في ذكرى وفاته

ولد الأستاذ المحامي حسن محمد العشماوي في محافظة المنيا بصعيد مصر 1340ه 1921م، ونشأ في أسرة كريمة معروفة، وتلقى تعليمه في المدارس الابتدائية والثانوية، ثم التحق بكلية الحقوق، وتخرج فيها سنة 1942م، ثم حصل على دبلوم القانون الخاص 1942م، ونظرًا لتفوقه اشتغل في النيابة والقضاء.

ثم استقال من منصبه في أواخر الخمسينيات كوكيل للنائب العام، وعمل بالمحاماة 1949م.

وكان قد انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين سنة 1944م.

ونظرًا لملكاته ومواهبه، تقدم إلى الصفوف الأولى في الجماعة متحملاً عبء الدعوة ومسئوليتها، وقد تولى الدفاع عن الإخوان المتهمين في قضايا الجيب والأوكار، وفاز بعضوية مجلس نقابة المحامين، وعمل مع والده بمكتب المحاماة، وقد عهدت إليه الجماعة ليكون أحد طرق الاتصال بتنظيم الضباط الأحرار الذي أنشأته مجموعة من ضباط الإخوان المسلمين سنة 1948م ليكون له حرية الحركة وحرية قبول الأفراد الآخرين من الضباط غير الملتزمين بالاسم، كما اقترح جمال عبد الناصر ذلك على الرئيس محمود لبيب؛ لأن التوسع لا بد منه وليس كل الضباط يلتزمون بالشروط الخلقية التي يتطلبها الانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين والحاجة جد ماسة لتوسعة التنظيم، ليشمل أكبر عدد من الضباط الناقمين على العهد الملكي والمطالبين بالتغيير، وكان لعبد الناصر ما أراد؛ حيث اقتنع الصاغ محمود لبيب بوجهة نظره.

وكان اتصال الأستاذ حسن العشماوي بعبد الناصر عام 1951م أثناء معارك الإخوان المسلمين في قناة السويس ضد الإنجليز بعد إلغاء معاهدة 1936م؛ حيث أراد الضباط الأحرار التعاون مع الإخوان في المعركة، وتقديم خبراتهم وتدريبهم للمقاتلين وتهيئة السلاح اللازم، وكان ذلك أول لقاء بين حسن العشماوي، وجمال عبد الناصر، وقد توثقت الصلة فيما بينهما، حتى إذا حصل حريق القاهرة في يناير 1952م، وكان الضباط الأحرار لديهم أسلحة وذخائر في بيوتهم، وخشي عبد الناصر من تفتيش بيوت الضباط من قبل البوليس، اتصل بالأستاذ حسن عشماوي وطلب منه أن يخفي الأسلحة في مكان أمين، فاستجاب العشماوي لطلب عبد الناصر على الفور وبدأ نقل الأسلحة إلى مزرعة أهله في مدينة الشرقية؛ حيث أحضر عبد الناصر تصميمًا هندسيًّا لمخزن الذخيرة وتم الحفر في المزرعة دون علم أحد من آل العشماوي باستثناء حسن العشماوي وزوجته ومنير الدلة وعبد القادر حلمي وعبد الناصر.

وفي بداية عهد الثورة كانت الحكومة في حاجة إلى قرض مالي بعد أن جمَّدت بريطانيا رصيد مصر من العملات الإسترلينية عقب إلغاء معاهدة 1936م؛ ما اضطر عبد الناصر إلى تكليف حسن العشماوي والفضيل الورتلاني بالسفر إلى الكويت لطلب قرض من حكومتها لحكومة الثورة في مصر، كما أن كفاءة حسن العشماوي القانونية أهّلته ليكون عضوًا في لجنة وضع الدستور المصري عام 1953م.

