د. عبد الرحمن البر يكتب: حاجتنا إلى القوة الروحية (1 /2)

د. عبد الرحمن البر يكتب: حاجتنا إلى القوة الروحية (1 /2)
حاجتنا إلى القوة الروحية (الإيمان) 1/2
(1) الصِّرَاعُ الحَتْمي
إنَّ الصِّرَاعَ بينَ الحَقِّ والبَاطِلِ قَدَرٌ إِلَهِيٌّ، بدأ منذ خُلِق آدمُ عليه السَّلَامُ، وخَاضَه كُلُّ الأنْبِياءِ والمُصْلِحين ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ?، وهو إحدى السنن الكونية التي حفظ الله بها الأرض والدين ?وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ?، ?وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا?.

وقد أكدت السنَّةُ المطهرةُ بكل وضوحٍ أنَّه ماضٍ إلى يومِ القيامةِ، ولن يتخَلَّى أهلُ الحَقِّ عنه كائنةً ما كانَت التَّضْحِيات التي يُضطرون لِتَقْديمِها، فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديثِ المتواتر: «لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».

(2) القُوَّةُ دُونَ إِيمَانٍ غُرُورٌ وخِدَاع

صحيح أنه قد يظهر أحيانًا أنَّ لأهلِ الباطل صولةً وجولةً، إلا أنَّ الصحيح أيضا أنها جولة مؤقتة، وأن الباطل إلي زوال ?لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ?.

ولن ينفع أهل الباطل ما مكنهم الله فيه ?وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ? لم يغن عنهم ذكاؤُهم ولا دهاؤُهم ولا علمُهم وحضارتُهم ولا عُلُوُّهُم وتطاوُلُهم من شيء، بل كان مصيرُهم الهلاكَ والخُسرانَ، في الدُّنْيَا بالدَّمَارِ، وفي الآخرةِ بالعذابِ المُهين.

فالباطلُ شأنُه ضعيفٌ وَاهٍ لا يَصْمُدُ أمامَ الحقِّ وأهلِه ?وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا?، ?مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ?.

ويعتمِدُ الباطلُ في قوَّتِه وجبروتِه على تغرير الشيطانِ وتحريضِه لأوليائه، وما يُزَيِّنُ ويُضَخِّمُ لهم من قوةِ المادةِ وفعلِها، وما يُمَنِّيهم به من نُصرتِه لهم، فإذا عزمَ الأمرُ خذلَهم وبَدَا لهم ما هم عليه من ضعفٍ وخَوَر ?إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ?.

(3) نَتِيجَةُ الصِّرَاعِ مَحْسُومَةٌ لصالح أهْلِ الإيمَان 

أكدت الآياتُ القرآنيةُ علي أنَّ حسمَ هذا الصراعِ والتحدِّي لم يكنْ ولن يكونَ إلا بالقوةِ الإيمانيةِ، إضافةً إلي القُوَى الماديَّةِ الأخرى ?وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ?، ?هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ?.

ذلك وعدُ الله الذي لا يتخلَّف ?وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ?. 

فإن كان الاعتمادُ علي القوةِ الماديةِ وحدَها في الميدانِ فمصيرُها حتمًا عاجلًا أو آجلًا إلي التهاوِي والهوانِ والأحزانِ ?وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ?. 

(4) الفَهْمُ الحَقِيقيُّ لمعْنَى انتِصَار الَحِّق

يأتي نصرُ اللَّه لأهلِ الإِيمَانِ في الدنيا بأشكالٍ ثلاث:

1- انتصارُ الحقِّ على الباطلِ واندثارُ آثاره بجند اللهِ الكونيةِ، وبخاصة إذا ضَعُفَت قُوَى الحقِّ عن المواجهة، كما كانت نهايةُ قومِ لوطٍ ومَدْيَنَ وعادٍ وثمودَ وفرعونَ وقومِ نوح ?فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ?.

وفي قصة أصحاب الفيل خير مثال لذلك، إذ هزم الله أصحاب القيل وردهم عن البيت الحرام دون أدنى فعل من أهل مكة.

2- انتصارُ الحقِّ على الباطلِ واندثارُ آثارِه بجُنْدِ الله من المرسَلين وأتباعِهم، حتى لو  كانَ أهلُ الحقِّ قِلَّةً أَذِلَّةً، كما كان الحالُ مع طالوتَ وجالوتَ، ?فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ?، وكما كان الحالُ مع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصحبه الكرام، في معاركِه مع قريشٍ والتي تُوِّجَتْ بفتحِ مكةَ وإخراجِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقبائلِ اليهودِ من جزيرةِ العربِ، وبعد وفاتِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانت الفتوحاتُ الإسلاميةُ التي أطلَّتْ على مشارِقِ الأرضِ ومغارِبِها، وأنْهَتْ امبراطوريتي فارسَ والرُّومَ للأَبَد.

