بعد ستين عاما من المطالبة بمنحه وضعا قانونيا، حصل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا على اعتراف رسمي من قبل مجلس الوزراء الإثيوبي، وهو ما اعتبره مراقبون إنجازا غير مسبوق.

وقال مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إن مجلس الوزراء أقرّ الجمعة بالإجماع مشروع قانون يعترف رسميا بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الذي يتولى شؤون المسلمين في البلاد. ويأتي القرار استجابة لمطالب المسلمين باعتماد تشريعي لمؤسسة دينية تنظم حياتهم، وتنفذ التشريعات الإسلامية، وتضمن حقهم في إقامة علاقات مع مختلف المؤسسات الدينية والمجتمعات الأخرى. وبإضفاء الشرعية القانونية عليه، يصبح المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية مؤسسة دينية إسلامية ذات سيادة كاملة، تسن القوانين التي تعنى بشؤون التعاليم الدينية وإنشاء المؤسسات التابعة لها.

وفي مايوالماضي اتفق مسلمو إثيوبيا على تشكيل لجنة علماء مؤقتة برئاسة المفتي العام للبلاد الشيخ حاج عمر إدريس، لتسيير أمور المسلمين لحين إعادة بناء هيكلة جديدة لتكوين كيان إسلامي جامع يمثل المسلمين بشكل رسمي. وتمثلت مطالبهم في الحصول على اعتماد تشريعي للمؤسسة التي تمثلهم مع ضمان استقلاليتها، وعدم استغلالها من الحكومات المتعاقبة لأهداف سياسية.

وتسلم الشيخ حاج عمر إدريس -المفتي العام لإثيوبيا ورئيس مجلس العلماء- رئاسة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، في اتفاق تاريخي بعدما عصفت الخلافات بمختلف مكونات المجتمع الإسلامي طوال السنوات الماضية.

تاريخ الاسلام

تأسست منارات علمية كبرى في دري شيخ حسين في منطقة بالي التي انتشرت منها علوم الإسلام منذ القرن الثالث عشر الميلادي في الجنوب، وهي مرشحة الآن لتسجيلها ضمن التراث الإنساني لدى اليونيسكو، وفي مدينة هرر في الشرق، حيث تعتبر حسب تصنيفات اليونيسكو ثالث أقدس مدينة في التراث الإسلامي، وفي جما أبا جفار في الغرب حيث استقرت فيها مملكة عظيمة حتى ضُمت إلى إثيوبيا الحديثة، وفي الشمال داوي في منطقة وللو التي تعتبر امتدادًا للملكة إيفات التاريخية، وفي كل هذه المناطق تأسست مدارس للتراث والفقه الإسلامي الحنفي والشافعي في حلقات علمية كبرى بمساندة من محاضن اجتماعية تتكفل بنفقة الآلاف من طلاب العلم والعلماء.

عشية تكوين إثيوبيا الحديثة في 1886 وضم السلطانات الإسلامية في الشرق والجنوب، وجد مسلمو إثيوبيا أنفسهم أمام قوة عاتية تدفعهم نحو الانصهار في دولة مسيحية تنادي بوحدة الدين واللغة، وفي أربعينيات القرن الماضي اندلعت حركات تحرر وطنية تنادي بالعدل والمساواة أو بالانفصال، وكانت مرجعياتها قومية وسياسية، ولعب المسلمون فيها دورًا بارزًا بحكم انتماءاتهم القومية والسياسية، ولم يستحضروا انتماءهم الديني إلا في إطاره التعبدي.

ظلت القيادات الدينية الاسلامية التاريخية تبحث عن الحرية الدينية والثقافية للمسلمين، وتطالب بإزالة هيمنة الكنيسة على الدولة، ومن هنا تقاطعت أهدافها الدينية مع المصالح السياسية للحركة الشيوعية التي رغبت في كسر هيمنة الكنيسة على الحياة السياسية في إثيوبيا في 1974، فأسست المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية كهيئة مدنية تمثل المسلمين.

وخلال العقود الثلاث الماضية تمكن المجلس من المحافظة على وجوده ومن تمثيل المسلمين وإبراز وجودهم، وذلك رغم محدودية الإمكانات الذاتية والواقع السياسي المعقد وتغلغل السلطات السياسية والأمنية على قراره وتحجيم دوره.