بقلم: صادق أمين

ما أصدق الشاعر القديم حين قال:

نعيب زماننا والعيب فينا          وما لزماننا عيبٌ سوانا

ما جلست مرة مع بعض الزملاء القدامي إلا وتطرق الحديث إلى "أيام زمان" أيام الدراسة والعمل في الجامعة وبين الطلاب، ويتنهد الجميع في أسى وحسرة على أيام الحماسة والنشاط والعمل والحركة، ويتأسفون على حالهم الآن من كثرة المشاغل والمشاكل الحياتية التي تستهلك معظم أوقاتهم، فالكل مشغول بمتطلبات الحياة والسعي على الرزق والشئون الخاصة شخصية كانت أو اجتماعية حتى لا يكاد يجد وقتًا للعمل الدعوى.

والطريف أنَّ أحد إخواننا الشاكين مثلنا من ضيق الوقت دعانا لتناول طعام الغداء في أحد المطاعم، وقضينا ما يقرب من أربع ساعات في التهيؤ للذهاب وانتظار إعداد الطعام، والحديث أثناء الأكل، وبعده حول أعمالنا ومشاريعنا ومشاكلها، وظروفنا وتطلعاتنا المادية والحياتية، وكان يمكن أن يتم الأمر في ساعة واحدة لو تنبهنا وسمعنا نداء دعوة تئن وتستغيث وتشكو عقوق الدعاة.

وهذا يدفعنا لأن نتساءل بصراحة وصدق مع النفس: هل المشكلة فعلاً في تغير الظروف وضيق الوقت وضعف الجهد لدى الدعاة؟.. وهل هو السبب الحقيقي لضعف الحركة في الدعوة عمومًا؟ وبالتالي ضعف نتاجها وأثرها؟.

أشك في ذلك.. ومبعث شكي ما أراه واقعًا من الكثيرين ممن يشكون هذه الشكوى:

أ‌- الوقت المبذول لغير الدعوة

فلا يضيق وقت الكثيرين عن فترات النزهة والترفيه المنتظمة للأهل والأولاد والرحلات الطويلة والمصايف، وبعضها صار سننًا مؤكدة لديهم، ولا يضيق الوقت عن زيارات الأقارب ومجاملات الزملاء والعملاء في المناسبات المختلفة.

وإذا كان الوقت لا يضيق عن هذه الأمور، ويجد الفرد لها متسعًا في برنامج حياته، ولا نراه يومًا اعتذر عنها، فلماذا ضاق عن تكاليف دعوة غالية وواجباتها، ولم كانت هي أهون الواجبات التي نجور عليها ونقتطع منها دون تأنيب ضمير؟.

ب- الأوقات الضائعة

وهذه الأوقات الطويلة المبذولة أثناء التواجد في أماكن العمل أو المنزل فيما يندرج تحت غير المهم أو غير الأولى أو فيما لا هدفَ من ورائه مثل:

قراءة الجرائد والمجلات دون هدف من وراء ذلك يفيد في دين أو دنيا، والأحاديث العامة والمناقشات حول الأمور السياسية والأحداث الاجتماعية ومشاكل الناس وأحوالهم، والاتصالات التليفونية الطويلة والتي الغرض منها يستدعي هذا الوقت المبذول فيها.

ج- الترف والبذخ في الحياة الشخصية والأسرية

وهذا الترف والبذخ يتسع ليشمل فاخر الطعام والشراب والملابس والرحلات والنزهات، والولائم باهظة التكاليف، واقتناء فاخر التحف وأحدث أنواع السيارات، وغير ذلك كثير، وكل هذه الأشياء لا غبارَ عليها إن كانت لا تمثل عبئًا على دخل الفرد، وبالتالي على وقته وجهده المبذول في العمل للدعوة ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: 32).

أما إن كانت تمثل نسبة ليست بالصغيرة من دخل الفرد، وهذا الدخل يوفره الفرد بعد جهد جهيد في العمل ويستغرق جُلَّ وقته وصحته واهتمامه، ويشغله عن دعوته كليةً أو يكاد، فحينئذ ألا يحق لنا أن نراجع و نعاتب.

ولايذهبن بأحد الظن أننا لا نُقدِّر طبيعة الظروف الاقتصادية التي تمر بها مجتمعاتنا، والتي تضغط بثقلها، وتفرض علي الكل الانشغال بطلب الرزق، والانهماك في العمل فترات طويلة، أو الارتباط بأكثر من عمل في أماكن مختلفة، وما يتطلبه ذلك من وقت وجهد كبير.

فذلك حق وإننا لنعذر الدعاة الذين يفرض عليهم هذا الوضع استقطاع جزء كبير من وقتهم لتوفير ضرورات الحياة الأساسية لأسرهم ومَن يعولونهم، وهؤلاء لابد أن نلتمس لهم العذر ولا نوجه إليهم لومًا أو تأنيبًا، وإنما يحتاجون منا:

مشاركتهم همومهم ومشاكلهم، ومعاونتهم على الخروج من ذلك الوضع القاسي، وحسن استغلال المتاح من أوقاتهم في خدمة الدعوة بأفضل صورة ممكنة.

