المجموعة الكاملة لأحاديث الثلاثاء- الجزء الخامس (1)

المجموعة الكاملة لأحاديث الثلاثاء- الجزء الخامس (1)

 

نظرات في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

(1) نظرات في السيرة النبوية

(2) لمن كان يرجو الله واليوم الآخر

(3) الله أعلم حيث يجعل رسالته

(4) الإسراج والمعراج

(5) في رحاب المدينة المنورة- 1

(6) في رحاب المدينة المنورة- 2

 

نحمد الله تبارك وتعالى، ونصلي ونسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

أيها الإخوة الفضلاء.. أُحييكم بتحية الإسلام، تحيةً من عند الله مباركةً طيبةً، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

 

وبعد، نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلها فاتحةً مباركةً طيبةً، ننتفع فيها بما نقول وما نسمع في هذه الاجتماعات الدورية، ننتفع ذلك الانتفاع الروحي الإخواني، لتقوَى تلك الرابطةُ الإسلاميةُ الجليلةُ بين القلوب والعواطف والمشاعر، حتى تجتمعَ كلمةُ المسلمين على خير ما يحب الله ويرضَى، من العمل بطاعته ورضوانه، ونسأل الله تعالى أن يُبارك هذه الاجتماعات، وأن نفيد منها الفائدتَين، الفائدة القلبية العاطفية، والفائدة العلمية، وإن كنت لا أدَّعي أني أتقدم في هذه الاجتماعات بشيء تجهلونه، أو بشيء لا تعرفونه، وإنما هي خطراتٌ نتناجى بها، وعواطف نجتمع عليها، وتوجيهاتٌ، لعلها تحفزنا إلى الاستزادة من العلم، فنسأل الله أن يقوِّيَ بها رابطتَنا، وأن يزيد بها حبَّنا فيه، وأن يُرِيَنا فيها الحقَّ ويرزقَنا اتباعَه، ويُرِيَنا الباطلَ ويرزقَنا اجتنابَه، وأن يلهمَنا الرشدَ والسدادَ.

 

اللهم إنا نستعينك، ونستهديك، ونستغفرك، ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقل من ذلك يا نعم المجيب.

 

أيها الإخوان، لقد كانت سلسلتُنا التي تحدثنا فيها إليكم في العام الماضي هي "نظرات في كتاب الله تبارك وتعالى"، وكان الأمر كما قلت لكم من قبل لا نقصد من ورائه تفسيرًا فنيًّا، أو علاجًا اصطلاحيًّا للمعاني المرامي، إنما كان كل ما نقصد إليه من ذلك أن نُجيل النظر في كتاب الله تبارك وتعالى، نتلمَّس وجْهَ العبرة، ونجد بعض المنافذ التي نصل فيها إلى شيءٍ من الفهم في كتابِ الله تبارك وتعالى، فهو بحرٌ زاخرٌ بالدرِّ، من أي النواحي تأتيه ظفرت منه بالخير الكثير، فكان تجوُّلنا في بعض المقاصد الكلية الإجمالية التي تناولتها آيات القرآن الكريم.. نتعاون أيها الإخوان على استجلائها، فهي ولله الحمد جليةٌ واضحةٌ، ورجاءَ أن يجد كلٌّ منا مفتاحًا للفقه في كتاب الله، لتفهُّم آياته، يستخدمه بينه وبين نفسه، كلما وجَد مِن نفسه فسحةً من الوقت، وكلما أرادَ أن يستزيد من أنوار هذا الكتاب وفوائده وفوائده ومنافعه.

 

أيها الإخوان.. كان هذا هو ما رمينا إليه، أن نكون قد استفدنا من هذه الناحية، أن يكون كل أخ قد عكف على مصحَفه، يتذكَّر، ويتدبَّر، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ (القمر).

 

ولسنا ندَّعي أن لهذه النظرات منتهًى تنتهي إليه، فكلما أجال المجيلون أنظارَهم، وكلما أدار المديرون أبصارَهم في كتاب الله تبارك وتعالى، فإن معانيه كأمواج البحر لا تنتهي ولا تتناهَى، فهو كلام العلي الكبير.

 

ولست أدَّعي أننا انتهَينا من النظرات في كتاب الله تبارك وتعالى حتى نَستأنف سلسلةً أخرى، فكتابُ الله تبارك وتعالى جديد، أينما نظرت إليه وجدت المعاني المبتكَرة، والمرامي البعيدة، والخير الكثير.

 

ووصيتي لكم أيها الإخوان أن تتصلوا بالقرآن في كل وقت، فإنكم على فائدة جديدة ما اتصلتم بكتاب الله، ولكنا نريد أن نُجيل النظر في سيرة النبي- صلى الله عليه وسلم- وفي تاريخ الإسلام الحنيف إجالاتٍ عامةً، لا أدَّعي كذلك أنني سأتقصَّى فيها الشئونَ التاريخيةَ، أو ألمَّ فيها بالحوادث الفردية، أو أعرض فيها لما اختلف فيه المؤرِّخون، أو اضطَّربت فيه الأقوال،
ليس مقصدنا أيها الإخوان في الحقيقة شيئًا من هذا في تلك النظرات العاجلة، وإنما ذلك من شأن المدقِّقين من كتاب السيرة وعلماء التاريخ.

 

ولكنَّ الذي نقصد إليه بهذه النظرات أن نتعرَّف على بعض مواطن العبرة ومواضع العظة، وبعض النواحي العلمية البارزة، والتي نحن أحوجُ ما نكون إليها في حياتنا، هذه الحياة التي انسدَّت فيها المسالك، وتبلبلت معها الأفكار والخواطر.

 

نحن في حاجةٍ أيها الإخوان إلى مصباحٍ نستضيء بشُعَاعه، ونتبيَّن بهداه مسالك الطريق، حتى لا نَحَار ولا نَضِلَّ، وأن نعمد إلى اقتطاف العظة العملية من بعض الأعمال البارزة المحمدية، التي هي دعوة الإنقاذ، ودعوة الهداية والإرشاد، ولقد أشار إلى هذا كتابُ الله تبارك وتعالى إذ  يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).

 

أيها الإخوان.. ولن يكون الاتباع إلا عن معرفة حال المتبوع، وتبيين أحواله وأعماله، حتى يكون الاتباع صحيحًا واضحًا، ذلك ما نقصد إليه من دراسة السيرة النبوية على هذا النحو الموجَز، ونسأل الله أن يسدِّد خطانا، إنه سميع مجيب.

 

أيها الإخوان.. لقد كان لأصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم-، وهم المصاحبون له، الواقفون على أحواله، المتأثرون بتعاليمه، كان لهم أعظم التأثر به- صلى الله عليه وسلم-، يدقِّقون، ويحرصون كل الحرص على الاستزادة من بيانٍ أحواله- صلى الله عليه وسلم-، فكان الغائب إذا حضر من غيبته يسأل أصحابه عمَّا رأوا من أحوال النبي- صلى الله عليه وسلم-، وعمَّا سمعوا من أقواله، وعمَّا حدث من الحادثات من بعده، وعمَّا نزل من الوحي حال غيبته، وكانوا يسألون عن أشدِّهم قربةً منه، وعن أمهات المؤمنين، وعمَّا يعلمن ويعرفن من أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أعماله صلى الله عليه وسلم، فقد دخل رجلان من الصحابة على عائشة، فقالا: "يا أم المؤمنين.. حدثينا بأعجب ما رأيتِ من أحوال النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: وبم أحدثكم؟! لقد كان كل أمره عجيبًا".

 

ثم انظروا أيها الإخوان إلى ما حدثَتهم به عنه، حين أوردت لهم شأنًا من شأنه صلى الله عليه وسلم، كان إذا جنَّ عليه وخَلا كل حبيب بحبيبه، يخلو هو بربه ويجتهد في مناجاته وعبادته، لقد لفتتهم السيدة عائشة رضي الله عنها إلى هذا، وذكرت لهم هذا المعنى، ودلَّتهم على هذا السنَن من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لقد حدثتْهم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قدم ليلة بعد العشاء، فنام فترةً قصيرةً ثم استيقظ من نومه، فعمد إلى قِربةٍ فتوضأ، ثم أخذ يصلي وأخذ يبكي، واستمر يصلي ويبكي، حتى كانت دموعه تقطر على الحصير، وما زال يصلي ويبكي وتتساقط دموعه على الحصير، حتى جاء بلال يؤذنه بصلاة الصبح، فقال له: ما يبكيك يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال صلى الله عليه وسلم: "ويحك يا بلال وقد نزلت عليَّ الليلة آية، ويلٌ لمَن قرأها ولم يتدبرها"، ثم تلا قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ(190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191)﴾ (آل عمران)، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ويلٌ لمَن قرأها ولم يتفكَّر فيها".

