• القومية عند الإخوان هي العقيدة والإسلام وليست الأرض أو الجنسية

 

• واجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية؛ باعتبارها ضرورة وواجبًا

 

أولاً: موقف الإخوان من القومية العربية:

القومية فكرة قامت في الوطن العربي تدعو إلى الاهتمام بالبلاد العربية ووحدتهم؛ لأنها ذات لغة واحدة، وأهداف واحدة، وتاريخ مشترك، إلا أنها أبعدت عنصر الدين عن الوحدة، فهي وحدة لا دينية؛ أي لا تقوم على أساس الدين، بل اللغة والتاريخ والمصالح كما قامت في أوروبا.

وقد تعامل معها الإخوان منذ قيامهم، كما تعاملوا مع الأفكار الأخرى بميزان الإسلام؛ ولذا يذكر الإمام "البنا" أن الدسيسة الكبرى التي اقتحمت على المسلمين عقولهم وقلوبهم أولاً ثم أرضهم وبلادهم ثانيًا هي تأثرهم بالعنصرية والشعوبية، واعتداد كل أمة منهم بجنسها، إلا أن القومية كالوطنية لها معانٍ عدة عند الإخوان، ولهم موقف من كل معنى:

 

قومية المجد:

يقول الإمام البنا في رسالة "دعوتنا": "إن كان الذين يعتزون بمبدأ القومية يقصدون به أن الأخلاف يجب أن ينهجوا نهج الأسلاف في مراتب المجد والعظمة ومدارك النبوغ والهمة، وأن تكون لهم بهم في ذلك قدوة حسنة بدافع الصلة والوراثة، فهو مقصد حسن جميل، نشجعه ونأخذ به، وهل عدتنا في إيقاظ همة الحاضرين إلا أمجاد الماضي؟ ولعل الإشارة إلى هذا في قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"، فالإسلام لا يمنع القومية بهذا المعنى الجميل النبيل.

قومية الأمة:

وإذا قصد بالقومية أن عشيرة الرجل وأمته أولى الناس بخيره وبره، وأحقهم بإحسانه وجهاده فهو حق كذلك، ومن ذا الذي لا يرى أولى الناس بجهوده قومه الذي نشأ فيهم ونما بينهم...

ولعمري لرهط المرء خير بقية             عليه وإن عالوا به كل مركب

فالقومية بالمعاني السابقة لا تتعارض مع الإسلام، بل حث عليها؛ ولذا فالإخوان قوميون بالمعاني السابقة، إلا أن هناك معاني أخرى للقومية تتعارض مع الإسلام؛ ولذا يرفضها الإخوان؛ إذ يقول الإمام "البنا" في الرسالة نفسها:

قومية الجاهلية:

إذا قُصد بالقومية إحياء عادات جاهلية درست، وإقامة ذكريات بائدة خلت، وتعفية حضارة نافعة استقرت، والتحلل من عقدة الإسلام ورباطه بدعوى القومية، والاعتزاز بالجنس كما فعلت بعض الدول بالمغالاة بتحطيم مظاهر الإسلام والعروبة، حتى في الأسماء وحروف الكتاب، فذاك معنى وخيم ذميم سيء العاقبة، كما يؤدي بالشرق إلى خسارة فادحة يضيع معها تراثه، وتنحط بها منزلته، ويفقد أخص مميزاته وأقدس مظاهر شرفه؛ وهو دين الإسلام، ولا يضر ذلك دين الله شيئًا، قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: 38).

قومية العدوان:

أما أن يُراد بالقومية الاعتزاز بالجنس إلى درجة تؤدي إلى انتقاص الأجناس الأخرى والعدوان عليها والتضحية بها في سبيل عزة أمة وبقائها كما تدعي كل أمة تنادي بأنها فوق الجميع، فهذا معنى ذميم، كذلك ليس من الإنسانية في شيء، ومعناه أن يتناحر الجنس البشري في سبيل وَهْمٍ من الأوهام، والإخوان لا يؤمنون بالقومية بهذه المعاني ولا بأشباهها، ولا يقولون فرعونية وعربية وفينيقية وسورية، ولا شيئًا من هذه الألقاب التي يتنابز بها الناس، ولكنهم يؤمنون بما قاله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الكامل: "إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء... الناس لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح"، دعامتان قويتان في هذا الحديث: الناس لآدم فهم إخوان وأكفاء، والتفاضل بالأعمال.

وبذلك فالقومية دون الإسلام مرفوضة، وقد التزم الشيخ "الغزالي" الرؤية نفسها؛ إذ رفض القومية المفرنَجَة من الإسلام، المرتكزة فقط على العصبية الجنسية، والوثنية الوطنية، واعتبرها تخبُّطًا، وتتم على حساب العقيدة، وضرب مثلاً بتركيا وبحركة "الشريف حسين" العربية، التي حاربت تركيا لإقامة ملك عربي خالص، وذكر أيضًا أنه إذا كان الحكم القومي لا يبالي باتجاهات الإسلام الاقتصادية والخلقية والاجتماعية، ولا يلتفت لتشريعاته المدنية والجنائية، فهذا حكم مبتوت الصلة بالدين؛ لذا فهو مرفوض، وذلك في كتابه (من هنا نعلم).

وينظر "حسن العشماوي" إلى القومية العربية على أنها رابطة أوجدتها وحدة المشاعر والمشكلات والآمال والمصالح بين أهل المنطقة الذين يتكلمون لغةً واحدةً، ويؤمنون إيمانًا واحدًا، ويذكر أنه من الطبيعي أن تدعو القومية العربية إلى الوحدة العربية، لكن هذه الوحدة ليست غاية، بل هي إطار لفكرة وتراث.

أما القومية عند "سيد قطب"- وهو موقف الإخوان نفسه- "ليست النسب ولا الصهر ولا الأرض ولا الجنس ولا القبيلة ولا العشيرة، بل هي العقيدة التي تحدد جنسية المؤمن بها" (كتاب معالم في الطريق)، ويرى أن الذين يعدلون عن المنهج الرباني ورابطة العقيدة إلى منهج آخر يقوم على قاعدة الجنس أو الأرض أو الطبقة هم أعداء الإنسان حقًّا.

إلا أن الإمام "البنا" قسم الناس داخل هذه القومية قسمين كما يقول في رسالة (دعوتنا):

"إذا عرفت هذا فاعلم أن (الإخوان المسلمون) يرون الناس بالنسبة لهم قسمين: قسم اعتقد ما اعتقدوه من دين الله وكتابه، وآمن ببعثة رسوله وما جاء به، وهؤلاء تربطنا به أقدس الروابط رابطة العقيدة، وهي عندنا أقدس من رابطة الدم ورابطة الأرض، فهؤلاء هم قومنا الأقربون الذين نحن إليهم ونعمل في سبيلهم ونذود عن حماهم ونفتديهم بالنفس والمال في أي أرض كانوا ومن أي سلالة انحدروا.

وقوم ليسوا كذلك، ولم نرتبط معهم بهذا الرباط "غير المسلمين"، فهؤلاء نسالمهم ما سالمونا، ونحب لهم الخير ما كفونا عداوتهم عنا، ونعتقد أن بيننا وبينهم رابطة هي رابطة الدعوة؛ علينا أن ندعوهم إلى ما نحن عليه؛ لأنه خير الإنسانية كلها، وأن نسلك إلى نجاح هذه الدعوة ما حدد لها الدين نفسه من سبل ووسائل، فمن اعتدى علينا منهم رددنا عدوانه بأفضل ما يرد به عدوان المعتدين، ويقول الله تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة: 8-9).
فالإخوان يقبلون القومية العربية على أساس العقيدة الإسلامية، ومبدأ المساواة مع كل عربي حتى غير المسلمين، وكذلك عدم انكسار الخصوصية العربية.

ثانيًا: موقف الإخوان من الوحدة العربية "الجامعة العربية":

من نظرة الإخوان إلى القومية القائمة على الدين، والعروبة القائمة على اللسان العربي والدين الإسلامي، يتضح أن الإخوان أرادوا توحيد العرب تحت راية واحدة، التي هي حلقة في الوحدة الإسلامية الكلية.

لذا أوضح الإمام "البنا" أن وحدة العرب أمر لابد منه لإعادة دولة الإسلام ومجده، وأنه وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية، وتأييدها ومناصرتها، وأن هذا هو موقف الإخوان، ويذكر أيضًا أنه بدون اجتماع كلمة الشعوب العربية ونهضتها لن ينهض الإسلام، ويذكر أنهم يعتقدون أنهم حين يعملون للعروبة، فإنهم يعملون للإسلام، كما جاء في رسالة "دعوتنا في طور جديد".

