إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (1/2)

إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (1/2)
 (1) الأسد الهصور يتحول إلى فأر مذعور:
الحمدُ للهِ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِه وصحبِه ومَنْ والاه، وبعد؛ 

فالملاحَظُ أن بين المجرمين الظالمين -على اختلافِ أجناسِهم وأديانِهم- تشابُهًا يكادُ يصل إلى حدِّ التطابُقِ في تعاملِهم مع سننِ الله النافذةِ في الكون، وكلُّ واحدٍ منهم يتصوَّرُ أنَّ لديه من القدرة والذكاء -بل ومن المكانة عند الله- ما يمنعُه من الحسابِ على جريمتِه، بل يدفعُهم الغرورُ دائمًا إلى إعلان ثقتِهم بما بين أيديهم ?قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ?، هي ذات الكلمة الضالة التي قالها السابقون، فانتهت بهم إلى السوءِ والوَبالِ، ولم يُغْنِ عنهم علمُهم ولا مالُهم ولا قوَّتُهم شيئًا، ومَنْ جاء بعدَهم سيصيبُهم ما أصاب الغابرين ?بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ. قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ? فسنةُ اللهِ لا تتبدَّلُ، والله لا يُعْجِزُه خلقُه الضِّعَافُ المهازيل!

إنهم في غَمْرةِ غرورهم بالقوة يتصورون أنَّ ما جعلهم اللهُ فيه لم يتهيَّأْ مثلُه لغيرهم، وبدلًا من شكر النعمة يغترون بما في أيديهم ويُعلنون التحدي، كما فعلت عادٌ قومُ هود ?فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ? ، وقالوا لنبيهم: ?فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ?. 

وقبلهم تحدى قوم نوح ?قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ?. 

وبعد هلاكهم كررت ثمود التحدي ?وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ?.

واجتهد لوطٌ عليه السلام في تذكيرِ قومِه بمصارعِ السابقين ?فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ?. 

ولم يكتفِ قومُ شُعيبٍ بالتكذيبِ، بلْ بالغوا في التحدِّي وقالوا ?فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ?.

وهكذا فعل كلُّ المغرورين على مرِّ الزمان: كبرٌ وانتفاخٌ وانتفاشٌ وغرورٌ وتحدٍّ لله رب العالمين ?وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ?.

فإذا ما نزل بأحدِهم أمرُ الله الذي لا مَرَدَّ له انقلب من أسدٍ هَصُورٍ إلى فأرٍ مذْعورٍ، وتحولت لهجتُه المهدِّدةُ المزمجِرَةُ إلى استعطافٍ مَهِينٍ واستجداءٍ ذليلٍ، وأظهروا الإيمانَ بكلِّ ما كانوا يُكذِّبون به ويتحَدَّوْن مُعتنقيه، وكشفوا عن نفوسٍ لئيمةٍ تطلبُ البقاءَ على الحياةِ ولو في ذِلَّةٍ ووَضَاعة، بقدْرِ ما كانت تتحدَّى في كِبْرٍ وغرور، وتفتِكُ بمن يضعُفُ أمامَها في خِسَّةٍ ونَذَالةٍ ?فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ. فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا?.

إنها قصة متكررة، وحين تُذَكِّرُ الغافلين والمغرورين اليومَ بمصائرِ السابقين فإنهم يَهُزُّون أكتافَهم سُخريةً، ويُعْرِضون عن الذكرى في عِزَّةٍ وشِقاق، ويقولون استهزاءً: هل يحصلُ لنا هذا ونحن نمتلِكُ كلَّ أسبابِ القُوَّةِ على الأرضِ وأسبابِ الظَّفَرِ بالمعركةِ التي لا تملكون منها غير التهديدِ الأجوفِ والدعاوَى الفارغة والسلميةَ التي تزعمون أنها أقوى من الرصاص؟. 

ويقينًا فإنهم لن يُفلِتُوا من عقابِ الله، وسيقذفُ الله على باطلِهم بالحقِّ فيدمَغُه في الوقت الذي يريد، لَا بِإِبْطَالِ السُّنَنِ وَالْأَقْدَارِ، وَلَكِنْ بِالتَّوْفِيقِ بَيْنَهَا، كَمَا قَالَ تعالى: ?ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى?. 



كَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ?فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى?: قَوْلُهُ الْأَوَّلُ، وَقَوْلُهُ الْآخِرُ. ثُمَّ أَغْرَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجُنُودَهُ».

إن هذا المتغطرسَ الغَرُورَ المنتفخَ هو ذاتُه الذي قدَّم كافَّة التعهُّدات بالاستجابةِ للحقِّ وقال لموسى في ذِلَّةٍ وتواضعٍ حين وقع عليهم الرِّجْزُ: ?يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ?، ?يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُون?، فلما دعا موسى ربَّه وكشفَ عنهم العذابَ كشف فرعون ومن معه عن اللُّؤْمِ والخِسَّةِ والنَّذالةِ الساكنةِ في نفوسِهم ونكثوا عهدهم ?فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُون?.

إن هذا المتغطرسَ الجَهُولَ الذي هدَّد وتوعَّد المؤمنين، وأخلفَ موعدَه لموسى عليه السلام، وحشد الحشودَ للقضاءِ عليه وعلى المؤمنين معه بعد أن رأى آياتِ صدقه القاطعة؛ هو ذاتُه الذي كشف عمَّا يسكُنُ نفسَه من الضعفِ البالغِ والذلِّ الهالعِ حين أحاط به الموجُ الهائج ?حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِين?. 

أخرج الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ ?قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ? فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ البَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ» ، وفي رواية «أَنَّ جِبْرِيلَ جَعَلَ يَدُسُّ فِي فِي فِرْعَوْنَ الطِّينَ خَشْيَةَ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ»، أَوْ «خَشْيَةَ أَنْ يَرْحَمَهُ اللَّهُ».

ولكن هل كان هذا التصرف بين الاستكبار والذلة شأن فرعون وحده؟ تابع المقال التالي

التعليقات