"الأشاوس"، أصحاب الياقات البيضاء، لا يكفون عن الكيد للإخوان، والضجيج عليهم، والمكر بالليل والنهار لإفشال مشروعهم السياسي، وهؤلاء أنفسهم ما رأينا واحدًا منهم- قبل الثورة- يستطيع فتح فمه بالاعتراض على النظام القائم، بل كانوا يتذللون لرموزه، ويسلكون مسالكهم الشنيعة، فمنهم من عينه المخلوع بمجلس الشعب، ومنهم من فُتح له الطريق إلى ماسبيرو، ومنهم من حصل على مخصصات واستثناءات أعضاء الحزب المنحل وإن كان مكتوبًا على جبينه- زورًا- (معارض!!).


واليوم انتفش ريشهم، وانتفخت أوداجهم، وأحسوا بشيء من البطولة يجرى في عروقهم؛ لأنه- ببساطة- غابت عصا السلطة واختفى الحاكم الطاغية، من هنا برز الأقزام واستطالت أعناقهم، وظنوا أن رأيهم صواب لا يحتمل الخطأ، وفى المقابل فإنهم لا يرون في الحاكم الحالي -الذي يتعامل معهم بالحسنى ويصبر على أذاهم- إلا كل نقيصة ومثلب.. ولو عدنا لأرشيف الصحف قبل الثورة لفوجئنا بكثير منهم يمجدون الفرعون ويثنون على ملكاته وقراراته وإنجازاته!!


جمعني لقاء- في مكتبي- بنائب منسق إحدى الحركات السياسية الشهيرة التي ظهرت على الساحة عام 2005 (صار منسقها فيما بعد)، كان قد أرسله لي أحد الأخوة لتصميم (بوستر) لإحدى فعالياتهم، وقال لي وقتها بالحرف: "نحن يا سيدي لا نستطيع فعل ما يفعله الإخوان، نحن ننظم وقفة أو مظاهرة صغيرة ليس أكثر من ذلك، لكننا غير مستعدين للسجن والاعتقال كما يُفعل بالإخوان.. عشان كده البركة فيكم أنتم، شدوا حيلكوا".. وبعد الثورة رأيت أمثال هذا الرجل يزايدون على الجماعة و(يقصقصون) ريشها، ويطعنون في تاريخها وجهادها، ونسوا ما كانوا عليه من قبل؛ من الانزواء في مقرات لا يتردد عليها أحد، ومن الاختباء بعيدًا عن أعين السلطة التي سخرت بعضًا منهم في عمليات تجسس على أقرانهم، أو المشاركة في أحزابهم الورقية ثم تفجيرها من الداخل عندما تأمر السلطة بذلك.


وماذا فعل الإخوان كي يتعرضوا لكل هذه المكائد والسلوكيات غير الأخلاقية من هؤلاء الناس الذين قصروا الوطنية على أنفسهم واعتبروا كل ما عداهم فاشيًا أو سارقًا للوطن؟!.. يقيني أن الإخوان قوم وطنيون، مجتهدون، لديهم طموح في إصلاح حال البلاد والعباد، وليس بينهم سارق أو فاسد أو عميل أو خائن، وهم يعملون على قلب رجل واحد، ولا يخشون أحدًا إلا الله، ولا يأتمرون بأمر أحد، فلِمَ الإصرار إذًا على قلب الحقائق وتزوير الوقائع ومساواة الصالحين بالفاسدين، والمهتدين بالمجرمين.. ألا ساء ما تفعلون.


أعود بالذاكرة إلى الوراء، فأجد البون شاسعًا بين ما كان يفعله مبارك وما يفعله مرسى الآن، الأول كان جبارًا عنيدًا، يرفض التسامح والعفو، وكان ظالمًا يعشق العدوان والانتقام، وكان مزورًا فاسدًا، منتهكًا جميع الأعراف، متجاوزًا كل الحدود، حكمنا بالطوارئ طوال مدة حكمه التي قاربت على الثلاثين عامًا، أما الثاني فما علمنا عليه من سوء، وما جرى لسانه وفعله إلا بالهدى والحق، فهل يستحق من هؤلاء المستبدين كل هذا التجريح والإهانات؟!.. اللهم أشهد أن هذا عدوان وافتراء لا يفعله سوى فاقد الرشد ناقص العقل عديم المروءة، فالذي يسوِّى بين أهل الحق وأهل الباطل قد ختم الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة فلا يرى الحق حقًا ولا الباطل باطلا.


إن الذين يحاربون العادلين القاسطين، هم كمن يتركون اللحم الطيب ويأكلون النيئ النتن؛ لخلل أحدثوه في فطرتهم التي فطرهم الله عليها، ولا علاج لهؤلاء- في اعتقادي- إلا بتطبيق القانون عليهم، وقطع وساوسهم وانفصامهم؛ لأنه ليس منطقيًا أن يهدم بلد بكامله لصالح حفنة متطفلة دأبت على التكسب من (البيزنس) السياسي وحبك المؤامرات.