ويذكر الإمام "البنا" عام 1946م أن الإخوان منذ تأسيسهم رأوا أن الدنيا ستصير إلى التكتل، وأن عصر الوحدات الصغيرة والدويلات المتناثرة قد زال أو أوشك، وأنهم رأوا أنه ليست هناك جامعة أقوى ولا أقرب من الجامعة التي تجمع العربي بالعربي، وأشار في مجلة (الإخوان المسلمون) تحت عنوان "آمالنا في الجامعة العربية" إلى أن هناك عوامل عدة تؤدي إلى الوحدة الكاملة، على العرب أن يأخذوها في حسبانهم، وتتمثل في:

الوحدة الجغرافية: فالأرض واحدة، تمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في اتصال والتحام، لا تقسمها الفواصل الكونية أو التضاريس، مع تميزها بثرواتها الطبيعية واستغنائها بخيراتها.

والوحدة الروحية: فالمسلمون يقدسون الإسلام عقيدة، وغيرهم يعتزون به شريعة قومية عادلة ونظامًا اجتماعيًّا ترعرع في أوطانهم.

الوحدة اللغوية: فاللغة واحدة للمسلمين، وغير المسلمين من العرب الذين يحوطونها بمشاعرهم.

الوحدة الفكرية الثقافية والاجتماعية: تشابه العادات والتقاليد في شعوبهم، وحدة الآمال والآلام التي يمثلها التاريخ المشترك في القديم والحديث، وحدة المصالح العملية المشتركة.

هذه الروابط جميعًا تربط العرب، ومن ثمَّ فإن الوحدة أو الجامعة العربية هي الطريق الطبيعي لنهضة العرب، وهذا يمثل أحد أهداف الإخوان الذين أيدوا الجامعة العربية ورأوها عدة الحاضر وأمل المستقبل.

وكانت مناصرة الإخوان للجامعة العربية ممارسة واقعية لانتمائهم العروبي، وعملاً لإحياء الوحدة العربية، إلا أنهم كانوا يرون تخليصها من كل ما يحيط بها من عوامل الضعف والتخلخل، فـ"البنا" في حديث للإخوان الجامعيين يُعرِّفهم فيه بأهدافهم، ويذكر الوحدة العربية ضمن الأهداف، ثم يقول:

"... والجامعة العربية في وضعها الصحيح يجعلها جامعة حقيقية تضم كل عربي على وجه الأرض في المشرق والمغرب، وتستطيع أن تقول كلمتها، فيحترم تقويتها وتدعيمها، ومن حقنا أن يعترف الناس بها وأن يقدروها قدرها، وأن يؤمنوا بأنها حين تقوى وتعتز ستكون من أقوى دعائم السلام العالمي".

فالإخوان قبلوا مشروع الجامعة العربية، ولو أنه كان من وضع الإنجليز؛ إذ رأوا فيه وسيلةً تيسر الاتصال بشعوب الجامعة، وأنه يمكن أن يعود بالخير على البلاد العربية والإسلامية.

وقد رأى الإخوان أنه لكي تنجح الوحدة العربية، فمن الضروري الالتزام بأسس عدَّة، هي:

الإسراع في توحيد الثقافات حتى تتقارب الأفهام، ويفتح الباب للاندماج الكامل، وهذا يستدعي تغييرًا في مناهج وسياسة التعليم في المعاهد والمدارس العربية وتوحيد الثقافات وجهة واحدة تخدم أهداف الوحدة، وهذا يعني وضع المعاهدة الثقافية بين الدول العربية موضع التطبيق؛ حتى لا تظل الوحدة مقصورة على ناحيتها الرسمية بين الحكومات، والعمل لتحقيق الوحدة السياسية برفع الحدود والوحدة الاقتصادية، وأن الجامعة العربية أداة لجمع كلمة العرب وتوحيدهم في قوة واحدة لتحقيق رسالتهم في الحياة لنشر المثل العليا، وأن تقوم الجامعة بحقها في حماية العرب وصيانة استقلالهم من خلال اتفاقية الدفاع العربي المشترك.

وما زال الإخوان ينظرون إلى الجامعة العربية هذه النظرة، إلا أنها قد خيبت كثيرًا من الآمال.

