الصفحة الرئيسية

 

 

قضايا في فكر الإخوان

 

 

- هل نحن جماعة المسلمين أم جماعة من المسلمين؟!

- الشورى وتعدد الأحزاب عند (الإخوان المسلمون)

- مكانة المرأة كما يراها (الإخوان المسلمون)

- الإخوان المسلمون.. والإصلاح السياسي

- موقف الإخوان من القومية والجامعة والوحدة العربية

- موقف الإخوان من الوطنية

- موقف الإخوان من العروبة

 

 

 

 

موقف الإخوان من القومية والجامعة والوحدة العربية

 

• القومية عند الإخوان هي العقيدة والإسلام وليست الأرض أو الجنسية.

• واجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية؛ باعتبارها ضرورة وواجبًا.

 

أولاً: موقف الإخوان من القومية العربية:

القومية فكرة قامت في الوطن العربي تدعو إلى الاهتمام بالبلاد العربية ووحدتهم؛ لأنها ذات لغة واحدة، وأهداف واحدة، وتاريخ مشترك، إلا أنها أبعدت عنصر الدين عن الوحدة، فهي وحدة لا دينية؛ أي لا تقوم على أساس الدين، بل اللغة والتاريخ والمصالح كما قامت في أوروبا.

وقد تعامل معها الإخوان منذ قيامهم، كما تعاملوا مع الأفكار الأخرى بميزان الإسلام؛ ولذا يذكر الإمام "البنا" أن الدسيسة الكبرى التي اقتحمت على المسلمين عقولهم وقلوبهم أولاً ثم أرضهم وبلادهم ثانيًا هي تأثرهم بالعنصرية والشعوبية، واعتداد كل أمة منهم بجنسها، إلا أن القومية كالوطنية لها معانٍ عدة عند الإخوان، ولهم موقف من كل معنى:

 

قومية المجد:

يقول الإمام البنا في رسالة "دعوتنا": "إن كان الذين يعتزون بمبدأ القومية يقصدون به أن الأخلاف يجب أن ينهجوا نهج الأسلاف في مراتب المجد والعظمة ومدارك النبوغ والهمة، وأن تكون لهم بهم في ذلك قدوة حسنة بدافع الصلة والوراثة، فهو مقصد حسن جميل، نشجعه ونأخذ به، وهل عدتنا في إيقاظ همة الحاضرين إلا أمجاد الماضي؟ ولعل الإشارة إلى هذا في قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم: "الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"، فالإسلام لا يمنع القومية بهذا المعنى الجميل النبيل.

 

قومية الأمة:

وإذا قصد بالقومية أن عشيرة الرجل وأمته أولى الناس بخيره وبره، وأحقهم بإحسانه وجهاده فهو حق كذلك، ومن ذا الذي لا يرى أولى الناس بجهوده قومه الذي نشأ فيهم ونما بينهم...

ولعمري لرهط المرء خير بقية             عليه وإن عالوا به كل مركب

فالقومية بالمعاني السابقة لا تتعارض مع الإسلام، بل حث عليها؛ ولذا فالإخوان قوميون بالمعاني السابقة، إلا أن هناك معاني أخرى للقومية تتعارض مع الإسلام؛ ولذا يرفضها الإخوان؛ إذ يقول الإمام "البنا" في الرسالة نفسها:

 

قومية الجاهلية:

إذا قُصد بالقومية إحياء عادات جاهلية درست، وإقامة ذكريات بائدة خلت، وتعفية حضارة نافعة استقرت، والتحلل من عقدة الإسلام ورباطه بدعوى القومية، والاعتزاز بالجنس كما فعلت بعض الدول بالمغالاة بتحطيم مظاهر الإسلام والعروبة، حتى في الأسماء وحروف الكتاب، فذاك معنى وخيم ذميم سيء العاقبة، كما يؤدي بالشرق إلى خسارة فادحة يضيع معها تراثه، وتنحط بها منزلته، ويفقد أخص مميزاته وأقدس مظاهر شرفه؛ وهو دين الإسلام، ولا يضر ذلك دين الله شيئًا، قال تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: 38).

 

قومية العدوان:

أما أن يُراد بالقومية الاعتزاز بالجنس إلى درجة تؤدي إلى انتقاص الأجناس الأخرى والعدوان عليها والتضحية بها في سبيل عزة أمة وبقائها كما تدعي كل أمة تنادي بأنها فوق الجميع، فهذا معنى ذميم، كذلك ليس من الإنسانية في شيء، ومعناه أن يتناحر الجنس البشري في سبيل وَهْمٍ من الأوهام، والإخوان لا يؤمنون بالقومية بهذه المعاني ولا بأشباهها، ولا يقولون فرعونية وعربية وفينيقية وسورية، ولا شيئًا من هذه الألقاب التي يتنابز بها الناس، ولكنهم يؤمنون بما قاله رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الكامل: "إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء... الناس لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح"، دعامتان قويتان في هذا الحديث: الناس لآدم فهم إخوان وأكفاء، والتفاضل بالأعمال.

وبذلك فالقومية دون الإسلام مرفوضة، وقد التزم الشيخ "الغزالي" الرؤية نفسها؛ إذ رفض القومية المفرنَجَة من الإسلام، المرتكزة فقط على العصبية الجنسية، والوثنية الوطنية، واعتبرها تخبُّطًا، وتتم على حساب العقيدة، وضرب مثلاً بتركيا وبحركة "الشريف حسين" العربية، التي حاربت تركيا لإقامة ملك عربي خالص، وذكر أيضًا أنه إذا كان الحكم القومي لا يبالي باتجاهات الإسلام الاقتصادية والخلقية والاجتماعية، ولا يلتفت لتشريعاته المدنية والجنائية، فهذا حكم مبتوت الصلة بالدين؛ لذا فهو مرفوض، وذلك في كتابه (من هنا نعلم).

وينظر "حسن العشماوي" إلى القومية العربية على أنها رابطة أوجدتها وحدة المشاعر والمشكلات والآمال والمصالح بين أهل المنطقة الذين يتكلمون لغةً واحدةً، ويؤمنون إيمانًا واحدًا، ويذكر أنه من الطبيعي أن تدعو القومية العربية إلى الوحدة العربية، لكن هذه الوحدة ليست غاية، بل هي إطار لفكرة وتراث.

أما القومية عند "سيد قطب"- وهو موقف الإخوان نفسه- "ليست النسب ولا الصهر ولا الأرض ولا الجنس ولا القبيلة ولا العشيرة، بل هي العقيدة التي تحدد جنسية المؤمن بها" (كتاب معالم في الطريق)، ويرى أن الذين يعدلون عن المنهج الرباني ورابطة العقيدة إلى منهج آخر يقوم على قاعدة الجنس أو الأرض أو الطبقة هم أعداء الإنسان حقًّا.

إلا أن الإمام "البنا" قسم الناس داخل هذه القومية قسمين كما يقول في رسالة (دعوتنا):

"إذا عرفت هذا فاعلم أن (الإخوان المسلمون) يرون الناس بالنسبة لهم قسمين: قسم اعتقد ما اعتقدوه من دين الله وكتابه، وآمن ببعثة رسوله وما جاء به، وهؤلاء تربطنا به أقدس الروابط رابطة العقيدة، وهي عندنا أقدس من رابطة الدم ورابطة الأرض، فهؤلاء هم قومنا الأقربون الذين نحن إليهم ونعمل في سبيلهم ونذود عن حماهم ونفتديهم بالنفس والمال في أي أرض كانوا ومن أي سلالة انحدروا.

وقوم ليسوا كذلك، ولم نرتبط معهم بهذا الرباط "غير المسلمين"، فهؤلاء نسالمهم ما سالمونا، ونحب لهم الخير ما كفونا عداوتهم عنا، ونعتقد أن بيننا وبينهم رابطة هي رابطة الدعوة؛ علينا أن ندعوهم إلى ما نحن عليه؛ لأنه خير الإنسانية كلها، وأن نسلك إلى نجاح هذه الدعوة ما حدد لها الدين نفسه من سبل ووسائل، فمن اعتدى علينا منهم رددنا عدوانه بأفضل ما يرد به عدوان المعتدين، ويقول الله تعالى: ﴿لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة: 8-9).
فالإخوان يقبلون القومية العربية على أساس العقيدة الإسلامية، ومبدأ المساواة مع كل عربي حتى غير المسلمين، وكذلك عدم انكسار الخصوصية العربية.

 

ثانيًا: موقف الإخوان من الوحدة العربية "الجامعة العربية":

من نظرة الإخوان إلى القومية القائمة على الدين، والعروبة القائمة على اللسان العربي والدين الإسلامي، يتضح أن الإخوان أرادوا توحيد العرب تحت راية واحدة، التي هي حلقة في الوحدة الإسلامية الكلية.

لذا أوضح الإمام "البنا" أن وحدة العرب أمر لابد منه لإعادة دولة الإسلام ومجده، وأنه وجب على كل مسلم أن يعمل لإحياء الوحدة العربية، وتأييدها ومناصرتها، وأن هذا هو موقف الإخوان، ويذكر أيضًا أنه بدون اجتماع كلمة الشعوب العربية ونهضتها لن ينهض الإسلام، ويذكر أنهم يعتقدون أنهم حين يعملون للعروبة، فإنهم يعملون للإسلام، كما جاء في رسالة "دعوتنا في طور جديد".

ويذكر الإمام "البنا" عام 1946م أن الإخوان منذ تأسيسهم رأوا أن الدنيا ستصير إلى التكتل، وأن عصر الوحدات الصغيرة والدويلات المتناثرة قد زال أو أوشك، وأنهم رأوا أنه ليست هناك جامعة أقوى ولا أقرب من الجامعة التي تجمع العربي بالعربي، وأشار في مجلة (الإخوان المسلمون) تحت عنوان "آمالنا في الجامعة العربية" إلى أن هناك عوامل عدة تؤدي إلى الوحدة الكاملة، على العرب أن يأخذوها في حسبانهم، وتتمثل في:

الوحدة الجغرافية: فالأرض واحدة، تمتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب في اتصال والتحام، لا تقسمها الفواصل الكونية أو التضاريس، مع تميزها بثرواتها الطبيعية واستغنائها بخيراتها.

والوحدة الروحية: فالمسلمون يقدسون الإسلام عقيدة، وغيرهم يعتزون به شريعة قومية عادلة ونظامًا اجتماعيًّا ترعرع في أوطانهم.

الوحدة اللغوية: فاللغة واحدة للمسلمين، وغير المسلمين من العرب الذين يحوطونها بمشاعرهم.

الوحدة الفكرية الثقافية والاجتماعية: تشابه العادات والتقاليد في شعوبهم، وحدة الآمال والآلام التي يمثلها التاريخ المشترك في القديم والحديث، وحدة المصالح العملية المشتركة.

هذه الروابط جميعًا تربط العرب، ومن ثمَّ فإن الوحدة أو الجامعة العربية هي الطريق الطبيعي لنهضة العرب، وهذا يمثل أحد أهداف الإخوان الذين أيدوا الجامعة العربية ورأوها عدة الحاضر وأمل المستقبل.

وكانت مناصرة الإخوان للجامعة العربية ممارسة واقعية لانتمائهم العروبي، وعملاً لإحياء الوحدة العربية، إلا أنهم كانوا يرون تخليصها من كل ما يحيط بها من عوامل الضعف والتخلخل، فـ"البنا" في حديث للإخوان الجامعيين يُعرِّفهم فيه بأهدافهم، ويذكر الوحدة العربية ضمن الأهداف، ثم يقول:

"... والجامعة العربية في وضعها الصحيح يجعلها جامعة حقيقية تضم كل عربي على وجه الأرض في المشرق والمغرب، وتستطيع أن تقول كلمتها، فيحترم تقويتها وتدعيمها، ومن حقنا أن يعترف الناس بها وأن يقدروها قدرها، وأن يؤمنوا بأنها حين تقوى وتعتز ستكون من أقوى دعائم السلام العالمي".

فالإخوان قبلوا مشروع الجامعة العربية، ولو أنه كان من وضع الإنجليز؛ إذ رأوا فيه وسيلةً تيسر الاتصال بشعوب الجامعة، وأنه يمكن أن يعود بالخير على البلاد العربية والإسلامية.

وقد رأى الإخوان أنه لكي تنجح الوحدة العربية، فمن الضروري الالتزام بأسس عدَّة، هي:

الإسراع في توحيد الثقافات حتى تتقارب الأفهام، ويفتح الباب للاندماج الكامل، وهذا يستدعي تغييرًا في مناهج وسياسة التعليم في المعاهد والمدارس العربية وتوحيد الثقافات وجهة واحدة تخدم أهداف الوحدة، وهذا يعني وضع المعاهدة الثقافية بين الدول العربية موضع التطبيق؛ حتى لا تظل الوحدة مقصورة على ناحيتها الرسمية بين الحكومات، والعمل لتحقيق الوحدة السياسية برفع الحدود والوحدة الاقتصادية، وأن الجامعة العربية أداة لجمع كلمة العرب وتوحيدهم في قوة واحدة لتحقيق رسالتهم في الحياة لنشر المثل العليا، وأن تقوم الجامعة بحقها في حماية العرب وصيانة استقلالهم من خلال اتفاقية الدفاع العربي المشترك.

