بقلم: صادق أمين

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد النبي الأمين.. وبعد..

نحن نتعبد لله في محراب الصلاة، ونحرص أشد الحرص على صلاة الجماعة، ونأمل أن نصل إلى درجة الصحابة، حيث كان الواحد يعزي أخاه إذا فاتته تكبيرة الإحرام؛ لأنهم تعلموا من نور القرآن قول الله تعالى ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: من الآية 14)، ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ (العنكبوت: من الآية 45)، ﴿أَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ (البقرة: من الآية 43)، ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)﴾ (هود)، ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (العلق: من الآية 19).

والخطاب في هذه الآيات لجماعة المسلمين إلى يوم الدين وفي مدرسة النبوة التزموا بتوجيه الرسول- صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة منها..

* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قَالُوا لا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا" متفق عليه.

* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ" رواه مسلم.

وفي فضل صلاة الجماعة بالمسجد:

* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ" متفق عليه.

* عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ" رواه مسلم.

* عن بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" رواه أبو داود، والترمذي.

والالتزام بجماعة المسلمين في الصلاة وغيرها أمر ضروري وواجب شرعي. وحياة المسلمين بين محراب الصلاة ومحراب الحياة هي تطلع للنجاة ونستكمل في فضل صلاة الجماعة.

* عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "صَلاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً" متفق عليه.

* بل إن النبي لم يأذن للأعمى بالتخلف عن صلاة الجماعة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ "هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَجِبْ" رواه مسلم.

* بل إن الترهيب من ترك صلاة الجماعة بالمسجد واضح جلي في حديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ" متفق عليه.

* ونعود إلى الترغيب مرة أخرى فعنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الأعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الصَّلاةُ لِوَقْتِهَا وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" متفق عليه.

أما عن جماعة الصلاة فهي الجماعة التي تعيش حياتها في كل لحظة بروح الصلاة وتعاليمها وكيفية الصلاة وأخلاقها ومبادئها وفرائضها. تعيش مع ربها في صلة خمس مرات في الفرائض وغير ذلك في النوافل تشحن في ذلك بطاريات الإيمان حتى تنشط لتفرغ طاقاتها في محراب الحياة سعيًا وعملاً لبناء صرح الإسلام على المستوى الجماعي للأمة بأسرها. وتعالوا نتدبر كيف تتحول الحياة إلى محراب كبير نصلي فيه خارج المسجد بروح الصلاة لتدوم الصلة بالله عز وجل في كل لحظات الحياة.

إنني في جماعة الصلاة أتطهر أولاً كما في الوضوء من الخبائث المادية وأكون نظيفًا طاهرًا كذلك في عملي الجماعي مع المسلمين أحبابي وإخواني، أطهر قلبي تجاه كل المسلمين من الغل والحسد والكبر والتنازع والكراهية وأغسل حظوظ النفس كلما لحق بها الهوى بماء الإيمان، ثم أتوجه للصلاة بقلبي لله، وكذلك في أي عمل جماعي أجدد النية لله تبارك وتعالى، وأجتهد في تخليص القلب من الرياء والنفاق والشرك وكل محبطات العمل، ثم بعد ذلك أصطف مع إخواني كما تصطف الملائكة عند ربها، مقتديًا بما يحدث في الصلاة فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ اسْكُنُوا فِي الصَّلاةِ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَرَآنَا حَلَقًا فَقَالَ مَالِي أَرَاكُمْ عِزِينَ قَالَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ أَلا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ" رواه مسلم.

وهذا ما يجب أن نحرص عليه بأن نكون في الصف الأول في عملنا الجماعي. نكون عند البلاء وعزائم الأمور ونتوارى عند الطمع والغنائم، ضاربين المثل لكل الناس بالتجرد والتطلع إلى ما عند الله وهو خير وأبقى، ثم نتابع بعد ذلك الإمام فلا نتقدم عليه، وهذا هو شأن وعظم مكانة القيادة الراشدة الربانية التي نتابعها، ونثق فيها ونقدمها كما نقدم الإمام للصلاة، ولا يجوز لأي مأموم أن يخالف الإمام، كما لا يجوز له أن يترك الصلاة ويصلي منفردًا بحجة أنه اختلف مع الإمام أو لا يستريح إليه أو لأسباب أخرى يقذفها الشيطان في قلب الإنسان ليفصله عن صف وجماعة الصلاة، وحينما نقف في الصلاة نلتزم بتسوية الصف، ومن ضمن مبادئ العمل الجماعي تسوية الصفوف لأن ذلك من أسباب التمام، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلاةِ" متفق عليه، وعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِي الْجَعْدِ الْغَطَفَانِيَّ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ" متفق عليه.

