من تراث المستشار/ الشيخ فيصل مولوي*

النفس هي الإنسان بذاتيته وكليته، والإنسان له مهمة خلقه الله لأجلها؛ الخلافة عن الله في عمارة الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة:30)، ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ (هود:61)، وله رسالة كلفه الله بها هي العبادة بالمعنى الإسلامي الشامل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56)، وله فطرة فطره الله عليها هي الإسلام: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (الروم:30).

والنفس الإنسانية يتنازعها بشكل دائم:

1- نداء الفطرة، وهو نداء الأنبياء وأتباعهم والمؤمنون بهم.

2- نداء الشهوات وهو وسوسة الشيطان التي لا تؤثر على الإنسان إلا من خلال الشهوات.

3- وتأثير البيئة والمحيط: "كلّ إنسان يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه .."، وبمقدار استجابة النفس لأحد هذه العناصر الثلاثة تأخذ صفتها، فتكون:

- النفس الأمارة بالسوء، وهي التي يغلب عليها الاستجابة لوساوس الشيطان ولتأثير البيئة المنحرفة: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ..﴾ (يوسف: 53).

- النفس اللوامة؛ وهي التي تستجيب لدواعي الشر، فتنحرف ثم تلوم نفسها وتتوب، ولكثرة الانحراف واللوم تسمى لوامة: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ* وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (القيامة: 1-2).

- النفس المطمئنة، وهي المرتاحة إلى أمر الله وشريعته بدون حرج، والمرتاحة إلى قضائه وقدره، وأنه كله خير، وجزاؤها الجنة: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ (الفجر: 27- 30).

هدف التزكية الوصول بالنفس إلى درجة ﴿الْمُطْمَئِنَّةُ﴾، وذلك يتم عن طريق:

- تخليتها من الآفات والأمراض وسلطان الشهوات، وتحليتها بكل أنواع الأخلاق الفاضلة.

وهذا هو الهدف الأساس للرسالة النبوية. قال عليه الصلاة والسلام: "إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق".

وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا﴾ (الأنعام: 161)، فجعل الإسلام كلّه مجموعة من القيم العليا؛ ولذلك جعل رسول الله- عليه الصلاة والسلام- حسنَ الخلق أثقل أعمال الإنسان يوم القيامة.

والأخلاق نوعان: نفسية واجتماعية، وكلاهما مطلوب:

الأخلاق النفسية: هي التي تتعلق بصلة الإنسان بالله، أو بصفة خاصة، لا علاقة لها بالناس.
وأول هذه الأخلاق: صفاء العقيدة. فالعبودية لله، والحب لله ولرسوله، والإخلاص لله، ومراقبة الله، وتقوى الله، واليقين بالله، والتوكل عليه، والخوف منه... إلخ.

وثانيها: صفاء النفس عن طريق تخلصها من الكبر والإعجاب وتخلقها بالحياء والزهد فيما عند الناس، والصبر على المصائب، والاستمرار على المجاهدة، وغيرها.

والأخلاق الاجتماعية: تلك التي تتعلق بتعامل الإنسان مع سائر الناس، منها: أخلاق يتعامل بها الإنسان مع جميع الناس مسلمين أو غير مسلمين. ومنها أخلاق يتعامل بها الإنسان المسلم مع إخوانه المسلمين، أو مع أقاربه أو جيرانه أو آبائه أو أولاده؛ كالرحمة، والرفق، والحلم، والتواضع، والأمانة، والصدق، والتسامح، والعدالة، والإيثار، والمؤاساة، والكرم، وغيرها.

ومن هذه الأخلاق الاجتماعية أنواع يحتاج إليها الداعية الإسلامي:

- منها مثلاً: النصيحة؛ وهي الدرجة الوسطى من درجات النهي عن المنكر، وأعلاها التغيير باليد؛ وهو إزالة المنكر، وهذا لا يستطيعه إلا القليل، وأدناها: إنكار المنكر بالقلب، وهذا لا يفعله إلا العاجز المضطر، وأوسطها: الإنكار باللسان؛ وهو النصيحة، وهو من أهم صفات الداعية.

- ومنها: الخدمة للمسلمين وللناس أجمعين. فالداعية الحق ليس ذلك الذي يقدم النصائح والمواعظ فقط، ولكنه أيضًا من يشعر بمشاعر الناس، ويخدمهم بلا منة، وقصة رسول الله مع الأعرابي الذي جاء مكة- حيث كان له حق عند أبي جهل فمنعه إيّاه، فاستعان الأعرابي بالرسول على أبي جهل، فأعانه حتى استوفى حقه- دليل على ذلك، وهي مذكورة في كتب السيرة.

- ومنها: تعلم أدب الخلاف وأصول الحوار والمناقشة، وعدم اتهام النوايا، ولنا في قصة "أسامة بن زيد"، الذي قتل المشرك بعد أن أعلن إسلامه، وقال: لا إله إلا الله، فعنفه رسول الله على فعلته، وقال له مستنكرًا: "أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟!" فأجاب أسامة: قالها يا رسول الله خوفًا من حسامي، فقال عليه الصلاة والسلام: "أشققت عن صدره؟!"، مع أن كل الظواهر تشير إلى أنه قالها فعلاً خوفًا من القتل، ولكن الله لم يسمح لنا باتهام النوايا.

إن هدف تزكية النفس، الفلاح في الآخرة، لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 9- 10)، ولكن التزكية لها دور كبير في حيوية الحركة الإسلامية:
- فأول أهداف الحركة الإسلامية بناء الفرد المسلم، وهذا لا يتحقق إلا بالتزكية، والداعية عندما تزكو نفسه يكون أكثر نشاطًا في عمله الإسلامي، وحيوية الحركة بحيوية أفرادها أساسًا.

- وثاني أهداف الحركة الإسلامية بناء المجتمع المسلم، وهو لا يصير كذلك إلا حين تسوده الأخلاق الاجتماعية الإسلامية، وهذه لا توجد إلا من خلال شخصيات إسلامية.

وحين تقدم الحركة الإسلامية للناس صورة حية عن المجتمع الإسلامي الذي تدعو إليه، تتجسد فيه معاني التراحم والتسامح والتعاون والتواضع والإيثار وغير ذلك، فإن هذا المجتمع الواقعي أعظم تأثيرًا من المواعظ في إقناع الناس بهذه الدعوة.

--------------
* أمين عام الجماعة الإسلامية بلبنان