الوحدة الإسلامية في فكر ومشروع الإمام البنا (2- 2)

الوحدة الإسلامية في فكر ومشروع الإمام البنا (2- 2)

 

بقلم: أحمد التلاوي*

بعد أنْ تمَّ تحديد العوامل التي أدَّت إلى وضع قضية الوحدة الإسلاميَّة على رأس غايات المشروع الدعوي والسياسي لجماعة الإخوان المسلمين لدى تأسيسها على يد الإمام الشهيد حسن البنا، وكذلك الأصول الفقهيَّة والنظريَّة لقضية الوحدة والاختلاف في السُّنَنِ الكونيَّة والكيفيَّة التي فصَّل بها القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة المطهرة لهذه القضية، وموضعها من مسألة التكامل الإنساني، ننتقل إلى مناقشة طبيعة قضيَّة الوحدة الإسلاميَّة في فكر الإمام البنا من جهة الكيفيَّة التي تناولها بها الإمام الشهيد- رحمه الله- والجوانب المختلفة للوحدة ما بين المسلمين ما بين السياسي والفقهي والتطبيقي.

 

ومبدئيًّا نقرر إنَّ مشروع الوحدة الإسلاميَّة لدى الإمام البنا قد اتسم بعددٍ من السمات التي أهلته بالفعل ليكون المشروع الأكثر شمولاً وأهميَّة في غضون المائة عام الأخيرة التي تلت الانهيار الفعلي لدولة الخلافة العثمانيَّة في مطلع القرن العشرين مع ظهور الحركات الطُّورانيَّة والتركمانيَّة القوميَّة بزعامة مدحت باشا والتي وجدت في حزب الاتحاد والترقِّي الذي تأسَّس في العام 1907م رمزٌ وتجمُّع سياسي يساعدها على تحقيق مشروعاتها القوميَّة الضيقة في تركيا، حتى من قبل ظهور مصطفى كمال أتاتورك ومشروعه العلماني في تركيا مُنذ سنوات الحرب العالمية الأولى.

 

وكان من أبرز مؤشرات أسبقيَّة مشروع الوحدة الإسلامية في فكر البنا وحراكه الدعوي والسياسي العام هو اهتمامه الكبير بقضيَّة التقريب بين المذاهب الإسلاميَّة في وقتٍ مبكرٍ جدًا لإثارة هذا الملف في الساحة الإسلاميَّة؛ فوفق ما ذكره الدكتور أحمد عبد الرحمن أستاذ علم الأخلاق بالجامعات الإسلاميَّة في دراسة له بعنوان: "الشِّيعة والسُّنَّة.. اتفاق واختلاف" نشرها في شهر سبتمبر الماضي في جريدة (الشعب) فقد اشترك الإمام البنا في أواخر النصف الأول من القرن العشرين مع كلٍّ من الإمام الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الجامع الأزهر في ذلك الحين، والعلامة الشيخ محمود شلتوت، والشيخ العلامة تقي الدين القمِّي (وهو عالم وفقيه شيعي كبير من مدينة قِم الإيرانيَّة)، إضافةً إلى كلٍّ من المُجاهد الحاج أمين الحسيني مفتي فلسطين في ذلك الوقت, واللواء صالح حرب باشا رئيس جمعية الشبان المسلمين، ومحمد علي علوبة باشا في تأسيس جماعة للتقريب بين المذاهب في العام 1948م بالعاصمة المصريَّة القاهرة, وأصدروا مجلة خاصة بهذه القضايا تنقل فكرة التقريب بين المذاهب إلى جموع جمهور المسلمين.

 

أولاً: الوحدة في مراحل مشروع البنا

أولاً، ومن خلال مراجعة سريعة للروافد الأوليَّة لفكر الإمام الشهيد حسن البنا- مجموعة الرسائل وغيرها- فإنَّ قضية الوحدة الإسلاميَّة جاءت على قمة هرم أولويات عمل الجماعة، وكان هناك أكثر من مستوى للتنظير والتطبيق في هذا المقام لدى الإمام الشهيد.

 

فالإمام البنا رأى أنَّ قضية الوحدة لا تنطلق فقط من قناعات فكريَّة فحسب، ولا يمكن تحقيقها بوضع نظريات- مهما كانت شاملة أو ثريَّة- دون حراكٍ دَعَوي وسياسي فعلي على الأرض، يلتمس قوته من الفهم الإسلامي ويعترف في ذات الوقت بالمشكلات القائمة على طريق إعادة توحيد المسلمين، ويعمل على دراسة العِلَل الخاصة في صلب الدولة المسلمة الموحدة والتي أدَّت إلى انهيارها، ووضع البدائل المناسبة لعلاج هذه المشكلات، ثم الانطلاق نحو تحقيق الوحدة الإسلاميَّة.

