بقلم: عبدالرحمن فهمي

 

يعيش الناسُ في دروب الحياة فيواجهون- أفرادًا وجماعاتٍ- حالاتٍ من الإفساد في الأرض، قد يواجهها الإنسان في نفسه أحيانًا أو في إخوانه المؤمنين بعض الأحيان، أو في بعضِ مَن حوله من المنافقين أو الكافرين، وقد تتحوَّل الأفعال من هؤلاء أو أولئك إلى سمةٍ تلتصق به ويتسمَّى بها.. وفي كل تلك الأحوال يسأل الإنسان أو المجتمع نفسه: ما السبيل إلى مواجهة هذا الإفساد؟

والآيات التي استعرضناها من كتاب الله تُعلمنا أن تلك المواجهة كانت هي الجوهر الحياتي العملي لرسالات الرسل والأنبياء، وقد صكَّ القرآن مصطلحًا لعملية المواجهة تلك؛ إذ سمَّاه "الدفع"، كما رأينا في آية سورة البقرة 251، لكنَّ النظر في سياق الآية يدلنا على أنها كانت تتكلم عن مستوى ودرجة من درجات ذلك الدفع وهو القتال، والذي يمكن أن يمثل قوسًا أيسرَ وحدًّا أقصى لعملية الدفع تلك، والبحث في مادة "د ف ع" في القرآن الكريم يرسم لنا القوسَين الذي يمكننا أن نضع بينهما مراحل "الدفع":

- فالآية 251 من سورة البقرة، ومعها الآية 40 من سورة الحج: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ والآية 167 من سورة آل عمران:﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ ادْفَعُوا﴾.. كل تلك الآيات ترسم لنا قوسًا أيسرَ كما قلت وحدًّا أقصى لمنهج التدافع.

- بينما تعطينا الآية 96 من سورة المؤمنون: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ والآية 34 من سورة فصلت: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ قوسًا أيمنَ لمنهج التدافع، وبين هذين القوسين تأتي مراحل "التدافع" المتدرِّجة.

- تمثل الآيتان 5 و6 من سورة القصص أهدافًا عُليا للتدافع: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾

 * تمكين المستضعفين

 * دحر المفسدين المستكبرين في الأرض

مراحل منهج التدافع

ويمكننا أن نتبين مراحل منهج التدافع القرآني من الجدول التالي:

 

   

 الدفع بالتي هي أحسن مقصور على الإفساد الخاص لا العام

 الحلم والصفح والعفو، وهي المرحلة الأولى في منهج الدفع، وتدلنا عليها الآيتان السابقتان، كما تدلنا عليه الآية 40 من سورة الشورى والتي تناولناها سابقًا وإذا كان "الجلالين" يورد في تفسير الآية الأولى أنها جاءت قبل الأمر بالقتال، فإنه يقول في تفسير الآية الثانية: ادفع السيئة بالخصلة التي هي أحسن، كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو، فيصير عدوُّك كالصديق القريب في محبته إذا فعلت ذلك، ومن ثم فإننا لا نرى أن الدفع بالتي هي أحسن مرحلةٌ تاريخيةٌ نُسخت بالقتال، بل إنها مرحلةٌ عمليةٌ من مراحل الدفع تُستخدم فيما يناسبها من ظروف صالحة للتكرار في أي زمان ومكان.

 البدء بالنفس

  بأن يبدأ الفرد أو الأسرة أو المجتمع بإصلاح ما أفسده، أو بإصلاح ذات بينه (بإصلاح موجبات فساد البين من أسباب نفسية أو مادية) أو بالإصلاح فيما استُرعِي فيه الإنسان، وهي المرحلة التي تدلنا عليها الآيات 160 و220 و 224 و 228 من سورة البقرة، و39 من سورة المائدة، و48 و54 من سورة الأنعام، و35 من سورة الأعراف، 16، و35 و128 و 129 و 146 من سورة النساء، والآية 89 من سورة آل عمران، والآية 1 من سورة الأنفال، والآية 117 من سورة هود، والآية 119 من سورة النحل، والآية 5 من سورة النور، والآية 9 من سورة الحجرات.

  النصيحة

  المرحلة وهي المرحلة وهي المرحلة التي يدلنا عليها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة" قلنا لمن يا رسول الله؟ قال "لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، والتي تدلنا عليها الآيات 182 و 224 و 228 من سورة البقرة، والآية 35 من سورة النساء، والآية 1 من سورة الأنفال، والآية 183 من سورة الشعراء، والآية 77 من سورة القصص، والآية 36 من سورة العنكبوت، والآية 9 من سورة الحجرات، والآيات الكثيرة التي تتحدث عن حوار المرسلين مع أممهم، كالآيات 62 و 68 و 79 و 93 من سورة الأعراف والآية 34 من سورة هود والآية 20 من سورة القصص.

