الإسلاموفوبيا وصدام الحضارات

الإسلاموفوبيا وصدام الحضارات

بقلم: د. فتحي أبو الورد

 

مثل من الأمثال العربية المعروفة يقول: رمتنى بدائها وانْسَلَّتْ، وهو مثل يُضرب لمن يُعَيِّر صاحبهُ بعيبٍ هو فيهِ ؛ فيُلقي عيبهَ على الناسِ ويتهمهم به، ويُخرجُ نفسَه من الموضوع، وذلك هو عين ما اصطلح عليه الغرب بـ"الإسلاموفوبيا"، وهى ظاهرة مرضية تعني الخوف من الإسلام، وهو خوف مرضي مصطنع غير مبرر رافض للإسلام والمسلمين.

 

وكان من مظاهر الإسلاموفوبيا فى الغرب: الهجمات اللفظية والجسدية على المسلمين، والاعتداء على مساجد ومقابر المسلمين، وانتشار صورة نمطية سلبية على نطاق واسع في وسائل الإعلام عن الإسلام والمسلمين.

 

وكان آخر الأحداث التى مازالت حية فى الذاكرة، ما قامت به الخطوط الجوية المتحدة من طرد عائلة أميركية مسلمة من الطائرة لأسباب تتعلق بـ"سلامة الطيران"، واتضح أن سبب الطرد هو المظهر الإسلامي للعائلة فقط.

 

ومن قبل فى بريطانيا تظاهرت إحدى المنظمات ضد بناء مسجد، وتم الاعتداء على إمام مسجد وفقء عينه، وفى ألمانيا قتلت الدكتورة مروة الشربينى طعنا بالسكين على يد عنصرى ألمانى، وفى بلجيكا دعت وزيرة الداخلية إلى حظر الحجاب لأنه يتنافى مع قيم المجتمع، وفي إيطاليا حرقت مساجد في مدينة ميلانو أعلنت جماعة اسمها الجبهة المسيحية المقاتلة مسؤوليتها عنها، هذا غيض من فيض، وقطرة من بحر.

 

وقد صدر تقرير هلسنكى لحقوق الإنسان، وكذا تقرير مركز المساواة فى بروكسل ليؤكدا على تزايد التعصب ضد المسلمين فى أوربا، وركز تقرير هلسنكى على دور الإعلام الغربي في تغذية التعصُّب وكراهية الإسلام.

 

ومما أسهم في تشكيل ظاهرة الإسلاموفوبيا، المؤسسة الكهنوتية المتعصبة، والنمو السريع للإسلام في الغرب، وهو ما عبرت عنه صراحة منظمة أوربية فى بريطانيا وبلجيكا حين أطلقت على نفسها اسم: "أوقفوا مظاهر الأسلمة في أوربا"، إضافة إلى وسائل الإعلام الغربية ودورها فى إذكاء نار التفرقة والعنصرية ضد المسلمين.

 

مع ذلك لا يكف الغرب عن الحديث عن الحريات العامة والدينية التى يمنحها لكل المقيمين على أرضه، وفى الوقت ذاته تصدر عنه التقارير المتتابعة عن اضطهاد الأقليات فى بلاد العرب والمسلمين، مثل الأقباط فى مصر، والشيعة فى السعودية.

 

هذه هى الحقيقة التى تنطلق منها نظرة كثير من الغربيين وهى أن الأصل فى العلاقة مع الآخر - وبخاصة المسلمين - علاقة حرب وعداء، وذلك منذ أن طرح للعلن فكرة صدام الحضارات، والتى ذهبت إلى أن صراعات ما بعد الحرب الباردة ستكون الاختلافات الثقافية هى المحرك الرئيسي لها.

 

وعلى العكس مما سبق تنطلق نظرة جمهرة كبيرة من فقهاء المسلمين خاصة المعاصرين منهم إلى أن الأصل فى العلاقات الدولية هى السلم لا الحرب.

 

كما أن الإسلام يقيم العلاقة بين الناس جميعاً على أساس التعارف والتعايش وحفظ الكرامة الإنسانية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13].

 

والمخالفة في الدين لا تبيح العداوة ولا البغضاء، ولا تمنع المسالمة والتعاون بين البشر فى شؤون الحياة العامة: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[الممتحنة: 8].

 

لقد أدنا العنف بكل أشكاله، ورفضنا قتل المدنيين أينما وجدوا، ومهما تنوعت أعراقهم أو دياناتهم، وقطعنا الطريق أمام من يريدون تصفية حسابات مع حكومات ظالمة من خلال قتل الأبرياء من رعاياها، وسارعنا بالتبرؤ من كل ما يمس القيم الإنسانية المشتركة، وكل ما يعكر صفو التعايش المشترك، وأقسمنا أيمانا مغلظة أنه لا علاقة لنا بالإرهاب ولا بالإرهابيين وشاركنا فى المسيرات المنددة لتفجيرات مقر الصحيفة المسيئة لنبينا، حتى توارت الجريمة الأصلية للصحفيين الذين أساءوا للنبى صلى الله عليه وسلم، لعلهم يصدقوننا، وينصفوننا ويبرؤوننا من تهمة الإرهاب، ولكنهم فى الوقت ذاته يلوذون بالصمت تجاه من يقتلوننا، بل وكثيرا ما يبررون أعمالا إرهابية لمواطنيهم بأنها سلوك فردى، وليس لها أبعاد دينية،، فهلا أدنتم العنف بشكل صريح سواء كان عنفا فرديا أم جماعيا، وسواء كان عنفا شعبيا أو حكوميا، وسواء كان إرهابا شرقيا أو غربيا!! وهلا حددتم تعريفا واضحا للإرهاب حتى نحتكم إليه جميعا فيقع من يرتكبه تحت طائلة القانون والعقاب؟!

 

وإن كنتم تريدون الوصول للحقيقة فاقرءوا كلام أحد أعضاء حزب العمال البريطانى حيث يقول: حين اعترفت فرنسا بفلسطين حدث تفجير باريس، وحين اعترفت اليابان بفلسطين بعدها خطفت داعش اثنين من اليابانيين وقتلتهما، وحين دعمت أندونيسيا مستشفى فى غزة حدثت فيها تفجيرات، وحين حددت بلجيكا موعدا لمناقشة حقوق الإنسان فى فلسطين حدث التفجير.. كم حادثة تحتاجون لتدركوا أن إسرائيل تدير داعش؟؟!

التعليقات