 

وعلى العاقل أن يُجيل النظر في ملكوت السموات والأرض، وأن يستحضر ما في هذا الخلق من عظمة ودقة وبديع صنع، وأن يتأمل ما صنع الله تبارك وتعالى، فيشعر بالتعظيم والتقديس لهذا الخالق الكبير.

 

إذا فعلت ذلك فسوف تشعر في نفسك بعظمةِ الخالق الصانع تبارك وتعالى، وسوف يتبع ذلك إدراك سر هذه المصنوعات؛ من حيث صلة بعضها ببعض، ومن حيث دقة تركيبها، ومن حيث ما يعود على الناس من ثمرها والانتفاع بها، حتى تصل إلى رتبةٍ أعلى من الرتبة التي أنت عليها، رتبة الاقتناع الحقيقي والعملي والنفسي بعظمة الصانع جل شأنه.

 

توضع البذرة، فتنمو بقدرته، وتنضج بقدرته، وتثمر بقدرته، وذلك في أوقاتٍ محدودة، بميزات دقيق لا يختلف.

 

إن الذي يعلم هذا العلم، ويتابع كشف هذه الخصائص لا بد وأن يزداد إيمانًا بعظمة الصانع، فيزداد خشوعًا لقدرته.. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ..﴾ (فاطر).

 

لقد بلغت أصناف النبات في إحصائيات العلماء إلى ما يقرب من 1200 صنف، يختلف بعضها عن بعض، ويسير كل منها بناموسٍ خاص، ولا يزال هؤلاء يَعتبرون أنفسَهم جاهلين بأسرار النبات، فالحياة وما فيها من أسرار، والجمادات وما فيها من غرائب وعجائب، كل هذا النواميس العجيبة، والعلوم الكونية الهائلة التي وصل إليها عقلُ الإنسان الحديث، كلها آياتٌ من آيات الله تبارك وتعالى.

 

أيها الإخوان.. ونعود بعد هذا إلى حديث هذَين الصالحَين، فإنه مع علمهما بالكثير من أحوال النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يكفهما ذلك حتى ذهبا يستزيدان أم المؤمنين رضي الله عنها، لتقصَّ عليهما من سنن النبي صلى الله عليه وسلم ما غاب عنهما.

 

هكذا كانوا يحرصون على تتبُّع خطَى الرسول- صلى الله عليه وسلم- ولم يكونوا يقصرون هذا الاستقصاء على أنفسهم، بل كانوا يلقنونه لأبنائهم وأولادهم ومن حولهم، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "كنا نروي أبناءنا مغازي النبي صلى الله عليه وسلم، كما نُحفظهم السورة من القرآن".

 

أيها الإخوان.. وهذه العناية من أسلافنا تحفزنا نحن المسلمين- ولم يكن لنا من الحظ ما لهم من مشاهدة أحواله وسماع أقواله ورؤية أعماله- تحفزنا إلى تتبع السيرة النبوية، لعلنا نستفيد جملة فوائد، تستفيد رقةً في روحك، ونورًا في قلبك، وإشراقًا على فؤادك، ويحصل لك من الحب والذكرى ما يكون له أثره القوي في توجيه نفسك، وإيقاظ عاطفتك وإمداد روحك، فأنت تستفيد في الحقيقة ثلاث فوائد: فائدة روحية، وفائدة نفسية، وفائدة عاطفية.

 

تعيش وكأنك يا أخي معهم، تستمع إلى لغتهم، وتخالطهم في أعمالهم وتشاركهم في دروسهم، وهكذا، كلما قرأت يا أخي في مرحلةٍ من مراحل السيرة، فأنك تحظى بالمصاحبةِ الروحيةِ إذ حُرمت المصاحبة العملية، فتستفيد سُموًّا في العاطفة، وإشرافًا في النفس، ثم تستفيد عملية في الطب، والقضاء، والمعاملة، والأخلاق، والتصرف في شئون الحياة.

 

وحين تقرأ السيرة، فإنك تضم إلى كتاب الله تبارك وتعالى الجزء المتمم لتشريع الله، وهو السنة المطهرة، وقد أعجبني من الأستاذ الغمراوي أننا أرسلنا إليه ذات يوم نسخة من رسالة (المنهاج الثقافي)، وفيها بعض الكتب التي يجب على الأخ المسلم أن يطلع عليها، فقال: أنا لا أري داعيًا للإكثارِ من الكتب والموضوعات، وحسب الأخ المسلم ليتثقف ثقافةً إسلاميةً وليتربى تربيةً إسلاميةً، حسبه أن يعكف على كتابِ الله وأن يكثر مطالعة السيرة النبوية، فإنه إن فعل هذا، اختصر الوقت، ووصل إلى الفائدة مع التلذذِ بما يقرأ، وسيعمد إلى محلِّ الفائدة من غيرِ التواءٍ، لهذا اخترنا أن نتحدث إليكم في أحاديث الثلاثاء عن السيرة النبوية المطهرة، وكما قلت لنا نتقيد بالحوادث التاريخية، ولا بالوقائع الدقيقة في السيرة بل سنعمد إلى موطن العظة والعبرة إن شاء الله، وحسبي هذه الليلة.

أقول قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم،

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم..

 

* * *

(2) لمَن كان يرجو الله واليوم الآخر

نحمد الله تبارك وتعالى، ونُصلي ونُسلِّم على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

أيها الإخوان الفضلاء، أُحييكم بتحيةِ الإسلام، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وبعد، معذرةً أن أتخلَّف عن ساعةٍ هي أحب الساعات إلينا، فليس أحب إلينا، ولا أشوق لأرواحنا من تلك الساعات الكريمة التي نلتقي فيها، فنسأل الله تعالى أن يجعل مجالسنا من المجالس التي تتباهى بها الملائكة وينتحي بهم ناحية في المسجد، يتدارسون كتاب الله تبارك وتعالى، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرَّ بهم سُرَّ بهم ودعا لهم وقال: "غفر الله لابن رواحة، فإنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة".

 

هذه المجالس- أيها الإخوان- يجتمعون فيها على طاعةِ الله وابتغاء مرضاته، وعلى ذكريات نبيه صلى الله عليه وسلم، واستطلاع سيرته، لتكون لهم من ذلكم الأسوة الحسنة، ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: من الآية 21).

 

أيها الإخوان، وقلوب هذا شأنها تجتمع لهذه الغاية النبيلة، أحق أن يكون مجلسها من المجالس التي تتباهى بها الملائكة، فاللهم اجعلنا من الذين يحق قيهم قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم القيامة، نادى منادٍ من قِبل المولى تبارك وتعالى: أين المتحابون في، أين المتزاورون في، اليوم أظلهم بظلي، يوم لا ظل إلا ظلي".

 

أيها الإخوان الفضلاء، لقد استفتحنا هذه السلسلة الطيبة، وأود أن أُقدِّم إليكم البيئةَ التي نشأ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم – البيئة الزمنية والبيئة المكانية-.

 

أما البيئة المكانية التي نشأ فيها- صلى الله عليه وسلم- فأنتم تعلمون أنه كان في الحجاز، وفي مكة المكرمة، بجوار البيت المحرم، وما جاور الجزيرة العربية حين قام صلى الله عليه وسلم بأسفاره ورحلاته، وما جاور المدينة حين هاجر- صلى الله عليه وسلم-، فهو في هذه الربوع نشأ، وكانت نشأته في هذه البيئة الطيبة والمنبت الكريم تتناسب مع المهمة العظمى التي اختير لها، فالعربي يواجه الكون وجهًا لوجه، يفترش الأرض، ويلتحف السماء، ويكافح عناصر الكون كفاحًا شديدًا، يستشعر البرد على حقيقته، والحر على قيظه، وفي أثناء هذه المؤثرات، لا يستطيع أن يحصل على مقومات حياته إلا بشقِّ النفس، فهو حين يريد أن يحصل على الماء، لا بد أن يقطع المسافات الطويلة، ولا بد له أن يضرب في مهد الأرض ليلقاه، وحين يريد الغذاء، فلا بد من هذا الغناء أيضًا، ثم هو مرضي النفس، قوي الحواس، يرسل مشاعره في هذا الفضاء فيرى المحدود، فتنهال عليه الأفكار والمعاني، وهو لا يحده قيد ولا يمنع تفكيره مانع، هذه هي البيئة التي جعلت الرجل العربي ممتازًا في شئون حياته، في تكوينه، وفي أخلاقه، وهذا البيئة لا بد أن تطبع الإنسان بطابعٍ خاص، وتُوجهه توجيهًا خاصًا.. هذه البيئة هي التي نشأ فيها رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، بيئة لا تتوافر فيها الضروريات فضلاً عن الكماليات والشهوانيات، ثم ترى عاملاً آخر، ذلك العامل هو ملاصقتها لحرم الله ومجاورتها له، ولهذا الحرم قداسة خاصة في نفوس أهله؛ لأنهم يعتقدون أنه معقل عزهم، فهم يتقاسمون خدمته، ويتفانون في تعظيمه، ويقومون بسقاية الحاج، وإكرام الوافدين عليه، ويرون الفخر كل الفخر فيما يعلمون، حتى كانوا يتفاخرون بعد البعثة والإسلام بهذه الأشياء التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، فنزل قول الله تبارك وتعالى:﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)﴾ (التوبة).

