أسباب رعب مثلث (السيسي السعودية الإمارات) من الثورة الشعبية بالجزائر

أسباب رعب مثلث (السيسي السعودية الإمارات) من الثورة الشعبية بالجزائر

كتب- محمد آدم:

قلق كبير انتشر بين النشطاء العرب في أعقاب محاولة عسكر الجزائر الذين يديرون السلطة بواجهة الرئيس المريض بوتفليقة إجهاض الثورة الشعبية بقرارات، ظاهرها الاستجابة لمطالب الشعب وباطنها السعي لسرقة العسكر للثورة، وذلك خشية أن تتكرر تجربة الثورة المصرية ويفاجأ الجزائريون بـ"سيسي" جزائري جديد.

سبب القلق أن بوتفليقة زعم أنه "لا محل لعهدة خامسة، ولـم أنو قط الإقدام على طلبها"، رغم أنه قدم أوراق ترشحه للرئاسة، ومستمر في السلطة ومدد عهدته الرابعة بدون سند من دستور أو قانون، وأن ما جرى تقديمه للشعب ليس سوى مسكنات لا قيمة لها، مثل تغيير الحكومة واستحضار رموز قديمة (على الطريقة المصرية) لإدارة الحوار مع المعارضة، مثل الأخضر الإبراهيمي.
 
والاهم أنه لا يوجد توقيت محدد للاستجابة لمطالب الشعب وسعي من قبل العسكر لتفريغ فكرة الثورة من مضمونها، وجعل التغيير بأيدي نفس رموز النظام رغم أن الشعب خرج يهتف (الشعب يريد إسقاط النظام)، وما يجري هو تأجيل للانتخابات، ليس استجابة لشعب وإنما لاستقرار رموز الدولة العميقة في الجزائر على مرشح بديل بوتفليقة يقود المرحلة القديمة بنفس السيطرة العسكرية مع واجهة جديدة.
 
ما يثير قلق الجزائريين أيضًا أن دول مثلث الثورة المضادة (السيسي والإمارات والسعودية) تتحرك بالتوازي مع الحراك الشعبي الجزائري والسوداني لإجهاض هذه الموجة الجديدة من الربيع العربي؛ خشية أن تنقل الغضب الشعبي العربي لهذه البلدان، وتعيد إحياء الربيع العربي الأول الذي سعوا لوأده وإجهاضه.
 
ويُستخلص من بيان بوتفليقه ثلاث نتاج مهمة:
 
- البيان ظاهره تلبية مطالب الاحتجاجات، إلا أنه نسخة من بيان ترشحه الأسبوع الماضي (الذي أعلن فيه انه لن يبقى سوى سنة واحدة ثم يجري انتخابات) ولكن دون المضي في إجراءات انتخابات، وهو ما يعني أنه سيحكم فترة لم يحددها دون انتخابات، ويشكل حكومة جديدة، ويدعو لإنشاء "جمعية وطنية" من القوى السياسية لوضع إصلاحات للنظام، ويدعو لانتخابات جديدة، برغم افتقاده الشرعية.
 
- بوتفليقة كان قد طلب الصبر عليه سنه ثم يتنحى ويشكل حكومة جديدة ووفقا لبيان الرئاسة الجزائرية يبدو أنه سيمدد حكمه الفترة التي طلبها (سنة) يدعو فيها لانتخابات جديدة بعد تشكيل جمعية وطنية مستقلة بغرض إصلاح النظام، ويكون أركان السلطة المتصارعين على خلافته اتفقوا على خليفته والبديل له.
 
- بيان بوتفليقة لم يحدد مدة تأجيل الانتخابات، أي أنه سيمدد فترة حكمه بدون انتخابات، لهذا خرجت المظاهرات هذه المرة تقول "لا لتمديد العهدة الرابعة"، بعدما كانت ترفض العهدة الخامسة.


