الشهيد الشاب عبد الفتاح عبده إسماعيل.. حجر الزاوية في "تنظيم 65"

الشهيد الشاب عبد الفتاح عبده إسماعيل.. حجر الزاوية في "تنظيم 65"

عمر قصير مبارك


واحد وأربعون عامًا فقط هي العمر المبارك للشهيد عبد الفتاح عبده إسماعيل، قضاها كلها في الدعوة والجهاد؛ فقد ولد رحمه الله عام 1925م في عزبة أبو إسماعيل التابعة لقرية السواحل مركز كفر البطيخ بمحافظة دمياط، التحق بمعهد طنطا الأزهري، ولظروف خاصة لم يكمل تعليمه واشتغل بالتجارة، وتعرف إلى جماعة الإخوان في وقت مبكر وأصبح أحد المقربين من الإمام البنا.


اعتقل ليلة 27/ 10/1954م وخرج عام 1957م؛ حيث انطلق في العمل علي تجميع شمل الإخوان وعودة الجماعة مرة أخرى. كان ثالث ثلاثة نُفذ فيهم حكم الإعدام في 29 أغسطس عام 1966م بعد محاكمة عسكرية هزلية أمام اللواء محمد فؤاد الدجوي بتهمة "إعادة إحياء تنظيم الإخوان المسلمين" بعد حل الجماعة على يد طغاة العسكر؛ فقد سبقه إلى المقصلة في غرفة الإعدام بسجن الاستئناف في هذا اليوم الأسود من تاريخ مصر كل من الشهيد سيد قطب صاحب الظلال، رحمه الله، والشهيد محمد يوسف هواش، رحمه الله.


حياته الزوجية:


تزوج الشهيد عبدالفتاح إسماعيل من ابنة عمه في فبراير من عام 1952م ورزقه الله منها بثلاثة أولاد: نجيب وعمار وأنس، وثلاث بنات: أسماء وسمية وأمل.


كان رحمه الله مهتمًّا بتربية أبنائه تربية إسلامية ورعايتهم رعاية كاملة والقيام بحقوقهم رغم مسؤولياته الكبيرة وانشغالاته الكثيرة، وكان يصحبهم أحيانًا في رحلات ترفيهية لزيارة الأماكن الأثرية وغيرها.


كان بيته قبلة للإخوان، خاصة أثناء إقامة المعسكرات بدمياط، وكان أهل بيته يقومون على خدمة الإخوان، فجزاهم الله خير الجزاء على ما بذلوه من جهد ووقت وما تحملوه من ملاحقات أمنية وتضييق شديد.


عبادته:


كان الشهيد عبد الفتاح إسماعيل، رحمه الله، عابدًا يقوم من الليل يصلي، حتى ظن كثير من الإخوان أنه لا ينام، وقد رغب الكثيرون في السكنى معه، وكان من أحرص الإخوان على تنفيذ السنة.
التصميم على إعادة التنظيم


كان الشهيد عبد الفتاح عبده إسماعيل، رحمه الله، ثالث ثلاثة حملوا مسؤولية إعادة جماعة الإخوان المسلمين للعمل والنشاط بعد اعتقالات 1954م، مع أخويه الأستاذ محمد عبد الفتاح شريف، من إخوان البحيرة رحمه الله، والأستاذ عوض عبد العال من إخوان المنصورة دقهلية، رحمه الله.


وقد شاء الله تعالى أن يبرز الشهيد عبد الفتاح عبده إسماعيل وإخوانه في ظروف حرجة تشبه كثيرًا ما تمر به الجماعة اليوم، وكان لهم دور كبير في الحفاظ على تماسك الجماعة، خاصة الشهيد عبد الفتاح الذي بذل في ذلك جهدًا عظيمًا فقد كان يصلي الصلوات الخمس في خمس محافظات، كما دفع حياته ثمنًا لهذا النشاط، وهذا الإصرار على إعادة تنظيم الإخوان للعمل، واستحق عن جدارة لقب دينامو تنظيم 1965م.


تقول عنه الداعية الراحلة الحاجة زينب الغزالي، رحمة الله عليها: "كان الشهيد عبد الفتاح إسماعيل من أخلص المريدين لحسن البنا والمقرَّبين إلى قلبه، وبرهنت الأحداث أنه كان جديرًا بهذا القرب وهذه الرعاية، فبعد خروجه من السجن في سنة 1956م كان مصممًا تصميمًا لا يداخله شك أو ضعف أو تردد على إعادة الإخوان المسلمين إلى ما كانت عليه لتؤدي واجبها نحو الله سبحانه".