 

أيها الإخوان، وإنما لنعلم من هذه الآية كيف كانوا يعتزون بنسبتهم إلى البيت الحرام، وخدماتهم لهذا البيت، فوجودهم بجوار الكعبة كان يوحي إلى نفوسهم معنى من معاني الاعتزاز، ويطلق عقولهم إلى نوعٍ من التفكير في العبادات والتفكير في التوحيد.

 

هذه البيئة التي سكنها الإسلام وعمرها، كانت بيئة ممتازة، نبت فيها الإسلام ثم انبسط منها على الشرق الإسلامي والغرب الإسلامي، من حدود اليمن إلى حدود طنجة.

 

هذه البيئة التي ميزها الله تبارك وتعالى عن غيرها تمييزًا عجيبًا، إذ جعلها في أعدل بلاد الأرض ومهبط الروحانيات، ومنبع الأديان والفلسفات، ومشرق النور، فما أولانا-  نحن المسلمين-  أن نعتز بهذا الوطن الذي اختاره الله تبارك وتعالى للفكرة الإسلامية، وما زالت مكة قلب هذا الوطن، هذه أيها الإخوان نظرة إلى البيئة المكانية، ثم انظر إلى البيئة الزمانية،
لقد اختير رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب، والعرب هم أهل هذه الصحراء، فماذا فعلت فيهم؟؟.

 

لقد كونتهم تكوينًا رائعًا، فالعربي لسيم في بدنه، سليم في حواسه، حسه رقيق، وشمه يقظ، وبدنه مكتمل، لا ترى فيها مسكنًا لداء ولا أثرا لعله والواقع يا أخي أن الصحراء ساعدت كثيرًا على استمتاع هؤلاء القوم بسلامة عقولهم وصحة أبدانهم ومعافاة حواسهم، فإن هذه الخشونة التي عاشوا فيها سهلت عليهم الارتباط بالحياة، وسهلت لهم التضحية في سبيل ما يعتقدون، ثم إن تأثرهم بهذه المؤثرات جعلهم سريعي التأثر بما يوجه إليهم، فالعربي يتأثر بما يرى وبما يسمع، فإذا سمع القول تأثر به وأنصت إليه، ويستطيع بحسه الدقيق ونفسه الشاعرة أن يصل إلى الكثير مما في القول من الحق، ثم هناك عامل آخر، هذه الحياة في البيداء، فقد جعلتهم يعتمدون على الكرم والبذل والإباء، والشجاعة وحرية الفكر، والصبر والجلد.

 

فالمجتمع الذي نشأ فيه العربي هو أفضل المجتمعات، لهذا اختير رسول الله صلى الله عليه وسلم، واختير له هذا المجتمع العربي، وهذه البيئة الطيبة، وهذه الوسط العالي، لم يختر من الفرس على سعة علومهم ومعارفهم ولا من الهنود على عمق فلسفاتهم، ولا من الرومان على تفننهم، ولا من اليونان على عبقرية شاعريتهم وخيالهم، وإنما اختير من هذه البيئة البكر، لأن هؤلاء الأقوم وإن كانوا على ما هم عليه وما هم فيه من علوم معارف، إلا أنهم لم يصلوا إلى ما وصل إليه العرب من سلامةِ الفطرة، وحرية الضمير وسمو الروح.

 

لقد كان العرب على غاية من العفة والطهر، لم تدانهم فيها أمة من الأمم، فهذا عبد الله، والد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عرضت عليه الكاهنة نفسها، فأبت نفسه الشريفة أن تتدنس بأرجاس الجاهلية، وأبى خلقه الفاصل إلا أن يقول:

أما الحرام فالممات دونه   والحل لا حل فأستبينه

فكيف بالأمر الذي تبغينه   يحمي الكريم عرضه ودينه

 

تصوروا أيها الإخوان هذا الجواب الذي أجاب به عبد الله، تجدون فيه من الكشف عن تلك النفس السامية، وعن ذلك الشمم العالي، ومن هذا تعرفون الخطأ الذي يقع فيه بعض المؤرخين وهم يصورون المجتمع العربي تصويرًا عجيبًا، يصورونهم همجًا، ينفعلون لأتفه الأسباب، ويهيمون كالأنعام، ويريدون بذلك أن يصلوا إلى أن الإسلام أخرج من هذه الحالات أخطارها، هذا المعنى يا أخي إذا اقتصرنا فيه على هذه الصورة كان إساءة بالغة إلى التاريخ العربي، أما إذا أردنا أن نصل إلى الحقيقة، فلابد أن نعرف العرب على حقيقتهم، صحيح أن معظمهم كانوا مشركين، وكان معظمهم أيضًا يشرب الخمر، ولكن جوهر الروح العربي كان جوهرًا نقيًا، وما جاءت هذه الرذائل إلا من إسراف العربي ومغالاته في فضائل الأخلاق،
وهكذا كان كل خلق من أخلاقهم، ثم جاء الإسلام، فعدل من أخلاقهم، وكشف عن جوهر هذه النفوس.

 

والنتيجة العملية أيها الإخوان هي أن ألفت أنظاركم إلى أننا قد فاتنا حظ التطهير، فلم تنشأ في تلك البيئة التقية، فنفوسنا بما خالطها ومازجها من بيئة المدينة وترفها، قد طرأ عليها فساد كبير، حطم الأخلاق، ونال من المشاعر، فنحن لأجل أن نكون صالحين لمناصرة هذه الدعوة من بعد، يجب أن نقف في تيار المدينة والترف والمطامع، يجب أن تكون لنا حياة غير هذه الحياة التي يحياها الناس.

 

فلنجاهد أنفسنا أولاً وقبل كل شيء، ولنقو معاني النفس الفطرية الحرة الأبية، التي هي أساس لكل دعوة، وبخاصة دعوة الله ورسوله.

 

فكونوا أيها الإخوان أقوى من البيئة التي تعيشون فيها، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم..

* * *

(3) الله أعلم حيث يجعل رسالته

نحمد الله تبارك وتعالى، ونُصلي ونُسلِّم على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدين، أما بعد، أيها الإخوان الفضلاء، أُحييكم بتحيةِ الإسلام، تحيةً من عند طيبة، فسلامُ الله عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

والله تعالى نسأل أن يجعل جمعنا هذا مجتمعًا عليه، متعاونًا على البر والتقوى، متفانيًا في حبِّه وحبِّ رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يعبده عن عقيدة راسخة لا تتزلزل ولا تتحول.

 

أيها الإخوان، إن هذه الأمة الإسلامية، الأمة التي انتصرت هذا الانتصار الباهر، إنما كان انتصارها هذا بقوة الإيمان، بقوة إيمانها ومتانة وحدتها، واجتماع أرواحها، ومحبتها البالغة، التي تغلغلت في شغاف قلوبها في سبيل الله، لا لعلة ولا غاية، هذا الحب الذي جمع بين القلوب، ووحد بين المشاعر، حتى جعل من القبائل الإسلامية على اختلافها قلبًا واحدًا ورجلاً واحدًا ودستورًا واحدًا، كان ذلك أيها الإخوة هو سر النصر أولاً، وسيكون ذلك هو سر النصر أخيرًا بإذن الله، وصدقوني ما وقفت فيكم هذا الموقف من كل أسبوعٍ إلا استنشقت هذه العاطفة تملأ الجوانح وتقبض على كل ناحية من نواحي نفسي، نسأل الله تعالى أن يجعل على أيديكم النصر من بعد ما جعل على أيدي أسلافكم من قبل، لا بكثرة عدد، ولا ببسطةِ علم، ولكن بالقوةِ الإيمانية التي يُودعها الله تبارك وتعالى قلب مَن يشاء من عباده.

 

أيها الإخوان، أحب أن ألقي عليكم نظرةً عاجلةً في سيرةِ رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ومن لدن وُلد إلى أن بُعث، ومن الدور الأول من أدوار حياته- صلى الله عليه وسلم-، حيث كان فردًا عاديًا، لم يقم بعد تلك الدعوة الكبرى التي أكرمه الله تبارك وتعالى بها، والتي حمله أعباءها، والتي فضله الله بها على سائر الناس.

 

ولست أحاول أن أقص عليكم أنباء تلك الفترة من حياةِ النبي- صلى الله عليه وسلم-، فليس من شأننا أن نستعرض حوادث السيرة حادثة حادثة، فذلك، أمرٌ يطول، ولكن لنعمد إلى النواحي البارزة التي نستطيع أن نرى فيها العبرةَ والعظةَ في حياتنا وفي نهضتنا.

 

وهذه النظرة -أيها الإخوة-  ستؤدي بنا إلى أن نتبيَّن نقطًا أساسيةً في حياةِ رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، حينذاك، لابست أو سبقت مولده الكريم مباشرةً.

 

فإذا ألقيت نظرةً على هذه الفترة، وجدت أن الدنيا كلها في ذلك الوقت كانت في حاجةٍ إلى هذه الرسالة المنتظرة، وإلى هذا الرجل المرتقب، وبخاصة في ذلك الوقت الذي عمَّت فيه الوحشة الروحية والفكرية والدينية.

 

لقد كان الناس في ذلك الوقت إما يهودًا أونصاري أو وثنيين كالفرس والعرب، الفرس كانوا يعبدون النار، وقد فشت فيهم المبادئ الخاطئة، والعرب كانوا يعبدون هذه الأحجار التي ينتحلون لها صفة الألوهية، والروم كانوا يحملون لواء المسيحية، واليهود فلولٌ بين قبائل العرب يحملون دينهم وعقيدتهم.

 

ولم تكن تلك الأديان مستقرة، فنصرانية الروم قد أقلقنها تلك الاختلافات والفرق الكثيرة التي تشعبت من الديانة المسيحية في ذلك الوقت، والتي أخذت تخطئ بعضها بعضًا، وتحارب بعضها بشكلٍ فرَّق وحدتها، وجعل بأسها بينها شديدًا، وكانت الدولة أحيانًا تناصر هذه الفكرة وأحيانًا أخرى تعارضها، فلم تكن هذه العقيدة مستقرة في نفوس الناس.

 

وكذلك اليهودية، لم تكن لها فكرة ولا جامعة، ولكنها قبائل صغيرة مستضعفة، والخلاف بينها وبين الفرق المسيحية مستحكم، أما العرب فكان منهم الذين لا يؤمنون بهذه الأصناف إلا حين يستعينون بها على مطالعهم، وحين تتعارض مع شهواتهم وأهوائهم وتقاليدهم فما كانوا يخضعون لها ولا يؤمنون بها، ومن أمثال ذلك وهؤلاء كثير، منهم من كان يهزأ بها ولا يؤمن بها أصلاً، ومنهم من كان يعبدها ويؤمن بها إيمانًا أضلَّهم وأعمى أبصارهم، معتقدين أنها تقربهم إلى الله زلفى، فكانت وثنيةً تقليديةً لم تكن في حقيقتها متأصلة في نفوسهم.

 

وهكذا أيها الإخوة، كانت هذه الحياة الروحية القلقة المضطربة غير المستقرة، لا في الفرس ولا في المسيحية ولا في اليهودية ولا في بيئة العرب، وظلت هكذا حتى استفاض في الناس البشارة برسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وبأنه سيبعث إلى الناس كافةً، فكان اليهود والنصارى يأملون أن يكون منهم، والعرب يظنون أنه منهم، حتى بلغ بأمية ابن أبي الصلت أنه كان يرجوأن يكون هو النبي المنتظر.

 

وهذه الفكرة – أيها الإخوان – جعلت النفوس تتطلع إلى دينٍ جديدٍ ورسالة جديدة، ومن الغريب أن أحبار اليهود حين جاءهم، كفروا به حسدًا وبغيًا، ومن الغريب أيضًا أن أمية بن أبي الصلت استكبر عن الإيمان به وقال: "لا أؤمن لنبي من غير ثقيف"، ثم أخذ بعد ذلك ينتقل بين القبائل وبين أحياء العرب، ثم عاد، وأراد أن يُسلم، فمرَّ بقتلى غزوة بدر، فقيل له فيهم الوليد بن المغيرة وعقبة بن ربيعة فقال: لا خير في الحياة بعد هؤلاء، ثم رجع قبل أن يُسلم، ومات على غير دين الله.. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (البقرة: 89).

ونعود أيها الإخوان، فنرى أنَّ العالمَ الإنساني كان في حاجةٍ إلى الرسالةِ المحمدية، فلمَّا جاء الرسول- صلى الله عليه وسلم-، واستقبل هذه الحياة الجديدة، هيَّأ الله تعالى له الأذهان والأرواح، حتى تستقبل الدنيا هذا النبي الكريم استقبالاً كريمًا، وأبرز الحوادث التي لقبها صلى الله عليه وسلم في أبان حياته، أنه فقد عائليه عائلا فعائلا، فهو إذ يستقبل الدنيا، يسبقه أبوه إلى الدار الآخرة، وهو إذ يستقبل السادسة من عمره تلحق أمة بأبيه، ثم لا يلبث بعد ذلك بسنتين، حتى يلحق جده بهما، ثم يكون في كفالةِ عمه أبي طالب.

 

أيها الإخوان، وهذا المعنى فيه من أنواع التكريم للنبي- صلى الله عليه وسلم- ما فيه، فقد أراد الله لنبيه- صلى الله عليه وسلم- أن ينشأ في كنفه ورعايته، ولا في كنف الناس ورعايتهم، وأصحاب النظرات الحسية يرون في تربيته- صلى الله عليه وسلم– على هذه الحالة نشأة استقلالية، يواجه فيها الحياة وجها لوجه، إنَّ الله تعالى يريد أن يحمل الأعباء من بدء الحياة حتى يستكمل رجولته، فلا يبتئس بما يواجه في حياته من الآلام.

 

لقد شهد النبي- صلى الله عليه وسلم- حوادث كان لها أثرٌ بارزٌ في حياته، فمن ذلك مثلاً رحلته الأولى إلى الشام، حيث رأي أفقًا واسعًا عن أفق مكة، وسمع تبشير الرهاب، ولا شك أن هذه الرحلة قد تركت في نفسه أثرًا واضحًا، فزادت في معرفته بالأقاليم وبالناس، وكانت تكميلاً له ولا يكمل الإنسان مثل السفر والرحلات.

 

ومن ذلك أيها الإخوة أنه صلى الله عليه وسلم حضر حرب الفجار بين قريش وهوازن، وهو يصطلي بنار هذه الحرب مع أعمامه، وقد بدأها وانتهى منها وهو يرمي معهم، وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لقد حضرت مع أعمامي حرب الفجار، ورميت فيها بأسهم".. وهذا كان تدريبًا له صلى الله عليه وسلم، تدريبًا ابتدائيًّا على ما يلقى من كفاح مع الناس في مستقبل حياته.

 

ومن ذلك أيها الإخوة أنه حضر حلف الفضول، وذلك الحلف الذي تعاقد فيه نخبة من قريش على أن ينتصروا للمظلوم ولو لم يدعهم أحد إلى هذا، سواء كان ذلك في مكة أم في غيرها.
رُوي أنَّ رجلاً نزل إلى مكة ومعه ابنة جميلة، فأخذها سيد من سادات قريش، فوقف الرجل وصاح: يا لحلف الفضول، وما أن انتهى الرجل من صيحته إلا وأهل الفضول يتواثبون ومعهم أسيافهم ويقولون: لبيك لبيك، ثم وقفوا بباب هذا السيد، وقالوا أخرج الجارية وإلا قتلناك، فأخرجها.

 

ورُوي أنَّ العاص بن وائل السهمي ماطل رجلاً في دين له، فوقف الرجل حين أعياه الأمر على جبل أبي قبيس، واستغاث بحلف الفضول، فاجتمع أهل الحلف على العاص بن وائل، ولم يتركوه حتى قضى للرجل دينه.

 

ورُوي أنَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- قال في حلف الفضول: "شهدتُ حلفًا في الجاهلية ولو دعيت به في الإسلام لأجبت".. وهذا الحادث يا أخي كانت تقر به نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إنه ليفخر به في الإسلام.

