تَعَرَّفْ إلى الحاكِمِ من بطانته (3/3)

تَعَرَّفْ إلى الحاكِمِ من بطانته (3/3)
دعوى العقلانيةِ والتحرُّرِ الفكريِّ وعلاقتها بالإرهابِ الفكريِّ ورفضِ الرأيِ الآخرِ  واحتقارِ العامَّة

ملاحظةٌ عجيبةٌ يقفُ عليها الدارسُ لتاريخ الفِكرِ، وعَلاقتِه بالملوكِ والحكام، وهي حالةُ التلازمِ (غالبًا) بين نفاقِ ومساندةِ السلطةِ المستبدَّةِ واحتقارِ الشعبِ وبين ادِّعاءِ العقلانيةِ والتحرُّر الفكري. 

ففي تاريخِنا الفكريِّ يشيرُ كثيرٌ من المثقَّفين إلى المعتزلةِ باعتبارِهم رُوَّادَ التَّحرُّرِ الفكريِّ، نظرًا لتقديرِهم البالغِ للعقلِ حتى قدَّموا مقتضياتِه على مُحْكماتِ النصوصِ الشرعيَّةِ، مثلما هو حالُ العلمانيين (الليبراليين) معتزلةِ العصرِ. 

ويشهدُ التاريخُ أنَّ العلماءَ من أهل السنةِ والجماعةِ كانوا أوسعَ الناسِ صدرًا مع هؤلاءِ المبتدِعين، وناقشوهم وأقاموا الحُجَّةَ عليهم في حوارٍ فكريٍّ غايةً في الرُّقِيِّ الأخلاقيِّ، دونَ أن يُغْرُوا بهم السلطةَ الحاكمةَ أو النُّظُمَ القائمةَ، لكنَّ هؤلاء (المتحررين العقلانيين!) لما اقتربوا من الحاكمِ واستمالوه لمذهبِهم كشفُوا عن تَدَيُّنٍ زائفٍ، وأخلاقِ سوءٍ منقطعةِ النَّظير، وعن ضِيقٍ غيرِ مسبوقٍ بالرأي المخالِفِ، وبدلًا من أنْ يدخُلوا في حوارٍ صحيحٍ للوقوفِ على الحقيقةِ لجؤوا لتأْلِيبِ الحكامِ على مخالفيهم، وكانوا وراءَ (فتنةِ خَلْقِ القرآنِ) التي قُتل فيها ظلمًا وزُورًا عددٌ كبيرٌ من علماءِ الأمة، فضلًا عن مآسي كثيرةٍ أصابت الأمةَ؛ جَرَّاءَ رغبتِهم في حَمْل الأمة كُرْهًا وبِسَيْفِ السلطةِ وذهبِها على مذهبهم الفاسدِ وآرائِهم الباطلةِ، وكانوا ينظُرون إلى عامَّةِ الأمةِ باعتبارِهم رِعاعًا لا عقلَ لهم، ولا اعتبارَ لمشاعرِهم وحاجاتِهم، كما يظهرُ من حديثِ ثُمامةَ بنِ أَشْرَسَ عن العامَّةِ، واختلاقِه للقصَّةِ المكذوبةِ عن بائعِ الأدوية، وقد كان ثُمامةُ يعتقدُ أن العامَّة ليست سِوى حيوانات، حتى إنه يعتقدُ أنها تُعامَلُ في القيامةِ معاملةَ الحيواناتِ، وتصيرُ تُرابا(!)، وهي إحدى بِدَعِه التي كفَّره بها أهلُ العلم.

وما فعله معتزلةُ الأمس هو ما يفعلُه معتزلةُ اليومِ من العلمانيين والليبراليين، الذين ضربوا عُرْضَ الحائط بكلِّ ما روَّجُوا له من ادِّعاءِ التحرُّر، وما طنطنوا به من الدعوةِ لحريَّة الرأي، فهم مَنْ دعا للانقلابِ على إرادةِ الشعبِ، وشجَّعوا المستبدَّ على إهدارِ رأيِ الأمة، وهم مَن اعتبروا أنَّ الشعبَ الذي فشلوا في إقناعِه برأيِهم شعبٌ لا يستحقُّ الحياة، فضلًا عن أنْ يكونَ لرأيِه اعتبارٌ، وهم مَنْ يَدْعُون ليلًا ونهارًا لاستئصالِ المخالِفين لهم في الرأي، وهم مَنْ لا يسمحون لأحدٍ أن يعتقدَ أو يُظْهِرَ خلافَ ما يعتقِدون، ولا يأْلُون جهدًا في السَّعْي لإجبارِ الشعبِ على التخلِّي عن معتقداتِه والخضوعِ لأهوائِهم والاستسلامِ للمستبدِّ الذي ينافقونه.