وما زال الإخوان ينظرون إلى الجامعة العربية هذه النظرة، إلا أنها قد خيبت كثيرًا من الآمال.

وقد رأى الإخوان في التجمع العربي أنه يمثل حلقة وسيطة من حلقات النهضة المطلوبة بين الوطنية والوحدة الإسلامية، وهي عندهم ضرورية لتحقيق الاستقلال السياسي والحرية- كما يقول الإمام "البنا"- يؤيد الإخوان الوحدة العربية باعتبارها الحلقة الثانية في النهوض.

والوحدة العربية أو التجمع العربي له وظيفة نضالية عند الشهيد "سيد قطب" عبر عنها بوضوح في كتابه "دراسات إسلامية"، وهو بصدد بيانه عن الكفاح من أجل التحرر؛ إذ يقول: "إن بعضنا يؤثِر أن يتجمع تحت راية العربية، ولا مانع من ذلك، مع أن يكون تجمعًا وقتيًّا يهدف إلى تجمع أكبر منه، فليس هناك تعارض جدي بين القومية العربية والوطنية الإسلامية إذا نحن فهمنا القومية على أنها خطوة في الطريق.

إن أرض العرب كلها جزء من أرض الإسلام، فإذا نحن حررنا الأرض العربية، فإننا نكون قد حررنا بضعة من جسم الوطن الإسلامي، نستعين بها على سائر الجسد الكبير الواحد، وواجبنا أن نتكتل على الأقل تمشيًّا مع منطق العصر، إن لم يكن تمشيًّا مع منطق الإسلام".

 

دور الإخوان العملي في الوحدة العربية:

لم يكن اهتمام الإخوان بالعروبة واقفًا عند التبني الفكري فحسب، بل كان يمثل أساسًا لحركتهم السياسية، ففي اجتماع مشترك بين ممثلي الإخوان وممثل الضباط الأحرار- للتمهيد لحركة يوليو 1952م- قال "صالح أبو رقيق" لـ"جمال عبدالناصر": "الذي يعنينا من ناحية السياسة الخارجية تدعيم الوحدة العربية لتصبح حقيقة واقعة.. فنحن أمة يمكن أن يكون لها وزن حقيقي، وقد تبنى الإخوان قضايا العالم العربي جميعًا، وخاصة قضية تحرير الدول العربية من الاستعمار الغربي، وقضية الوحدة العربية، ودائمًا ما تمتلئ صحفهم منذ نشأتها بأخبار الدول العربية والدفاع عن قضاياه والتوعية بأوضاعه السياسية والاقتصادية والعسكرية".

وكان أبرز دفاع الإخوان عن الوحدة العربية دخولهم الفعلي في حرب فلسطين عام 1948م لقتال اليهود والمحتلين، وقد أظهروا براعة فائقة، شهد بها الجميع في التضحية من أجل تحرير البلادن ويعد هذا دليلاً واقعيًّا على مدى سيطرة هذا الشعور العربي بالمضمون الإسلامي على أفراد الإخوان، وما زال الإخوان إلى اليوم يطالبون الدول العربية بفتح باب الجهاد لتحرير فلسطين ثم العراق مؤخرًا.

كما آزر الإخوان قضايا المغرب العربي منذ عام 1944م عندما أقاموا مؤتمرًا بالمركز العام لبحث قضاياه، شهده علماء الجزائر والمغرب.
وكان بالمركز العام للإخوان منذ الأربعينيات قسم للاتصال، من لجانه لجنة لدراسة شئون ليبيا وتونس والجزائر ومراكش، ولجنة لدراسة شئون فلسطين وسورية ولبنان والأردن والعراق، ولجنة لدراسة شئون الجزيرة العربية واليمن وإمارات الجنوب والخليج العربي، وكانت كل لجنة تقوم ضمن أعمالها بإعداد ملفات خاصة بكل بلد يحوي جميع البيانات الخاصة بالحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فيها.

وكان لهذا القسم مؤتمر سنوي دوري لدراسة أوضاع تلك البلدان وغيرها، كما كان يقيم معسكرات تجمع وفودًا من تلك البلدان في مصر وغيرها.
ومن ثم فإن الإخوان- برغم تحفظهم على نشأة القومية العربية- قد تقبلوها على أنها نزعة توحيد لشعب مبعثر في دويلات، وعلى أنها خطوة في طريق الجامعة الأعم وبمراعاة الآصرة القوية بين الإسلام والعروبة.

 

-----------------------------

 

الشورى وتعدد الأحزاب عند (الإخوان المسلمون)

 

 

قال تعالى في سورة الشورى موضحًا صفات المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (الشورى: 38)، والآية الكريمة تضمنت حكمًا هو أن: أمر المسلمين شورى بينهم، فهم يتشاورون في أمورهم العامة والخاصة لإقامة العدل وتنفيذ حكم الله وتحقيق مصالح المسلمين، وحتى لا يستبد فرد أو فئة من الناس بالتصرف في أمر تعمُّ به البلوى، وتتأثر به مصالح الغالبية من الشعب المسلم.

ومفهوم ذلك أن الأمة هي مصدر السلطات، فهي التي تولي من تثق في دينه وأمانته وخبرته وعلمه ومواهبه وكفاءته ما تحدده له من أمور؛ ليقوم عليها بالعدل والإحسان والإنصاف.

ولما انتقل المصطفى- صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى اجتمع رؤساء القبائل والعشائر من المهاجرين والأنصار– وهم ممثلو الأمة الإسلامية آنذاك– وبعد مناقشة وحوار اختاروا أبا بكر الصديق- رضي الله عنه- لرئاسة دولة الإسلام والقرآن التي أسسها المصطفى- صلى الله عليه وسلم- ولم يقل أحد منهم: إن رئاسة الدولة تؤخذ غصبًا وبحد السيف؛ بل انتقلت الولاية من بيت النبوة إلى من ليس من بيت النبوة.

وهكذا كان اختيار الصديِّق- رضي الله عنه- برضا غالبية ممثلي الأمة الإسلامية وشعبها، وذلك هو فعل صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومنهم المبشرون بالجنة، وإذا كان أفراد قلائل قد تأخروا عن بيعة أبي بكر- رضي الله عنه- فلم يكن ذلك اعتراضًا منهم على أسلوب أو طريقة اختياره؛ بل لاعتبارات أخرى منهم على أنهم ما لبثوا إلا فترة قصيرة ثم بايعوا، وبذلك انعقد ما يقارب الإجماع.

وإذا كان أبو بكر- رضي الله عنه- قد أوصى أن يخلفه في ولاية الأمر عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فإن تلك الوصية لم تكن بذاتها هي القرار الذي أعطى عمر- رضي الله عنه- حق الولاية ورئاسة الدولة الإسلامية؛ وإنما عرض الأمر على ممثلي الأمة الإسلامية، وهم زعماء القبائل والعشائر من المهاجرين والأنصار، ولما رضوا بتلك الوصية عن قناعة وأقروها عن اختيار، كانت بيعتهم هي سند عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- في تولي رئاسة الدولة الإسلامية.

وكلٌّ من أبي بكر وعمر- رضي الله عنهما- قال: إنه أجير استأجره المسلمون، ولم يقل أيهما: إنه استحق الولاية بأي طريق آخر غير اختيار المسلمين له، وكل منهما بدأ ولايته بقوله: إنه ولي على المسلمين، وهو ليس بأفضلهم ولا بخيرهم.
وأي منهما لم يَدَّعِ عصمة أو ارتفاعًا عن احتمال الخطأ؛ بل قال كل منهما على الملأ: إنه بشر كسائر البشر، يصيب ويخطئ، وإن من حق أفراد الأمة أن يصوبوه إذا اخطأ؛ بل أن يقوِّموا اعوجاجه ولو بحد السيف، إن اقتضى الأمر.

وكل منهما ذكَّر الناس علانية أن نطاق طاعتهم له أن يكون أمره في غير معصية لله ولرسوله؛ وإنما إنفاذًا لحكم الله وشريعة الإسلام، أو تقديرًا لصالح الناس فيما أباحه الله؛ إذ "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، كما قال سيد الخلق- صلى الله عليه وسلم.

والأمة المسلمة تدين بالعبودية لله وحده، وتقدس أحكام القرآن الكريم والسنة المطهرة، تؤمن بأن الناس لا يملكون الحكم إلا بما أنزل الله، وبمقتضى شريعة الإسلام، ومن ثمَّ فهي لا تمتلك أن تفوض من اختارته لِيَلِيَ أمرًا من أمورها إلا فيما قرره الشرع لها، ولا يجوز لها أن تفوضه فيما لا تملكه، ولا حق لها فيه، فإذا ما اختارت واليًا لبعض شئونها فليسوس الأمور على مقتضى أحكام الدين؛ لأن الدين هو الأساس، والسلطان حارس، ومن لا أساس له فمهدوم، ومن لا حارس له فضائع.

وتوالَى الحكام على أمة الإسلام، قلة منهم برضا واختيار الشعوب، وغالبيتهم– بكل أسف– باستبداد وغلبة، ورغم انغماس بعض الحكام في الملذات وبُعدهم عن روح العدل والإنصاف، ورغم شيوع المعاصي وتفشي الوهن في كثير من المجتمعات، إلا أنه لم يحصل أن نُحِّيَت الشريعة الإسلامية كعقيدة ومرجع ودستور، ولم يحصل أن فرض حاكم أو اتخذ شعب من الشعوب الإسلامية غيرها أصلاً عامًّا ومرجعًا، حتى ابتليت الأمة الإسلامية بعصر الاستعمار الصليبي الذي غزاها وحكمها وفرض عليها قوانينه ومبادئه، ثم سار على دربه خلفاؤه من عملائه.

ومع ذلك فإننا نقول- بكل صدق-: إنه لم يحصل أن اختار شعب من شعوب الأمة غير حكم الله أو شرعًا غير شريعته- عز وجل- بل قامت في شعوب الأمة الإسلامية- ولم تزل تقوم- ثورات ومطالبات للعودة إلى حكم الله وشريعة الإسلام، وروت الدماء الزكية الطاهرة ساحات الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله وشرع الإسلام؛ وإنما هو الاستبداد والقهر.

إن هذه الجماعة قامت تجاهد ما وسعها الجهاد؛ لتعود بحكم الله إلى شعوب الإسلام، ومن ثَمَّ فهي تقرر بكل تأكيد أن الأمة هي مصدر السلطان– طبقًا للمفهوم الذي أسلفناه- وأن الشعب هو الذي له الحق أن يولي باختياره الصحيح من يرتضي دينه وأمانته وعلمه وكفاءته؛ ليقوم على ما يحدده له من أمور الدولة، ونحن نرى– مع التسليم بأن القرآن الكريم والسنة المطهرة هما الدستور الأسمى لحكم المسلمين، ولا يُعتد ولا يُقبل ما خالف أيهما– أن الأمة لابد أن يكون لها دستور مكتوب، تضعه وتتفق عليه، تأخذه من نصوص الشريعة الغراء، ثم من مراميها وغاياتها وقواعدها الكلية، فيتضمن ما يحقق توازنًا بين اختصاص مختلف المؤسسات التي تدير الدولة؛ حتى لا يطغى بعضها على الآخر، أو يستبد بالأمر دون الباقين: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآَهُ اسْتَغْنَى﴾ (العلق: 6- 7)، كما يتضمن القواعد والأحكام ما يصون ويحفظ الحريات العامة والخاصة لكل الناس من مسلمين وغير مسلمين، ويجعل الحكم شورى استمدادًا من سلطة الأمة، ويحدد مسئولية الحكام أما الشعب، وكيفية محاسبتهم وتصويبهم، وتقويم اعوجاجهم بطريقة سليمة ناجحة إذا ما قصروا، وإبدالهم إذا لزم الأمر، وهذا يقتضي وجود مجلس نيابي له سلطات تشريعية ورقابية ذات فعالية تتمثل فيه الإرادة الشعبية الحقيقية نتيجة انتخابات حرة ونزيهة، وتكون قراراته ملزمة.

كما أننا نرى- باعتبار أن رئيس الدولة ما هو إلا وكيل عن الشعب– أنه يجب أن تكون رئاسة الدولة لمدة محددة، ولا يجوز تجديدها إلا لأمدٍ محدَّد، وذلك ضمانًا لعدم الطغيان.

ولمَّا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الواجبات التي نصت عليها شريعة الإسلام، ولمَّا كان تقويم الحكَّام ومواجهتهم ومعارضة نزواتهم وانحرافاتهم لم يعد مما يقوى عليه فرد من الأفراد؛ بل بات من الضروري أن يجتمع عليه جمهور من الأمة، ولما كان الاختلاف واقعًا فيما هو محل اجتهاد من النصوص الشرعية، ولما كان تنظيم المباح يشمل غالب معايش الناس، ولابد أن تختلف فيه مناهج الإصلاح والتدبير؛ إذ إن الخلاف والتعدد طبيعة من طبائع البشر وواقع ملموس في الحياة لا يجوز إنكاره.
وقد حدث الاختلاف في الرأي في حضرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- في العديد من الأمور فلم ينكره؛ وإنما المنهي عنه هو التنازع الذي يؤدي إلى الفشل والضعف والهوان، أما اختلاف الآراء فهو تكامل وتنوع للنظر لابد منه لاستجلاء الحق والوصول إلى الأصلح وسعة الأفق، والبعد عن التعصب وضيق النظرة.