 
لهذا يخشى الجزائريون والنشطاء العرب أن تكون المؤسسة العسكرية والطبقة الحاكمة المتحالفة معها وراء بيان بوتفليقة لإجهاض الثورة والإيحاء أن السلطة استجابت للشعب فيما يخص عدم ترشح بوتفليقه، بينما هدف الشعب هو التخلص من هؤلاء الذين يحكمونه وفق أهوائهم تحت راية ثورة التحرير الجزائرية ويمنعون الشعب منذ تحرير الجزائر عام 1962 من تطبيق ما دعا له ثوار الجزائر من حرية وكرامه.
 
لهذا يطالب ثوار الجزائر باستكمال الثورة وعدم ترك الشارع لحين استكمال الجنرالات والاحزاب الحاكمة تنفيذ ما تعهد به بوتفليقة دون التفاف على مطالب الشعب، وعدم تكرار ما فعله الجنرالات مع الثورة المصرية، ويخشون من تسويف وإطالة الفترة الانتقالية التي طلبها بوتفليقة لحين تشكيل حكومة كفاءات وطنية وإجراء انتخابات جديدة، بغرض تبريد الشارع والالتفاف عليه.
 
ويرفض الشعب مجمل الخيارات التي تفكر فيها "الترويكا الحاكمة" المتمثلة في: الجيش (ويمثله أحمد القائد صالح رئيس الأركان)، والاستخبارات (ويمثلها محمد الأمين مدين، المعروف باسم الجنرال توفيق الذي عزل من الاستخبارات عام (2015)، والدولة العميقة ورجال الأعمال العسكريين (ويمثلهم سعيد بوتفليقة، شقيق الرئيس).
 
كيف تعاملت دول الثورة المضادة مع الحراك الجزائري؟
 
كان من اللافت أن يبدي السيسي قلقه علنًا من الثورة الشعبية الجزائرية ويحاول استعطاف الجزائريين بخبثه المعهود أن يتوقفوا عن ثورتهم بدعاوى أن هذا يضر الجزائر ويضر الدول المجاورة؛ بسبب رعبه من انعكاس الثورة الجزائرية ومن قبلها السودانية على إعادة أحياء الثورة الشعبية في مصر والتي يحاول قتلها في مهدها لحد اعتقال 67 شابًّا وفتاة من الميادين عقب انتشار هاشتاج "ارحل يا سيسي" والدعوات للنزول لميدان التحرير.
 
فقد كانت الشعارات واللافتات التي رفعها الجزائريون في مسيراتهم، تهتف "ارحل يا سيسي" "من الشعب الجزائري للشعب المصري اطمن انت مش لوحدك"؛ لذلك حذر عبدالفتاح السيسي من مخاطر تظاهر الشعوب في "الدول المجاورة" على مصر وعلى هذه الدول، قائلا، في ندوة عقدت في إطار احتفال الجيش المصري بـ"يوم الشهيد": إن "الناس في هذه الدول" التي لم يسمها "تضيع في بلدها لأن كل هذا الكلام (الاحتجاجات والتظاهرات) له ثمن ومن سيدفع الثمن هو الشعب والأولاد الصغارط.
 
الإمارات بدورها سعت لتكثيف لقاءات مسئوليها مع قادة الجيش الجزائري لدعمه في مواجهة الثورة وتحريض رئيس الأركان على قمع الثورة وتقديم ما يلزم من دعم إماراتي لإجهاض الثورة الجزائرية الشعبية على غرار ما فعلوا مع الثورة المصرية.
 
لهذا رفع الجزائريون لافتات تنتقد الإمارات، منها: "تسقط الإمارات يسقط بوتفليقة"، وهتفوا ضد حكام الإمارات منتقدين تدخلهم في الثورة الشعبية.
 