 

وفي هذا الصدد يتقاطع مشروع الوحدة الإسلاميَّة مع مشروع الدولة الإسلاميَّة الذي طرحه الإمام البنا- رحمة الله عليه- لأنَّ مشروع الوحدة الإسلاميَّة- الذي هو المرحلة السادسة من مراحل الدعوة الإخوانيَّة- لن يكون له وجودٌ على أرض الواقع دون الوصول إلى الحكومة المسلمة التي تعمل على تأسيس الدولة الإسلاميَّة النواة التي تكون نموذجًا يُحْتَذَى لغيرها من الكيانات العربيَّة والإسلاميَّة.

 

وفي رسالته المعنونة: "إلى أي شيءٍ ندعو الناس" أوضح ذلك صراحةً، وقال في هذا الشأن أمام اجتماع رؤساء المناطق ومراكز الجهاد المنعقد بالقاهرة في 3 من شوال من العام 1364هـ، الموافق 8 سبتمبر من العام 1945م: "نرجو أنْ تقوم في مصر دولة مسلمة تحتضن دعوة الإسلام، وتجمع كلمة العرب وتعمل لخيرهم وتحمي المسلمين في أكنافِ الأرض من عدوان كل ذي عدوان، وتنشر كلمة الله وتبلغ رسالته، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله".

 

ومن ثمَّ تبدأ عملية إقامة وشائج الوحدة بين هذه الكيانات أو الدول- النواة، لتنتهي بإقامة الكيان الإسلامي الموحَّد- أيًّا كان شكله أو نظامه السِّياسي أو صورته ما بين نظام الخلافة أو نظم الحكم المستحدثة- الذي يؤطِّر إلى بدء المرحلة الأخيرة من المشروع الإخواني والخاص بأستاذيَّة العالم، عبر نشر الإسلام في مختلف ربوع الأرض، كغايةٍ عظمى لمشروع الإخوان المسلمين.

 

ومشروع الوحدة الإسلاميَّة للإمام البنا على النحو السابق إنَّما هو مشروع شامل له أطره التَّنظيريَّة والتَّطبيقيَّة.

 

وفي هذا الإطار ورسالة "التَّعاليم"- وهي واحدة من بواكير التَّنظيرات التي وضعها البنا- وضمن أركان البيعة؛ في ركن العمل وضع البنا الإطار النَّظري والحركي للوحدة الإسلاميَّة من أول درجات السلم وحتى تحقيقها.

 

وفي هذه الرسالة قال البنا إنَّ مراتب العمل المطلوبة من الأخ الصادق:

1- إصلاح نفسه: أي مرحلة الفرد المسلم الذي ينبغي له أنْ يكون: "قوي الجسم, متين الخُلُق, مثقَّف الفكر, قادرًا على الكسب, سليم العقيدة, صحيح العبادة, مجاهدًا لنفسه, حريصًا على وقته, منظَّمًا في شئونه, نافعًا لغيره".

 

2- تكوين البيت مسلم: أي مرحلة الأسرة المسلمة, وتقوم هذه المرحلة على أساس أنْ يحمل- ولم يقل البنا "أنْ يُجْبِر"- الفرد المسلم أو الأخ المسلم أهله على "احترام فكرته, والمحافظة على آداب الإسلام في مظاهر الحياة المنزليَّة, وحسن اختيار الزَّوجة, وتوقيفها على حقها وواجبها, وحُسْن تربية الأولاد والخدم، وتنشئتهم على مبادئ الإسلام.

 

3- إرشاد المجتمع: أي مرحلة تأسيس المجتمع المسلم "بنشر دعوة الخير فيه, ومحاربة الرذائل والمنكرات, وتشجيع الفضائل, والأمر بالمعروف, والمبادرة إلى فعل الخير, وكسب الرأي العام إلى جانب الفكرة الإسلاميَّة, وصبغ مظاهر الحياة العامة بها دائمًا"، هي مرحلة يبدأ فيها دور جماعة الإخوان المسلمين بجانب جهود الفرد المسلم ذاته.