لذا فإننا نؤمن بتعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي، وأنه لا حاجة لأن تضع السلطة قيودًا من جانبها على تكوين ونشاط الجماعات أو الأحزاب السياسية؛ وإنما يترك لكل فئة أن تعلن ما تدعو إليه وتوضح منهجها، وما دامت الشريعة الإسلامية هي الدستور الأسمى، وهي القانون الذي يطبقه قضاءٌ مستقلٌ محصنٌ بعيدًا عن أي سلطة أو جهة، ومؤهل فكريًّا وعلميًّا وفقهيًّا وثقافيًّا، فإن في ذلك ما يكفي لضمان سلامة المجتمع، واستقامته على الطريق السوي، واتخاذ الإجراء الشرعي المناسب تجاه من يخرج على المبادئ الأساسية التي لا خلاف فيها بين علماء وفقهاء المسلمين، والتي تعتبر المقومات الأساسية للمجتمع.

كما أننا نرى أن قبول تعدد الأحزاب في المجتع الإسلامي على النحو الذي أسلفناه يتضمن قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية، وذلك عن طريق انتخابات دورية، والحمد لله أولاً وآخرًا، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

-----------------------------

 

مكانة المرأة كما يراها (الإخوان المسلمون)

 

 

• مكانة المرأة بصفة عامة حسبما تفصح عنه أحكام ديننا الحنيف.

• حق المرأة في الانتخاب وفي عضوية المجالس النيابية وفي تولي الوظائف العامة.

 

مكانة المرأة بصفة عامة حسبما تفصح عنه أحكام ديننا الحنيف

المرأة هي الأم التي ورد في شأنها الأثر الكريم أن الجنة تحت أقدامها (الطبراني)، والتي قدمها الله تعالى على كل مَن عداها في حق صحبة الأبناء لها، ففي الصحيح: "سأل سائلٌ رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: مَن أحقُّ النَّاسِ بِحُسنِ صُحبَتِي؟ قال- صلى الله عليه وسلم-: "أمُّكَ"، قال السائل: ثمَّ مَن؟ قال- صلى الله عليه وسلم-: "ثمَّ أمُّكَ"، قال السائل: ثُمَّ مَن؟ قال- صلى الله عليه وسلم-: "ثمَّ أمُّكَ"، قال الرجل: ثمَّ مَن؟ قال- صلى الله عليه وسلم- في الرابعة: "ثمَّ أبوك"، ويقول تبارك وتعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾ (الإسراء: 23).

والمرأة هي الابنة والأخت التي تولد كما يولد أخوها الذكر من ذات الصلب ومن نفس الرحم: ﴿يَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ الذُّكُورَ* أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ (الشورى: 49- 50)، ويقول المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: "النساء شقائق الرجال"، والمرأة هي الزوجة التي هي سكن للرجل والرجل سكن لها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (الروم: 21)، ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (البقرة: 187).

والمرأة هي نصف المجتمع ونصف الأمة، والقائمة على تنشئة كل الجيل اللاحق من الرجال والنساء وتوجيهه وإصلاحه، وغرس المبادئ والعقائد في النفوس، وهي بعد على الفطرة، والتعليم في الصغر كالنقش على الحجر، وخلق الله- تبارك وتعالى- آدم من تراب، ثم خلق منه حواء، ثم توالى النسل من ذات النفس الواحدة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ (النساء: 1)، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ (الأعراف: 189).

وليس في شريعة الإسلام نص أو أثر يشير أية إشارة إلى ما تتضمنه بعض المذاهب والأديان الفاسدة التي افترت على الله الكذب، وادعت أن المرأة مخلوق شيطاني أو نجس؛ بل كما قلنا فإن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول:"النساء شقائق الرجال"، كما يقول النبي- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: "المؤمِنُ لاَ يَنجسُ"، والحقيقة التي تنطبق بها النصوص أن العبرة بالإيمان وتقوى الله وحسن الخلق، يقول الله- تبارك وتعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: 13)،﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ (آل عمران: 195)، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 79).

وليس في نصوص القرآن والسنة المطهرة ما يفيد المزاعم التي ترددها الأديان والمذاهب الفاسدة، التي افترت على الله الكذب، وادَّعت أن حواء- عليها السلام- هي التي أغوت آدم- عليه السلام- بالأكل من الشجرة التي حرمها الله عليهما من الجنة؛ ولكن نصوص القرآن الكريم قاطعة بأن الأمر الإلهي توجه إلى آدم وحواء معًا: ﴿وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ* فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ* وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ* فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (الأعراف: 19- 22)، ثم كانت التوبة منهما معًا: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (الأعراف: 23)، وفي سورة البقرة: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ (البقرة: 36)، وهكذا سدَّت نصوص القرآن الكريم والثابت الصحيح من السنة المطهرة كلَّ منابع الادِّعاء الزَّائف، والخرافاتِ التي يثيرها البعض حول المرأة وطهارتها.

ومسئولية المرأة الإيمانية كالرجل سواء بسواء، فهي مسئولة عن تصديقها وإيمانها بالله والرسول، وإن خالفها أقرب الناس من أبٍ أو أخٍ أو زوجٍ في ذلك، ولحكمة شاءها الحكيم الخبير ضرب الله المثل للذين كفروا بامرأتين كما ضرب المثل للذين آمنوا بامرأتين أُخريين: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ* وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَمَرْيَمَ ابْنتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (التحريم: 10- 12).

فالمرأة كالرجل مأمورة بالإيمان بالله واليوم الآخر والكتاب والملائكة والنبيين.. إلى آخره، كما أنها مأمورة أن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطاعت إليه سبيلاً، وعليها واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أن عليها واجب الولاية لجماعة المسلمين: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (التوبة: 71)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ (الممتحنة: من الآية10)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهُتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ﴾ (الممتحنة: من الآية 12).

وعلى المرأة ما على الرجل من واجب والتفقه في أحكام الدين، لما تحتاج إليه من شئون حياتها، والنذارة والتبليغ عن الرسول- صلى الله عليه وسلم-: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: 122)، والطائفة هي الجماعة من الناس، والحدود المنصوص عليها في الشريعة الغراء واحدة بالنسبة للرجل والمرأة؛ فالسارق كالسارقة، والزاني كالزانية، والقاذف كالقاذفة، وشارب الخمر كشاربته، والمحارب لله ورسوله كالمحاربة، ونفس المرأة في القصاص كنفس الرجل، والمرأة القاتلة كالرجل القاتل، والمرأة القتيل كالرجل القتيل، ويقتص من الرجل إذا قتل امرأة كما لو كان قتل رجلاً، وأحكام الدِّيات واحدة لا تفرق بين رجل وامرأة، ولقد شاركت النساء في بيعة العقبة الأولى وفي بيعة العقبة الثانية.

ولحكمة شاءها العليم الخبير كان أول مَن آمن وسَاند وأيَّد وأدخل السكينة على رسولنا المصطفى وخاتم المرسلين امرأةً هي السيدة "خديجة"- عليها السلام- كما كانت "سميَّة"- رضي الله عنها- من السابقات إلى الشهادة في سبيل الله، وروى "البخاري" و"أحمد" عن "الربيع بن معوذ" قال: قالت: "كنا نغزو مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- نسقي القوم ونخدمهم، ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة"، كما أخرج "مسلم" و"أحمد" و"ابن ماجه" عن "أم عطية" الأنصارية قالت: "غزوت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- سبع غزوات أخلفهم في رحالهم، فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى".

وأخرج "مسلم" في صحيحه عن "أم سليم"- زوج "أبي طلحة"- أنها اتخذت خنجرًا يوم (حنين)، فلما سألها رسول الله- صلى الله عليه سلم- قالت: "اتخذته إن دنا مني أحد المشركين بقرت بطنه"، ولم ينكر عليها الرسول- صلى الله عليه وسلم- وخرجت "نسيبة بنت كعب" في حروب الردة في عهد "أبي بكر"- رضي الله عنه- فباشرت القتال بنفسها، وعادت وبها عشرات الجراحات بين طعنة وضربة".

ولا يصح زواجٌ في شريعة الله إلا بموافقة المرأة ورضاها وإجازتها، ولا يجوز شرعًا إجبارها على الزواج ممن لا ترضاه، وللمرأة ذمة مالية كاملة لا تنقص شيئًا عن ذمة الرجل المالية، فلها حق تملك جميع أنواع الأموال من عقارات ومنقولات وأموال سائلة- نقود- كالرجل سواء بسواء، ولها حق التصرف بمختلف أنواع التصرفات المقررة شرعًا فيما تملكه، فلها أن تبيع وتشتري وتقايض وتهب وتقرض وتقترض... إلى آخره، وتصرفاتها نافذة بإرادتها الذاتية، ولا يتوقف شيء من ذلك على رضا أبٍ أو زوجٍ أو أخٍ.
أورد "البخاري"- رحمه الله- في صحيحه بابًا بعنوان (هبة المرأة لغير زوجها وعتقها إذا كان لها زوج فهو جائز ما لم تكن سفيهة)، وذكر فيه أم المؤمنين "ميمونة بنت الحارث" اعتقت وليدة كانت لها دون أن تستأذن النبي- صلى الله عليه وسلم- ثم ذكرت له- صلى الله عليه وسلم- ذلك فقال: "إنَّك لَو أعطيتهَا أخوَالَكِ كَان أعظَمَ لأجرِكِ".

وقد فسر الرسول- صلى الله عليه وسلم- الحديث الثابت عنه، والمتضمن أن النساء ناقصاتُ عقلٍ ودينٍ، وناقصات حظ بما يتسق مع ما أوردته النصوص من حقوق للمرأة، ومن كيان إنساني متكامل، على النحو الذي سبق أن أوضحناه، فنقص الدين نقصًا في الإيمان؛ لا لأنها مخلوق متدنٍ غير أهل للتزكي وارتقاء أعلى الدرجات؛ ولكن معناه أن الله- تبارك وتعالى- رفع عنها بعض العبادات في أوقات محددة، فرفع عنها الصلاة والصيام أثناء الحيض والنفاس، كما فسر نقص الحظ بأنه نقص في بعض أنصبة الميراث فقط فلم يتعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلى نقصٍ في حظوظ أخرى أو إلى ما يشير لتدني درجتها.

وكذا نقص العقل فهو محدَّد بالشهادة على أمور معينة، أهمها الدَّين: أي القَرض وعُقود البيع والحدود، ويقطع بعدم إطلاق نقص العقل أو أنه يتدنى بالمرأة فيفقدها المساواة الإنسانية بالرجل أن من الأمور ما لا يقبل فيه إلا شهادة النساء دون الرجال وأن نقل المرأة الحديث عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مقبول بالإجماع، كذا ما سبق مما أسلفنا من واجبات المرأة الإيمانية والعقائدية وحقها في التملك والتصرف واتخذا العقود مستقلة بذلك استقلالاً كاملاً لو لم يكن الأمر كذلك لتوقفت تصرفاتها والعقود التي تبرمها على ما يكمل نقص عقلها.

وقد تواترت في النصوص القرآنية الخطاب الموجه للناس جميعًا– المرأة والرجل على سواء– والمؤمنين والمؤمنات على سواء قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ والصَّائِمِينَ والصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 35)، كما يقول عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (الأحزاب: 36)، ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ* وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ (النور: 30-31).

أما القوامة التي لرجال على النساء، التي وردت في قوله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ (النساء: 34)، فلا يجوز أن تفهم على أنها مطلقة في كل الأمور ولعامة الرجال على عامة النساء، وإن ما ورد بذات الآية أيضاحًا لهذا النص بقول عز وجل: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: 34)، يحدد أن هذه القوامة خاصة بالأسرة فقط، وفيما يتعلق بالأمور المشتركة بين الزوج والزوجة دون ما عداها.

وكما أسلفنا فليس للزوج قوامة على تصرفات زوجته المالية، وكل تصرفاتها في أموالها الخاصة نافذة، وليس لزوجها أن يبطل شيئًا منها، كما لا يتوقف أي من هذه التصرفات على إذن الزوج، كما أن هذه القوامة هي رياسة وتوجيه مقابل التزامات وواجبات يجب أن تُؤدَّى وتحترم؛ فالرجل هو الذي يؤدي الصداق عند الزواج، وهو الذي يعد المسكن وفرشه وفراشه، وكل ما يحتاجه، وهو الذي عليه نفقة الزوجة والأولاد وليس له أن يجبر زوجته على المشاركة في شيء من هذا، وإن كانت ذات مال، وهو- في الأغلب- الأكبر سنًا والأكثر اختلاطًا بالناس وتدخلاً في الأمور العامة، ولابد لكل مجموعة من قائد يقودها في حدود ما أمر الله- تبارك وتعالى- إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والزوج هو المؤهل لهذه القيادة.