 

ثم يأتي حادث بناء الكعبة، واحتكام قريش إليه- صلى الله عليه وسلم-، وكان هذا في الواقع عقد لواء الإمامة لرسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ولو بصورةٍ غير مباشرة صلى الله عليه وسلم منذ وُلد إلى أن بُعث تمتاز بأمورٍ بارزة، لقي فيها كثيرًا من الشدائد، فلم تكن حياته هينة سهلة، بل كانت قاسية، تحمَّل فيها صلى الله عليه وسلم مواجهةَ الحياة، وظروف الحياة، فارغة من اللين والمتعة واللهو، وهو صلى اله عليه وسلم – يلقى– كل هذا باحتسابٍ وصبرٍ واحتمال، وتلك كانت التربية العالية التي أرادها الله تبارك وتعالى له، وتلك كانت الحياة التي امتازت بالتعالي والتسامي عن سفاسفِ الأمور، لم يسجد لصنم، ولم يشرب خمرًا، ولم يلهُ كما يلهو الصغار، ولم يبعث كما يبعثون، وإنما كان صلوات الله وسلامه عليه طاهرًا نقيًا عاليًا عن هذه السفاسف، منصرفًا إلى مكارم الأخلاق، وإلى الخير المحض، حتى أطلقوا عليه فيما بينهم "الأمين".. وكذلك يجتبي الله تعالى رسله، ويصطفي إليه من يشاء من عباده، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم..

***

(4) الإسراج والمعراج

نحمد الله تبارك وتعالى، ونصلى ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، نحمد الله تبارك وتعالى على تهيئة هذه الفرصة التي اجتمعنا فيها، لإحياء ذكرى جليلة ومحببة إلى القلوب، تلك هي ذكرى الإسراء والمعراج، توافينا كل عام في مثل هذا الشهر الفاضل رجب الفرد، وهو شهر مبارك، وأوقاته تشريفات ربانية، من كان محسنًا زاده الله إحسانًا فيه، ومن كان مسيئًا فتح له باب القبول في هذا الشهر المبروك. في سعةٍ وكرم.

 

ولن نتناول هنا قصة الإسراء والمعراج بالشرح والتفصيل، فكلكم تسمعون عنها وتقرءون، وإنما هي نظرات سريعة، فالإسراء رحلة قام بها النبي- صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج رحلة سماوية، قام بها صلى الله عليه وسلم من المسجد الأقصى إلى السموات العلى.

 

الرحلتان كانتا في ليلةٍ واحدة، وباشرها الرسول الكريم كإنسانٍ كامل، وقد أشار القرآن إلى القصة في سورة الإسراء، وبعض الناس يقف عند القصة وقفة تأمل أو تردد، فيسأل: هل تتفق القصة ونواميس الله في خلقه، فيكون هناك إنسان خلق من لحمٍ ودمٍ ويحتاج لكل المقومات المادية، ثم يصعد إلى السموات، مع أننا نعلم تخلخل الهواء في مكانٍ معلوم، وفقدان الأوكسجين في نقطةٍ معلومة؟، كنا نقول لهؤلاء، هي قدرة الله تعالى، وسعت كل شيء فهو أمرٌ ممكن لا يستحيل على قدرته تعالى، ولكن، هل أحطتم بكل العلم شاردة وواردة؟، الواقع أيها الإخوان أنَّ العلم الحديث قد كشف تعليل ذلك في أن الإنسان فيه عنصرٌ آخرٌ غير عناصر المادة، ذلك هو العنصر النفساني، الذي يطلق عليه عالم الروح والنفس، ولو كان العلم لم يصل بعد لحقيقة، فإنه قد وصل إلى أنَّ الروحَ لها من القدرة على الجسم ما تستطيع به أن تُؤثِّر عليه وتحتجزه فتخضعه لقوانينها، لا لقوانين المادة، والواقع أن بعض الحوادث تُفسِّر لنا ذلك.. فهناك بعض من صوفية الهند يستطيع أن يتحكَّم في جسمه بقوةِ روحه، ويمكث أسبوعًا، وعندنا التنويم المغناطيسي، الذي يجعل الروح تسيطر على الجسم، فإذا هو عيون ترى.

 

فالذي حدث في قصة الإسراء والمعراج، أنَّ الله تعالى أفاض على نبيه الكريم قوة روحية عظمى، تحكَّمت في جسمه وسيطرت عليه، وليس معنى هذا أنه أسرى بالجسم دون الروح، وإنما أسرى بالروح والجسم، وبعض الناس يتساءلون: ما حكمة الإسراء والمعراج؟.

 

وأعتقد أن الإسراء والمعراج مادة أساسية في منهاج التربية الإلهية، ذلك أنَّ الله تعالى أعد رسوله الكريم ليكون سيد المربين والمعلمين، فلا بد أن يكون بمنزلةٍ من العلم تفوق أي منزلةٍ سواها من منازلِ البشر، ولهذا طاف الله به في السموات ليكون إيمانه رؤية ومشاهدة، وليس إيمانا نظريًّا.

 

وهناك حكمة أخرى، فيها سمو القدر وجلال المنزلة، فالحق تبارك وتعالى قد فرض الصلاة على المسلمين ليلة الإسراء والمعراج، ولم ينشأ فرضها عن طريق الوحي، كغيرها من الفرائض، وإنما استدعى نبيه الكريم، ليبين للناسِ أنَّ الصلاةَ جليلةُ القدر، عظيمةُ المكانة، وأنها مادة أساسية في منهاج التربية الإسلامية، فهي نظافة ونشاط وصحة وعلم وأخلاق.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..

***

الإسراء والمعراج- 2

نحمد الله تبارك وتعالى، ونُصلي ونُسلِّم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَن دعا بدعوته إلى يوم الدين.أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته،

 

أظنكم قد أعلنتم أنَّ حديث الثلاثاء يكون في الإسراء والمعراج، وهو موضوع لا يُعالجه الإخوان كقصة، وإنما كعبرةٍ وعظةٍ من جانب، وكدافعٍ للعمل من جانبٍ آخر، وحسبنا فيه كقصة ما جاء بها القرآن الكريم، أن الله تبارك وتعالى قال في الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)﴾.

 

ففي هذه الآية التصريح بالإسراء، ومن لطائفها ذكر المسجد الأقصى مع أنَّ المسجدَ الأقصى لم يكن مسجدًا اصطلاحًا، بل معبدًا، فإطلاق الله تعالى عليه مسجدًا فيه حافز للمسلمين ليفتحوا هذا المسجد، وليتولوا على هذه البقعة المباركة، ويناضلوا عنها، ويحافظوا عليها، حتى لا يخرج من أيديهم، وفيه بشارة بأنه سيكون مسجدًا؛ لأنه سيظل كذلك ولو كره الكافرين، وجزى الله تعالى ضيف مصر العظيم، سماحة المفتى الأكبر الذي تعرَّض لسفكِ دمه مراتٍ كثيرة ليظل المسجد الأقصى مسجدًا، ولقد عرض عليه اليهود نصف مليون جنيه ليتنازل عن ثلاثة عشر مترًا في المسجد الأقصى فأجاب في إيمان الواثق: "والله لو جمعتم مال اليهود في العالم ما تركتُ لكم نصف متر".

 

الواقع أنها معجزات الإسلام، وأسباب من أسباب الصيانة أن يسخر الله أمثال سماحة المفتى لمثل هذه المواقف العظيمة.

 

وكما أشار الله تبارك وتعالى إلى الإسراء، أشار إلى المعراج، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾ (النجم).

 

والذي يعنينا من الإسراء والمعراج أن كثيرًا من الناس يزعم أنَّ الإسراءَ والمعراجَ مصادمةٌ للنواميس الكونية، فإن انتقال إنسان من مكان إلى مكان بينهما هذه المسافة البعيدة محال في العادة، ويا ليتهم وقفوا عند هذا الحد، بل قالوا: إنه عُرج إلى السماء، فكيف إذن يتنفس؟، وظلوا يتشككون فترات طويلة، وأسلافنا رضي الله عنهم لهم جواب، ولا يزالون يقولون به في مثل هذا الموضع إنها معجزة خارقة للعادة، وقدرة الله تعالى صالحة، وذلك سنن للمؤمنين، ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾ (الانفطار).

 

بل نقول لهؤلاء المتشككين: تعالوا نُفكِّر قليلاً، هل أدركتم سنن الكون جميعًا ؟ إنكم تقرون بأنكم لم تدركوا كل قوى الكون ولم تحيطوا علمًا بنواميس الطبيعة، فافرضوا هذا مما غاب عنكم علمه، ولم يصل إلى مدارككم فهمه، ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (الإسراء: من الآية 85).

 

ولو استعرضتم تاريخ الكشوف العلمية، لتذكرتم كيف قوبل كل كشف منها بالجهود والنكران، ثم نزل العقل الإنساني بعد ذلك على حكم الواقع بعد الإنكار والجحود.