ولكن النجاح الذي أحرزته الثورة بدعم الإخوان المسلمين بدأت الثورة تتجه فيه اتجاهًا استبداديًّا لا يرضى بوجود اتجاهات تعارضها في البلاد لا من الإخوان ولا من غيرهم، وبدأ عبد الناصر بتركيز الأمور كلها في يده، وإقصاء كل من يعارضه سواء من الضباط أو غيرهم، بما فيهم الإخوان المسلمون الذين كانوا السند القوي للثورة؛ حيث بدأ القبض عليهم وإدخالهم السجون واحداً بعد الآخر، ابتداءً بالعسكريين منهم، ثم المدنيين من القادة في المرحلة الأولى، حتى شملت الاعتقالات معظم الإخوان المسلمين في القطر المصري بعد افتعال حادث المنشية الذي اقترحته المخابرات الأمريكية على عبد الناصر للتخلص من الإخوان المسلمين، وزودته بالسترة الواقية اللازمة.

وكان نصيب حسن العشماوي الاعتقال وإيداعه السجن، ولم تشفع له الصلة التي كانت تربطه بعبد الناصر، وفوجئ حسن العشماوي بالاتهام وتحقيق النيابة معه بأنه "يحرز أسلحة وذخائر في مخبأ بعزبة أسرة العشماوي بالشرقية"؛ حيث نشرت الصحف على صدر صفحاتها الأولى بخط كبير أن قوات الأمن المصرية عثرت على مستودع كبير مليء بالأسلحة والمواد الناسفة بعزبة تملكها أسرة حسن عشماوي، ولما كان هذا الأمر لا يعرفه إلاجمال عبد الناصر وحسن عشماوي، فقد امتنع العشماوي عن الإدلاء بأية أقوال حتى يحضر عبد الناصر الذي يعرف كل شيء عن هذه الأسلحة، وكانت المفاجأة أن حفظ التحقيق في هذا الاتهام الخطير، لأن هذه الأسلحة هي ملك عبد الناصر وهو الذي أخفاها عند حسن عشماوي.

ولم يمكث حسن عشماوي طويلاً بالسجن الحربي، إذ خرج بعد شهرين، ولكنه كان على حذر بعد انعدام الثقة بين النظام وجماعة الإخوان المسلمين، فاستأجر منزلاً جديدًا يلجأ إليه مع بعض زملائه ممن اضطرتهم ظروفهم للاختفاء ثم لحق به الأستاذ المرشد حسن الهضيبي بعد أن هوجم بيته ليلاً في غيابه، وتأكد أن أمرًا صدر بالقبض عليه، وكانت الأحداث تجري بسرعة، والفتن حالكة الظلام.

وفي هذه الفترة القلقة، اجتمع الأستاذ المرشد مع زملائه أعضاء مكتب الإرشاد مرتين في ظروف بالغة الحرج، وناقش المجتمعون سياسة الجماعة مع الحكومة وموقفها من الاعتقالات التي استشرت كألسنة النيران في صفوف الجماعة على مستوى القطر المصري، واستبعد الحاضرون سياسة العنف مع الدولة،

واقترح البعض القيام باعتصام سلمي يضم الإخوان وغيرهم من أفراد الشعب المصري، يرابطون جميعًا أمام قصر عابدين حتى تنزل الحكومة عن رأيها.

وجاءت حادثة المنشية المفتعلة يوم 28 صفر 1374ه (26-10-1954م) لتزيد الأمور تعقيدًا؛ حيث استغلها عبد الناصر استغلالاً بشعًا في التنكيل بجماعة الإخوان المسلمين والزج بهم في السجون.

وأصرَّ المرشد العام على مواجهة الموقف، ورفض فكرة اللجوء إلى إحدى السفارات العربية، وتم القبض عليه يوم 3 من ربيع الأول 1374ه (30-10-1954م) وأودع السجن مع إخوانه وتلامذته الذين اعتقلوا بالآلاف من مختلف المناطق.

أما الأستاذ حسن العشماوي فرفض أن يسلم نفسه، فاختفى في أحد بيوت معارفه، وفشلت الحكومة في العثور عليه، حتى إنها لجأت إلى أسلوب حقير لإجباره على التسليم، فقبضت على أبيه وكان شخصية عامة ولم تترفق بسنه الذي تجاوز الستين.