أما من انساق من الدعاة في تيار الحياة الجارف، وسيطرت عليه الطموحات المادية والرغبة في الثراء والإكثار من المال، على حساب وقته وجهده المبذول لدعوته، حتى أصبح لها هامش وقته وفضوله، وربما أعطى هذا الهامش متثاقلاً، ترى هل يكون له عذر؟!.

الأسباب الحقيقية للمشكلة

وإذا كان الأمر كذلك.. فما هي الأسباب الحقيقية لهذه المشكلة؟:

هذه المشكلة تنبع من أحد أمرين اثنين أو كلاهما:

أ- برودة القلب

ونقصد به ضعف أو انعدام الانشغال القلبي بأمر الدعوة إلى الله، واستحضار عظمة ثوابها وفضلها عند الله، وضرورتها وخطورتها فى واقع الإسلام والمسلمين، ومزاحمة مشاغل الحياة ومشاكلها لها في قلب الداعي أو في حقيقة الأمر حلولها محلها.

وتحول الدعوة في نفس الفرد من مهمته الكبرى ومحور حياته الأساسي إلى إحدى قضايا حياته وأحد محاورها، تسبقها في الأهمية والتأثير في القلب والشعور قضايا كثيرة شخصية ومادية واجتماعية.

إنها قسوة القلب التي حذرنا منها الحق سبحانه وتعالى ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: 16).

ولا بد لنا جميعًا أن نتذكر أننا أصحاب دعوة، دعوة عظيمة وغالية، سبقنا في السير على طريقها الأنبياء والمرسلون، وقافلة طويلة من الدعاة والمجاهدين والشهداء، دعوة لها أهداف عظيمة وسامية تحتاج جهودًا ضخمة ومتواصلة، وتواجه ضغوطًا ومؤامرات عالمية منظمة تقف وراءها دول وأحزاب ومنظمات وهيئات كلها تحارب الإسلام ودعاته بلا هوادة.

ولا بد أن نتذكر أيضًا أن التضحية عنصر لازم لأصحاب الدعوات، وما قامت دعوة ولا نجحت فكرة إلا بتضحية دعاتها في سبيلها وبذلهم لأجلها ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة :24)‏.

ب- ارتباك العقل

ونقصد به: غياب التفكير المنظم والمرتب في الحياة عمومًا، وفقدان الإدارة الصحيحة للوقت والاستفادة منه كما ينبغي.

ونقصد أيضًا: غياب التفكير المنظم والمرتب في أمر الدعوة عمومًا، وبالتالي غياب الخطوات المرتبة في التنفيذ والحركة، ومن ثم عدم الاستفادة من الوقت المتاح للدعوة سواء قلَّ أو كثر.

علاج المشكلة

يتمثل علاج هذه المشكلة في ثلاثة أمور:

1- إصلاح القلب ورفع الهمة

فإذا كانت قسوة القلب وضعف الهمة وانشغال النفس بالدنيا هي السبب الأول في المشكلة، فلابد أن يبدأ الحل من موطن الداء ومصدر العلة، وصدق الله العظيم﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم﴾ (الرعد: 11)، فليراجع الداعية نفسه أولاً، ويسأل نفسه بصراحة:

- هل يستحضر غايته الكبرى، وهي رضا الله سبحانه وتعالي، والفوز بالجنة والنجاة من النار؟.

- هل صلته بالله، وأداؤه للطاعات والعبادات محل اهتمام ومراجعة؟ وهل هناك حرص على زيادتها واتقانها؟.

- هل هو متساهل مع نفسه، متوسع ومسرف في المباحات، أو غير متحرز من صغائر الذنوب والآثام؟ وهل يعلم ما لذلك من آثار لعل من أسوئها:

حرمان التوفيق: فإن هذه الصغائر إذا تراكمت صارت رانًا على القلب يصيبه بالقسوة والجفاف، وبالتالي تتثاقل الأعضاء عن الطاعات والعبادات، وتغيب الفراسة المؤمنة، وتعمى البصيرة، ويحرم صاحبها من التوفيق ﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين﴾ (يونس: 81).

وحرمان بركة الوقت: وكم من الأعمال بذل فيها من الوقت والجهد، ونالت من الهمِّ والاهتمام الكثير ثُمَّ لم تكن لها نتيجة تُذكر أو أثر ملموس، ولم يعد من ورائها رزق كان منتظر بحسابات الأوراق والأقلام والأرقام، وكم من أبواب توفيق فُتحت ويسرت لم تكن في الحسبان، وربما نسينا في غمرة انشغالنا بالدنيا قوله تعالي ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِب﴾ (الطلاق: 2-3).

