في مدينة شبين الكوم.. هذه المدينة الهادئة والتي تقع في محافظة المنوفية، وتُعَدُّ إحدى عرائس الدلتا.. وُلد الشهيد إبراهيم الطيب إبراهيم صقر عام 1922م لأبٍ كان أستاذًا للفقه الشافعي في كلية الشريعة بالأزهر.
 
ربَّاه والده تربيةً إسلاميةً صحيحةً، فاتصف بصفة الشهامة والمروءة، وقول الحق والثبات عليه، وعمل أبوه على تعليمه علوم القرآن والحديث وشتى العلوم الإسلامية، فكبر ولديه ذوقٌ رفيعٌ للأدب والشعر والرسم، كما اتصف بقوة الشخصية والذكاء الحادّ.

ألحقه والده بالتعليم ليستفرغ طاقتَه فيه، فنجح في ذلك، فالتحق بكلية الحقوق، وهي التي كان يطمح إليها، وتخرج في كلية الحقوق سنة 1944م، واشتغل بالمحاماة؛ حيث فتح مكتبًا للمحاماة في ميدان الأوبرا مع الشهيد عبد القادر عودة.

بين الصفوف المؤمنة

اتصف إبراهيم الطيب بالغَيرة على وطنه؛ حيث نظر إليه فوجده يرسف في أغلال الاستعمار، الذي أذلَّ الشعب ونهب الخيرات وانتهك الأعراض؛ مما أثار في نفس الطيِّب الانتقامَ من المستعمر الإنجليزي، وسعى الطيب لإيجاد الوسيلة التي يستطيع تحقيق حلمه بها، فكانت معرفته بجماعة الإخوان المسلمين، والتي فهمت الإسلام بمعناه الشامل، ولم تفرِّق بين كونهم فرسانًا في الميدان ورهبانًا في المحراب، ولا بين كونهم علماء في الدين وكونهم علماء في علم الطب والفلك والفيزياء، فانضمَّ إليهم وتعرَّف عليهم عام 1940م.

يقول أحد رفاق جهاده: في صيف 1940م حلَّ ببيتهم رجلٌ كان في طريقه إلى طنطا، ودار حديثٌ اتسعت آفاقه، وذكر الرجل شيئًا عن الإخوان المسلمين وعن حسن البنا، وكان هذا أول العهد بهذا الفكر الجديد.

والتف إبراهيم وقليلون حول الرجل، ودار حديثٌ طويل عن الإخوان المسلمين وإلى أي شيء يدعون الناس، وعن حسن البنا وشخصيته وأسلوبه، وفهمه وسلوكه، وعن الضيف فصيح اللسان واضح البيان، فشرح فكر الإمام البنا ودعوته شرحًا مستفيضًا، وتفتح قلب إبراهيم، ورضيت نفسه واستقرَّ فؤاده.

ومع بداية الخريف رحل إبراهيم إلى القاهرة، وهناك سعى إلى الإمام الشهيد، وكان لقاء الفكر والإيمان، والعهد والارتباط، وانطلق إبراهيم من يومها مع الإمام لا يكاد يفارقه في غدوِّه وترحاله؛ فقد امتلأ به قلبه، وتملَّك منه الإمامُ سمعَه وبصرَه، وأصبح له عونًا من أقرب أعوانه، وداعيةً من دعاته في المدارس والمجتمعات.

وتعرف على الإمام البنا، حتى إنه لم يكن يفارق الإمام البنا إلا قليلاً، وبرز نبوغه، فأُلحق بالنظام الخاص، وظل به حتى أصبح أحد قادته في الخمسينيات.

خدم الدعوة بكل ما يملك من نفس وجهد ومال، وضحَّى من أجلها بالكثير، وأصبحت تملك عليه حياته، حتى أصدر محمود فهمي النقراشي- رئيس الوزراء- قرارًا في 8/12/1948م بحل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أملاكها وأموالها وإغلاق شُعَبها، كما قام باعتقال أفرادها، فكان إبراهيم الطيب أحد الذين اعتُقلوا ورُحِّلوا إلى معتقل الطور، وقضى به حتى خرج مع باقي إخوانه بعد عام.