وهذه الرياسة ليست رياسة قهر وتحكم واستبداد؛ ولكنها تراحم وتوادٌّ ومعاشرة بالحسنى وإرشاد إلى الطريق السليم بالحكمة والموعظة الحسنة، وهي تقوم- أساسًا- على التشاور، فالنص الكريم عن المسلمين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38)، عام، كما ورد النص الخاص الذي يرشد إلى التشاور في أمور الزوجية: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ (البقرة: 233)؛ بل حتى في الطلاق ورد ما يفيد ذلك، ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (البقرة: 229)، فإذا أضفنا إلى ذلك قوله عز وجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 19)، وغير ذلك مما ورد في الشرع الحنيف من أن الحياة الزوجية تقوم على السكنى والمودة، يتبين لنا بصورة قاطعة معنى القوامة وحدودها وأنها ليست لأن المرأة جنس أدنى ولا لنقص انسانيتها وحقوقها الأساسية وانما هي كما قال الله تبارك وتعالى درجة للرجل في مقابل واجبات التزم بها لتستقر أمور الأسرة.

فالأصل إذن هو المساواة بين الرجل والمرأة؛ ولكن الاستثناءات ترد من لَدُن العليم الخبير، الذي هو الخالق والأعلم بمن خلق وذلك في الأمور التي ميز تعالى فيها المرأة والرجل، وجعل للمرأة خصوصيات تتناسب مع وظيفتها الأساسية في الحياة وكذا بالنسبة للرجل، وهذا التمايز مقصود به التكامل وهو ضروري لتحقيق هذا التكامل ولا ينجذب الرجل للمراة ولا تنجذب المرأة للرجل ولا تستقيم الحياة الزوجية ولا تقوم الأسرة إلا به، ولهذا التمايز ولطبيعة المرأة وأنها الوعاء الذي تستقر فيه الأنساب خص الله- تبارك وتعالى- المرأة بحرمات يجب المحافظة عليها حتى يحافظ على الأعراض وتصح الانساب.

وقد وردت النصوص بأن جسد المرأة كله عورة ولا يجوز أن يظهر لغير محارمها سوى الوجهوالكفين وأن خلوة المرأة بالرجل غير المحرم لها غير جائزة فإذا أضفنا إلى ذلك أن حياء المرأة أسمى بكثير من حياء الرجل وما يخدشحياءها أقل وأدق مما يخدش حياء الرجل كان من اللازم أن يراعى فيما أسلفنا من حريات وحقوق للمرأة أن تباشر هذه الحريات وتلكم الحقوق في ملابسات تحفظ عليها عرضها وكرامتها وحياءها وحرمتها.

كما أن مما لا شك فيه أن للمرأة وظيفة هامة وسامية خصها الله تبارك وتعالى بها هي وظيفة الحمل والأمومة وهو ما لا سبيل للجرل أن يقوم به، وهي أسمى الوظائف- رغم ما يحاول البعض من تهوينها والحط من شأنها- وبدونها ينقطع النسل وتجف منابع الجنس البشري، وأكثر من ذلك فإن الأم هي التي ترضع وليدها مع لبنها حنانًا ورعاية تشيع في اجزاء نفسه وفي كل جسده ويبقى تأثره بها حتى يشب ويكبر، كما أن المرأة هي ربة البيت وملكته ووظيفتها في رعاية أهل البيت وإعداده للسكن والهدوء والراحة والمودة خطيرة وجليلة، فلا يجوز أن تهمل أو يستخف بها، وهذه الوظائف والمهام والخصائص التي ميز بها الله- تبارك وتعالى- المرأة بها تقابلها حقوق للزوج والأولاد لها أسبقية على غيرها، ويجب تقديمها على ما عداها، وهي لازمة لضمان استقرار الأسرة التي هي خلية المجتمع الأساسية وقوام تماسكه وصلابته وصلاحه، كما لا يجوز إغفال حقوق الزوج الشرعية في الإذن لزوجته في الخروج والعمل.

فهذه حقوق شرعية معتبرة وهي تنظم بالاتفاق بين الزوج والزوجة، وهي بعيدة عن أن ينظمها قانون أو أن تتدخل السلطة فيها إلا في حالات نادرة.

 

حق المرأة في الانتخاب وفي عضوية المجالس النيابية وفي تولي الوظائف العامة

بعد هذه المقدمة- التي نرجو أن تكون قد ألقت الضوء على مكانة المرأة المسلمة في المجتمع المسلم، وأوضحت بعض حقوقها وواجباتها- فإننا نعرض لما نراه بخصوص ما أثير في المجتمعات العالمية عامة والإسلامية خاصة حول مشاركة المرأة في انتخاب أعضاء المجالس النيابية وما ماثلها، وحقها في أن تُنتخَب عضوًا بتلك المجالس، وأن تتولى الوظائف العامة، وأن تقوم بالأعمال المهنية:

 

أولاً: المرأة وحق المشاركة في انتخاب أعضاء المجالس النيابية وما ماثلها

ونحن نرى أن ليس ثمَّة نصٌّ في الشريعة الغراء يحجب أن تشارك المرأة في هذا الأمر؛ بل إن قوله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (التوبة: 71)، ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104) يتضمن تكليفًا للمرأة هي تؤديه بالمشاركة في اختيار أولي الحلِّ والعَقدِ على وجهٍ شرعيٍّ.

وفي بعض الظروف قد تكون هذه المشاركة واجبة وضرورة؛ فحيث تنص قوانين الانتخابات المعمول بها في كثير من الدول الإسلامية الآن على إطلاق حق المرأة في الإنتخابات، فإن إحجام المرأة المسلمة عن المشاركة في الانتخابات يضعف من فرصة فوز المرشحين الإسلاميين.

 

ثانيًَا: تولي المرأة مهام عضوية المجالس النيابية وما يماثلها

ترى الجماعة أن ليس في النصوص المعتمدة ما يمنع من ذلك أيضًا، وما أسلفناه من نصوص تؤيد مشاركتها في الانتخابات ينطبق على انتخابها عضوًا، ومما قيل في هذا الشأن لتأييد الرأي المعارض:

1- إن المرأة جاهلة وغير متمرسة بالشئون العامة، وبالتالي يسهل التغرير بها.. وهذه الحجة مردودة بأن المرأة الجاهلة كالرجل الجاهل، وليست كل النساء جاهلات، ولا كل الرجال بالمتعلمين أو المتمرسين في الشئون العامة، أو لا يسهل التغرير بهم.. كما أننا نتكلم عن أصل الحق لا عن الشروط الواجب توافرها في الناخب أو الناخبة؛ لضمان حسن أدائه المهمة، فتلك قضية أخرى، ونحن ندعو لتعليم وتثقيف النساء والرجال، وبذل كل جهد ممكن في هذا المضمار الذي هو مقصد من مقاصد الشريعة الغراء، وواجب شرعي هام.

2- إن المرأة يعتريها الحيض والنفاس والحمل مما قد يعوقها عن أداء العمل بالمجلس الذي تنتخب فيه.. والرد على ذلك أن الرجل أيضًا يعتريه من الأمراض وغيرها مما يؤثر عليه وعلى مكانته في العمل، يضاف إلى ذلك أن عضوية المجالس النيابية تُحدَّد لها شروط، منها: ألا يقل سن العضو عن حد معين، يتراوح عادة من بين ثلاثين عامًا إلى أربعين عامًا، والأغلب أن المرأة إذا بلغت الأربعين، أو جاوزت ذلك، فإنها تكون قد فرغت من أعباء الحمل والولادة، وبلغت طور النضوج العقلي والنفسي والاستقرار العاطفي، كما أنه قلما يستطيع الشخص في سن الحد الأدنى المقررة أن يفوز بالمنصب النيابي لما يحتاج إليه ذلك لممارسة طويلة لسنوات عديدة في الأعمال العامة، والإحصاءات تقرر أن قلة صغيرة من أعضاء المجالس النيابية، هم الذين يكونون في الحد الأدنى من السن المقررة، أو ما يقاربه، والغالبية تكون قد جاوزت ذلك بكثير.

وعلى أية حال فنحن نتكلم عن الحق في الترشيح للعضوية، وفي توليها إذا ما تم الانتخاب، ولسنا بصدد البحث فيما ينبغي أن تتضمنه شروط العضوية من مؤهلات يجب أن تتوافر في الرجل أو المرأة، كما أن الأمر متروك للناخبين، فإن رأوا المرشحة ليست في حالة أو ظروف وأوضاع تمكنها من أداء مهامها، فالمفروض أنهم لن يؤيدوا انتخابها، كما أن الجهة التي سوف تزكيها سوف تحجم عن تزكيتها وترشيحها.

3- التبرج والاختلاط.. ونحن لا ندعو للتبرج ولا للاختلاط، ولا نقول بالتسامح فيه، والمرأة مأمورة بأن تلتزم بزيها الشرعي؛ سواء خرجت للمشاركة في الانتخابات، أو لحضور جلسات المجلس التي هي عضو فيه، أو لغير ذلك، كما أنه من الواجب أن تخصص مراكز انتخاب للنساء؛ وهو أمر معمول به في معظم الدول الإسلامية، كما أنه يجب أن تخصص للنساء في المجالس النيابية أماكن لا يكون ثمة مجال لتزاحم أو اختلاط.

4- سفر المرأة العضو للخارج بغير محرم.. وهذا أمر مردود بأنه ليس بالضرورة أن تسافر ما لم تكن مع محرم، أو في حال يؤمن عليها فيه حسبما تقرر الأوضاع الشرعية.

 

ثالثًا: تولي المرأة الوظائف العامة

الولاية العامة المتفق على عدم جواز أن تليها المرأة هي الإمامة الكبرى، ويقاس على ذلك رئاسة الدولة في أوضاعنا الحالية.. أما القضاء فقد اختلف الفقهاء بشأن تولي النساء له؛ فمنهم من أجازه على إطلاق مثل "الطبراني" و"ابن حزم"، ومنهم من توسط على الإطلاق (جمهور الفقهاء)، ومنهم من توسط فأجازه في أنواع من القضايا، ومنعه في أخرى، مثل الإمام "أبوحنيفة"- رضي الله عنه-، وما دام الأمر موضع اجتهاد، فالترجيح- طبقًا للأصول الشرعية- أمرٌ واردٌ، ثم ابتغاء مصلحة المسلمين طبق ضوابطها الشرعية، وطبقًا لظروف المجتمع وأحواله أمرٌ واردٌ أيضًا.

أما ما عدا ذلك من الوظائف؛ فما دام أن للمرأة شرعًا أن تعمل فيما هو حلال لم يرد نص بتحريمه، وما دام أن الوظيفة العامة هي نوع من العمل؛ فليس ثمَّة ما يمنع أن تليها، وكذا قيام المرأة بالأعمال المهنية؛ طبيبة، مدرسة، ممرضة، إلى غير ذلك مما قد تحتاج إليه هي، أو يحتاج إليه المجتمع.

 

ملاحظات مهمة

نرى ضرورة التنويه إلى لزوم التفرقة بين أن يكون للإنسان حق، وبين كيفية استعمال هذا الحق، وشروط ذلك، والظروف المناسبة لاستعمال هذا الحق، وبالتالي فإذا كانت المجتمعات تتباين ظروفها الاجتماعية، وتختلف تقاليدها، فإنه يكون من المقبول أن يتدرج استعمال الحقوق طبقًا لأحوال المجتمع وظروفه، وأن يحاط استعمال الحق بما يناسب تلك الأحوال، وأهم من ذلك بما يؤدي إلى الخروج أو الإخلال بقواعد أخلاقية وردت بها النصوص، ويجب الالتزام بها.

ومما يجب أيضًا الإشارة إليه- وبإلحاح- أن المثال الغربي لمعاملة المرأة ووضعها الاجتماعي، والاستهانة بحيائها وعرضها، هذا المثال من هذه النواحي مرفوض جملة وتفصيلاً، وهو يقوم على فلسفة إباحية تناقض مبادئ الشريعة الغراء وأخلاقها وقيمها، ونحن في مجتمعنا الإسلامي يجب أن تكون المبادئ والأخلاق والقيم الإسلامية هي المهيمنة والمعتبرة بكل حرص وبكل إعزاز وبكل تقدير ومع خشية كاملة لله تبارك وتعالى، والحمد لله أولاً وآخرًا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

-----------------------------

 

موقف الإخوان من الوطنية

 

 

• الوطنية ذات مضمون إسلامي وحلقة في سلسلة النهضة وضمن دوائر ثلاث متكاملة.

• الوطنية الصحيحة تربي الشعور بالانتماء للوطن والرغبة في التحرر من المحتل.

• (الإخوان) يرفضون وطنية الحزبية، والمحدودة بحدود الوطن والمصطبغة بالفرعونية.

