعد الإقليمي عن مكان إلقاء الرسالة، وإما لتحديد الحكومات لعدد من يحضرون، وقد حدث هذا في المؤتمر السادس عام 1941م، وهذا أدى إلى غياب تصورهم للتسلسل المنهجي لاستراتيجية البنا.
ضياع "رسالة المنهج:، التي ألفت عام 1938م، حيث إن هذه الرسالة من أكثر الرسائل التي تجمع الخطوط الرئيسة لاستراتيجية البنا كاملة، بينما غيرها من الرسائل يغلب عليها أن تكون أجزاء من الاستراتيجية. ولم تحظ هذه الرسالة بالطباعة في أي طبعة لرسائل البنا بعد تعميمها على جميع الشُّعَب، حتى نشرت عام 2006م. (61)
انشغال الحواريين بالمحن التي مرت بالجماعة لمدة عشرين عاما، ثم انشغال من نجا منهم بعد ذلك حتى الآن بإعادة التعريف والتكوين، حتى أنهم لم يفرغوا لجمع تراث البنا كله في مجلدات مسلسلة إلا عام 2006م.
تُدرس رسائل البنا دراسة رأسية، حيث يتم دراسة كل رسالة على حدة، وشرحها مستقلة عن غيرها، ولهذا انقطعت الصلة وانفرط الترابط بين موضوعاتها، وكلها مترابطة، ولا يمكن تكوين تصور شامل صحيح عن فكر البنا بدون الدراسة الأفقية.
الانصراف التام عن دراسة فكر البنا أسوة بدراسة غيره من المفكرين والمصلحين؛ بسبب الحظر الشديد لأفكاره ولجماعته في غالب الدول العربية، فحتى عهد قريب كانت الرسائل تتداول خفية.
سادسا: هل هذه عبقرية؟

العبقري في اللغة هي "نسبة إلى موضع بالبادية تنسب إليه الجن العبقرية، ثم نسب كل عمل جليل دقيق الصنعة إليه كأن الجن تعمله" (62).
وهذا ينطبق على البنا من عدة نواحٍ:
{1} أنه أتقن نمط تفكير لم تكتمل أركانه إلا بعد وفاته بعقدين على الأقل، وهو التخطيط الاستراتيجي، حيث كان معروفا في المجال العسكري، ومرتبطا بالجيوش والتعبئة والتكتيكات الحربية، ولم تكتمل حدوده في المجال العسكري إلا بعد عام 1970م (63)
ولم يدخل التخطيط الاستراتيجي إلى المجال المدني إلا مع المدرسة الحديثة، ولم تتطور هذه المدرسة بشكل حقيقي إلا بعد عام 1945م، حيث تركت "نموذج النصر الذي تسعى الحرب لتحقيقه، وبدأت تقرأ الاستراتيجية كعلم اجتماعي لا يمكن وضع حدود له فقط داخل حقل الصراع و المعارك" (64). ولم يكتمل نموه ويزدهر إلا في السبعينات وانتعش في الثمانينات وأوائل التسعينات. (65)
نعم كانت هناك مؤلفات في التخطيط الاستراتيجي العسكري من العصور القديمة، ولكنها كانت باللغات الأجنبية، والبنا لم يكن يعرف لغة غير اللغة العربية، وهذا الأمر يثير سؤالا لم أستطع الحصول على إجابة له: ما رافده في التخطيط الاستراتيجي وإتقانه تنظيرا وتطبيقا بهذه المهارة؟
{2} أنه عمل بمفرده عمل مؤسسات؛ حيث وضع خطة استراتيجية كاملة للأمة كلها وحده، وسعى إلى تطبيقها على مدار عشرين عاما، وندرك مدى العبقرية إذا علمنا أن وضع خطة استراتيجية لشركة يحتاج إلى جهود عدة أشخاص، كل منهم متخصص في جزء من أجزاء التخطيط الاستراتيجي.
{3} أنه فكر خارج الأساليب الإصلاحية الشائعة في عصره وقبله، ونقدها، وفكر في أساليب أخرى، ومن المعروف أن العبقري هو من يفكر خارج الصندوق.
{4} أنه رغم مرور عدة عقود على وفاته ورغم انتعاش علم التخطيط الاستراتيجي واكتماله وشيوعه، وكثرة متقنيه،لم يقدر أحد على أن يخطط للأمة مثل تخطيطه.
لذلك كله لا نكون مبالغين إذا قلنا "عبقرية البنا"؛ لأن اللغة والواقع يؤيدان ذلك.
سابعا: كيف ساقني الله إلى هذا الكشف؟