قال ابنُ عبد البر في بَهْجة المجالس:  «ولا أعلمُ أحدًا رضيَ الاستبدادَ إلَّا رجلٌ مفتونٌ مخادِعٌ لمن يطلبُ عنده فائدةً، أورجلٌ فاتِكٌ يحاولُ حينَ الغفلة، وكلا الرجلين فاسق«.
مصيرٌ مؤلم لسَدَنة النفاقدائمًا فإنَّ المصيرَ لأصحابِ هذا المنهج الفاشيِّ العَدَمِيِّ هو التحلُّلُ والزوالُ والسقوطُ أمام قُوَّةِ الحقِّ والحُجَّة، وكما كانت نهايةُ المعتزلةِ السابقين نهايةً بَئِيسةً على أيدي مَنْ نافَقُوهم وأَغْرَوْهُم بالمصلِحين، وعلى أيدي عامَّة الأمةِ الذين احتقروهم؛ فسوف تكونُ نهايةَ سَدَنةِ الانقلابِ من الليبراليين ومن المنافقين. 

يحفظُ التاريخُ أنَّ ثُمامةَ بنَ أَشْرَسَ كان قد شارك كُلًّا من القاضي ابن أبي دُؤَاد والوزيرَ ابنَ الزيات في إغراءِ الخلفاء العباسيين بقتْلِ معارضيهم في مسألةِ خلقِ القرآن، وهم مَنْ أغْرَى الخليفةِ الواثقِ بقتلِ الإمامِ أحمدَ بنِ نصر ِالخُزاعي؛ لأنه رفض الخضوعَ لمذهبِهم الفاسدِ في إنكارِ رُؤْيَةِ اللهِ تَعَالَى وَالقولَ بخَلْقِ الْقُرْآن، ثمَّ نَدِم الواثقُ على قَتله، وعاتب الثلاثةَ فى ذَلِك، فراحوا يبرِّرون له سفْكَ الدمِ الحرامِ بجرأةٍ عجيبة.

فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزيات: وإن لم يكن قَتْلُه صَوَابًا فقَتَلني اللهُ تَعَالَى بَينَ المَاءِ وَالنَّار. 

وَقَالَ ابْنُ أَبي دُؤاد: حَبَسني اللهُ تَعَالَى فِي جلدي إنْ لم يكن قَتْلُه صَوَابًا. 

وَقَالَ ثُمَامَةُ: سَلَّطَ اللهُ تَعَالَى عليَّ السيوفَ إن لم تكن أَنْت مصيبًا فى قَتله. 

فَاسْتَجَاب الله تَعَالَى دُعَاءَ كلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم في نَفسِه. 

أما ابْنُ الزيات فإنه قُتِل في الْحَمَّامِ وَسقط في أثوابِه، فَمَاتَ بَين الماء وَالنَّار. 

وَأما ابْنُ أَبى دُؤاد فإنَّ المتَوَكِّلَ رَحْمَة الله (الخليفة بعد الواثق) حَبسه وصادر أمواله، فأصابه في حَبسه الفَالَج (الشلل)، فبقي في جلده مَحْبُوسًا بالفالج إلى أن مَاتَ. 

وَأمَّا ثُمَامَةُ فإنه خرج إلى مَكَّةَ فَرَآهُ الخُزاعِيُّون بَين الصَّفَا والمروةِ، فَنَادَى رجلٌ مِنْهُم فَقَالَ: يَا آلَ خُزَاعَةَ هَذَا الذي سَعَى بصاحبِكم أحْمَدَ بنِ نصر وسَعَى في دَمه، فَاجْتمع عَلَيْهِ بَنو خُزَاعَة بسيوفِهم حَتَّى قَتَلُوهُ، ثمَّ أخْرَجُوا جيفتَة من الْحَرَم فأكلتْه السِّبَاعُ خَارِجًا من الْحَرَم، فَكَانَ كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ?فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا? (الطلاق 9).

ومثلُ هذا المصيرِ البئيسِ هو ما ينتظرُ معتزلةَ العصرِ الذين يقولون ما لا يفعلون، ويُظْهِرون من التقديرِ لحريةِ الرأي ما لا يَعتقدون، ويَضعون أنفسَهم سَدَنَةً للمستبدِّين، ويُوقِدُون نارَ الفتنةِ بين أبناءِ الأمةِ، ولن تتحقَّقَ أغراضُهم الخبيثةُ ولن ينجحَ مَكْرُهم الأثيمُ إن شاء الله، طالما بقي الشعبُ الحرُّ الثائرُ حريصًا على ثورتِه مُضَحِّيًا في سبيلِ تحقيقِ أهدافِها العظيمةِ من العيشِ والحريةِ والعدالةِ الاجتماعيةِ والكرامةِ الإنسانية، ولن يضيعَ حقٌّ وراءه مُطالِبٌ،    ?وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ? [الحج: 40].
التعليقات