 

في مقدمة الأفكار التغريبية التي تحاول أن تغزو مجتمعاتنا الإسلامية- منذ أن ضعفت الدولة الإسلامية في القرنَين السابع والثامن عشر الميلادي وما تلاهما من الهجمة الاستعمارية على العالم الإسلامي- تأتي فكرة الوطنية القُطرية والقومية في مواجهة الوحدة الإسلامية، وفكرة العِلمانية، وفصل الدين عن الدولة؛ بديلاً لشمولية الإسلام والخلافة الإسلامية، وقد بلغت هذه الأفكار ذروتها في بداية القرن العشرين، وحمل لواءها في حينها الدكتور "طه حسين"، و"أحمد لطفي السيد"، و"هدى شعراوي"، والشيخ "علي عبد الرازق"، بينما وقف في مواجهتهم "جمال الدين الأفغاني"، و"محمد عبده"، و"محمد رشيد رضا"، و"محب الدين الخطيب"، و"أنور الجندي"، إضافةً إلى جماعة (الإخوان المسلمين) في الدعوة إلى الفكرة الإسلامية.

وفي هذا الإطار نعرِض موقف (الإخوان) من هذه الأفكار كلها منذ قيام الجماعة وحتى الآن، وتتلخَّص رؤيتهم للوطنية في أن أساسها العقيدة الإسلامية، فقد جعل الإسلام الشعور الوطني بالعقيدة لا بالعصبية الجنسية، وحدد هدفه بالعمل للخير من أجل البشر، وهكذا فإن الاعتبار عند الإخوان للعقيدة أولاً، بينما هي عند غيرهم ترتبط بالحدود الجغرافية.

ولا تقتصر حدود الوطن- الذي تلزم التضحية في سبيل حريته وخيره- على حدود قطعة الأرض التي يولد عليها المرء، كما يرى الإخوان، بل إن الوطن يشمل القُطر الخاص أولاً، ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى، والأقطار التي فتحها المسلمون الأولون ثم أُخضعت لغير المسلمين، ثم يمتدُّ وطن المسلم ليشمل الدنيا جميعًا، ومن ثمَّ يوفِّق الإسلام بين شعور الوطنية الخاصة وشعور الوطنية العامة.

 

1- موقف (الإخوان المسلمين) من الدعوات المختلفة:

حتى نفهم موقف الإخوان من الأفكار التي تُثار بين الحين والآخر يجب أن نقف أولاً مع مؤسس الجماعة ومرشدها الأول الإمام "حسن البنا"- يرحمه الله- في تعريف دعوته للناس، وذلك حتى يتَّضح ميزان الإخوان للأفكار والدعوات المثارة، إذ يقول في رسالة (دعوتنا) تحت عنوان (إسلامنا):

"اسمع يا أخي، دعوتنا دعوة أجمع ما توصف أنها "إسلامية"، ولهذه الكلمة معنى واسع غير ذلك المعنى الضيق الذي يفهمه الناس، فإننا نعتقد أن الإسلام معنى شامل ينظم شئون الحياة جميعًا، ويفتي في كل شأن منها، ويضع له نظامًا محكمًا دقيقًا، ولا يقف مكتومًا أمام المشكلات الحيوية والنُّظُم التي لابُدَّ منها لإصلاح الناس، فهِم بعض الناس خطأً أن الإسلام مقصورٌ على دروب من العبادات أو أوضاعٍ من الروحانية، وحصروا أنفسهم وأفهامهم في هذه الدوائر الضيقة من دوائر الفهم المحصورة، ولكنا نفهم الإسلام على غير هذا الوجه فهمًا فسيحًا واسعًا ينتظم شئون الدنيا والآخرة، ولسنا ندَّعي ادِّعاءً، أو نتوسع فيه من أنفسنا، وإنما هو ما فهِمناه من كتاب الله وسيرة المسلمين الأولين، فإن شاء القارئ أن يفهم دعوة الإخوان بشيء أوسع من كلمة "إسلامية" فليمسك بمصحفه، وليجرد نفسه من الهوى والغاية، ثم يتفهم ما عليه القرآن، فسيرى في ذلك دعوة الإخوان"، ثم يعرض موقف (الإخوان) من الدعوات المختلفة المُثَارة فيقول: "وموقفنا من الدعوات المختلفة التي طَغَت في هذا العصر- ففرقت القلوب، وبلبلت الأفكار- أن نزِنَها بميزان دعوتنا، فما وافقها فمرحبًا به، وما خالفها فنحن براءٌ منه، ونحن مؤمنون بأن دعوتنا عامَّة محيطة، لا تغادر جزءًا صالحًا من أي دعوة إلا ألمَّت به، وأشارت إليه".

ومنذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ظهرت ثلاث دعوات متصارعة ومختلفة هي الوطنية القُطرية، والقومية العربية، والوحدة الإسلامية كل منها ينكر الأخرى وترى أنها السبيل للنهضة والتقدم.

ولكن الإخوان بميزانهم الدعوي كانت لهم نظرة أُخرى؛ حيث يرون أن هذه دوائر ثلاث يكمل بعضها بعضًا؛ لأن الخاص لا يناقض العام، والجزئي لا يناقض الكلي، فهي تتكامل ولا تتعارض، والمسلم مطالَب بأن يعمل لها جميعًا إن أمكن ذلك، فإن لم يمكن بدأ العمل لوطنه ووحدته وتقدمه أولاً ثم لقومه من العرب ثانيًا، ثم لأمته الإسلامية ثالثًا.

وسوف نعرض موقف الإخوان من هذه الدوائر الثلاث:

 

أولاً: موقف الإخوان من الوطنية:

يُرجع الإمام "البنا" الاهتمام بالوطنية- كانتماء سياسي- إلى شعور الشعوب الشرقية بإساءة الغرب إليها إساءةً نالت من عِزّتها واستقلالها، وإلى تألُّمها من الاحتلال الغربي الذي يُفرَض عليها فرضًا، فهي تُحاول الخلاص منه بكل ما في وسعها من قوة، فانطلقت ألسُن الزعماء، وسالت أنهار الصحف، وكتب الكاتبون، وخطب الخطباء، وهتف الهاتفون باسم الوطنية وجلال القومية، وذلك كدافع ورد فعل، ويرى أن هذا حسن وجميل.

ويوضح الشيخ "محمد الغزالي" أنه عندما فسد الحكم في ظل خلافة مريضة جاهلية، وامتداد مخالب أوروبا إلى جسم الوطن الإسلامي تنهشه نهشًا... قامت دعوات شتى تنزع إلى إصلاح ما فسد، مثل دعوة الأفغاني، ثم خلا الجو لدعوات قومية مُفرَغة من الدين.

فالإخوان ينظرون إلى الوطنية عامة- في مصر والدول العربية- على أنها سلاح مقاومة ضد الغزو الغربي والتخلف الذي كان قائمًا، إلا أن الوطنية لها مفهومها الخاص عند (الإخوان)، فالإمام "البنا" قد انتقد رأيًا لبعض المؤمنين بالوطنية، كما هي عند الغربيين، يزعم أن الإسلام في ناحية وهذه الفكرة في ناحية أخرى، ويزعم أن إدخال الإسلام في هذا الأمر إضعاف وتفرقة للوحدة الوطنية، ومن ثم ناقش الإمام "البنا" هذا المفهوم، محددًا موقف الإخوان منه، وقد بين الإمام "البنا" منهج تناوله له بأنه يزنها بميزان دعوته "الإسلام"، فما وافقها قَبِله وما خالفها رفضه، فالعبرة بالمضمون وليس بالأسماء.

 

مفهوم الوطنية عند (الإخوان)

 

يحلِّل مرشدُ (الإخوان) الأول الوطنيةَ إلى معانٍ عدة، ويبين موقف جماعته من كل معنى:

 

وطنية الحنين:
يقول: "إن كان دعاةُ الوطنية يريدون بها حبَّ هذه الأرض وأُلفتَها والحنينَ إليها والانعطافَ نحوها..، فذلك أمرٌ مركوزٌ في فطرة النفوس من جِهَة، ومأمورٌ به في الإسلام من جهةٍ أخرى، وإن بلالاً، الذي ضحى بكل شيء في سبيل عقيدته ودينه، هو بلال الذي كان يهتف في دار الهجرة بالحنين إلى مكة في أبيات تسيل رقَّةً وتقطر حلاوةً:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلةً بواد وحول إذخر وجليل

وهل أردن يومًا مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل

ولقد سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصف مكة من "أصيل" فجرى دمعه حنينًا إليها، وقال: "يا أصيل دع القلوب تقرّ"، ومعنى ذلك أن الإمام "البنا" قد أكد أنه إذا أراد دعاةُ الوطنية بها حب الأوطان والحنين إليها فـ(الإخوان) هم أكثر الناس وطنيةً؛ لأن دينَنا الحنيفَ يحثُّ على ذلك.

 

وطنية الحرية والعزة:

ويشير الإمام "البنا" إلى أنه إن كان يُراد بالوطنية العملُ بكل جهد لتحرير البلاد من الغاصبين، واستقلاله وغرس مبادئ العزة والحرية في نفوس أبنائه... فنحن معهم في ذلك أيضًا، وقد شدَّد الإسلام في ذلك أبلغ التشديد، فقال تبارك وتعالى: ﴿وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: 8)، ويقول: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ (النساء:141).

 

وطنية المجتمع:

ويضيف: إن أريد بالوطنية تقوية الرابطة بين أبناء القُطر الواحد وإرشادُهم إلى طريق استخدام هذه التقوية في مصالحهم فذلك نوافقهم فيه أيضًا، ويراه الإسلام فريضةً لازمة، فيقول نبيه- صلى الله عليه وسلم- "كونوا عباد الله إخوانًا"، ويقول القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتِّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (آل عمران: 118).

 

وطنية الفتح:

وواصل: إن كانوا يريدون بالوطنية فتحَ البلاد أو سيادة الأرض فقد فرض ذلك الإسلام ووجَّه الفاتحين إلى أفضل استعمار وأبرك فتح، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ﴾ (الأنفال: 39)، فموقف الإخوان واضح من كل تلك المعاني للوطنية وهم ينادون بها من أجل نهضة بلادهم كل في قطره، فإخوان مصر ينادون بها من أجل نهضة مصر، وإخوان الأردن ينادون بها لرفعة الأردن، وهكذا في كل الأقطار؛ لأنها يقرها الإسلام.

ومن شأن هذا الفهم أن يربي شعور الانتماء الوطني الصحيح والإحساس بالمسئولية تجاه الوطن، والرغبة في العمل والتحرر من المحتل، فالعلاقة بين الوطنية والإسلام- بهذا المعنى السابق- لا تناقُض بينهما.

 

الوطنية المرفوضة:

لكن هناك نوعًا من الوطنية يرفضه الإمام "البنا"، وهي وطنية الحزبية التي يراد بها تقسيم الأمة إلى طوائف متناحرة، فيشير إلى أنه إن كانوا يريدون بالوطنية تقسيم الأمة إلى طوائف متناحرة وتتضاغن، وتتراشق بالسباب وتترامى بالتهم، ويكيد بعضها لبعض، وتتشيع لمناهج وضعية أَملَتها الأهواء، وشكَلتها الغايات والأغراض، وفسَّرتها الأفهام وِفْق المصالح الشخصية، والعدو يستغلّ كل ذلك لمصلحته، ويزيد وقود هذه النار اشتعالاً، يفرّقهم في الحق ويجمّعهم على الباطل، ويحرم عليهم الاتصال بعضهم ببعض وتعاون بعضهم مع بعض، ويحل لهم هذه الصلة به والالتفات حوله فلا يقصدون إلا داره، ولا يجتمعون إلا زواره، فتلك وطنية زائفة لا خير فيها لدعاتها ولا للناس، فهي وطنية مجزوءَة ومتنافية مع الإسلام.

 

حدود وطنيتنا:

يوضح الإمام "البنا" وجه الخلاف بين الوطنية، كما يفهَمها "الإخوان" ودعاة الوطنية المجردة، فيأتي في مقدمة أوجه الخلاف أن أساس وطنية المسلمين هي العقيدة الإسلامية، والإسلام قد جعل الشعور الوطني بالعقيدة لا بالعصبية الجنسية، وقد حدد هدفه بالعمل للخير من أجل البشر، فالاعتبار عند الإخوان للعقيدة أولاً، بينما هي عند غيرهم ترتبط بالحدود الجغرافية.

ولذلك فحدود الوطن- التي تلزم التضحية في سبيل حريته وخيره- لا تقتصر على حدود قطعة الأرض التي يولد عليها المرء، بل إن الوطن يشمل القُطر الخاص أولاً، ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى، والأقطار التي فتحها المسلمون الأولون، ثم أُخضعت لغير المسلمين، ثم يمتد وطن المسلم ليشمل الدنيا جميعًا، ومن ثمَّ يوفق الإسلام- كما يرى الإمام البنا- بين شعور الوطنية الخاصة وشعور الوطنية العامة.

