أصبحت قضية المرأة في زماننا قضية شائكة؛ بسبب معاناة المرأة من الجهل والمرض والتخلف من جانب، ومن الارتكاس الفكري والاجتماعي من جانب آخر، وذلك نتيجة الابتعاد التدريجي عن الإسلام وتعاليمه، وبالتالي أصبحت المرأة، التي تمثل الحجر الأساس والمسئولة عن تربية الأجيال تفتقر إلى مستوى من الوعي تؤهلها للقيام بدورها كأم تصنع أمة.

ونجد أنَّ من الصعب أن تساهم المرأة في بناء المجتمع وتسيير دفته إلى بر الأمان في حين  يشعر الجميع غالبًا بضعفها وقلة إمكاناتها وقدراتها العقلية والذهنية، وهل حقًا هي ضعيفة وقدراتها محدودة قياسًا إلى قدرات الرجل؟

في كثيرٍ من المجتمعات، تبدأ عملية التربية في الأسرة على أساس أنَّ الولد أفضل من البنت! فتوفر له الأسرة والمجتمع كلَّ سبل النجاح والقوة، بينما تمنعها عن البنت! وهكذا يكون نصيب الأولاد من التعليم أوفر من نصيب البنات، وبالتالي تكون فرصتهم في الترقي الاجتماعي والوصول إلى مستويات من الوعي والنضج أكثر.

كما أنَّ الحرية النسبية التي يتمتع بها الأولاد تكسبهم مهارات للتعامل مع العالم المحيط بهم، بعكس البنات، وذلك مما أدى إلى تخلف البنات خلال أكثر من نصف قرن من القرن العشرين، ونجد العكس حين نهضت المرأة وبمجرد حصولها على فرص للتعليم والعمل، واستطاعت أن تثبت ذاتها في مجالات كثيرة وتشارك الرجل في مسيرة التنمية والنهضة داخل أغلب المجتمعات.

وتعتبر الأسرة ميدان المرأة للبناء؛ حيث إنَّ وجود المرأة الواعية يحتاج إلى عزيمة وجد وصدق، وهكذا لا بد من التضحية التي يقدمانها الرجل والمرأة معًا لإيجاد النواة الأولى.

التضحية والجد مطلوبان من الوالدين لأن البنت أو الطفلة الصغيرة لا يمكن أن تتحول إلى امرأة واعية ناضجة وصالحة ما لم تتأهل نفسيًّا وفكريًّا وسلوكيًّا وعمليًّا، وهذا التأهيل لا يمكن أن تتم في أسرة لا زالت تتشائم من ولادة الأنثى ومن ثمَّ لا تعيرها الاهتمام اللائق بها وهي دون أخيها في المعاملة والتربية، وبالتالي تُحرم من الحقوق الممنوحة للذكر مثل حق التعليم، أو أنها وإن ذهبت للتعلم فإنَّ عليها أن تشارك في عمل البيت؛ لأنَّ الشائع لدى الكثيرين من الآباء والأمهات أنَّ الأهم لها ولمستقبلها أن تتعلم فنون الطبخ وعمل البيت، ولا يهم بعد ذلك أن ترسب في المدرسة أو أن تتركها نهائيًّا، وأن حاجتها إلى التعليم تقتصر على تعلم القراءة والكتابة فما تفيدها الدرجات العلمية وهي تتهيأ لتكون ربة بيت، وهكذا  يتم تحديد طموح الفتاة وتأطيرها في إطار الأنثى.. وهذا ما يتناقض كليًّا مع ديننا الحنيف، حيث نجد إحدى الفرائض على المسلم رجلاً كان أو امرأةً هو طلب العلم بكل ضروبه والتبحر فيه، واعتبار أنَّ ذلك أيضًا من أرفع مستويات العبادة ما خلصت النية فيه لله.

إذن لا بد للوالدين من التضحية لإخراج الفتاة من سلبيتها وتعليمها وجعلها عنصرًا فعالاً بتوسيع آفاقها وتثقيفها، ولا بد من التضحية بالمال والراحة والوقت ليهيئ الرجل للزوجة سبلاً تمكنها من القيام بدورها.

وكذلك من أن تنظر إلى الأمور نظرة شمولية، وتتعرف على مسئوليتها الحقيقية في بناء المجتمع وترتيب أولوياتها حسب ذلك، بحيث تعمِّق وعيها وتفتح بصيرتها وتتعامل مع المجتمع بشكل إيجابي فتدعو بسلوكها وقولها، وتحقيق التغيير في المجتمع عن طريق السلوك والفكر سوف تحدد للمرأة بصورة عامة وللمرأة المسلمة بصورة خاصة دورها وواجبها، فتفهم مشكلات العصر وتتعامل مع الواقع من منطلق إسلامي واضح وصحيح.

كما أنَّ المرأة تكون قادرةً على أن تسير وتسمو في النواحي المادية والعقلية والروحية الى مدارج العز والرقي التي يستطيع أن يبلغها الرجل في الدين والدنيا، وليس كونها امرأة يحول بينها وبين تبوئها أي مرتبة من مراتب العلم وميادين العمل؛ لأنَّ عز المرأة ورقيها ونجاحها أن تظل امرأة وتوضع في دائرة عملها الطبيعية ثم تمنح حقوقها كاملةً وتشحذ مواهبها الكامنة بالتربية والتعليم، ويفتح أمامها سبل الرقي والنجاح كي تصبح داعية معاصرة واعية، والمرأة لن تصل إلى درجةٍ من الوعي المطلوب إذا ما سُدِّت في وجهها سبل التثقيف وحيل بينها وبين منابع الثقافة والتكوين.