  تعاون المصلحين

 وهي المرحلة التي تدل عليها كل الآيات التي جاءت في الإصلاح بصيغة الجمع، كما تدل عليها الآية 2 من سورة المائدة ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾

 موالاة المصلحين بعضهم بعضًا

  والموالاة درجةٌ أعلى من التعاون، وهي تعني النصرة في الإصلاح، والنصرة على دفع الإفساد، وتدلنا عليها الآية 73 من سورة الأنفال، والآية 71 من سورة التوبة: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وغيرها من الآيات التي تتحدث عن موالاة المؤمنين لبعضهم البعض في الإصلاح، وحرمة موالاة المفسدين من غيرهم، وفي هذا الباب تندرج الأحلاف التي تتعاون على دفع الظلم وإقامة العدل كحلف الفضول، وغيرها من الأحلاف بين المؤمنين وغيرهم من أجل "دفع" عمل من أعمال الإفساد في الأرض المستشرية في عصرنا.

  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

 وهي مرحلةٌ عظيمةُ الشأن في حياة المجتمع المؤمن، وهي قريبة الصلة بالموالاة من جهة أن الآية 71 من سورة التوبة السابق ذكرها تُليَت بمقومات الموالاة بين المؤمنين.. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، وتدل عليه الآيات 11 من سورة البقرة، و85 و 116 من سورة هود، و183 من سورة الشعراء، و77 من سورة القصص، و36 من سورة العنكبوت، وعمومًا يمكن تلمُّس ما جاء في الباب من آياتٍ بالكشف في المعجم المفهرس عن الآيات الوارد فيها كلمة "أمر" أو "نهي".

  العقاب التشريعي

 وهي المرحلة التي يُستدل عليها من الآية 33 من سورة المائدة والتي تتناول حد الحرابة.

  جهاد الدفع (بالقتال)

  وهي المرحلة الأخيرة من منهج التدافع، فكما يقولون: آخر الدواء الكي، وهي المرحلة التي تدل عليها الآية 251 من سورة البقرة، والآية 40 من سورة الحج، والآية 167 من سورة آل عمران السابق ذكرها، كما يمكن الاستدلال عليها بما ورد من آيات حول القتال في القرآن.

  الدعاء

  وهي مرحلةٌ يمكن أن تكون مصاحبةً لجميع المراحل السابقة، إما دعاءً بهداية أو توبة لمن يُرجى منه ذلك، أو دعاءً على الظالمين والمفسدين في الأرض، وبالنصر عليهم إن لم يُجدِ غير ذلك، ودليلها من الآية 30 من سورة العنكبوت.

  اتخاذ حاجز أو سد لمنع الإفساد

  ويُتخذ في حالة العجز عن دفع إفساد المفسدين، وتدل عليه الآية 94 من سورة الكهف، ومن هذا الباب عَقد المعاهدات التي تلي جهاد الدفع، ومعاهدات عدم الاعتداء، والمؤمن المصلح يميل دائمًا إلى استنفاذ كل الوسائل التي تحقن الدماء، طالما ستحقق "دفع" الإفساد"، وقد ينظر البعض إلى هذا النوع من الدفع على أنه دفعٌ "سلبي" في مقابل مراحل الدفع الإيجابي المختلفة المذكورة، وهذا قد يصح إذا كان نوعًا من الانسحاب والخوف من المواجهة ولو حتى بالنصح والأمر والنهي، أو قد يُعدُّ استسلامًا في حالة قبول استمرار أعمال الإفساد.

 

ملاحظات عامة حول تطبيق المنهج

ولتطبيق هذا المنهج بمراحله أودُّ أن أُورد بعض الملاحظات الختامية:

- أن تلك المراحل ليست مراحل تاريخية ينسخ بعضها بعضًا كما قلت، بل إنها مراحل حياتية عملية، تُطبَّق بحسب ما يقتضي الواقع المتغير.

- استنفاذ وسائل الدفع السلمي أَولى من القفز إلى وسائل الدفع القتالي، إلا إذا بدأ المفسدون "الإفساد المسلَّح" فيجب البدء بالدفع القتالي، ويلي ذلك عقد المعاهدات التي يمكن أن تندرج تحت بند اتخاذ حاجز.

- أن الواقع يقدَّر بقدره لاختيار ما يتناسب معه من مرحلة أو مراحل للدفع.

- ما لا يُقبل أبدًا بأي حال أن يقبع الصالحون متفرِّجين مستسلمين أو صامتين، بينما يقوم المفسدون بالإفساد في الأرض؛ لأن في صمتهم وسلبيتهم هلاكًا لهم، ولو أخذوا على أيديهم لنجَوا ونجَوا جميعًا، ويكفينا في ذلك أن نقرأ الآيات 163- 166 من سورة الأعراف، والتي نختم بها ورقتنا تلك؛ عسى ألا يجعلَنا الله شياطينَ خرساءَ تسكت وتجبن عن مواجهة الإفساد:

﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ* وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ* فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ* فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾.