في وسط البحر الأبيض المتوسط؛ حيث الأمواج العاتية تداعب سفينتنا لتحملها إلى هدفها المعلن، كنا نقف وحدنا بلا أسوارٍ ولا حدود مشاهدة.. 700 متضامنٍ هم ركاب سفينة "مرمرة" التركية، يختلفون في المعتقد واللغة والشكل، لكنهم يتفقون على الهدف والرؤية التي تجاهلها العالم أجمع على مدار 4 سنوات متواصلة؛ هو كسر الحصار الصهيوني المفروض على قطاع غزة.

 

مثَّل "أسطول الحرية" أملاً للغزيين وملايين العرب والمسلمين وأحرار العالم باختراق الحصار الصهيوني على قطاع غزة، غير أن الاحتلال الصهيوني ومن خلال علوه بالأرض، حوَّل هذا الأمل إلى ألم، وبدَّل الفرحة إلى ترحة؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4)﴾ (الإسراء).

 

ثمة دعاء رافقه بكاء لم يتوقف على ظهر السفينة عقب كل صلاة، حتى النصراني السوري هيلاريون كابوتشي شارك المسلمين صلاتهم بقراءته شيئًا من الإنجيل؛ أثناء صلاتي المغرب والعشاء جمعًا، كان الدعاء متوحدًا بوصولنا إلى قطاع غزة سالمين غانمين، غير أن إرادة الله شاءت فضح الصهاينة، وتمريغ أنوفهم بمياه البحر المتوسط؛ ليشهد العالم من وسط العالم حقيقة النازية الصهيونية بدون رتوش أو مساحيق تجميل أمريكية وغربية.

 

أبلى الأتراك وكذا العرب وتحديدًا الأردنيون منهم بلاءً حسنًا، في تصديهم لخفافيش الظلام، اختصر الصهاينة وعلى مدار ساعة كاملةً- هي مدة اقتحام السفينة- معاناة 62 عامًا عاشها ويعيشها الفلسطينيون في ظل الاحتلال، فمن استخدام كافة الأسلحة الحربية المتطورة ضد متضامنين مدنيين تلقوها بصدورهم العارية، إلى ممارسته لهوايته المفضلة بالقتل والإعدام، وصولاً إلى جرح العشرات، ومن ثم اختطافنا وتكبيلنا وإهانتنا ليتم زجنا بعد ذلك في سجن بئر السبع الصحراوي جنبًا إلى جنب مع إخواننا الفلسطينيين.

 

يقول أحد الأتراك: "صحيح أننا لم نستطع إيصال مساعداتنا إلى أهل غزة، لكننا أوصلنا لهم دماءنا"، فيما أجهشت سارة البريطانية بالبكاء، قائلةً: "إن ما أشاهده من إجرام الصهاينة بحقنا وحق الفلسطينيين من قبلنا ما هو إلا بسبب بلدي بريطانيا"!!.

 

أرادها الصهاينة هزيمة، وأرادها عدوهم انتصارًا، فلم يجد المتضامنون بُدًّا من اعتقال قاتلهم، فاعتقلوا 4 من جنود النخبة البحرية الصهيونية "الكوماندوز"، المدججين بأسلحتهم القاتلة، فكاد بكاء ونحيب هؤلاء أن يوقظ الأسماك- في أعماق البحار- من نومها.

 

لم يكن ركاب السفينة التركية "مرمرة" فريسة سهلة للوحش الصهيوني، شاهدت الأتراك يرتقون شهداء واحدًا تلو الآخر؛ دفاعًا عن تركيا وكرامة تاريخهم العثماني المجيد، لم يفرِّق الرصاص الصهيوني الحي بين تركيٍ وعربي، بين متضامنٍ وصحفي، فقد أصاب الجميع في مقتل؛ لكن إرادة الله شاءت في هذه المرة أن تسفك دماء الأمة دون سواها، فكان أن حظي الأتراك من ركاب السفينة بالشهادة، وحظي من كان معهم بالنصر.

 

لم يسعف جنود النخبة بوارجهم ولا طائراتهم ولا حتى رفقتهم من الكلاب المتوحشة المدربة، كانوا يرتجفون ويحتمون بكل ساتر، كنتَ تقرأ في عيونهم التي بالكاد تشاهد، ألف حكاية ورواية عن ظلمهم لبني البشر، أكيد أن هذا من قتل الياسين وذاك من ارتكب مجزرة حي الدرج، يعلمون بأنهم قراصنة، كما يعلمون بأننا أحرار، استعجلوا ساعة رحيلنا عن أرضنا، لأننا استعجلنا لحظة الخلاص منهم حتى ونحن مكبلون وفوهات بنادقهم مصوبة إلى أعناقنا.