عندما بكى "الهضيبي" وابتسم "البنا"

عندما بكى "الهضيبي" وابتسم "البنا"


أول لقاء بفكرة الإخوان

 

مضت حياتي رتيبة عادية لا تستحق الذكر بلغة برقيات ميادين القتال.. إلى صيف 1944م.
كنت في القرية واجتمعت بلفيفٍ من شباب البلدة وأخذنا نتحدث في مختلف المشاكل العامة.. وهاك ما سمعت.. سمعت شبابًا محدودي الثقافة والتعليم يتكلمون في المسألة الوطنية كأحسن ما يتكلم المفكرون السياسيون، ويتحدثون في المسائل الدينية كأحسن ما يتحدث العلماء المتمكنون.

 

وعجبت لهذا فسألتهم عن مصدر هذا العلم، فقالوا إنهم ينتمون إلى جماعة (الإخوان المسلمون)، وإن مطبوعات الجمعية ومنشوراتها وتعاليمها تصلهم بانتظام.. وطلبت منهم أن يزودوني بهذه المطبوعات.

 

ولم أنم هذه الليلة حتى الصباح؛ فقد ظللت أقرأ وأقرأ حتى الفجر، ثم صليت الفجر.. ولم تكد تطلع الشمس حتى اعتبرت نفسي جنديًا في هذه الجماعة الكبرى.

 

أول لقاء مع الشهيد

وازددت اقترابًا  من الإخوان.. بدأت أتصل بهم وأعرف بعضهم.. إلى أن جاءت ليلة..
 كنت في مكتبي أراجع بعض القضايا، ودق الجرس ولم يكن من عادتي أن أفتح الباب.. ولكن لا أدري لماذا قمت..ولماذا ذهبت.. ولماذا فتحت الباب؟ لأجد "حسن البنا".. وتعانقنا..
ودخل إلى بيتي.. وجلسنا نتحدث في شتى الشئون، وصلينا العشاء معًا..
وخرج المرشد.

 وبدأت أضع عقلي بعد قلبي في خدمة الإخوان.

 

آخر لقاء مع الإمام الشهيد

كانت الساعة الحادية عشرة مساءً ودق الجرس وفتحت الباب، ودخل "حسن البنا".. دخل يحمل إليََّ آخرَ أنباء مفاوضاته مع الحكومة، ولا أعلم لماذا كنت منقبضًا.. لماذا كنت ضيَّق الصدر.. لماذا تجمعت فوق طرف لساني كلمة (القتل).

 

كنت أحسُّ أن هذا الرجل سيقُتل.. ستغتاله يد أثيمة.. فإن الحكومة- أي حكومة- لا يمكن أن تعجز عن قتل رجل أعزل إلا من الإيمان.

 

وأراد أن ينصرف.. وصافحته.. وإذا بي أعانقه وأقبِّله.. ولا أكاد أمسك دموعي أو أخفيها.. وابتسم- رحمه الله- وقال: ﴿قُل لَّن يُّصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ (التوبة:51).

 

وابتلعه الظلام.. وفي اليوم التالي ابتلعه الظلم.. فقد اغتالت الحكومة المصرية في 12 فبراير1949م مواطنًا مصريًا اسمه "حسن البنا".. وتعهَّدت هذه الحكومة لا بإخفاء معالم الجريمة فحسب.. ولكن بمكافأة القاتل!!!.

 

حسن الهضيبي

---------

المرجع : كتاب (حسن الهضيبي: حياته وآثاره) – عبد الحليم الكناني

التعليقات