 

ونقول لهم كذلك: لقد أثبت العلم التجريبي الذي تعتمدون عليه، أنَّ القوةَ النفسانيةَ تستطيع أن تؤثر في الأجسام المادية، فتنتقلها من مكانٍ إلى مكان، وترتفع بها عن سطحِ الأرض، فإذا استطاع إنسان بقوته النفسانية أن يفعل ذلك، وأن يأتي بهذه الأعاجيب، فهل يكون بعيدًا على الله تعالى أن يمد نبيه بالقوة الروحانية التي استولت على جسمه الشريف، فصار الجسم روحانيًّا محضًا، فاخترق هذا الجسم الروحاني تلك المادة لأنه خرج من نطاق المادة إلى نطاق الروحية، ورحم الله شوقي إذ يقول:

بهما سريت بمظهرين كلاهما   روح وروحانية وضياء

 

وقالوا: إن موسى عليه السلام بعد أن انتهت معه فترة كلام العلي الأعلى، كان يسمع دبيب النملة من أربعة فراسخ!، فما بالكم به في حالةِ التجلي، فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تجلَّى الله تعالى عليه بالروحانية، ما استطاع أن يخترق تلك الحجب المادية، فالروح في هذه الليلة هي صاحبة السيطرة على المعاني البدنية.

 

هذا، وهناك نظرة أخرى تعنينا، هي حكمة الإسراء والمعراج، يسأل بعض الناس: ما الحكمة في الإسراء والمعراج؟

كان أسلافنا- رضي الله عنهم- يقولون في الردِّ على هذا: أراد الله أن يُكرِّم نبيه صلى الله عليه وسلم، فدعاه، فكشف له عن ملكوت السموات والأرض.

ملك الملوك إذا وهب   لا تسألن عن السبب

 

ونحن نقول: إن الإسراء والمعراج أمر لازم لتكوينه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تعالى بعثه ليكون سيد المؤمنين، وأستاذ الأستاذين، وجعله النبع الصافي ومشرق النور، نور العلم والهداية للوجود، فالدينامو الذي يمد الدنيا بأسرها، يجب أن يُشحَن بأكبر قدرٍ من العلم والإيمان، أوما يكون العلم والإيمان إذ كان عن مشاهدة، لذا أطلعه الله على أسرارِ ملكوت السموات والأرض، ليكون من الموقنين فآمن إيمان شهود، وعلم علم يقين، ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (النساء: من الآية 113).

 

وإذا كان إبراهيم عليه السلام أراه الله ملكوت السموات والأرض، فإنَّ الله تعالى أرى نبيه صلى الله عليه وسلم ذلك الملكوت ليكون من الموقنين، وبصورةٍ وأوقع أتم مما رأى إبراهيم، إذ كان صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، ومصدر الهداية لأهل الأرض أجمعين، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)﴾ (الفرقان) هذه واحدة.

 

والثانية: أنه قد فرضت في هذه الرحلة المباركة فريضة الصلاة، وذلك إعلانًا بعظيم منزلتها فقد أزاد الله تعالى أن يشعره بعلو قدرها، فقررها من فوق سبع سموات، ليكون ذلك إيذانًا بقوتها وعظيم فضلها، وإلفاتًا لأنظار الناس بعلو شأنها، مَن أقامها فقد أقام الدين.

 

وهناك معنى ثالث، للعبرة: هو أنَّ الله تعالى كأنه قال لهذه الأمة: أيتها الأمة التي لم يرضَ لنبيها إلا مطالعة هذه العوالم تشريفًا للقدرة، لا تكون في ذيل الأمم، ولا ترضى بالدون، ولكن إلا العلا دائمًا، ولا تظني أن التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في شيء دون شيء، بل في كل شيء، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب: من الآية 21).

 

والله نسأل أن يعيد لهذه الأمة مجدها وعزها، إنه تعالى أكرم مسئول، وأفضل مأمول،
وصلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم.

***

(5) في رحاب المدينة المنورة- 1

تنويه: أقام الإخوان المسلمون عدة لقاءات في موسم الحج بالمدينة بالمنورة كان لهم فيها صوت مسموع وأثر بارز، وألقى فيها الإمام المرشد حسن البنا هذه الكلمات القيمة الطيبة،
نحمد الله تبارك وتعالى، ونصلى وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.

 

أيها الإخوان الفضلاء، أحييكم بتحية الإسلام، تحيةً من عند الله مباركة طبية، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

 

وبعد، فما أحب اللقاء بكم في رحاب المدينة المنورة بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترابها بركة، وهواؤها بركة، وسماؤها بركة، وكل ما فيها بركة، بل هي منبع البركة والخير والنور.

 

أيها الإخوان، لقد جئنا للتعرف بكم، ولجمع الكلمة التي دعا إليها القرآن الكريم، وإني أريد أن ألفت نظركم إلى أن هذا الدين الحنيف قد أنقذنا من ظلماتِ الجهل إلى نورِ الهداية والمعرفة،
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)﴾ (المائدة).

 

كان العالم في حيرة، نشأ على فسادٍ من العقيدة، وظلمة من الجهل، فبنى على غير أساس، وعمل على هير هدى، فجاء الإسلام ينير له الطريق السوي، ويهديه إلى سواء السبيل،
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ (التوبة: من الآية 109).

 

جاء الإسلام فوضع قواعد، جعلها الأسس القوية في بناء الإسلام وهي سبعة وإني أريد أن أضع أيديكم عليها:

القاعدة الأولى- أيها الإخوة- هي "الإيمان":

وكلما كان الإيمان قويًّا، وقويت شوكتنا كان النصر حليفنا، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: من الآية 47)، ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)﴾، ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125)﴾ (آل عمران).

 

وإذا تركَّز الإيمان القوي في قلوبنا، هانت عليها كل المصاعب، ولقد خرج موسى- على نبينا وعليه الصلاة والسلام – بقومه وهم قلائل، وأركم فرعون وجنوده، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61)﴾ (الشعراء).

ولكن موسى وقد امتلأ قلبه بالإيمان قال: ﴿إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وليكن الإيمان القوي سلاحًا.

 

وهذا-  أيها الإخوان - رسولنا صلى الله عليه وسلم، حينما كان في الغار، وقد حزن عليه أبو بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه-، إشفاقًا عليه، قال له عليه الصلاة والسلام - وهو المثل الكامل في قوة الإيمان: "ما ظنك باثنين الله ثالثهما"، ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، فأنزل الله تبارك وتعالى هذه العظة العظيمة: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)﴾.

 

وقد يقال اليوم: إن هؤلاء أنبياء، فأين نحن منهم الآن؟، فأقول: إن الله تبارك وتعالى كما أكرم الرسل يكرم أتباعهم ومن اقتفى آثارهم، فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم لما: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾ (آل عمران).

 

بل إنَّ الله تبارك وتعالى قد عمم ذلك، فقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (51)﴾ (غافر).

والقاعدة الثانية-  أيها الإخوة- هي "العلم":

والعلم تسعد به الأمم وترتقي إلى مدارج العلا، ولا نهضةَ للأمةِ بغيره، وما ساد الكفار إلا بالعلم، وما تأخرنا إلا من ناحيةِ الجهل، فالعلم والجهل لا يستويان: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: "أيكم يحب أن يغدوإلى بطحان أو إلى العتيق فيجد ناقة سمينة فيأتي بها بغير إثمٍ ولا جزيرة؟ قالوا: كلنا يا رسول الله يحب، فقال: لأن يغدو أحدكم إلى المسجد فيتعلَّم آية من كتابِ الله خير له من ناقة، واثنان خير من ناقتين، وثلاث خير من ثلاث، وهكذا بأعداد من الإبل".

 

أيها الإخوة، وإني أريد العلم بنوعيه الديني والدنيوي، بل متى كانت الأمة في حاجةٍ إلى العلم الدنيوي، كان طلبه فرضًا كفائيًّا عليها، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنْ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27) وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.

 

ويُحكى أنَّ رجلاً جهَّز ولدًا بمالٍ ليتجر به، وأراد بذلك أن يعده للمستقبل، فلما خرج رأى في طريقه ثعلبًا قد عجز عن جلبِ قوته، ففكر من أين يأكل هذا الثعلب؟، وإذا به يرى أسدًا وقد جاء بفريسة فأكل منها حتى شبع، ثم رمى بما بقي للثعلب، فأكل منها، فقال ذلك الشاب في نفسه: ولِمَ أُتعب نفسي وأنَّ الله تكفَّل بالرزق للعباد؟، فلما رجع إلى أبيه ولم يأت بشيء مما قصده والده، حكى له رأى، فقال أبوه: "أردتك سبعًا تأكل من سعيك الثعالب، لا ثعلبًا تأكل من فتات السباع".