 

4- تحرير الوطن "بتخليصه من كلِّ سلطان أجنبي- غير إسلامي- سياسي أو اقتصادي أو روحي".

 

5- إصلاح الحكومة حتى تكون إسلاميَّة, وهنا نقطة شديدة الأهميَّة في مشروع البنا والإخوان الإصلاحي فالبنا في دعوته لإقامة الركن أو المرحلة الخامسة من مشروع الإخوان المسلمين لم يدعُ إلى خلع الحكومات غير الإسلاميَّة القائمة أو تلك التي لا تنفذ تعاليم الإسلام الحنيف وأحكامه، بل دعا إلى إصلاحها "حتى تكون إسلاميَّة"، ومن هنا يمكن الجزم أنَّ المشروع الإخواني السياسي ليس مشروعًا انقلابيًّا بل إصلاحيًّا بالأساس.

 

وفي رسالة التعاليم قال البنا عن الحكومة الإسلاميَّة في الدولة المسلمة- التي هي بمثابة نواة للوحدة الإسلاميَّة الكُبرى- إنَّها يجب أنْ "تؤدِّي مهمَّتها كخادمٍ للأمة وأجير عندها وعامل على مصلحتها"، وحدَّد البنا شروط كون الحكومة إسلاميَّة بأنَّها "ما كان أعضاؤها مسلمين مؤدِّين لفرائض الإسلام، غير مُتجاهرين بعصيان, وكانت منفذة لأحكام الإسلام وتعاليمه"، وقال الإمام البنا إنَّه من صفات الحكومة الإسلاميَّة: "الشعور بالتبعيَّة للأمَّة, والشفقة على الرعيَّة, والعدالة بين الناس, والعفَّة عن المال العام والاقتصاد فيه"، ثمَّ حدد واجباتها على النحو التالي: "صيانة الأمن, وإنفاذ القانون, ونشر التعليم, وإعداد القوة, وحفظ الصحة, ورعاية المنافع العامة, وتنمية الثروة, وحراسة المال, وتقوية الأخلاق, ونشر الدعوة"، أمَّا حقوق الحكومة على الرعيَّة والتي ربط حصولها عليها بتأدية هذه الحكومة لواجباتها: "الولاء والطاعة, والمساعدة بالنفس والأموال"، فإذا قصَّرَت في أداء الواجبات السابقة فالنصح والإرشاد أولاً، ثم الخلع والإبعاد بعد ذلك.

 

6- هذه المرحلة هي تلك المعنيَّة بإعادة الهوية السياسيَّة الموحدة للأمة الإسلاميَّة، أو ما أسماه الإمام الشهيد بـ"إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلاميَّة, بتحرير أوطانها وإحياء مجدها وتقريب ثقافتها وجمع كلمتها, حتى يؤدى ذلك كله إلى إعادة الخلافة المفقودة والوحدة المنشودة" للمسلمين.

 

وهذه التَّراتبيَّة توضِّح أمرَيْن؛ أولهما أنَّ الطريق إلى الوحدة الإسلاميَّة طويل، وثاني هذه الأمور أنَّ هناك جهودًا عظيمة وأمورًا عديدةً مطلوبةٌ لتحقيق الوحدة بين المسلمين، أبسطها غرس هذه الفكرة في نفوس الغالبيَّة العظمى من أبناء الدعوة، لكونها فريضة واجبة الإنفاذ.
وفي صدد حديثه عن خطوات الإصلاح العملي على مختلف المستويات السياسيَّة والإداريَّة والقضائيَّة قال البنا إنَّ من أهم هذه الخطوات تقوية الروابط بين البلدان الإسلاميَّة, وبخاصة العربيَّة منها "تمهيدًا للتفكير الجدي العملي في شأن الخلافةِ الضائعة".

 

7- وأخيرًا مرحلة أستاذيَّة العالم عبر نشر الدعوة الإسلاميَّة في مختلف أقطاره، واستدل البنا على ذلك من القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ (سورة الأنفال: من الآية 39)، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة التوبة: من الآية 32).

 

وفي دعواه للوحدة الإسلاميَّة وأستاذيَّة العالم انطلق البنا من حقيقتَيْن أولاهما وحدة الأصل الإنساني، والثانيَّة أنَّ دعوة الإسلام الحنيف "ليست قاصرة على شعبٍ دون شعبٍ أو قُطرٍ دون قطرٍ؛ فإنَّ الله تعالى يقول لنبيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سورة سـبأ: الآية 28)، ويقول تعالى أيضًا ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (سورة الفرقان: الآية 1)، ويقول: ﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (سورة إبراهيم: من الآية 1)؛ وذلك أول أساس روحي وعملي وُضِعَ في هذه الأرض للوحدة العالميَّة التي يهتف بها الزعماء وتمهِّد لها المخترعات وتتجمَّع عليها أفكار الأرض وتتهيَّأ لها الشعوب والأمم في هذه الأيام".

 

وأكَّد الإمام البنا في رسائله المختلفة أنَّ الوحدة الإسلاميَّة هي مهمة كل فرد من جماعة المسلمين، كما أنها فريضة على الجماعة ذاتها؛ بحيث يجب عليها أنْ تقوم بجهودٍ فعَّالة في هذا الإطار.

 

ثانيًا: ملامح الوحدة في فكر الإمام البنا

لم يضع الإمام البنا- رحمه الله- مشروعًا نظريًّا أحادي الجانب للوحدة بين المسلمين، بل كانت هذه الوحدة ذات مستويات سواء في المناقشة أو في التنفيذ؛ فالإمام الشهيد قال إنَّ هناك وحدة أخلاقيَّة بين المسلمين، وهناك وحدة الفكر واللغة والدين بين جماعات المسلمين المختلفة، وهناك في نهاية المطاف الوحدة السياسيَّة بين مختلف القوميَّات والجماعات المسلمة في العالم، ولا يمكن للوحدة الإسلاميَّة أنْ تتمَّ بجانبٍ منها دون الآخر.

 

ومن هنا فإنَّ الوحدة الإسلاميَّة في مشروع جماعة الإخوان المسلمين له أبعادة المتعدِّدة؛ الأخلاقيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة الواجب العمل عليها وفي مختلف اتجاهاتها أولاً لكي يكون هناك بنية واضحة المعالم يمكن عن طريقها الحديث عن وحدة سياسيَّة بين الكيانات والدول الإسلاميَّة.

 

وأول مستويات الوحدة في فكر الإمام البنا هو وحدة الصف في المجتمعات المسلمة الصغيرة، أو ما أطلق عليه اسم "ركن الأخوة" في رسالة "التعاليم"، وفيها حدَّد البنا العقيدة الإسلاميَّة باعتبار أنَّها الرابط الذي يوحِّد جماعة المسلمين، بل إنَّه جعل الوحدة والأخوة بين المسلمين صنو الإيمان، محذِّرًا من جهةٍ أخرى من الفرقة وجعلها وجهًا من أوجهِ الكفر، وقال إنَّ الوحدة كما أنَّ العقيدة ركنها الرئيسي أكَّد أيضًا على أنها من أهم عناصر قوة الأمة.

 

وقال في هذا الصدد: "أريد بالأخوة: أنْ ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوَّة أخت الإيمان، والتفرُّق أخو الكفر، وأول القوة: قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب, وأقل الحب: سلامة الصدر, وأعلاه: مرتبة الإيثار, ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (سورة الحشر: الآية 9)"، وفي ذلك قال القرآن الكريم أيضًا ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا﴾ (سورة الشورى: الآية 13).

 

وفي ذات البُعد الأخلاقي والعقيدي لفكرة الوحدة لدى البنا، فإنَّ الإمام الشهيد جعل مشروعه للوحدة أيضًا عالميًّا بحديثه عن أستاذيَّة العالم كتطويرٍ لمسار الوحدة الإسلاميَّة، وكذلك جعل هذا المشروع إنسانيًّا مستلهمًا في هذا الإطار ما جاء به القرآن الكريم في صدد واحديَّة العقيدة السماويَّة ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ (سورة الصافات: الآية 4).

 

ويركز الإمام البنا في إحدى رسائله على واحديَّة الأصل الإنساني ودور الإسلام الحنيف في صدد تحقيق هذه الوحدة، فيقول: "سلك الإسلام إلى هذه الوحدة مسلكًا عجيبًا, فالمسلم يجب عليه أنْ يؤمن بكلِّ نبيٍّ سبق ويصدِّق بكلِّ كتابٍ نزل, ويحترم كلَّ شريعةٍ مضت, ويُثْنِي بالخير على كل أمةٍّ من المؤمنين خلت، والقرآن يفترض ذلك ويعلنه ويأمر به النبي وأصحابه: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (سورة البقرة: الآية 136).