2- ترتيب الفكر والعقل

وترتيب الفكر والعقل يشمل ثلاثة أمور:

أ- إدارة الوقت في حياته عموما إدارة صحيحة:

ربما كان الداعية حي القلب عالي الهمة، ولكنه لا يعرف كيف يدير وقته وينظمه تنظيمًا صحيحًا، فهو في حالة ارتباك دائم وإحساس بكثرة الأعمال والواجبات وشعور بالإرهاق لا ينتهي، ومع ذلك ربما كان ناتج عمله وتعبه بسيطًا لا يكافئ هذا الانشغال، ومن هنا وجب على كل صاحب هدف جاد، وخصوصًا الداعي إلى الله، أن يتعلم كيفية إدارة وقته وتنظيمه والاستفادة منه بصورة علمية صحيحة.

ب- تنظيم الفكر في الدعوة:

لا بد أن يراجع الداعية نفسه ويتساءل:

- هل أسس الدعوة وأساليبها ووسائلها العملية، واضحة في ذهنه ومرتبة في فكره، أم أنها أفكار وخواطر عشوائية متناثرة؟.

- هل استطاع تحويل هذا الفهم إلى خطوات عملية مرتبة وسهلة التنفيذ، وواجبات عملية منتظمة يمكن متابعتها ومراجعتها؟.

- هل له مع نفسه وقفات منتظمة للمراجعة والمحاسبة والتقييم، يفكر في سيره في الدعوة، وما يواجهه من مصاعب ومشكلات؟.

لا بد أن يكون للداعية ورد محاسبة منتظم لمتابعة ومراجعة وتقييم وتقويم أدائه في الدعوة، وتنفيذه لتكاليفها وواجباتها.

ج- التعامل المناسب مع ظروف ضيق الوقت وضعف الجهد:

والتعامل المناسب مع ظروف ضيق الوقت وضعف الجهد يتحدد في ثلاثة أمور:

1- جعل مكان العمل مركزًا للدعوة:

وهذا أحد الحلول الجادة والمطروحة لعلاج المشكلة، ولنا أن نتساءل بصراحة:

- لم لا يقوم هذا الداعية بدور دعوي واضح في أماكن عمله وتواجده الدائم، ومع الأفراد الذين يختلط بهم ويعايشهم معظم وقته؟

- ولم لا يتحول مكان العمل إلى مركز من مراكز الدعوة ومنطلقاتها؟

- ولم لا يشعر زملاء الداعية في عمله أو أقاربه بأثر الدعوة في حركاته وتعاملاته معهم؟

2- العمل المستمر المنتظم ولو كان قليلاً:

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "أحب الأعمال إلي الله أدومها وإن قل"، وعلمنا هذه السنة النبوية والقاعدة التربوية العظيمة، وهي المحافظة والثبات والاستمرار على الأعمال مهما كانت قليلة فإنَّ فيها البركة والإنتاج المثمر.

فلم يخصص الداعية وقتًا منتظمًا وإن كان بسيطًا للواجبات الدعوية، ويحافظ على استمراره، ويجعله من ثوابت واجباته ومواعيده, ويجتهد في الاستفادة منه بأقصى ما يستطيع؟

ومن ألطف ما قيل في هذا الشأن ما ذكره أحد الصالحين القدماء ناصحًا ومذكرًا: "إنَّ في العام اثنين وخمسين أسبوعًا لو غفلنا ولهونا عشرة أسابيع منها، ثم تصورنا كيفية الاستفادة من الاثنين والأربعين الباقين منها بانتظام لوجدنا شيئًا عظيمًا:

لو حفظ فيها الإنسان عشر آيات أو حديثًا واحدا أسبوعيًّا لصار لديه زاد وفير؟

ولو قرأ كتيبًا أو كتابًا كل شهر لنمت ثقافته في نهايتها نموًا كبيرًا.

ولو استمع الفرد فيها إلى أربعين محاضرة أو شارك في أربعين ندوة لتحول فكره فيها تحولاً عظيمًا.

ولو تزاور فيها صديقان مرة أسبوعيًّا لصارت صداقتهما مضرب المثل.. وهكذا"، فاعتبر أيها الداعية وانطلق.

3- استغلال الفراغات البينية

ونقصد بذلك أن يستفيد الداعية من كل فرصة متاحة يلتقي فيها بأحد المدعوين- مهما كان وقتها بسيطًا ومهما كانت ظروف اللقاء- في تبليغ الدعوة وتعميقها.

ومن العيوب والأخطاء الشائعة، أن كثيرًا من الدعاة يقضون مع المدعوين أوقاتًا متعددة وفي مناسبات مختلفة ومع ذلك لا نجد أدنى استفادة من هذه الفرص المتاحة، إنما هو الحديث العابر الذي لا يحمل معنى ولا يرمي هدف، وإنما هي التصرفات العشوائية التي لا تؤلف قلبًا ولا تزيد رابطة ولا تقدم قدوة تحتذي بل ربما كانت إلى الضد أقرب.
 
الداعية الموفق

هو من كانت دعوته بأفكارها ومفاهيمها وواجباتها وآدابها حاضرة في ذهنه.. ثم لديه القدرة على إيصال ذلك كله من خلال التزامه وسلوكه العملي، ومن خلال خواطره اللطيفة الموفقة حسب الأحوال والظروف، وتعليقاته الهادفة على المواقف والأحداث.