 

أما القاعدة الثالثة– أيها الإخوان- فهي "المال":

والمال زينة الدنيا، وهو عصب الحياة وعدة الأمم، قال الله تعالى:- ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (النساء: من الآية 5)، فيجب على الأفراد والأمم أن تسعى لاغتنائها من طريق الكسب والاحتراف، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون عالة على غيره، يتكفف أيدي الناس، فإن اليد العليا خير من اليد السفلي، وقد أمر الله تعالى بالسعي فقال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (الملك: من الآية 15).

 

وكان الصحابة رضوان الله عليهم فقراء، فأغناهم الله، وفتح لهم كنوز كسرى وقيصر والروم، وليس الزهد أن تترك الدنيا في يد الكفار يتمتعون بها وأنت محروم منها، معللاً ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدنيا ملعونة ملعون ما فيها"، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها جرعة ماء"، بل حقيقة الزهد يا أخي أن تملك الدنيا حتى يستوي عندك الذهب والتراب، فتنفق في سبيل الله عن سعةٍ من غير تطلع إلى ما أنفقت، ولا إشرافَ نفس له، بشرط أن يكون كسبك من حلال، قال صلى الله عليه وسلم لعمروبن العاص: "يا عمرو نعم المال الصالح للرجل الصالح"، ودخل عبد الرحمن بن عوف على عائشة أم المؤمنين- رضي الله تعالى عنها- فقالت مداعبةً: "يا عبد الرحمن، أراك ستدخل الجنة حبوًا، وستتخلف عن أصحابك لكثرةِ أموالك وحسابك"، فقال: "والله إن شئت لأدخلها عدوًا" فقالت: "وكيف؟ قال: أسمعت بقافلة مصر؟ قالت: نعم، قال: كلها صدقة للفقراء والمساكين، فقالت: إذن ستدخلها عدوًا".. فلا تترك الدنيا يا أخي زهدًا فيها وتتركها لغيرك من الكفار يتمتع بها ويحاربك بها.

 

والقاعدة الرابعة- "الصحة":

الصحة تاج تجعله على رأسك لا يعرفه إلا من حرم منها، والقوة والعافية من زينة الإنسان، ففكر في كل ذلك؛ لأن النبي- صلى الله عليه وسلم- قد سن لنا ذلك ووضع لذلك قانونًا فقال: "إن لبدنك عليك حقًّا"، وكان صلى الله عليه وسلم سيد الأصحاب والأقوياء، يصارع العشرة فيغلبهم، وقد أشار القرآن إلى القوة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾، وكان صلى الله عليه وسلم يسأل الله العافية في الدنيا والآخرة، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم عافني في بدني، اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري"، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبةِ الدين وقهر الرجال"، فشرح للأمة الإسلامية كيف تحافظ على صحتها وقوتها.

 

والقاعدة الخامسة- أيها الإخوان هي "القوة الجهادية":

وهي في الحقيقة الاستعداد والتهيؤ لمقابلة العدو، وقد جعل الله الجهاد فريضة علينا، وجعله ذروة سنام الإسلام، فقال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم مرغبًا في الجهاد: "وددت أن أقتل ثم أحيا ثم أقتل" قالها ثلاثًا، وقال صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبد الله- وقد قُتل أبوه شهيدًا-: "يا جابر ما فعل الله بأبيك؟ فقال: الله ورسوله أعلم، قال: "أوقفه بين يديه فسأل الله أن يعيده إلى الدنيا ثم يجاهد فيقتل لما رأي"، أيها الإخوان، لقد كان الجهاد أمنية عزيزة لا زالت في نفوسهم حتى وصلوا إليها وضحوا في سبيلها ما عزَّ عليهم، وفي باب الفقه وضع الفقهاء بابًا سموه "باب الجهاد"، ويقول الخبيرون: إن من كان في يده مفاتيح البحار كان معه النصر، وقد كان أسرفنا في ذلك، فقد كان في أيديهم جبل طارق، والسويس، وغالمبولي، وسنغافورة، وباب المندب وما إليها من البواغيز.

 

والقاعدة السادسة- هي "العزة والكرامة":

فالعزة من أخص صفات المؤمن، ومن مميزاته، وكان المؤمنون بها خير أمة أخرجت للناس، قال صلوات الله وسلامه عليه "مَن أعطى الذلة من نفسه طائعًا غير مكره فليس مني"، فالرسول صلى الله عليه وسلم يعجبه من أمنته العزة والكرامة.

 

أما القاعدة - فهي "العدل":

والعدل أن يتسع صدرك، فتعدل مع نفسك، ومع إخوانك، ومع الناس أجمعين.
وهذا أيها الإخوان هو الصراط المستقيم، ويعجبني ما قاله بعضهم من أنَّ الناس ثلاثة أقسام:
قسم: طلبوا الحق فعرفوه ولكن انحرفوا عنه، وقسم طلبوا الحق فلم يصلوا إليه، وقسم: طلبوا الحق فوجدوه واستقاموا عليه، فالقسم الأول هالك، والقسم الثاني معذور، والقاسم الثالث ناج بإذن الله.

أقول قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم،

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

*****

(6) في رحاب المدينة المنورة- 2

تنويه:

نظَّم الإخوان المسلمون لقاء بمدرسة العلوم الشرعية بالمدينة المنورة، ضم مجموعةً كبيرةً من الإخوان إلى جانب زوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وألقى فيه الإمام المرشد حسن النبا هذه الكلمة:

 

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسوالله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومَن دعا بدعوته وجاهد في سبيل شريعته إلى يوم الدين، وبعد،
أيها الإخوان الكرام، من حقكم علينا، وقد لبيتم الدعوة واستعدتمونا بهذا الشعور الفياض، وهذه الأريحية الكريمة، من حقكم علينا أن نستجيب لهذه الحفاوة بما يفتح به الله علينا، ونستفتح بالذي هو خير، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

 

إن هذه ساعة كريمة، نتحدث فيها بكلامٍ كريمٍ من كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، في آثار حبيبه صلى الله عليه وسلم، نسأل الله تعالى أن يجعله عملاً مقبولاً، ويكتب لنا ولكم أجره وثوابه، فإنه اجتماع على طاعة الله والحب فيه، قال تعالى في الحديث القدسي "وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ، اليوم أظلهم بجلالي يوم لا ظل إلا ظلي".

 

وها أنتم أولاء أيها الإخوة قد اجتمعتم من بلدان مختلفة ومن أقطار بعيدة يحدوكم الحب، وتجمعكم طاعة الله تبارك وتعالى، وطلب رضوانه جل شأنه، اجتمعتم أيها الإخوة في أرض طيبة، في الحرم النبوي، وقد أتاح لكم فرصة التعارف والتآلف والعلم للوحدة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ من عباد الله أُناسًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة لمكانهم من الله، قالوا: يا رسول الله تخبرنا مَن هو؟، قال: هم قوم تحابوا بروح الله على غير أرحامٍ بينهم ولا أموالٍ يتعاطونها، فوالله إنَّ وجههم لنور وإنهم لعلى نور، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس" ثم قرأ هذه الآية: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

 

أيها الإخوة، لقد اجتمعنا في هذا المكان على غيرِ أرحامٍ أو حتى تعارفٍ سابق، وما جمعنا إلا العقيدة والأخوة في الإسلام، وإلا الحق، إنَّ هذا الاجتماع اجتماعٌ للتعارف الذي دعا إليه القرآن الكريم بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13).. اجتمعنا لنتذاكر في الحق، ونتواصى به ونعمل عليه، نسأل الله تعالى أن يوفقنا للمساهمة فيه.

 

أيها الإخوة، خطر لي أن أسعد بكم في هذا الاجتماع، وفي تلك الليلة العظيمة، وفي هذه المدينة المباركة؛ لأنَّ ذلك هو الواجب، أننا الآن نستقبل عامًا جديدًا، ونُودع عامًا ماضيًا، ومن حق الماضي علينا أن نذكر فيه أعمالنا، ونحاسب فيه نفوسنا، فإن وجدنا خيرًا حمدنا الله تعالى، وإن وجدنا دون ذلك استغفرناه، ومن حق الحاضر أن نستقبله بعملٍ جديدٍ وبخطط جديدة، فيها نفع للإسلام والمسلمين، وهل هناك موضع أولى بالذكرى من المدينة، مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومهبط الوحي، ومأوى الأنصار والمهاجرين، هذا معنى يُوحي إليَّ كثيرًا من الذكريات، وتذكرني أيها الإخوة هذه المناسبة بذلك الحادث العظيم العميق الأثر، وهو حادث الهجرة، فنحن اليوم نستقبل عامًا جديدًا من أعوامها، فنتذكر ذلك الشعور الفياض، وتلك النفوس الكريمة، وقد صدقت في بلائها وجهادها وعملها.