 

الوطنية المصرية وموقف (الإخوان) منها:

من قديمٍ رد الإمام "البنا" على الذين يغمزون (الإخوان) في وطنيتهم، بحسبانهم أن العمل للفكرة الإسلامية، والأمة الإسلامية يُنافي الوطنية والعمل لخدمة الوطن ورفعته، وقد كان واضحًا في ذلك كل الوضوح- كما يقول الدكتور "القرضاوي" في كتابه (الإخوان المسلمون70 عامًا في الدعوة والتربية)-: "كان البنا معبّرًا أبلغ التعبير حين قال في "تنظير" حب الوطن والتفاني في خدمته، والتأصيل الشرعي لذلك والتدليل عليه من الوجهة الإسلامية، فيقول- يرحمه الله- في رسالة المؤتمر الخامس: "إن الإسلام قد فرضها فريضةً لازمة لا مناص فيها: أن يعمل كل إنسان لخير بلده، وأن يتفانى في خدمته، وأن يقدِّم أكثر ما يستطيع من الخير للأمة التي يعيش فيها، وأن يقدم في ذلك الأقرب فالأقرب، رحِمًا وجِوارًا، حتى إنه لم يُجِز أن تُنقَل الزكوات أبعد من مسافة القصر- إلا لضرورة- إيثارًا للأقربين بالمعروف، فكل مسلم عليه أن يسد الثغرة التي هو عليها، وأن يخدم الوطن الذي نشأ فيه، ومن هنا كان المسلم أعمقَ الناسِ وطنيةً، وأعظمهم نفعًا لمواطنيه؛ لأن ذلك مفروض عليه من رب العالمين، وكان الإخوان المسلمون بالتالي أشدَّ الناس حرصًا على خير وطنهم، وتفانيًا في خدمة قومهم، وهم ينتمون لهذه البلاد العزيزة المجيدة، كلُّ عزة ومجد، وكل تقدُّم ورُقِيّ، وكل فلاح ونجاح، وقد انتهت إليها رئاسة الأمم الإسلامية، بحكم ظروف كثيرة تضافرت على هذا الوضع الكريم، وإن حب المدينة لم يمنع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يحنَّ لمكة، وأن يقول لـ"أصيل"- وقد أخذ يصفها-: "يا أصيل دع القلوب تقرّ".

وفي رسالة (نحو النور) يذكر الإمام "البنا" أن الأمة في حالة نهوضها- وهذا شأن مصر كما قرر- تحتاج إلى الاعتزاز بقوميتها، وطبْع ذلك في نفوس الأبناء؛ ليعطوا الخير للوطن وإعزازه، وإنَّ هذا الشعور قد كفله الإسلام.

وفي رسالة (إلى الشباب) ذكر أنهم يعملون لوطن مثل مصر، ويجاهدون في سبيله، ويفنون في هذا الجهاد؛ لأن مصر من أرض الإسلام وزعيمة أممه، إلاَّ أنهم لا يقِفون عند حدودها، وبلَغ من وطنية (الإخوان) اعتقادهم أن التفريط في أي شبر أرض يقطنه مسلم جريمةٌ لا تُغتفر حتى يعيدوه أو يهلكوا دون إعادته، ولا نجاةَ لهم من الله إلا بهذا.

وفي رسالة (دعوتنا في طور جديد) يُذكر أن الوطنية المصرية لها مكانتها ومنزلتها وحقها في النضال في دعوتهم، ويقول: "إننا مصريون؛ لأننا نشأنا في هذه البقعة المباركة، ومصر بلد مؤمن تلقَّى الإسلام تلقيًا كريمًا، وقد انتهت إليه حضانة الفكرة الإسلامية، فكيف لا نعمل لمصر وخيرها؟! وكيف لا ندفع عن مصر بكل ما نستطيع؟ وكيف يُقال إن الإيمان بالمصرية لا يتفق مع ما يجب أن يدعو إليه رجل ينادي بالإسلام؟ إننا نعتزُّ بأننا مخلصون لهذا الوطن الحبيب؛ عاملون له، مجاهدون في سبيل خيره، معتقِدون أنَّ هذه هي الحلقة الأولى في سلسلة النهضة المنشودة، وأنها جزء من الوطن العربي العام، وأننا حين نعمل لمصر نعمل للعروبة وللشرق وللإسلام".

ولذا يقبل الإخوان الوطنية على أنها ذات مضمون إسلامي، وأنها حلقةٌ في سلسلة النهضة، ويرفضون الوطنية على أنها إحياءٌ للفرعونية وصبغُ الأمة بها، أو على أنها محدودة بحدود الوطن المصري.

 

التربية الوطنية عند الإخوان

 

كان للأفكار السابقة المتعلقة بالوطنية انعاكس على فكر الإخوان التربوي، متمثلاً في:

 

تأثيرها في هدف التعليم:

في تحليل الإمام "البنَّا" لغاية التعليم يرى أنها تشتق من وضع مصر، فهي أمة شرقية تسير نحو النهوض، وقد آذاها الاحتلال سياسيًّا واقتصاديًّا ولن تكون هذه الغاية إلا تخريجَ رجال أقوياءَ يعتزُّون بدينهم وقوميتهم، ويعملون على إحياء حضارة الشرق، وهذا يعني أن يكون من أهداف التعليم تربية الشعور الوطني الصحيح، والإحساس بالمسئولية تجاه الوطن كما جاء في رسالة "نحو النور".

وفي مقال بمجلة (الإخوان المسلمين) حول إصلاح التعليم يؤكد الإمام "البنا" أن التعليم له أثر عميق في توجيه نهضة الوطن، وأنه على تعليم الشعب يتوقف مصير الوطن، ويضيف أن التعليم من الضروري أن يبنَى على ثلاثة أسس منها: تركيز الشعور الإنساني العام في المتعلمين "مع التأكيد على ذاتيتنا وشخصيتنا"، ويُذكَر أن الأمم الناشئة لا حِصن لها إلا أن تَعتزَّ بوجودها، ثمَّ يقول: نريد أن يتَّجِه تفكير المصلحين المعنيِّين بالتعليم والوصول بالمدارس والنشء الجديد إلى أهداف ثلاثة: تعليم عالمي.. فالعلم لا وطن له، وثقافة قومية.. فلا حياة لأمة لا تعتز بوجودها ولا تعرف حق أمجادها، وتربية إسلامية.

 

في محتوى التعليم:

يرى الإخوان أن الهدف السابق لا يتحقق إلا من خلال العناية بالتاريخ الوطني في المدارس بجميع المراحل، وصبغَه بالصبغة التي تجعل الطالب يعتز بإسلامِه الماجد، وقد أيد الإخوان الدكتور "محمد حسين هيكل" (وزير المعارف سابقًا) في تعديل مناهج التاريخ في المدارس المصرية بوضع تاريخ مصريّ جديد يتناسب مع مقتضيات العزة وأساليب التربية الوطنية الحرة في البلاد، وقد طالب (الإخوان) سابقًا أن تكون المرحلة الأولى في التعليم إلزامِيَّة وعمومية، وتهدف- أساسًا- إلى التربية الوطنية السليمة، كما طالَبوا بالاهتمام بالأناشيد الوطنية.

 

أثر التربية الوطنية في الإخوان:

كان من أَثَر فَهْم الإخوان للوطنية بالمفهوم السابق بأن أخلصوا لهذا الوطن وجاهدوا؛ من أجل رفعته، وضَحَّوا في سبيله بالنفس والنفيس، وذلك عن طريق الكتابة بالمقالات والرسائل والمؤتمرات والاشتراك الفعلي في المطالبة بالحقوق الوطنية، وكذلك عن طريق الأناشيد الوطنية في الجوَّالة والمعسكرات، والدعاية لشراء المُنتَج الوطني.

 

صور عملية لوطنية الإخوان:

نظرًا لربط الوطنية بالعقيدة عند الإخوان فقد أصبحت سِمَةً رئيسةً في حياة (الإخوان)، سواءٌ على مستوى الفرد أو الجماعة، وهي عندهم من أوجب الواجبات، فمُنذ ظهور الجماعة على الساحة وهي تعمل لهذا الوطن دون كلل أو ملل، وفي السطور التالية بعض صور لهذه الوطنية:

أ- المشاركة في الحملات الوطنية والقومية، وحملات خدمة البيئة، منذ حملة تحريق مصادر الثقافة الإنجليزية في مصر عام 1946م، إذ قام الإخوان في كلِّ أنحاء الجمهورية بجَمْع كل الكتب والصُّحُف باللغة الإنجليزية وحرقها في الميادين العامة؛ استنكارًا لسياسة الاستعمار، وبدايةً لحملات المقاطعة التي استمرت حتى اليوم.

وهذا ليس انغلاقًا ضد ثقافة معينة، لكنها نوع من الكفاح ضدَّ المستعمِر، والحملات المستمِرة في كل محافظات مصر ونقاباتها وجامعاتها بضرورة مقاطعة المحتل.

ب - حملات خدمة البيئة بالجهود الذاتية، وقد بدأت هذه الحملات منذ عام 1943م بحملات مكافحة وباء الملاريا، والكوليرا عام 1947م، التي اشترك فيها أربعون ألف جوَّال من الإخوان، وجميع شعبهم في مصر، وما زالت هذه الحملات مستمرة عن طريق الجمعية الطبية الإسلامية والعيادات والمستشفيات الخاصة للإخوان.

كما شارك الإخوان في حملات مكافحة الأمية منذ مشروع المعلم الجوَّال والمشاركة مع وزارة المعارف المصرية وحتى اليوم في القُرى والمدن في الفصول الليلية.

ج- الاشتراك في المظاهرات والمسيرات والإضرابات المدنية، فقد نظَّم (الإخوان) وقادوا كثيرًا من المظاهرات منذ مظاهرة 9 فبراير1946م؛ من أجل تحرير البلاد من الاستعمار، على إثْر بيانٍ من الإخوان، وكانت مسيرة ضخمة قام بها طلاب الجامعة بقيادة "مصطفى مؤمن"- زعيم طلاب الإخوان- إلى قصر عابدين للمطالَبة بالحقوق الوطنية، وفي اليوم نفسه قامت مظاهرات في المنصورة وأسوان، ثم المظاهرة الشعبية للمطالبة بالاستقلال في أكتوبر 1946م في القاهرة والأقاليم ومظاهرة أغسطس 1947م التي خرجت من الأزهر يتقدمها علَم (الإخوان)، ويقودها الإمام "البنا"، وهكذا حتى اليوم، إذ تخرج من جامعات مصر والجامع الأزهر والنقابات المهنية؛ وذلك للمطالبة بالحريات وإلغاء قانون الطوارئ.

وكان من أواخر هذه المسيرات مسيرة (الاستاد) في فبراير الماضي 2003م، التي نظمها (الإخوان) بالتحالُف مع القُوى الوطنية لرفض الهيمنة الأمريكية- الصهيونية على المنطقة، كما شارك (الإخوان) في العديد من الإضرابات؛ من أجل الاستقلال.

د- أقام الإخوان آلاف المؤتمرات الشعبية والطلابية؛ من أجل التحرر من الاستعمار، والمطالبة بالحريات، وقضية فلسطين، سواءٌ في الجامعات أو النقابات أو النوادي والمراكز المختلفة التي كان من أهمهما مؤتَمر يوم الحريات لجميع طلاب مصر في 5 نوفمبر1995م؛ للمطالبة بالحقوق المدنية للمواطنين.

هـ- الاشتراك في الانتخابات البرلمانية والمهنية والطلابية والمحلية، فمنذ الانتخابات البرلمانية لمجلس النواب عام 1942م قرَّر (الإخوان) الاشتراك في الانتخابات، وأورد الإمام "البنا" الفوائد التي يرتجيها (الإخوان) من دخول البرلمان، وهي: وصول دعوتهم إلى المحيط الرسمي، وأقرب طريق إليه هو البرلمان، وإن تجنب الإخوان الترشيح في بعض الأوقات حفاظًا على استقرار الوطن، كما حدث في انتخابات 1948م وانتخابات1990م، وقد دعت صحفهم إلى أن يشترك (الإخوان) في التصويت الانتخابي ومناصرة القابلين للفكرة الإسلامية، وهم في جميع تجاربهم الانتخابية- سواء عام 1942م أو 1948م أو 1984م أو 1987م أو 1995م أو غيرها- لم ترصد ضدهم أي مخالفة وطنية أو حالة تزوير.

كما اشترك الإخوان في الانتخابات الطلابية منذ عام 1951م، وحين أُجريت الانتخابات اكتسحوا جميع الأحزاب فحَصَلوا على أغلبية مطلقة من مقاعد كليات جامعة القاهرة (فؤاد سابقًا) وعين شمس (إبراهيم سابقًا) والإسكندرية (فاروق سابقًا)، كما جاء في مجلة (آخر ساعة) في 26/12/1951م.

واستمر هذا الاكتساح كلما أُجرِيَت انتخابات حرة في الجامعات، كما كان في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي؛ مما يدل على مدى وطنيتهم الملموسة، سواء لدى الطلاب أو المجتمع، وما زال (الإخوان) الموجودون بالبرلمان المصري اليوم (16نائبًا) بعد الإطاحة بـ "د. جمال حشمت" محل احترام جميع الفئات لوطنيتهم الصادقة.