 

وكما أنَّ الوحدة لها جوانبها الأخلاقيَّة والإنسانيَّة فلها جوانبها السِّياسيَّة التَّطبيقيَّة، فالإمام البنا- رحمه الله- عَمِدَ إلى الطواف بمختلف أرجاء العالم الإسلامي في الفترة القصيرة التي تلت تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في العام 1928م؛ بحيث لم يجئ العام 1933م إلا وكان للإخوان أتباع ومدارس في 50 دولة من دول العالم الإسلامي.

 

كما أنَّ الإمام البنا لم يكن قاصرًا في نظرته لقضيَّة الوحدة على المرحلة الكبرى في مشوار الدعوة الإخوانيَّة، والمتعلقة بإعادة إحياء دولة الخلافة الإسلاميَّة، بل إنَّه أيقن أنَّ الوحدة الكبرى لن تتحقق بمجتمعاتٍ منقسمةٍ كما هو الحال في غالبيَّة البلدان العربيَّة والإسلاميَّة، ولذلك عَمِدَ في رسائله- وخصوصًا "مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي" و"نحو النور" و"المؤتمر الخامس"- إلى تناول قضيَّة الاختلافات السياسيَّة والمذهبيَّة في داخل البلدان العربيَّة والإسلاميَّة؛ لأنَّه ومن المنطقي أنَّه لن تقوم للوحدة الكبرى قائمة إذا ما استمرت الأمور على ما هي عليه من تناحر وخلافاتٍ سياسيَّة وطائفيَّة داخل وبين البلدان العربيَّة والمسلمة.

 

ولذلك ناقش البنا قضايا عديدة بخلاف مسالة التقريب بين المذاهب الإسلاميَّة على النحو السابق الذكر، فهو يُشَرِّح قضية الوطنيَّة والقوميَّة في رسائله، وبينما يقرُّ بحقيقة وأهميَّة وجود التمايزات بين القوميات والوطنيات المختلفة في بلدان الأمَّة، واعتبار أنَّ ذلك التنوُّع من السُّنَنِ الإلهيَّة في خلق الإنسان والكون، وأنَّه أيضًا- أي هذا التَّنَوًُّع- يصب في مصلحة الأمَّة متى تكاملت كل هذه القوميات والحضارات والثقافات الإنسانيَّة الثريَّة الموجودة فيها- إلا أنَّه رفض مُطلقًا أنْ تكون هذه الأمور مدعاة لتفرُّق الأمَّة.

 

كما ناقش أيضًا قضيَّة الحزبيَّة (التي كانت سائدة في عصره) ومخاطرها على وحدة الأمة واستقلاليتها بسبب الظروف التي كانت سائدة في الحياة السياسيَّة والحزبيَّة المصريَّة في ذلك، حيث تحالفت العديد من الأحزاب إمَّا مع النظام الملكي الفاسد الذي كان قائمًا في ذلك الحين أو مع الاستعمار، مع غلبة أجندات ومصالح شخصيَّة ضيقة على سياساتها، ولكن البنا لم يرفض أيضًا فكرة الأحزاب على إطلاقها؛ بل رفض فكرة الحزبيَّة التي تُفَرِّقْ ولا تجمع.

 

ثالثًا: الوحدة الإسلاميَّة في المشروع الإخواني

في تحديده لملامح المشروع الإخواني، وفيما يتعلق بموقف الإسلامي المبدئي من قضية الوحدة، قال البنا: "أعتقد أنَّ الإسلامَ هو دين الوحدة في كل شيء، وهو دين سلامة الصدور, ونقاء القلوب, والإخاء الصحيح, والتعاون الصادق بين بني الإنسان جميعًا، فضلاً عن الأمة الواحدة والشعب الواحد".

 

والقرآن الكريم يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ (سورة آل عمران: الآية 103)، ويقول رسول الله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصوم؟، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين, فإنَّ فساد ذات البين هي الحالقة, لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" (رواه الترمذي عن أبي الدرداء وقال حديثٌ حسنٌ صحيح).

 

وفي مشوارِ الإخوان المسلمين لتحقيق الوحدة الكبرى وضع البنا مراحل تعتمد على تحقيق وحدة الوطن ثم وحدة القوميَّة العربيَّة، وأخيرًا الوحدة الإسلاميَّة، لأنَّه- كما سبق القول- لا يمكن تحقيق الوحدة الكبرى عبر أوطانٍ وقومياتٍ ممزقة.