خرج فقدَّم نفسه كجندي لخدمة دعوته، وظل كذلك يعمل على عودة الجماعة حتى أصدرت المحكمة حكمها بعودة الجماعة وأملاكها وفتح شُعَبها.

النظام الخاص

منذ أن التحق إبراهيم الطيب بجماعة الإخوان، رأى فيه أحد الإخوان صفات القيادة والجندية الحقة، كما رأى فيه شجاعةً وقوةً واتزانًا، فرشَّحه لأن يكون عضوًا بالنظام الخاص.

لم يُعرف إبراهيم الطيب أنه أحد رجال النظام الخاص؛ حيث كان يُفضِّل العمل الصامت والحركة الدءوب دون أن يشعر به أحد، وقام بالأدوار المُكلَّف بها على خير وجه، حتى وقعت حرب فلسطين، فشارك مع كثير من رجال النظام بجمع السلاح وتدريب الأفراد، حتى كان يوم 8/12/1948م عندما فوجئت مصر والعالم بقرار رئيس وزراء مصر آنذاك النقراشي باشا بحل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة أملاكها، ثم قام باعتقال رجالها، فكان الطيب أحد المعتقلين.

وبعد أن أُفرج عن الإخوان وتولَّى دفة القيادة في جماعة الإخوان المسلمين حسن الهضيبي في عزمٍ وحزمٍ في 17 أكتوبر 1951م، كان عمله الأول تنظيم تشكيلات النظام الخاص وتغييرها من السرية للعلنية، فعهد إلى الشهيد يوسف طلعت بتولي مهمة هذا النظام وإعادة تشكيله، فحمل الأمر على عاتقه واختار من يعاونه على هذه المهمة، فوقع اختياره على إبراهيم الطيب ليكون مسئولاً عن النظام في القاهرة، وأحمد حسانين ليكون مسئولاً عن نظام الأقاليم، كما عاونه الكثير من الإخوان.

نشط إبراهيم الطيب في إعداد رجال النظام الخاص خيرَ إعداد للمشاركة في أحلك ساعات الاستنفار؛ حيث استُنفر النظام الخاص بكل طوائفه لحماية الثورة وحماية الممتلكات العامة من النهب والتصدِّي للإنجليز وقت زحفهم على القاهرة لمناصرة الملك، ونجحت الثورة، وتولَّى قيادتها محمد نجيب، غير أن النفوس بدأت تتغيَّر؛ حيث بدأ جمال عبد الناصر يحاول الاستئثار بالحكم دون نجيب، وساعده على ذلك زملاؤه في مجلس قيادة الثورة، أمثال جمال سالم وصلاح سالم وغيرهما.

ونشب الخلاف، وكان عميق الجذور؛ فالإخوان على مبادئهم: لا صلاحَ ولا فلاحَ إلا بالرجوع إلى خالص الدين كما كان في عهد الراشدين، وعبد الناصر يرى الأمر إصلاحًا على نمط الغرب تارةً أو نمط الشرق تارةً، فحدثت الفُرقة، فقام عبد الناصر باعتقال قادة الإخوان في يناير 1954م لتحجيمهم، وكان منهم إبراهيم الطيب، غير أنه سارع بالإفراج بعد مظاهرات مارس 1954م التي قام بها الشعب يحرِّكهم الإخوان لعودة محمد نجيب والحياة الديمقراطية، فأفرج عبد الناصر عن الإخوان، غير أنه بيَّت النية لهم.

وكان المكتبُ الذي افتتحه مع الشهيد عبد القادر عودة في ميدان الأوبرا آخرَ عهد إبراهيم الطيب بالمحاماة، وما كاد شهر أكتوبر يوشك على الانتهاء حتى وجَّه عبد الناصر الضربة القوية للإخوان بعد حادثة المنشية؛ حيث قام باعتقال الآلاف منهم؛ بتهمة محاولة اغتياله، وزجَّ بهم في أتون السجون الحربية والمدنية؛ حيث لاقوا من التعذيب ما يشيب له الولدان، وكان شهيدنا إبراهيم الطيب أحد هؤلاء الذين ذاقوا علقم التعذيب.