و- الاشتراك في الكفاح المسلح ضد الصهيونية والاحتلال: تُعتبر هذه من أقوى صور المشاركة الوطنية لدى الإخوان، فقد شارك الإخوان في حرب 1948م قبل وبعد دخول الجيوش العربية فلسطين، وقد عرض الإمام "البنا" أن يشترك بـ10 آلاف متطوِّع على الحكَّام العرب، ثم اغتيل بعدها.

وبعد إلغاء معاهدة 1936م شنَّ الإخوان حربَ عصابات ضد قوات الاحتلال في قناة السويس تحت رايَتين: (الإخوان كجماعة)، و(طلاب الإخوان ضمن معسكر الجامعة الذي قاده "حسن دوح"، زعيم طلاب الإخوان آنذاك)، وقد أُسس الجهاز الخاص للإخوان من أجل ذلك، وفي كل قُطر يجاهد (الإخوان)؛ من أجل هذا القُطر، ففي فلسطين تواجه (حماس)- جناح الإخوان في فلسطين- القتل والتشريد المستمر؛ من أجل الدفاع عن أرضهم.

 

صور أخرى للمشاركة الوطنية عند الإخوان:

طوَّر (الإخوان) الاحتفال بالمناسبات التاريخية إلى وسيلة تربية وطنية، كما كانت المقالات والرسائل في الصحف من أبرز صور الوطنية في تاريخ الإخوان، وقد عبَّروا بها عن كل معاني الوطنية التي يشعرون بها تجاه هذا الوطن، ومن هذه المقالات والرسائل مقالٌ في جريدة (الإخوان المسلمون) اليومية عام 1946م للإمام "البنا" بعنوان (سيناء) فكتب مُحذِّرًا من استغلال اليهود لـ(سيناء) قبل قيام دولة إسرائيل (الكيان الصهيوني)، يحذر المسئولين المصريين من إهمال هذا الجزء أو التفريط فيه، ودعا إلى الاهتمام بها، حيث كشفت البحوث ما بها من معادن وبترول، وأن أرضها عظيمة قابلة للزراعة، ولكن باستنباط الماء بالطرق الارتوازية وإنشاء بيارات على نحو بيارات فلسطين، ودعا لتبني بعض المشروعات بسيناء، ومنها نقل الجمرك من القنطرة إلى رفح، وأن نقيم منطقةً صناعيةً على الحدود، ومن الواجب إنشاء جامعة مصرية عربية بجوار العريش يفِد إليها طلاب الشرق مع طلاب مصر يتلقَّون العلم، كما جدَّد "سيد قطب" ذلك في مقال عام 1952م؛ للتحذير من التفريط في هذا الجزء.

كما كانت رسالة (نحو النور) من أهم الرسائل التي تعالج القضايا الوطنية المختلفة بصورة سهلة وميسَّرة ذات مرجعية إسلامية، وما زال الإخوان إلى اليوم يشدُّون على يد الحكومة لرفْع مستوى معيشة المواطنين، والارتقاء بهذا الوطن، يأخذون بيدِ المجتمع إلى القيم الوطنية الحضارية.


-----------------------------

 

موقف الإخوان من العروبة

 

 

* لا عروبة بدون إسلام والجامعة العربية الطريق الطبيعي لنهضة العرب.

* الإخوان يُناصرون الجامعة العربية ويدعون لتخليصها من عوامل الضَّعف.

 

قلنا إنه في مقدمة الأفكار التغريبية التي تحاول أن تغزو مجتمعاتنا الإسلامية- منذ أن ضعفت الدولة الإسلامية في القرنَين السابع والثامن عشر الميلادي، وما تلاهما من الهجمة الاستعمارية على العالم الإسلامي- تأتِي فكرة الوطنية القُطْرية والقَومية في مواجهة الوحدة الإسلامية، وفكرة العلمانية وفصل الدين عن الدولة... بديلاً لشمولية الإسلام والخلافة الإسلامية، وقد بلغت هذه الأفكار ذِرْوتها في بداية القرن العشرين، وتولى كبرها في حينها الدكتور "طه حسين"، و"أحمد لطفي السيد"، و"هدى شعراوي"، و"علي عبدالرازق"، بينما وقَف في مواجهتهم "جمال الدين الأفغاني"، و"محمد عبده"، و"محمد رشيد رضا"، و"محب الدين الخطيب"، و"أنور الجندي"، إضافةً إلى جماعة الإخوان المسلمين، وذلك في الدعوة إلى الفكرة الإسلامية.
وفي هذا الإطار نعرِض موقِفَ (الإخوان) من هذه الأفكار كلها منذ قيام الجماعة وحتى الآن، وتتلخَّص رؤيتهم للوطنية في أنها ذات مضمون إسلامي وحلقة في سلسلة النهضة وضمن دوائر ثلاث متكاملة، وأن الوطنية الصحيحة هي التي تُربِّي الشعور بالانتماء للوطن، والرغبة في التحرُّر من المحتل، إضافةً إلى أنَّ (الإخوان) يرفضون وطنيَّة الحزبية، وتلك المحدودة بحدود الوطن، والمصطبغة بالفرعونية، والآن نستعرض موقف الإخوان من (العروبة):

 

2- موقف (الإخوان المسلمين) من العروبة:

اقترنت العروبة عند الإخوان بالإسلام، واعتبروا أنه لا عروبة بدون إسلام؛ لذا اهتموا بها، يقول الإمام "البنا"- يرحمه الله- في رسالة (دعوتنا في طور جديد): "والعروبة لها في دعوتنا مكانُها البارز وحظُّها الوافِر، فالعَرَب هم أمة الإسلام الأولى، وشعبه المختار، ولن ينهض الإسلام بغير اجتماع كلمة الشعوب العربية ونهضتها، وإن شبر أرض في وطن عربي نعتبره من صميم أرضنا ومن لباب وطننا"، وشاعر دعوة (الإخوان) هو الذي يقول:

 

ولست أدري سوى الإسلام لي         وطنًا الشام فيه ووادي النيل سيان

وحيثما ذُكر اسم الله في بلد           عددت أرجاءَه من لُبِّ أوطاني

 

إن هذه الحدود الجُغرافية والتقسيمات السياسية لا تمزق في أنفسنا أبدًا معنى الوحدة العربية الإسلامية التي جمعت القلوب على أمل واحد وهدف واحد، وجعلت من مكان هذه الأقطار جميعًا أمةً واحدةً، مهْما حاول المُحاوِلون وافتَرى الشُّعُوبيون.

ويُضيف الإمام "البنا": "ومِنْ أروَع المعاني في هذه السبيل ما حدَّد به رسول الله- صلى الله عليه وسلم- معنى العروبة؛ إذ فسرها بأنها اللِّسان والإسلام، وبذلك تعلم أن هذه الشعوب الممتدة من خليج فارس إلى طنجة ومراكش على المحيط الأطلسي كلها عربية تجمعها العقيدة، ويوحد بينها اللسان، ونحن نعتقد أننا حين نعمل للعروبة نعمل للإسلام ولخير العالم كله.

وفي تعليق للإمام "البنا" على حديث لشيخ الأزهر عن "القبَّعة في الجيش" يرى أن العمامة شعار العروبة، والعروبة صفة لكل مسلم ينطق اللسان العربي، فالعروبة اللسان والإسلام، وليست تجنُّسًا جغرافيًّا، فالأمة العربية لا تُعرف بالحدود الجغرافية، وإنما إسلاميًّا تُعرف بالدين واللغة.

وقد عقَّب "سيد قطب" على كلام "ساطع الحصري"- عن انفصال العروبة عن الإسلام- بأن ذلك يكشف عن جهل عميق؛ سواء عن الإسلام أو العروبة.

 

عروبة مصر:

دافع الإخوان دفاعًا كبيرًا عن عروبة مصر، فكتب الإمام الشهيد مقالاً يرد فيه على "طه حسين" و"سلامة موسى"، اللذين رأَيَا أنَّ العرب قد غَزَوا مصر، وأن مصر ليست عربية الأصل، بل فرعونية، ويجب أن ترجع لأصلها، وأن العقلية المصرية تجربة في تكوينها، وتتصل بحوض البحر المتوسط، واتصالها بالغرب أكثر من اتصالها بالعرب... إلخ!

فكتب الإمام "البنا": "مِصر عربية، فليتق الله المفرِّقون للكلمة"، ونفى تلك الفكرة، وأكد عروبة مصر، وحذَّر من سلخ مصر عن العروبة، مبينًا خطأ الفكرة الأخرى تاريخيًّا؛ لأن التاريخ يحدثنا بوحدة الدماء واللغات بين سكان جزيرة العرب وسكان وادي النيل في القديم والحديث، وبيَّن خطأَها اجتماعيًّا؛ لأن الأمة تتكون قوميتها من لغتها ودينها وعاداتها وثقافتها، وكل ذلك يُثبت أن مصرَ عربية، وكذا من الناحية القومية المصرية؛ إذ إن التمسك بالعروبة والقومية العربية يجعل مصر أمةً تمتد جذورها من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلسي، وأنه لا يَكره مصري أن تُشاطره الشعوب العربية شعورَه وآماله وأفراحه.

ويعطي (الإخوان) العروبة مضمونها الأول، فهم يقررون أن الأمة العربية لم تكن شيئًا مذكورًا حتى وحَّدها الإسلام، فأصبحت خيرَ أمَّة أُخرجت للنَّاس، ولما فقدت هذه الوحدة فقدت قواها، وتفتحت فيها الثغرات من كل جانب، فهم يرون أن الإسلام- تاريخًا- هو صانع الأمة العربية، وهو أيضًا الذي صاغ شخصيتها، ويذكر "صالح أبو رقيق"- أحد قادة الإخوان- أن شخصية الأمة تتكون من صفات قومية تتطلَّب الحماية من التقليد، وإذا ما حاول العرب تكوين أمتهم من جديد فعليهم أن يصنَعوا قواعد التكوين على الأسس الأُولى، التي قامت عليها الأمة العربية الأولى، وبرزت بها شخصية تلك الأمة، ويحذروا التقليد خوف تلاشي شخصية أمتهم ذات التراث الخالد.

هذا الموقف من العروبة قد ألْزَم (الإخوان) واجبًا هو وجوب العمل لإحياء الوحدة العربية ومناصرتها.

 

-----------------------------

 

 

هل نحن جماعة المسلمين أم جماعة من المسلمين؟!

بقلم الشيخ/ محمد عبد الله الخطيب

 

 

لم يزل فقهاء الدعوة المعتمَدون وجميع قياداتها يعتبرون أن الإخوان هم جماعة من المسلمين، تسعى لتحقيق منهج الله في الأرض، وإيجاد الأمة التي تحمل هذا المنهج وتطبقه- أولاً- على نفسها، وتتحمل تبعات هذه الأمانة، والإخوان لا ينسَون أبدًا أُخوَّتهم لكل مسلم، كما وصف الله المؤمنين بقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: من الآية54).

كما أنهم لا يبخَسون أهل الفضل فضلهم، ولا يتكبَّرون على الحق، بل يُحاسبون أنفسهم بإنصاف، والميزان الذي يرجعون إليه هو الحق المتمثل في الكتاب والسنة، والحكم دائمًا بينهم هو حكم الله ورسوله والشورى، حيث يكون حكم الله هو الشورى، كما تحاول دائمًا أن تنقِّي صفَّها، وأن تُربِّي أفرادها، وتُحرِّر المسلمين من أمراضهم التي أدت إلى إذلالهم وقعودهم وتخلفهم.

ومن الأمور الغريبة ومن ألوان الحرب الدائمة الرمْي بالشبهات، والقول بأن جماعة ما هي (جماعة المسلمين)، وهذه دعوى باطلة مزيَّفة، وحربٌ ظالمة وجائرة، وقول بغير علم ولا بيِّنة.

فالعاملون للإسلام بحقٍّ يفهمون جيّدًا أن جماعة المسلمين هي التي يمكّن الله لها في الأرض، ويكون لها إمام هو إمام المسلمين جميعًا، وقبل ذلك لا يجوز ولا يصح هذا، والمطلوب ممن أطلق هذه الفرية أن يدلنا على مصدرها وعلى قائلها، أو مَن صدرت عنه حتى نبين له الحق، ونصحِّح مفاهيمه؛ لأن القول بهذا من الأمور الخطيرة، لما يترتب عليه من نظرات إلى المجتمع غير صحيحة!!.

هذه التهمة تتردد كثيرًا على بعض الألسنة، وهي من الخطأ البيّن أو الجهل الفاضح، فليس الإسلام حِكْرًا على أحد أو جماعة بعينها، يجعلها تصل إلى درجة أن تعلن أنها جماعة المسلمين، أو أنها تمتلك الحق الخالص، وغيرُها يعيش على الباطل الخالص، ومن هنا يبدأ الانحراف، وتتسع زواياه، ويبدأ التعسف في إصدار الأحكام على الناس، إلى درجة قد تصل إلى تكفير مَنْ لا يسير في طريقها، أو لا يرى رأيها، وهذا جُرم وافتراء.