بدأ حسن عشماوي مغامرة مثيرة في التخفي والهرب عن عيون الأمن، انتقل خلالها من مدينة إلى أخرى، واستقر به المقام في مكان صحراوي قاحل في صعيد مصر لمدة عام، آواه فيه أحد المجرمين السابقين، وتكفل بحمايته، على الرغم من علمه بأنه أحد الهاربين من بطش الحكومة، وكان الرجل كريمًا ذا مروءة عالية، فقبل هذه المخاطرة، وقد نجح حسن عشماوي في استخراج شهادة ميلاد جديدة عاش بها فترة من الزمن جاوزت الثلاث سنوات مختفيًا عن عيون الحكومة، ثم نجح في الهروب إلى السعودية؛ حيث عمل مستشارًا بوزارة المالية، ومنها إلى سويسرا، ثم المغرب، حيث عمل أستاذًا بكلية الحقوق بجامعة الرباط، ثم استقر في الكويت، حيث عمل نائبًا لرئيس إدارة الفتوى والتشريع، ثم مستشارًا قانونيًا لوزارة الدفاع والداخلية في الكويت.

أهم مؤلفاته

وقد صدرت له بعض المؤلفات منها:

    مع القرآن.. زاد الرحلة الأولى كتاب الله.
    مذكرات هارب.
    قلب آخر من أجل الزعيم (مسرحية عن الدكتاتورية والحرية).
    الشيخ عليش (سياسية رمزية).
    تاريخ الحركة الإسلامية في مصر.
    الأيام الحاسمة وحصادها

شخصيته وصفاته

ولقد كان حسن العشماوي شخصية فذة في ذكائه اللماح، وروحه الوديعة، وصدره الرحب الذي اتسع دائمًا للحوار، في بساطة تضمك إليه، وتسامح يستلب من كل شرس مهاجم حدة العداوة، ولم يكن ذلك إلا تعبيرًا عن تفهم عميق للنفس الإنسانية، وحساسية نادرة للمجتمعات والناس.

كل ذلك في إصرار على الحق ووعي عميق لمنهج القرآن العظيم، تحس بالقرآن محبة في قلوب أولاده، ونغمة تتردد في بيته، ولسانًا عفيفًا وسلوكًا يصاحبه مع العدو والصديق.

ومع الخلق الدمث الوديع كان العقل الراجح المثقف المتفتح الذي يلتمس طريق الحق أيًّا كان مكانه أو مصدره، فالحكمة ضالة المؤمن.

لقد كان حسن العشماوي يرى الإسلام العظيم طريق الإنسانية حتى تقوم الساعة، في رحابة تستوعب كل الثقافات لتمنحها من الإسلام الروح والاتجاه، وتعيدها إلى الفطرة دون أن تسحق إبداعها الفردي أو خصائصها الذاتية.

عاش مع القانون مشرعًا ومراقبًا للتطبيق، فرآه أقوى ما يكون حين ينبع من نفوس الناس اختيارا واقتناعا ومراقبة لله، فأراد للمسلمين حكومة يحس أفرادها أنهم من البشر يجتهدون فيخطئون ويصيبون، فهم يحكمون بشريعة الله من خلال خبرتهم وتقديرهم واختيارهم الشخصي.

كان بيته دائما مفتوحا للجميع، منتدى للفكر، والأخوة، والحوار الدائم والتسامح والحب، عاش بالإسلام خلقا، وللإسلام أملاً وحركة، مهاجرا في سبيله، داعيا إليه حتى آخر نفس من أنفاس حياته.

وفاته

توفي الأستاذ حسن العشماوي يوم الأربعاء 17 ذو الحجة 1391ه (2-2-1972م) في الكويت، وقام بتغسيله صديقه الأستاذ عبد الرحمن سالم العتيقي صاحب الوفاء والمواقف العصامية مع الرجال، ودُفن بمقبرة الصليبخات بالكويت، في جنازة مهيبة من أهالي الكويت والمقيمين على حد سواء.

رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا.