أين أنت من هذه العشر في أيَّام العَشْرِ من ذي الحِجَّة؟(2/3)

أين أنت من هذه العشر في أيَّام العَشْرِ من ذي الحِجَّة؟(2/3)
(2) أين أنت من التَّوبةِ النَّصوحِ في الأيَّامِ العَشْرِ؟

فهذه أيَّامٌ يُقبِلُ الله فيها على خلقه، ويَقبَلُ التَّوبة ممَّن تاب. فهل تكون مع أولياء الرَّحمن المؤمنين الَّذين استجابوا لنداء الله: ?وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ? [النور: 31]، ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً? [التحريم: 8].


ها هو الحقُّ سبحانه ينادي على المذنب الَّذي يَئِس من رحمته: ?إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ? [يوسف: 87].

ويقول لمن قَنَط من رحمة ربِّه: ?وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ? [الحجر: 57].


يقول للذي ملأت الذُّنوب حياته، وشغلت الشَّهوات أيَّامه، وغَرَق فيها غَرَقًا إلى أُذنيه: «لَوْ أَتَيْتَنِي ‏ ‏بِقُرَابِ ‏ ‏الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا؛ لَأَتَيْتُكَ‏ ‏بِقُرَابِهَا ‏مَغْفِرَةً».


فلنُبادِرْ إلى اغتنامِ نفحاتِ رحمةِ اللهِ في هذه الليالي والأيَّامِ المباركة، بدءًا بالاصطلاح مع الله، والتَّوبة الصَّادقة إليه. والله يتولَّى توفيقَّنا جميعًا لما يُحبُّ ويَرضى.


(3) أين أنت من الذِّكر في أيَّام العَشْرِ؟

أخرج أحمد، وأبو عُوانة، وأبو نُعيم في الحِلية عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ». وهو حديث حسن بمجموع طُرُقه.


وأخرج البيهقيّ في الشُّعب نحوه عن ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا ِمْن أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ، وَلَا الْعَمَلُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنْ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ؛ فإنها أيام التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَذِكْرِ اللهِ، وَإِنَّ صِيَامَ يَوْمٍ مِنْهَا يَعْدِلُ بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَالْعَمَلُ فِيهِنَّ يُضَاعَفُ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ».


قال البخاريّ: وكان ابن عمر وأبو هريرة –رضي الله عنهما- يَخرُجَان إلى السُّوق في أيَّام العَشْرِ يُكَبِّرَان، وَيُكَبِّرُ النَّاس بتَكْبِيرهما، وَكَبَّرَ محمد بن عليٍّ خَلْفَ النَّافِلة.
وهؤلاء الصَّحابة -رضي الله عنهم- إنَّما يفعلون ذلك التماساً للمعونة الإلهية والنصر الرباني؛ امتثالًا لقوله تعالى: ?لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ. إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُور?.


فلنُكثر من التَّكبير، والتَّهليل، والتَّحميد، والذِّكر؛ وبخاصة أذكار الصَّباح والمساء، والأحوال المختلفة، وفي أدبار الصَّلوات.


(4) أين أنت من الصِّيام في أيَّام العَشْرِ؟

الصِّيام من أفضل الأعمال التي نَدَب إليها الإسلام، وحضَّ عليها، فقد أخرج الشَّيخان عن أبي سعيد الْخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا».


وأفضل ما يكون صيام النَّوافل في الأيَّام الفاضلة المباركة، وأعلاها فضلًا وأكملها أجرًا هذه الأيَّام العَشْرِ المباركة، ومن ثَمَّ كان صيامُها من أفضل الأعمال، وحديث ابن عبَّاس -رضي الله عنهما- في فضل الأيَّام العَشْرِ أورده الأئمة تحت عنوان: (باب فضل صيام العشر). وقال ابن حجر في فتح الباري: واستُدِلَّ به على فضل صيام عَشْرِ ذي الحِجَّة لاندراج الصَّوم في العمل. واستُشكِلَ بتحريم الصَّومِ يومَ العيد. وأُجيب: بأنَّه محمول على الغالب.


وأمَّا الحديث الَّذي أخرجه مسلم وغيره عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ.


فقد قال النَّوويّ في شرح مُسْلم: قال العلماء: هذا الحديثُ ممَّا يُوهِمُ كراهةَ صومِ العَشْرِ. والمرادُ بـالعَشْرِ هنا: الأيَّام التِّسعة من أَوَّل ذي الحِجَّة. قالوا: وهذا ممَّا يُتأوَّل، فليس في صوم هذه التِّسعة كراهة؛ بل هي مستحبَّة استحبابًا شديدًا؛ لاسيَّما التَّاسع منها، وهو يوم عرفة...


فيُتَأَوَّلُ قولُها: (لَمْ يَصُمْ العَشْرَ): أنَّه لم يَصُمْه لعارضِ مرضٍ أو سفرٍ أو غيرهما، أو أنَّها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزمُ من ذلك عدمُ صيامِه في نفسِ الأمر.


ويدُلُّ على هذا التَّأويل: حديث هُنَيْدَةَ بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالت: كان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصوم تِسعَ ذي الحِجَّة، ويومَ عاشوراء، وثلاثة أيَّام من كلِّ شهر، الاثنين من الشَّهر والخميس. ورواه أبو داود، وهذا لفظه، وأحمد، والنَّسائيّ، وفي روايتهما: وخميسين. والله أعلم.