ومن أخطر آفات العمل الجماعي اختلاف القلوب المذموم الذي يؤدي إلى هدم بنيان العمل، أما الخلاف المحمود الذي يؤدي إلى الرأي السديد الرشيد بضوابط الشورى فهذا هو المراد ولا بد الائتلاف قبل الاختلاف، وما أحلى وأعظم ما كان يقوم به القائد المعلم- صلى الله عليه وسلم- فعَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إِلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ "لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ" وَكَانَ يَقُولُ "إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الأوَلِ" رواه أبو داود.

وننتقل إلى قيم ومبادئ عظيمة وأفعال كريمة نتعلمها من الصلاة؛ لتتحول إلى واقع عملي في جماعة الصلاة فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "قَالَ أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ لَمْ يَقُلْ عِيسَى بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ وَلا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ" رواه أبو داود بإسناد صحيح.

أيها العاملون لدين الله انطلقوا من صلاة الجماعة إلى الالتزام بأوامرها في سعيكم لإقامة الدين من خلال:

1- توحيد صفوف العمل وسد الخلل في أي جانب من جوانب الحياة متعاونين على البر والتقوى متجردين لله.

2- لينوا بأيدي إخوانكم فما كان الرفق في شيء إلا زانه ﴿أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: من الآية 29)، وتذكروا أن النار تحرم على كل سهل لين مخموم القلب.

3- لا تذروا فرجات للشيطان، فلنسد كل فرجات الشيطان في نفوسنا، ولنعش حياة المهاجرين والأنصار ولنجتمع على أتقى قلب رجل منا، لنقيم المشروع الإسلامي الحضاري الذي غاب عن الدنيا وآن له أن يعود.

4- ومن وصل صفًّا وصله الله وهذا النداء لأولئك النفر من الصالحين الصادقين الذين يألفون ويؤلفون ويسعون لمد الجسور بين كل العاملين في الحقل الدعوي وتحبيب النموذج الإسلامي لكل المجتمع والعالم بأسره وتصحيح الصورة المغلوطة عن جماعة الصلاة.

وحينما ندخل في الصلاة نتدبر ما نقرأ من الإمام وندعو بإخلاص لله في السجود ونجتهد أن نسكب العبرات على باب الواحد الأحد الفرد الصمد نلتمس منه العون والتأييد وندعوه بالمغفرة والعفو عن الزلات ونسأله رفع الخطايا والذنوب، وبعد أن ننتهي من الصلاة نستمر على هيئة الصلاة لنردد أذكار ما بعد الصلاة لتعويض أي نقص أو خلل بشري حدث في غفلة حينما سرق الشيطان منا جزءًا من الصلاة، وكذلك في العمل الجماعي في التقييم والتقويم والمتابعة والاستفادة لتكون الصلاة القادمة أفضل ويكون العمل أحسن، ونخرج من المسجد وكلنا حب وتآلف لننطلق إلى محراب الحياة وأثر الصلاة في قلوبنا حتى إذا ما اقترب أن ينتهي عدنا إلى المسجد؛ لنجدد الإيمان ونحسن الصلة بالله رب العالمين، وهكذا المؤمن ينطلق من خير إلى خير وأيضًا تتحقق ثمرات الصلاة خارج المسجد ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ﴾ وإذا أردت أن تعرف مردود الصلاة على نفسك فانظر إلى منسوب الفحشاء والمنكر في نفسك فإن وجدته قليلاً لا يقاس فاعلم أن الصلاة قد أدت ثمرتها في قلبك.

وأخيرًا...

نحن نود جميعًا أن نكون جماعة الصلاة التي تربت في صلاة الجماعة ولا شك أن بنا عيوبًا كثيرةً سترها الله ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (يوسف: من الآية 43)، وهناك تقصير في أمور كثيرة نجتهد أن نعالجها في أنفسنا، نتواصى بالحق ونتواصى بالصبر وليشغل كل منا نفسه بإصلاح عيوبه ويخفض جناحه للمؤمنين والعفو والصفح للمسلمين لنصل بفضل الله إلى جماعة الصلاة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.