وقد رأى الإخوان في التجمع العربي أنه يمثل حلقة وسيطة من حلقات النهضة المطلوبة بين الوطنية والوحدة الإسلامية، وهي عندهم ضرورية لتحقيق الاستقلال السياسي والحرية- كما يقول الإمام "البنا"- يؤيد الإخوان الوحدة العربية باعتبارها الحلقة الثانية في النهوض.

والوحدة العربية أو التجمع العربي له وظيفة نضالية عند الشهيد "سيد قطب" عبر عنها بوضوح في كتابه "دراسات إسلامية"، وهو بصدد بيانه عن الكفاح من أجل التحرر؛ إذ يقول: "إن بعضنا يؤثِر أن يتجمع تحت راية العربية، ولا مانع من ذلك، مع أن يكون تجمعًا وقتيًّا يهدف إلى تجمع أكبر منه، فليس هناك تعارض جدي بين القومية العربية والوطنية الإسلامية إذا نحن فهمنا القومية على أنها خطوة في الطريق.

إن أرض العرب كلها جزء من أرض الإسلام، فإذا نحن حررنا الأرض العربية، فإننا نكون قد حررنا بضعة من جسم الوطن الإسلامي، نستعين بها على سائر الجسد الكبير الواحد، وواجبنا أن نتكتل على الأقل تمشيًّا مع منطق العصر، إن لم يكن تمشيًّا مع منطق الإسلام".

دور الإخوان العملي في الوحدة العربية:

لم يكن اهتمام الإخوان بالعروبة واقفًا عند التبني الفكري فحسب، بل كان يمثل أساسًا لحركتهم السياسية، ففي اجتماع مشترك بين ممثلي الإخوان وممثل الضباط الأحرار- للتمهيد لحركة يوليو 1952م- قال "صالح أبو رقيق" لـ"جمال عبدالناصر": "الذي يعنينا من ناحية السياسة الخارجية تدعيم الوحدة العربية لتصبح حقيقة واقعة.. فنحن أمة يمكن أن يكون لها وزن حقيقي، وقد تبنى الإخوان قضايا العالم العربي جميعًا، وخاصة قضية تحرير الدول العربية من الاستعمار الغربي، وقضية الوحدة العربية، ودائمًا ما تمتلئ صحفهم منذ نشأتها بأخبار الدول العربية والدفاع عن قضاياه والتوعية بأوضاعه السياسية والاقتصادية والعسكرية".

وكان أبرز دفاع الإخوان عن الوحدة العربية دخولهم الفعلي في حرب فلسطين عام 1948م لقتال اليهود والمحتلين، وقد أظهروا براعة فائقة، شهد بها الجميع في التضحية من أجل تحرير البلادن ويعد هذا دليلاً واقعيًّا على مدى سيطرة هذا الشعور العربي بالمضمون الإسلامي على أفراد الإخوان، وما زال الإخوان إلى اليوم يطالبون الدول العربية بفتح باب الجهاد لتحرير فلسطين ثم العراق مؤخرًا.

كما آزر الإخوان قضايا المغرب العربي منذ عام 1944م عندما أقاموا مؤتمرًا بالمركز العام لبحث قضاياه، شهده علماء الجزائر والمغرب.
وكان بالمركز العام للإخوان منذ الأربعينيات قسم للاتصال، من لجانه لجنة لدراسة شئون ليبيا وتونس والجزائر ومراكش، ولجنة لدراسة شئون فلسطين وسورية ولبنان والأردن والعراق، ولجنة لدراسة شئون الجزيرة العربية واليمن وإمارات الجنوب والخليج العربي، وكانت كل لجنة تقوم ضمن أعمالها بإعداد ملفات خاصة بكل بلد يحوي جميع البيانات الخاصة بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فيها.

وكان لهذا القسم مؤتمر سنوي دوري لدراسة أوضاع تلك البلدان وغيرها، كما كان يقيم معسكرات تجمع وفودًا من تلك البلدان في مصر وغيرها.
ومن ثم فإن الإخوان- برغم تحفظهم على نشأة القومية العربية- قد تقبلوها على أنها نزعة توحيد لشعب مبعثر في دويلات، وعلى أنها خطوة في طريق الجامعة الأعم وبمراعاة الآصرة القوية بين الإسلام والعروبة.