وزاد ابن حجر تأويلًا آخر لحديث عائشة، وهو: لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله؛ خشيةَ أن يُفرضَ على أمته، كما رواه الصَّحيحان من حديث عائشة أيضًا.


ويؤيِّدُ فضيلةَ صيامِ هذه الأيَّام: ما أخرجه التِّرمذيُّ، وابن ماجه، بسند فيه ضعف، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ».


قال ابن حجر: والَّذي يظهر: أنَّ السَّببَ في امتيازِ عَشْرِ ذي الحِجَّة؛ لمكانِ اجتماعِ أُمَّهاتِ العبادةِ فيه، وهي: الصَّلاة، والصِّيام، والصَّدقة، والحَجِّ. ولا يَتَأتَّى ذلك في غيره.


(5) أين أنت من قيام الليل في أيَّام العَشْرِ؟

يقول الصَّالحون: دقائقُ الليلِ غاليةٌ، فلا تُرخِّصُوها بالغَفْلَة. وأغلى ما تكون دقائقُ الليل في الأيَّام والليالي الفاضلة.


في هذه الأيَّامِ والليالي المباركةِ يُنادِي ربُّ العِزَّة المتأخِّرين ليتقدَّموا، والمقصِّرين لينشَطُوا، ومن فاتتْه الحسناتُ فيما مضى ليُدركَ نفسه ويُعَوِّضَ خسارتَه في هذه الأيَّامِ بقيامِ الليل: ?وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مُّحْمُوداً? [الإسراء: 79]، ?يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً. نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً. أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلاً? [المزمل: 1-4]، ?إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ? [المزمل: 20].


فهل تحبُّ أن تكونَ مع الطَّائفةَ التي مع رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟


هل تحبُّ أن تدخلَ في هذه الآيةِ التي خُتمت بالمغفرة والرحمة؟


كلَّما أوْغَلْتَ في الليلِ كان القيامُ بين يدي اللهِ ألذَّ لك؛ حيث: «يَنْزِلُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟». (أخرجه الشَّيخان).


إذا وجدتَ قدميْك خفيفتين إلى صلاةِ الليل؛ فاعلمْ أنَّ هذه علامةَ حُبِّ اللهِ لك؛ إذ لولا أنَّه يُحِبُّك لما جعلك أهلًا لمناجاته.


أخرج ابن ماجه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلاَةِ وَالذِّكْرِ إِلاَّ تَبَشْبَشَ اللَّهُ لَهُ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ». الله ينتظرك في شوق.. ويلقاك بحب.. فأين أنت؟!!


يا رجالَ الليل جِدُّوا       رُبَّ داعٍ لا يُردُّ

لا يقومُ الليلَ إلَّا                   من له عزمٌ وجِدُّ


فليكُنْ لنا نصيبٌ موفورٌ من هذا الخير في هذه الأيَّام المباركة، ولنوجه سهام السحر إلى الظلم والظالمين، ولنستعن بالله مولانا على الانقلابيين الخائنين، وعلى المتآمرين على أمتنا وثورتنا وإرادتنا، والله خير الناصرين.


(6) أين أنت من القرآن في أيَّام العشر؟

القرآن كلمة الله الخالدة، ليس مجرد مجموعة من الحروف والكلمات؛ ولكن وراء كلِّ حرف روحًا تُحيي القلوب الميِّتة، وتطمئن النُّفوس القلقة المضطَّربة.


فهلُمُّوا إلى مائدة الله. أرأيتم لو أنَّ أحد الملوك صَنع مائدة، ودعا النَّاس إليها، ولم يمنع منها أحدًا، ألا يكون المتخلف عنها عظيم الخسارة؟! الذي يُسمح له أن يجلس على موائد الملوك، ثمَّ يأبى إلَّا أن يعيش بين الصَّعاليك، أيُعَدُّ من العقلاء؟!


هذا ربك قد بَسَط لك مائدتَه، وأنت حين تقرأ القرآنَ فإنَّك تلتمسُ روحًا، وتُغذِّي قلبَك إيمانًا ويقينًا.


إن كنتَ قلقًا فتحتَ كتابَ اللهِ فإذا به يناديك: ?أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ?.


إن ضاقتْ بك الحالُ، واشتدَّ عليك الأمرُ، ويَئِسْتَ من الفلاحِ، فتحتَ كتابَ الله، فنادى عليك: ?وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ?.، ووجَّهك إلى: ?إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ? [يوسف: 87].


إن كنتَ عصبيَّ المزاج، لا تعرفُ كيف تضبطُ أعصابَك، وفتحتَ القرآن، وجدتَه يُناجيك: ?خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ?.


إن كنت مُذْنِبًا، فتحتَ القرآن، فيناديك الحق: ?فَمَن تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ?.


ماذا أُعَدِّدُ لك؟!

هذا القرآن ربَّى جيلًا لم ترَ الدُّنيا مثله، في أخلاقِهم، في سُمُوِّهم، في عقولهم، في عطائهم، فهل نغتنِمُ أيَّامَ النَّفحاتِ المباركةِ لنُغذِّي أرواحَنا وقلوبَنا من مائدةِ القرآنِ المباركة؟
التعليقات