 

ففي رسالة المؤتمر الخامس وتحت عنوان "الإخوان والقومية والعروبة والإسلام" قال الإمام الشهيد رحمه الله إنَّ الإخوان المسلمين "يحبون وطنهم, ويحرصون على وحدته القوميَّة".

 

أما في صدد الوحدة العربيَّة فقد قال الإمام البنا: "أحب هنا أنْ ننوِّه إلى أنَّ الإخوان المسلمين يعتبرون العروبة, كما عرَّفَها النبي (صلى الله عليه وسلم), فيما يرويه ابن كثير عن معاذ بن جبل- رضي الله عنه-: "ألا إنَّ العربيَّة اللسان, ألا إنَّ العربيَّة اللسان"، ومن هنا كانت وحدة العرب أمرًا لا بد منه لإعادة الإسلام وإقامة دولته وإعزاز سلطانه, ومن هنا وجب على كل مسلم أنْ يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها".

 

وأشار إلى أنَّ فكرة العروبة أو الجامعة العربية لها في دعوة الإخوان "مكانها البارز وحظها الوافر"؛ وذلك لأنَّ العرب هم أمة الإسلام الأولى، وذلك لن ينهض الإسلام بغير وحدة الأمة العربيَّة واجتماع كلمة شعوبها، وقال إنَّ الحدود الجغرافيَّة والتقسيمات السياسيَّة التي اصطنعها الاستعمار الغربي لا قيمةَ لها في المساس بالوحدة العربيَّة الإسلاميَّة.

 

وقال إنَّ كلَّ مقومات الوحدة العربيَّة موجودة وعلى رأسها اللغة والرقعة الجغرافيَّة، وأشار الإمام الشهيد إلى أنَّ العمل في سبيل مشروع الوحدة العربيَّة إنَّما هو عملٌ لخير الإسلام والعالم كله.

 

وفي حديثه عن الوحدة الإسلاميَّة استهل البنا حديثه في رسالة المؤتمر الخامس عن هذه المسألة بالقول إنَّ الإسلام كما هو عقيدة، فقد قضى على الفوارق النسبيَّة بين الناس، فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (سورة الحجرات: من الآية 10)، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم أخو المسلم"، وقال البنا: "إنَّ المسلمين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على سواهم".

 

وحدَّد الإسلام ملامح الوحدة في صفوف الأمة، ومبدئيًّا فإنَّ الإسلام لا يعترف بالحدود الجغرافيَّة، ولا يضع في اعتباره الفوارق القائمة على الجنس والدم أو العرق, ويعتبر المسلمين جميعًا أمة واحدة, ويعتبر الوطن الإسلامي وطنًا واحدًا.

 

ونفى البنا تمامًا وجود تعارض بين هذه المستويات في الوحدة بين الوطن والقوميَّة والدين، بل على العكس فقد أشار إلى أنَّ كل مستوى منهم يدعم الآخر، وقال إنَّ هذا المبدأ هو صُلْب موقف الإخوان المسلمين في هذا الشأن.

 

وفي عرضه لموقف الإخوان المسلمين من الخلافة قال البنا إنَّ الخلافة هي "الأساس التنظيمي" للوحدة الإسلاميَّة ورمزها، بل وشعيرة إسلامية- أي أقرَّ بأنَّها فرض على المسلمين- أي منوطٌ بكلِّ مسلم العمل على دعم هذا المشروع، مُحدِّدًا حزمة من الخطوات اللازمة لتحقيق مشروع الوحدة الإسلاميَّة على النحو التالي:

1- تحقيق التعاون التام والشامل؛ الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسية بين كافة الشعوب العربيَّة الإسلاميَّة.

 

2- بعد ذلك تأتي مرحلة تكوين الأحلاف والمعاهدات بين هذه الدول.

 

3- عقد المؤتمرات المختلفة بين هذه البلاد، وذلك لتدعيم أواصر العلاقات بين الشعوب العربيَّة والإسلاميَّة.

 

4- تكوين عصبة الأمم الإسلاميَّة على غرار تجربة عصبة الأمم الدوليَّة ومنظمة الأمم المتحدة.

 

وفي ختام حديثه في رسالة المؤتمر الخامس قال الامام البنا: "حتى إذا تمَّ ذلك للمسلمين نتج عنه الاجتماع على (الإمام) الذي هو واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوى الأفئدة، وظل الله في الأرض".

----------------

* باحث في العلوم السياسية

التعليقات