عهد عند الكعبة


التقى الشهيد عبد الفتاح إسماعيل، رحمه الله، بالسيدة زينب الغزالي، رحمها الله، في موسم حج عام 1957، وتناقشا عند الكعبة في قرار حل جماعة الإخوان المسلمين، وتعاهدا على بذل أقصى الجهد من أجل إعادة نشاط الإخوان وتنظيم صفوفهم بعد العودة من رحلة الحج والاتصال بالأستاذ المرشد المستشار حسن الهضيبي رحمه الله لاستئذانه في ذلك. فقد كان الشهيد عبد الفتاح رحمه الله حريصًا على المؤسسية واحترام القيادة والمسؤولية.
الصمود في مواجهة التعذيب


قال عنه أحد رفاقه في السجن: "أستطيع أن أشهد شهادةً يحاسبني الله عليها أن الشهيد عبد الفتاح إسماعيل كان من أصلب الإخوان المسلمين الذين دخلوا السجن الحربي إرادةً، إن لم يكن أصلبهم على الإطلاق"، وقال عنه الأستاذ جابر رزق، رحمه الله: "لقد رأيته عدة مرات في مكتب شمس بدران ممزقَ الوجه والكتفين وممزقَ الأقدام مكسور الذراع مكسور الساق".


ويكمل فيقول: "أذكر مرةً أن دخل حمزة البسيوني السجن في الصباح وهو يركب حصانًا أحمر، وبعد أن خرج الطابور الكبير وكنت أسير مع طابور "العواجيز"، وهو طابور أخف من الطابور السريع، يضم أصحاب العاهات والأمراض وكبار السن ولا يسير فيه إلا من صرح له الطبيب بذلك، وبدأ طابور "العواجيز" في الخروج، فوقف حمزة البسيوني يستعرض الطابور بنفسية الساخر المتشفّي، وأراد أن يسخر من الشيخ عبد الفتاح فسأله: كويس كده يا شيخ عبد الفتاح؟! فابتسم الشيخ عبد الفتاح وقال: الحمد لله على كل اللي يجيبه ربنا!! إحنا راضيين بكل اللي يجيبه ربنا!!".


فبمثل هذا الرضا ومثل هذا الثبات ينهزم الباطل وينتصر الحق وتنجلى الغمة ويرتفع اللواء.

وجاءت مذبحة السجن الحربي، ووقف عبد الفتاح إسماعيل كالطود الراسخ ثابتًا على عقيدته، مدافعًا عنها، لا تخيفه السياط، ولا ترعبه الكلاب التي كانت تحبس معه بالأيام محرومة من الطعام لتفتك به.. فقد كان من بين وسائل التعذيب التي تعرض لها الشهيد عبد الفتاح الكلاب المتوحشة التي أطلقوها عليه لتمزق جسده.. فلم يستسلم لنهش الكلاب ولم يفزع منها.. ولكنه أطبق بيديه على عنق أحدها حتى خنقه!!


خشونة في العيش وعمل متواصل للدعوة


كان رحمه الله يعيش حياته زاهدًا، وكان يذهب إلى مواعيده الكثيرة بالمواصلات العامة، وأحيانًا مشيًا على قدميه، وربما عبر إحدى الترع سباحة لكي يختصر الوقت وهو يرفع ملابسه بإحدى يديه ويجدف بالأخرى، وكان لا يهتم بالطعام والشراب. يصوم كثيرًا ويأكل ما تيسر وقد يظل أربعًا وعشرين ساعة بلا طعام ولا شراب ولا نوم.


كان رحمه الله يكره الاسترخاء ويرى أن نعومة العيش مظنة الفتور والضعف والانصراف عن الدعوة وعدم القدرة على مواصلة الطريق والقيام بالواجب وتحمل المغارم والثبات في المحن والشدائد.


كان ذات مرة في موعد في بيت السيدة زينب الغزالي، وبعده كان على موعد آخر في مكان بعيد نسبيًا لا يمكن أن يدركه إلا باستقلال تاكسي؛ فاقترحت عليه ذلك، فرفض وقال: الذين ركبوا العربات واستعملوا التاكسيات استرخوا ولم يعودوا يصلحون للعمل.

حبه للشهادة وفرحه بها


كان الشيخ عبد الفتاح عبده إسماعيل يرنو بقلبه إلى "الشهادة" ويتمنَّاها من أعماق فؤاده، وكان يغبط أخاه الشاعر الشاب محمد عواد، أول شهداء المحنة، على فوزه بالاستشهاد تحت ضربات التعذيب الوحشية التي حقَّقت له أمنيةً طالما تمناها.


وعندما نطق قاضي المحكمة الهزلية الفريق الدجوي بالحكم المعد سلفًا وهو الإعدام.. صاح قائلاً: "الله أكبر.. فزت وربِّ الكعبة!!".

 

التعليقات