وتكرر نفس الغضب الشعبي الجزائري علي السعودية، بسبب دور حكامها في إجهاض الربيع العربي حدث وطرد المتظاهرون الجزائريون مراسل قناة "العربية" السعودية من تغطية المظاهرات، مؤكدين - على الهواء - أن "حكام السعودية يقفون ضد الجزائر وشعبها"، وبدت هذه اللافتات الجزائرية كأنها تختصر معاناة كل الثورات العربية التي عانت من تدخلات هذه الدول الثلاثة وكانت سببا في موجة "الثورة المضادة"، التي أعقبت الربيع العربي، وتمثلت بوضوح في دعم انقلاب الجيش على أول تجربة ديمقراطية
جاء بها ربيع مصر في 3 يوليه 2013.
 
بالمقابل ظهر من مواقف دول "الثورة المضادة" قلق شديد من الحراك الشعبي الجزائري، وقلق من تمدده كموجة ثانية من الربيع العربي، ولذلك سعت للتدخل ضده بنفس المناورات والمؤامرات التي قامت بها خلال الربيع العربي الأول.
 
إذ يخشى قادة دول الثورة المضادة انتقال الثورة مرة أخرى إلى مصر وباقي دول الربيع العربي الأول وامتداد الموجة الجديدة للثورة إلى الخليج وتحرك الشعوب للمطالبة بحرياتها، ويخشون أن يؤدي انتصار الحراك الجزائري في نهاية المطاف، إلى عودة صداع الربيع العربي الذي أنفقوا المليارات لإجهاضه.
 
ويزيد من هذا القلق من جانب دول الثورة المضادة توقع العديد من دوائر التحليل السياسي والتقارير الدولية أن تندلع الموجة الثانية للربيع العربي قريبا بسبب استمرار نفس المشكلات والمظالم والقمع والقتل للمعارضين والفساد والنهب، وآخرها تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" البحثية الأمريكية 8 مارس 2019، يؤكد أن الربيع العربي لم ينته بعد وروحه لا تزال مستمرة، وأنه رغم تصور الحكام العرب أن السلطات الأمنية والعسكرية والنظام القديم سيضمن لهم سيطرة نهائية على الحراك الشعبي مرة واحدة وإلى الأبد، فإن ظهور موجات جديدة من الاحتجاجات يثبت أن هذا الحراك الشعبي الذي بدأ قبل ثماني سنوات لن ينتهي قريبًا.
 
وما يزيد قلق دول محور الثورة المضادة أن تقرير المجلة الأمريكية يؤكد أنه "ربما يكون الربيع العربي قد خفت في مصر واليمن وليبيا بفعل خليط من القمع والعنف،
فضلا عن التدخل الإقليمي والدولي غير المسبوق، إلا أن الشعوب العربية لا تزال قادرة على إيجاد طرق سلمية للتعبير عن غضبها، ولن تجدي محاولات التخويف التي تمارسها السلطات لمنعهم من المطالبة بحقوقهم".
 
ما يرعب دول الثورة المضادة بالتالي هو أن قوى الثورة الشعبية الداعية للتحرر من الحكام الظلمة القتلة الذين يرهنون مصالح بلادهم وسيادتها للغرب والشرق؛ أملًا
في الحصول على غطاء وحماية اجنبية من شعوبهم، لا تزال حية وتناضل من أجل كسب الجولة الثانية للربيع العربي والتعلم من أخطاء الربيع العربي الأول ومن ثم
صعوبة خداع الجزائريين من قبل العسكر، واستمرار الثورة ومن ثم تمددها لدول أخرى.
 
ما تشهده الجزائر وكذلك السودان هو موجة جديدة من الربيع العربي الذي ثبت أنه لم يمت رغم عتوّ الثورة المضادة، وحراك الجزائر يرسل عدة رسائل تحدّ لقادة
محور الثورة المضادة والدول الغربية التي وقفت ضد الربيع العربي الأول.
 
والشعوب التي تذوقت طعم الحرية في الربيع العربي الأول لن تقبل أن يستمر هذا الخداع لها من قبل حكام باعوا بلادهم للاستعمار الغربي والشرقي عشرات
السنوات، وستسعى إلى تأسيس جمهوريات عربية حديثة حرة قوامها الديمقراطية والحرية ولن تلدغ من جحر العسكر مرتين.

 

التعليقات