3- انتصارُ الحقِّ على الباطلِ بصبْرِ أهلِ الحقِّ دفاعًا عن دينِهم وثباتِهم عليه، حتى لو تعرَّضُوا للقتلِ والتشريدِ والسجنِ والتَّعذيب فترة من الزمان، وإن بَدَا هذا الحالُ للبعضِ بأنه هزيمةٌ، لكنَّه النصرُ المؤكَّدُ لأهلِ الإيمانِ، حين ظفِروا برضوانِ اللهِ وجنَّاته، وبقيتْ آثارُهم وسِيَرُهم في الدنيا مثالًا للثباتِ على الدينِ والبذْلِ والتضحيةِ والفِداءِ، وهو أولُ الطريقِ لتحقيقِ النصرِ الماديِّ في صورتيه السابقتين.

وقد مثَّل أصحابُ الأُخدودِ هذه الحالةَ حيثُ قُتِل المؤمنون بالنارِ، فخلَّد اللهُ ذكراهم، وبقيتْ قصتُهم مثلًا يُضْرَبُ على مرِّ العصورِ لأهلِ الثباتِ على الدينِ، وكذا مَثَلُ ابنِ آدمَ المقتول.

ولا يعني الصبرُ والثباتُ الاستسلامَ للباطلِ والخضوعَ لبطشِه، بل لا بُدَّ من مواجهتِه بكلِّ ما نملِكُ من الأسباب المتاحة، فإذا شاء الَّلُه أنْ يُسلِّطهم علينا لحكمةٍ يعلمها، وليختبر صبرَنا على تكاليف الحقِّ وتضحيتَنا لوجهه الكريم؛ فإنَّنا نصبرُ لحكم الله، ونستمِرُّ في الإعدادِ والمواجهة، حتى يفتحَ اللَّهُ بينَنا وبين الظالمين بالحق، وهو خير الفاتحين.

(5) وترْجُونَ من الله مالا يرْجُون 

ويحسنُ أن نؤكِّدَ أنَّ كلا الفريقين يتحمَّلُ الألمَ والقَرْحَ والمشقَّةَ في هذا الصراعِ، وليس المؤمنون وحدَهم، فأهلُ الباطلِ كذلك يتألَّـمون وينالُهم القَرْحَ واللَّأْواء، ولكن شتَّانَ بين هؤلاء وهؤلاء، إنَّ المؤمنين يتوجَّهون إلى الله بجهادِهم، ويرتقِبون عنده حُسنَ الجزاء، ?وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا?، فكلما زاد إيمانُهم بما عند اللهِ من الأجرِ والثوابِ هان عليهم ما يُلاقُون في سبيل الله، وتَقْوَى عزائِمُهم ويكتبُ اللهُ لهم الغَلَبَةَ والتَّمْكينَ.

إنَّه الإيمانُ الذي يُباشِرُ قلوبَ المؤمنينَ، فيحرِّكُ فيهم مشاعرَ الأملِ والثقةِ بالنصرِ والتأييدِ من ربِّ السمواتِ والأرضِ، فتنطلقُ الأفئدةُ الطاهرةُ تُناجي ربَّها في ظلماتِ اللَّيلِ، وتُقارِعُ عدُوَّها في وضَحِ النَّهار، فيكتبُ اللهُ لها النَّصرَ والتَّمكينَ، إنَّه دينُ الله، وإنها العقيدةُ الربَّانيَّةُ التي ارتضاها اللهُ تعالى للخلقِ، فمَنْ أخذَ بها فقد أخذَ بأسبابِ النجاةِ والنصرِ والتأييد، ومَنْ فَاءَ إلى ربِّه فقد أَوَى إلى رُكْنٍ شديد، فيقذفُ اللهُ في قلوبِ أعدائِه الوهَنَ، فلا تُجْدِي عُدَّةٌ ولا متاع.

إنَّنا في أَمَسِّ الحاجةِ لهذه القُوةِ الرُّوحِيَّة في الفردِ والتي هي مصدرٌ لقوةِ المجتمعِ الذي يعيشُ فيه والأمَّةِ التي ينتمي إليها، فمن أين يستمِدُّ المؤمنُ هذه القُوَّةَ العظِيمة ؟ هذا ما يأتي جوابه في المقال التالي بإذن الله.
التعليقات