 

حضرات الإخوان، إنَّ الناس رجلان:

رجلٌ لم يُدرك سر الوجود، ولم يتبين وظيفته في الحياة، إن سألناه: لِمَ خُلقت؟ وماذا صنعت؟ ولِمَ وُجدت؟ قال لك: دعني، فأني عنك مشغول، فهو لا يدري شيئًا في الحياة، مثله كمثل الشجرة العقيمة التي لا تُثمر، شجرة لا ثمرَ لها ولا خيرَ فيها إلا الوقود للنار، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ (179)﴾ (الأعراف).. ولحكمةٍ لا يعلمها إلا الله، إنَّ هذا الصنف ليس بالقليل، ولكنه كثير.

 

وصنفٌ آخر أراد أن يتبين سرَّ الوجود، ويعرف مهمته في الحياة فأقبل على العملِ بنفسٍ راضيةٍ وقلبٍ منشرحٍ، وفي كلا الصنفين قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ (17)﴾ (آل عمران).

 

فالصنف الأول، أخطأ الطريق، وضلَّ ضلالاً بعيدًا، والصنف الثاني أنار الله تعالى بصيرته، فأشرقت مصابيح الهداية في طريقه، وعلم أنَّ متعةَ الآخرةِ لا تعدلها متعة الحياة الدنيا، عرف الحق وعرف وظيفة الحياة، وهي الإقبال على الله بكليته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات)، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50)﴾ (الذاريات)، ولقد فروا إلى الله تعالى بقلوبهم وأحاسيسهم، وجعلوا أعمالهم خالصةً لله ولوجهه الكريم.

 

أيها الإخوة، لذلك أحب ونحن في مستقبل عامٍ جديد، نُودع العام الماضي أحب أن نقف بينهما وقفةً مدققة، وقفةَ المدقق المعبر.

 

في أول السنة الدراسية من المعتاد أن نوزع على التلاميذ الكراسات الجديدة، وبالطبع تكون نظيفة، وهنا يهتم المدرس بملاحظة الكراسات وخلوها من الإتلاف، ويأمر التلاميذ بقيد ما وجب عليهم فيها، ويضع العقاب لكل تلميذٍ يهمل في أداءِ واجبه.

 

ونحن الآن بين أيدينا كراسة جديدة، عددها ثلاثمائة وستون ورقة، وسنكتب فيها كل يوم ورقة، فيجب أن تكون كراستنا نظيفة، فإنَّ المعلمَ دقيق، وإنَّ الناقدَ بصير، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.. ﴿إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ (ق)، ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)﴾ (الإسراء)، هذا المعنى- أيها الإخوان- من معاني التذكرة، وأنَّ النظامَ الوضعي لا تجوز فيه عمليات الشطب والمحو، ولكنَّ الله تعالى كريمٌ، يُحبُّ العفو، رحيم بعباده، يجازي التائبين على توبتهم متى أخلصوا فيها، ولم يصروا على ما فعلوا.. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)﴾ (آل عمران)، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)﴾ (الشورى).

 

أيها الإخوة، وإن أردتم أن تُعيدوا نظرةً على الماضي، فالنظرة أن تحاسبوا أنفسكم فيما عملتم من خيرٍ وشر، فاحمدوا الله على الخير.

 

وتوبوا إلى الله من الشر، فردوا الحقوق إلى أصحابها، وتوبوا إلى الله من تقصيركم في حقه، أما النظرة إلى الحاضر، فبالعزم على عدم فعل الذنوب واقتراف المعاصي، وبالعزم على فعل الطاعة والخير.

 

وإني أحب أن نمر مرورًا سريعًا على بعضِ المواقف البارزة، وعلى الحوادث المهمة التي تُفيدنا في حياتنا العملية، ومن أهم هذه الحوادث، حادث الهجرة، الحادث السعيد، حادث كله دروس وعبر وعظات، ولو أخذ المسلمون ببعضِ ما فيها لظلوا سادة الناس، فإنَّ هجرته- صلى الله عليه وسلم- كانت فاصلاً بين عملين من أعماله صلى الله عليه وسلم؛ العمل الأول هو الإصلاح الفردي بمكة، والعمل الثاني هو الإصلاح الجماعي بالمدينة، والمشركون يحاربون دعوته، ويقاومون، ويقومون عقبةً في سبيل نشر الدعوة، ولكن يأبى الله تبارك وتعالى إلا أن يكون من هؤلاء المؤمنين خير أمة أخرجت للناس.

 

أما في المدينة، فكان الأمر على خلاف ذلك، فقد بنى الرسول- صلى الله عليه وسلم- من هذه اللبنات أمة عظيمة، بعد أن كوَّن أفرادها تكوينًا صحيحًا، وبني هذه النفوس على صفتين، وكوَّنها على لونين، إيمانٌ عجيبٌ في قلوبٍ عجيبة، أفيض عليها من لدن الحق تبارك وتعالى بما نزل به الروح الأمين: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)﴾ (النمل).

 

إيمان بالله الذي لا يُقهر، وإيمان بكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإيمان بالنبي- صلى الله عليه وسلم-، وقد بلَّغ الرسالة، فكان إيمانًا عجيبًا حقًّا عند هذا السلف الصالح، كانوا يعبدون الأصنام فحطموها، وكانوا يشربون الخمر فأراقوها، وكانوا يتخاصمون فوحدهم إيمانهم، لقد تربوا من جديدٍ بعد أن تجاوزوا وقت التربية، ولكن الإيمان إذا حل في القلب هُدِيَ إلى صراطٍ مستقيم، لم يخرجوا من مكةَ كراهيةً فيها، ولكن نصرةً لدين الله، ونشرًا لدعوة رسوله الله صلى الله عليه وسلم.

 

ولا أريد – أيها الإخوة – أن أستقصي تطورات هذه النفوس، ولكن أريد أن أستخلص هذه النفس الكريمة، وأن أبين أنها لم تأسف على شيء في سبيل نصرةِ النبي صلى الله عليه وسلم، لقد حملوا الدعوةَ حملاً كريمًا، ونشروا الدين، دين الله نشرًا حكيمًا، فلم يكن لهم هو إلا تبليغ الرسالة، وقال الله تعالى فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (64)﴾ (الأنفال)، لقد التقى رستم قائد الفرس بعربي من طلائع جيش المسلمين فقال له: ما الذي أخرجكم من دياركم، فقال العربي المسلم: ما لهذه الدنيا خرجنا، بل كنا ضعفاء فقوانا الله، وكنا ضالين فهدانا الله، وأمرنا أن نُبلِّغ الرسالة، فإن دخلتَ فيما دخلنا، فنحن وأنتم سواء، وإلا فالسيف بيننا وبينكم"، فقال رستم: أنظر إلى هذه الجيوش، فنظر الرجل ساخرًا ثم قال : يا هذا، إنك لا تحارب الناس، ولكنك تحارب القدر، فنحن قدر الله، سلَّطنا الله عليك".

 

أيها الإخوة، ولو أن معنا بعض هذا الإيمان لاستطعنا أن نجدد فينا الحياة، وأن نحل مصاعب هذه الحياة، سُجن أحد الصالحين في قلعةٍ بمصر، فدخل عليه بعضُ تلامذته يتألمون من حالته، فقال لهم: سجني جنتي، وقتلي شهادة.

 

فانظر يا أخي كيف ترى هذه النفس الكريمة السجن مغنمًا، إذن لا بد من الإيمان، والصبر، والصدق، والوفاء، والوحدة، والحب، والإيثار، فإنَّ هذه الأخلاق الكريمة هي التي بُني عليها الإسلام، وهي التي بُني عليها المجتمع الإسلامي..﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾ (الحشر).

 

أيها الإخوة، أنني أتصور المدينة، وقد نزلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل منها ثكنة عسكرية، فإذا النساء والرجال حول القلعة الواحدة، تتحرك حركة واحدة، يتدربون كل يوم خمس مرات حين يسمعون أذان ابن أم مكتوم، تجد فيهم وحدة العمل، ووحدة الكلمة، فإذا ما اختلفوا في أمر، نزل القرآن للفصل بينهم: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)﴾ (المجادلة).

 

إلى هذه الدرجة– أيها الإخوة– كانت صلة المجتمع بعضه ببعض يخضع الناس لهذا النظام، فيألفون هذا النظام، حبًّا في النظام، وفي واضعِ هذا النظام، فجزاهم الله عن الإسلامِ والمسلمين خير الجزاء.

وفقنا الله وإياكم للعملِ بما عملوا، إنه تعالى سميع مجيب الدعاء،
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

التعليقات