كما أن الإسلام ليس حِكْرًا على طائفة أو حزب، أو جنس بشري، وإنما هو دين الله الذي ختم به الرسالات للبشرية جمعاء، وأن الرسول- صلى الله عليه وسلم- هو وحده محل القدوة والأسوة ومصدر التلقي والاتباع والطاعة ﴿قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (آل عمران:31)، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:21).

إن أي إنسان أو طائفة أو جماعة أو جنس بشري لا يمتلك ذلك مهما علا شأنه، فإنه يبقى دائمًا وأبدًا متَّبعًا وليس مبتدعًا، ويبقى الإسلام وحده هو الموجِّه والقائد، ويبقى الإسلام وحده هو الحاكم والمسيطر على سلوكنا جميعًا، ويبقى الإسلام وحده هو الميزان الثابت لأعمالنا... ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (البقرة:138).

ولا يصح أبدًا أن يكون سلوك فرد أو جماعة أو هيئة هو المنهج والمقياس، وأن نصيب المسلمين أفرادًا وجماعات من نصرة الإسلام لا يكون متفاوتًا إلا بمقدار ما يقدمون لدينهم ولأمتهم، وبمقدار إخلاصهم وتجردهم، وبمقدار صدقهم وعطائهم، وبمقدار ما يقتربون بسلوكهم من المثل الكامل، المثل الأعلى المعصوم سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم-.

والإسلام دين جماهير هذه الأمة في أنحاء العالم، وهو أمل هذه الجماهير وهدفها، بل وحياتها، ومن هنا نستطيع أن نقول: إن الجماعات أو الجمعيات التي تدعو للإسلام ليست مراكز احتكار له، وليست بعيدة عن جماهير الأمة أو منفصلة عنها، أو غريبة على كيانها وحقيقتها، وإنما هي مجموعات من العاملين للإسلام، ترجو أن تكون أكثر ثوابًا عند الله، وأكثر اهتمامًا بقضايا الإسلام وآلامه، وهي مراكز تعمل للإسلام وتتمثل الإسلام الحق في واقعها، وتعطي نموذجًا عمليًا حسنًا طيبًا للحياة الإسلامية في تسامُحها وعدلها وأُفُقها الواسع وفهمها العميق للإسلام، وحبها للآخرين، وحرصها على سيادة أمة الإسلام.

ويجب أن تدرب نفسها على تقديم خدمات عامة لجميع أفراد الأمة في جميع جوانب الحياة؛ لتجذب إلى هذا الدين- بسلوكها الطيب الحسن- أبناء الإسلام وغيرهم إلى الإسلام وتقربهم منه، وتكون لهم دليلاً إلى الخير، ومرشدًا للتعاون على البر والتقوى، لا تحتكر الخير لنفسها، أو توظف الإسلام لمآرب شخصية من شأنها أن تقيم جدارًا نفسيًا يَحُول دون وصول دعوة الله واستنقاذ الناس مما هم فيه، فمجتمع الدعوة مجتمع عطاء وإيثار وبذل وليس مجتمع أخذ، مجتمع واجبات قبل أن يكون مجتمع حقوق، مجتمع هداية وليس مجتمع جباية، مجتمع إيثار وليس مجتمع أثَرة، وكل هذه الفضائل لا تتحقق برفع شعار، أو كتابة مقال أو إلقاء محاضرة، بل لابد من ممارسة حقيقية من الداعين؛ ليصبح ذلك خُلُقًا ثابتًا، وهذا منهج دعوة وليس وسيلة دعاة.

والحذر من خروج العمل الإسلامي عن هدف الاحتساب، وطلب مرضاة الله وحده، ويوم أن يخرج عن خطّه الصحيح هذا فإن أعداءَه أقدر على احتوائه ودفع الثمن، مادامت القضية تحولت إلى مستغلين ومنتفعين، قال الله تعالى في بيان شِعار الأنبياء جميعًا: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الشعراء:109)، وقال جل شأنه: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:104).

 

-----------------------------

 

الإخوان المسلمون.. والإصلاح السياسي

بقلم: د. سيد الفضلي

 

رغم غياب أو تغييب الديمقراطية في أغلب الدول العربية والإسلامية- في ظل خضوعها لنظم حكم دكتاتورية- يحلو للبعض أن يتهم الإخوان المسلمين أنهم ضد الديمقراطية، وأنهم لا يمارسونها في أعمالهم وأنشطتهم وداخل جماعتهم، كما يحلو لفريق من كتبة السلاطين وغيرهم من أصحاب الآراء الرافضة لتحكيم شرع الله- جهلاً أو خوفًا أو حمقًا- أن يزعم أن الإخوان يشكلون خطرًا على الديمقراطية، وأنهم إذا وصلوا إلى السلطة في ظلها فسيكون أول عمل لهم هو إلغاء الديمقراطية.

وكلها مزاعم تدعو إلى السخرية؛ لأنها تُجانب الحقائق والوقائع، وتجافي الواقع الذي صودرت فيه الحريات تمامًا لعقود ربما زادت على الخمسين سنة في بعض الدول العربية، صودرت فيها حقوق الإنسان كافةً، وانتهكت فيها حرماته وآدميته، وغُيب الإخوان في أقطار عربية عشرين عامًا في السجون، وربما مثلها في المعتقلات، ومن ثمَّ خلَت الساحة للدكتاتوريات، فلا مشاركة في انتخابات، ولا وجود للديمقراطية أصلاً إذْ تمَّت مصادرتها، إلا أن هناكَ أربعَ حقائق لا يستطيع المروِّجون للمزاعم والادعاءات الكاذبة أن ينكروها:

الحقيقة الأولى: أن الساحة في أكثر أقطار العرب والمسلمين قد أفسحت منذ الاستقلال- بل وقبله- وحتى اليوم للتوجهات العلمانية ودعاة التغريب، فتولَّوا السلطة والحكم، ونَحّوا كل ما هو إسلامي في التعليم والإعلام والثقافة، ثم بدأت الدكتاتوريات العسكرية وغير العسكرية تتربَّع على مقاعد السلطة؛ لتؤكد التوجُّه العلماني، وتصبّ القهر والتنكيل على دعاة الإسلام، الأمر الذي يعني أنه لم يكن ثمَّةَ منافسةٌ في السلطة أو مزاحمة على مقاعد الحكم، أو تهديد للدكتاتوريات يمكن أن يُتَّخذ حجة أو ذريعة لتغييب الديمقراطيات والقضاء على الحريات وانتهاك كافة حقوق الإنسان، وتهميش الشعوب والتذرُّع بحجة مزعومة تقول إن الإخوان يهددونها، ومن ثمَّ فقد تم حجبها ومصادرتها!!.

الحقيقة الثانية: أنه مع انفراد الدكتاتوريات بالسلطة، وإعلانها الحرب على الإسلام ودعاته، وقهرها للإنسان العربي والمسلم وتحطيم وجوده وفكره ومصادرة رأيه وحريته، وإغلاق النوافذ والأبواب في وجْه الإبداع والابتكار... حلَّت بالعالم العربي والإسلامي أقسى الكوارث وأسوأ الهزائم، كما حلَّ التأخر وسادت الفرقة والتشرذم، وتمَّ تغييب الشعوب أو تهميشها.

حلت هزيمة 1967م، وعُقدت المعاهدات مع الكيان الصهيوني، وانتشرت شعارات (السلام خيار إستراتيجي لا رجعة عنه)، وأسفر الكيان الصهيوني عن أطماعه التوسعية، وصار يعلن في سفور أنه ماضٍ في طريق التوسع حتى يصل إلى الفرات والنيل، وواصل إشهار السلاح في وجه العرب، كما أبانت أمريكا عن وجهها الاستعماري، وأسفرت في الإعلان عن سياستها في السيطرة على العالم؛ مما يحتم عليها ابتلاع عالم العرب والمسلمين وثرواته، والسيطرة على مواقعه وطرقه ومواصلاته، وإحكام القضية حول بحار بتروله، وحلَّت نكبة بأفغانستان ثم بالعراق، وليعلن الأمريكيون أن ما يجري في العراق إنما هو النموذج الذي سيسود المنطقة، الأمر الذي يعني أنه في غياب أو تغييب الحريات ومصادرتها- مع تهميش الشعوب وقهرها، ومع ملاحقة الإخوان المسلمين وتغييبهم في السجون والمعتقلات- كان الجو مهيئًا لاجتياح الأجنبي للساحة، فحلت النكبات والكوارث- التي مازالت ثمرة من ثمار الدكتاتوريات-، وغابت الحريات وصودرت الديمقراطيات، وغاب الأحرار الشرفاء في السجن، وتسلطت وسائل التعذيب والقهر لسلخ ظهورهم، مع تسخير وسائل وإمبراطوريات الإعلام لتشويه صورتهم.

أما الحقيقة الثالثة: فهي أن الإخوان أعلنوا التزامهم بالإسلام عقيدةً وشريعةً ونظام حياة، وأكدوا الالتزام بالقول والفعل، كما سجَّلوا في كافة أدبياتهم مفهومهم وإيمانهم بالحرية فريضةً من فرائض الإسلام، وحقًا فطريًّا منحه الله عبادَه كافَّة، لا تجوز مصادرته أو الافتئات عليه أو الانتقاص منه، كما لا يجوز السكوت أو الرضا عن مصادرته أو التلاعب فيه، كما أكدوا من خلال مفهومهم للإسلام وإيمانهم بالحرية والأمن- حقًا لكل إنسان- أن الحرية تعني حرية الاعتقاد، والعبادة، والرأي، والعمل، والانتقال، والسفر، كما أكدوا على التعددية واحترام الرأي الآخر وتداول السلطة، وحرية الانتخابات ونزاهاتها، وحق الشعب من خلال الانتخابات النزيهة في اختيار ممثليه ومسئوليه، وحقِّه في المحاسبة والمراجعة والتقويم والمشاركة في القرار، وقبل ذلك كله اعتماد الحوار وسيلةً حضاريةً إسلاميةً للوصول إلى الحقِّ والحقيقة.

كما شارَكوا (في مصر مثلاً) في التنسيق مع الأحزاب الأخرى- وإن كانت جرت محاولات لإقصائهم من جهات محدودة الحجم والوزن ترفض وجود حزب للإخوان-، كما ترفض رفع القيود الجائرة التي تُصادر حقهم في العمل، في الوقت الذي أعلن الإخوان على لسان مسئولين بارزين أن من حق الأحزاب كافةً أن تسعى للوصول إلى السلطة، ولتطبيق برامجها من خلال انتخابات حرة نزيهة، وتعدُّدية حزبية، وتداولٍ للسلطة يؤكده الدستور والقانون، وأنهم يحترمون ويلتزمون رأي الشعب؛ لأنه وحده صاحب القرار في الانحياز لهذا الحزب أو رفضه لذاك.

وقد صدر منذ سنوات كُتيبٌ للإخوان المسلمين سجَّلوا فيه أنهم يرون أن الإصلاح السياسي هو المدخل الحقيقي والأساسي لكل أنواع الإصلاح الأخرى، ويتلخص هذا الإصلاح في ضرورة إجراء انتخابات حرة نزيهة تكفل لها ضمانات النزاهة والحيدة، وتشرف عليها السلطة القضائية إشرافًا تامًا وكاملاً، بدءًا من إعداد كشوف جديدة للناخبين، ومرورًا بتوقيع كل ناخب أمام اسمه في كشوف الإدلاء بالأصوات، وانتهاءً بفرز الأصوات وإعلان النتائج.

الجدير بالذكر أنه منذ سنوات نشرت إحدى المجلات التابعة للحكومة المصرية أوراقًا ذكرت أنها تخصُّ الإخوان المسلمين، حَوَت من بين ما حوت تسجيلاً لانتخابات جرت لاختيار مسئولين في الجماعة، وقد أبانت عن أسلوب ديمقراطي تمَّ اتِّباعه في إجراء هذه الانتخابات مع نزاهة وعدالة تامتين، الأمر الذي قال بخصوصه معلقون كثيرون: إن الإخوان يمارسون الديمقراطية في انتخاب مسئوليهم، بينما غابت أو غُيبت الديمقراطية في انتخابات الجِهات الحزبية الأخرى، ومنها حزب الحكومة.

الحقيقة الرابعة: أن الحكومة- وحزبها ومعها- جهات علمانية، جاهلة بالإسلام أو خائفة من الإسلام أو معارضة لتحكيم شرع الله، فهم يأبَون الاحتكام إلى الشعب، رغم أنه صاحب ومصدر السلطة؛ خشية أن يجهر بالقول الفصل في شأن الإخوان المسلمين أو غيرهم -قبولاً أو رفضًا- عن طريق صناديق الانتخابات الحرة النزيهة!!، فهل هناك استهزاء بالديمقراطية واستخفاف بالعقول أكبر وأدهى من هذا؟! سؤال يوجَّه للجهات المذكورة، ليْتَها تلتزم الحقَّ والمِصداقية في الإجابة عنه!!.

 

-----------------

* المجتمع – العدد 1559 - 12 جمادى الأولى 1424هـ 12/7/2003م