في محكمة الشعب

صدر أمر القبض عليه في 30/10 بعد حادث المنشية، واعتُقل في 14/11، وعُذِّب تعذيبًا شديدًا، ونُصبت للإخوان المحاكم، فقُدِّموا أمام محكمة الشعب، والتي تولَّى رئاستَها أحد الخصوم، ولا يعرف عن القانون شيئًا، وهو جمال سالم، والذي يصفه الكاتب الأمريكي ريتشارد ميتشيل بقوله: "أما رئيس المحكمة جمال سالم، فقد كان تصرُّفه أقرب إلى تصرف المُدَّعي العام؛ كان يقاطع- دون تحرُّج- إجابات الشهود إذا لم تعجبه الإجابة، وكان يضع الكلمات في أفواههم، فيتقوَّل عليهم ما لم يقولوا، وكان أحيانًا يستعمل التهديد ليفرض عليهم الإجابة التي يُريدها، وكانت الأسئلة تُصاغ بحيث تستبعد أي رد إلا ما تريده المحكمة.

وكان يوقف كل محاولة للتخفيف من توتر الموقف، بل إنه كان يتبادل مع الشهود في بعض الأحايين الشتائم الوضيعة، وفي غالبية هذه الحالات كانت الشتائم تنهال من جانب المحكمة وحدها، وكانت تواجه شاهدًا بآخر، وقد زيَّفت شهادة أحدهما لتثير الشاهد الآخر.

وسُمح للحضور أن يشاركوا في الضحك على الشهود والاستهزاء والسخرية بهم وسبِّهم، وكانت أكثر الأسئلة في مثل هذه المواقف غير متعلقة بالجريمة، وتضمنت فيما تضمنته أسئلةً تتعلق بإعراب القرآن وتفسيره؛ بقصد إحراج الشهود وإرباكهم.

كما كان عبد الناصر يصفه بالمجنون، وقال عنه أنور السادات- وكان السادات عضوَ اليمين في محكمة الشعب-: "كان جمال سالم- رحمه الله- حادَّ المزاج، عصبيًّا إلى حدٍّ غير طبيعي، غيرَ متَّزنٍ في جميع نواحي شخصيته، فلما وجد الناس منصرفين عنه لسوء معاملته بدأ يُثير المعارك هنا وهناك وفي كل مجال".. كان هذا رئيس المحكمة التي حاكمت خير الرجال، من مستشارين ومحامين وغيرهم، كما كان محمد أنور السادات عضو يمين، وحسين الشافعي عضو شمال.

وفي 29 نوفمبر سنة 1954 تمَّت محاكمة إبراهيم الطيب؛ وجَّه إليه جمال سالم اتهاماتٍ كانت مُعدَّةً من قبل: أتى أفعالاً ضد نظام الحكم الحاضر وضد سلامة الوطن، وذلك أنه يوم 26 أكتوبر وما قبله عقد مع آخرين اتفاقًا جنائيًّا، الغرض منه إحداثُ فتنة دامية لقلب الحكم بالقوة، ووضع خطة للقيام باغتيالات واسعة النطاق وارتكاب عمليات تدمير بالغة الخطورة، وتخريب شامل في جميع البلاد؛ تمهيدًا للاستيلاء على الحكم، كما أدار جهازًا سريًّا..
مذنب..؟

فأجاب الطيب: غير مذنب.

وطلب منه جمال سالم أن يدافع عن نفسه، فرفض وفوَّض الأمر لله، فأصرَّ جمال سالم، فيقول إبراهيم الطيب: "حسبي ما دار ويدور، وأفوِّض أمري إلى الله".

ولما ألحُّوا عليه قال: "ما قمنا به وما أعددنا له إنما يهدف أول ما يهدف إلى تحقيق الأهداف التي قامت عليها الثورة، وهي: كفالة الحريات: وإقامة حكم نيابي سليم، نظيف من الشوائب التي لوَّثته في الأزمنة السابقة، ومن ناحية أخرى إطلاق الحريات، وخاصةً حرية الصحافة، وكان عملنا اجتهادًا، والاجتهاد يحتمل الخطأ، إلا أننا كنا لا نهدف إلى حكمٍ أو جاهٍ أو منصبٍ أو دنيا، إنما كنا نريد أن نصل إلى أهداف سامية".

وكان الاستجواب نوعًا من المهزلة التي لم يشهدها التاريخ من قبل:

الرئيس: إكرامًا للتاريخ علشان اللي ما سمعشي اسمك في الأول يسمعه في الآخر.. اسمك إيه؟

إبراهيم الطيب: إبراهيم الطيب.

الرئيس: بتشتغل إيه؟.

إبراهيم الطيب: محامٍ.

الرئيس: سنك كام؟.

إبراهيم الطيب: 32 سنة.

ويسأل جمال سالم: هو الجهاز السري له صفة علنية؟!

إبراهيم الطيب: أقرِّر أنه لا علاقة له بالسرية، وهو موجود في كل المناطق.

جمال سالم : هل هو جزء أساسي من الإخوان؟

إبراهيم الطيب: نعم.. جزء أساسي.

ويقول الطيب: إن الإخوان اشتركوا في حرب فلسطين.

ويسأل حمادة الناحل الذي كانوا قد أتوا به باسم الدفاع عن محمود عبد اللطيف ليهاجم الإخوان ورسالتهم:

ده كان دفاع عن مصر؟!

إبراهيم الطيب: وكمان في الجزائر.

جمال سالم : والنبي تسكت!!.

إبراهيم الطيب: أنا مستعد أسكت.

جمال سالم: أنت بتتجبه عليَّ؟!

إبراهيم الطيب: لا يا فندم.

ويردُّ جمال سالم في محكمة جمال سالم وجمال عبد الناصر: دي محكمة الشعب، وثبت أنها شعبية، وكلنا متربيين في الحسينية وباب الشعرية ودرب الحجر مش في القصور، وفاهمين الحركات.. جاوب على قدِّ السؤال، وأنا بقول لك نظام.

إبراهيم الطيب: حاضر.

وتدور مناقشة أخرى في المحكمة بين جمال سالم (الخصم والحكم) وبين إبراهيم الطيب عن اتصال ورد ذكره في التحقيق بين محمد نجيب والإخوان المسلمين بعد تنحية محمد نجيب والاتجاه بالبلاد إلى الحكم الناصري الديكتاتوري.

يقول جمال سالم: كيف كان يتصل الإخوان بقيادة الثورة؟.

إبراهيم الطيب: لم تكن هذه المسألة من اختصاصي.

جمال سالم : كنت تعرف أن هناك اتصالاً؟

إبراهيم الطيب: أعرف إن فيه اتصال بمحمد نجيب.

جمال سالم: أنا أقصد اتصال مجلس القيادة والإخوان.

إبراهيم الطيب: علمت أن هناك اتصالاً حضره الدكتور حسين وصلاح شادي وآخرون.

جمال سالم: ولماذا هذا الاتصال؟

إبراهيم الطيب: لإمكان التعاون بين الإخوان ومجلس قيادة الثورة؛ باعتبار أن الإخوان في كل القطر، وأعرف أن الإخوان كانوا منتشرين في القطر، وعلشان يقدموا كل مساعدة للحكومة.

جمال سالم: وماذا تعرف عن سياسة الإخوان بالنسبة للحكومة؟

إبراهيم الطيب: ضرورة التعاون والتآزر مع الثورة.

جمال سالم: في أي اتجاه؟

إبراهيم الطيب: في كل اتجاه.

جمال سالم: بدون طلبات؟!

إبراهيم الطيب: كل الطلبات هي أن ينحو مجلس الثورة المنحى الإسلامي.

الرئيس: تاجرتم بالدين تجارة رخيصة.. كنتو علَّمتوا الـ19مليون (يقصد سكان مصر) الآيات الأولى من سورة آل عمران، وفهمتم أن الجهاد قتل جمال عبد الناصر.. ليه؟!.. علشان سايبين خمَّارات في البلد.. ليه؟ .. إحنا جينالك وقلنا لك يا إبراهيم يا طيب اشرب خمر غصب عنك؟.. قال كده ربنا؟!.. قول إذا كان قال.. قول لنا السورة (يقصد السورة التي ورد فيها ذلك في القرآن إن كان قد ورد).

ويتطاول حمادة الناحل على الإخوان:

يعني ما تعرفش إن الإخوان المسلمين ليست أداة من أدوات الصهيونية في البلد؟

إبراهيم الطيب: مستحيل.

جمال سالم: عندما يخربوا المنشآت أفهم أنك لا تعمل مع إسرائيل.. أفهم أنك مع روسيا.. لأن البلاد التي عملت كده كانت تموَّل من روسيا.. أم كانت تأتي من أمريكا.. مع من كنتم.. روسيا أم أمريكا.. ما دمنا استبعدنا إسرائيل؟

إبراهيم الطيب: لا هذا ولا ذاك.

ويقول حمادة الناحل (محامي الحكومة):

بمَ تعلل استنكار جميع الدول للمؤامرة ما عدا إسرائيل.

ويقول الطيب: أنا أستنكر الحادث كما وقع.

ويرد جمال سالم في هيستيرية: صِعِب عليك جمال عبد الناصر أم لأن تفكيركم ظهر بشكل وقح.. يا أصحاب تقوية النفوس والأخلاق.. يا دعائم الآدمية..!! مش أنت قلت وبلغت خطة جمال الهنداوي.

لحظات ثمينة ووداع مر

حكم عليه بالإعدام شنقًا بتهمة إحداث فتنة لقلب نظام الحكم ووضع خطط لاغتيالات..

آخر كلمات قالها كانت: "أحكام أصدرها قضاة من مخالفينا، فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا".

زاره أهله قبل التنفيذ وجرى حديث بينهم وبينه، كان فيه الواثق المطمئن الصابر المحتسب، ومن هذا الحوار:

قالوا: ماذا فعلوا بك يا إبراهيم؟

قال: عذبونا عذابًا لم يذقه بشر.

قالوا: وما كان شأنه فيك؟

قال: وما كان شأنه في أبي الأنبياء إذ ألقي به في النار، وحتى الحسين إذ قتل في معركة غير متكافئة دارت طوال النهار وهو عطشان ظمآن.

قالوا: لقد قالت الصحف التي أردت لها الحرية الكثير؟

قال: لا غرابة في ذلك، فقد سمعنا عمن قال في مسجد الكوفة بعد مقتل الحسين: الحمد لله فقد قتل الكافر ابن الكافر.

قالوا: وما ترى الآن؟

قال: كانت الشهادة في سبيل الله أسمى أمانينا، وهذه هي قد نلناها، فلا تحزنوا فإنا مسرورون.. ولسوف يريكم الله آياته.

يقول واحد ممن شاهدوا أحداث 7 ديسمبر سنة 1954:

في الثامنة من صباح 7 ديسمبر سنة 1954 وفي ميدان باب الخلق وقف الناس.. وكأن على رؤوسهم الطير.. قلوبهم حزينة.. أفئدتهم مكلومة.. نفوسهم هلعة.. المصفَّحات من حولهم.. قوى الظلم تحيط بالمكان.. السماء ملبَّدة بالغيوم وكأنها حجابًا بين الصفاء والنقاء في الأعالي.. والظلم والظلام على الأرض.. وانهمرت قطرات فكانت كأنها مشاركة السماء للثكالى والمحزونين، وكأنها العبرات على الشهداء المجاهدين.. ثم ضنَّت بدموعها لتستعد لفرحة اللقاء.. لقائها بشهداء القرن الرابع عشر الإسلامي..

وفي ساحة سجن مصر.. تسلم الناس جثث أبنائهم الشهداء.. طاهرة نقية ريحها المسك وشعاعها النور.. وسط استعراض من صفحات الأمن المركزي، وكأنها معركة على أرض فلسطين، وكانت آخر كلمات إبراهيم الطيب على حبل المشنقة.. وهو ثابت مستسلم لله في هدوء وطمأنينة.. وهو يضع أول قدم على عتبة الآخرة وسلم السماء "أحكام أصدرها قضاة من مخالفينا.. فاقض ما أنت قاض، إنما تقضي هذه الحياة الدنيا.. ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئًا".

وكانت آخر كلمات الوداع من أمه المؤمنة المحتسبة.. دعوات زلزلت الأرض.. وهزَّت جنبات السماء, وضجَّت الملائكة لها.. واهتزَّت قوائم العرش استجابةً لها: "إلهي، عليك بالظالم فاقصمه، وخذه فلا تفلته".