أحس أن الله تعالى ساقني إلى هذا سوقا دون تخطيط مني، فقد عملت فترة محررا في أحد مكاتب الاستشارات الإدارية، ساهمت فيها في تحرير خطة استراتيجية كاملة، في عدة أجزاء، وضعتها هيئة كندية لهيئة محلية، فتشبعت بما فيها من أفكار وخطوات.
ثم بعد ذلك رأيتني منجذبا للقراءة في أصول التخطيط الاستراتيجي وطرقه، ثم بعد ذلك رأيتني مشدودا لقراءة رسائل البنا كاملة عدة مرات، فلاحظت انطباق الفكر الاستراتيجي على فكره مطابقة تامة.
ثامنا: نتائج هذا الكشف

أعتقد أن هذا الكشف له عدة نتائج، أهمها:
تصحيح القراءات القليلة السابقة لأحد جوانب فكر البنا، فبدون معرفة هذه الخلفية الاستراتيجية في فكر البنا سيتعرض من يتصدى لدراسته إلى الخطأ وعدم الدقة، والمثال على ذلك أن موقف البنا من الحكومة والسرايا كانت في بداية مرحلة التعريف بالدعوة ونشرها المجاملة والمداراة، ثم بعد أن تم التكوين الدقيق بدأ البنا في توضيح موقف قوي قوامه الدفع نحو الإصلاح بالوسائل المتنوعة، يظهر هذا من قوله:"وإن كانت ظروفنا في الماضي كدعوة ناشئة تدعونا إلى المجاملة والمداراة، فإن ظروفنا الآن وقد أعز الله الدعوة توجب علينا نعامل الناس في صراحة ووضوح..."(66).فمن لا يعرف استراتيجية البنا لن يجد تفسيرا لكثير من مثل هذه الأمور.
هذا الكشف يفسر كثيرا من خصائص أسلوب البنا وخاصة التكرار، حيث كان يكرر الفكرة الواحدة مرارا في أكثر من رسالة من رسائله، وهذا من أساسيات التفكير الاستراتيجي، حيث يجب أن يكون المشاركون في تنفيذ الخطة الاستراتيجية واعين بها أشد الوعي، متذكرين لها في كل وقت، لدرجة أن علماء التخطيط يطالبون بأن يكون العاملون في الخطة على اقتناع تام بها، وبالهدف والرؤية والرسالة، لدرجة أنك إذا اتصلت على أحدهم في منتصف الليل وهو نائم وسألته مباشرة عنهم لأجابك.
هذا الكشف يبين الخيط الرفيع الرابط بين موضوعات رسائله التي تبدو متفرقة.
هذا الكشف يبين سبب اختلاف موضوع الرسالة الواحدة من رسائل البنا، فرسائله الخالصة لموضوع واحد من أولها لآخرها هي النصف من رسائله تقريبا، مثل: "رسالة العقائد"، و"نحو النور"، و"المأثورات" ، و"التعاليم"، و"المناجاة"، و"المرأة المسلمة"، و"إلى الشباب"، و"الجهاد"، و"رسالة بين الأمس واليوم"، و"مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي"، و"الإخوان والانتخابات"، و"رسالة قضيتنا"، وبقية رسائله تحوي موضوعات تبدو لمن يعرف هذه الخلفية الاستراتيجية مختلفة متنافرة لا رابط بين موضوعها، فإذا علم هذه الخلفية أدرك سبب هذا وعلم الرابط الدقيق بين موضوعاتها.
هذا الكشف يساعد على نقد فكر البنا، وبيان ما يحتاج إلى تجديد فيه، بناء على أصول التفكير الاستراتيجي التي اتبعها.
يمكن هذا الكشف من دراسة مدى استمرار صلاحية هذا المشروع في الظروف الراهنة للأمة، أم أنها تحتاج لمشروع إصلاحي جديد.
يمكن هذا الكشف من تقييم مدى التقدم والتعثر في تنفيذ مشروع البنا.
يمكن من مقارنة مشروع البنا بغيره من مشاريع الإصلاح المعاصرة له والسابقة عليه بيسر وسلاسة، وبيان المشتركات والاختلافات.
يمكن من قياس مدى التزام جماعة الإخوان المسلمين في كل أنحاء العالم بهذه الاستراتيجية ومدى انحرافهم عنها.
تاسعا:خاتمة

هذا هو البنا وهذا ما كان يقوم به على مدار عشرين عاما من عمره، واستشهد بسببه، وأسأل الله أن يجعل هذا الفهم الجديد للبنا بداية انطلاقة جديدة مفيدة لأمتنا الإسلامية، وأحمد الله على أن خصَّني بهذا.

المصدر : إخوان ويكي
يمكن من قياس مدى التزام جماعة الإخوان المسلمين في كل أنحاء العالم بهذه الاستراتيجية ومدى انحرافهم عنها.
تاسعا:خاتمة

هذا هو البنا وهذا ما كان يقوم به على مدار عشرين عاما من عمره، واستشهد بسببه، وأسأل الله أن يجعل هذا الفهم الجديد للبنا بداية انطلاقة جديدة مفيدة لأمتنا الإسلامية، وأحمد الله على أن خصَّني بهذا.

المصدر : إخوان ويكي 

التعليقات