بسم الله الرحمن الرحيم

نرى الآن مواقفَ لبعضِ الأنظمةِ، ونسمع آراءً لبعضِ النَّاس، ونقرأ فتاوى لبعضِ الشيوخ من شأنها أن تُحدثَ بلبلةً في الأذهان والنفوس تجاه المقاومة والمقاومين، لا سيما في لبنان؛ لذلك كان لزامًا علينا أن نوضِّحَ موقفَنا من هذه القضيةِ بجلاءٍ؛ حتى تطمئِنَّ العقولُ والقلوب.

 

إنَّ الصراعَ بين الحقِّ والباطلِ وبين العدلِ والظلمِ وبين الحريةِ والقهرِ صراعٌ مستمرٌّ ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: من الآية251)، وإن الله تعالى- وهو الذي لا يُسأل عمَّا يفعل- حرَّم الظلمَ على نفسِه وجعله بين الناس.. كل الناس مُحَرَّمًا، وأمرهم ألا يتظالموا، وأعطى للمظلومِ الحقَّ في الدفاعِ عن دينِه، عن وطنِه، عن نفسِه، عن أهلِه عن مالِه، عن عرضِه.

 

لذلك أصبح من المقرر في شرع الله وفي مواثيقِ الأمم وفي قانون البشر أنَّ مقاومةَ الظالم المحتل حقٌّ أصيلٌ لكل الشعوب، أيًّا كانت عقيدتها أو مذهبها أو جنسها أو وطنها، طالما تعرَّضت لاحتلال مغتصب يفرض سيطرته، ويذل أهلَها ويذهب بحريتِها واستقلالِها ويستغل خيراتِها.

 

وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لسائر البلدان، فهو في حقِّ المسلمين أوجبُ؛ لأنَّ الإسلامَ لا يرضى للمسلمين إلا العزةَ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: من الآية8)، ولذلك فقد قرَّر الفقهاء أنه إذا وطأت أقدامُ العدوِّ أرضَ المسلمين أصبح الجهادُ فَرْضَ عَيْنٍ على الجميع رجالاً ونساءً- بغير إذن من أحد- عليهم أن يتصدوا له لدحرِه وطردِه، فإن عجزوا وجب على من يلونهم من المسلمين أن يساعدوهم ويجاهدوا معهم لتطهيرِ أرض المسلمين من رجس العدو.

 

وإذا كان هذا الحكم مع عدو يبغي الاحتلال والاستغلال فترة وإن طالت سوف يزول، فما بالنا بالعدو الصهيوني الذي جاء بمشروع عقيدي استيطاني عنصري متوسع يفرغ البلاد من أهلها بالقتل أو الطرد، ويدمِّر العامر لإشاعة الرعب، ويستجلب يهودَ العالم من كلِّ البقاع ليستوطنَ إلى الأبد بلادَ المسلمين، ويستولي على مقدساتِهم ويسعى لهدمها لإقامة هيكله، ويتوسع شيئًا فشيئًا حتى يصلَ من النِّيل إلى الفرات، ويهيمن على المنطقة، ويذل أهلها ويستخدمهم كأيدٍ عاملة رخيصة لديه، وكجموع مستهلكة لمنتجاته.

 

لذلك فقد أصبح الجهاد في حقنا واجبًا، كلٌّ بحسب طاقته واستطاعته؛ لأن أرضَ المسلمين ومقدساتِهم لا تتجزَّأ، إضافةً إلى أن الخطرَ الصهيونيَّ يتهدَّدنا جميعًا في أرضنا وحريتنا وسيادتنا وثرواتنا وأجيالنا.

 

من أجل ذلك قام إخواننا في فلسطين ومنذ عشرات السنين بثوراتٍ ضدَّ الاستعمار البريطاني الذي شجَّع الهجراتِ الصهيونيةَ إلى فلسطين منذ بداية القرن الماضي، وجاهدوا العصاباتِ الصهيونيةَ الإرهابيةَ قبل إعلانِ قيامِ دولةِ الكيانِ الصهيوني، وظلَّ الجهادُ مستمرًّا حتى اليوم، شارك فيه الفلسطينيون بمختلف انتماءاتهم العقدية والفكرية والسياسية.

 

وعندما احتلَّ العدو الصهيوني جنوبَ لبنان قاومه اللبنانيون حتى تشكَّل حزب الله الذي قاد مقاومةً شرسةً، وهزم العدوَّ، واضطره للانسحاب من جنوب لبنان سنة 2000م، والآن عاد العدو للعدوانِ على لبنان لتدميرِه واحتلالِ منطقةِ من جنوبه بهدف نَزْعِ سلاح حزب الله، ويتصدَّى له حزب الله في صمودِ الأبطال ويكبِّده خسائرَ فادحةً، رغم عدم تكافؤ الأعداد والعدة والعتاد.

 

والآن بدأنا نسمع كلامًا عن الشيعةِ والسنة، وأن حزبَ الله شيعي لا يجوز تأييدُه، في محاولةٍ لإضفاء شرعيةٍ على حرب الإبادة الصهيونية لإخواننا اللبنانيين، وهذا التخذيل هو أسوأ ما يمكن أن نسمعَه في هذا الوقت العصيب، وقبل أن نردَّ على هذه الأراجيف نحدِّد موقفنا من إخواننا الشيعة في وضوحٍ لا لبس فيه:

 

نحن نعتبر الشيعة الجعفرية فرقةً من فرق المسلمين، فهم متفقون معنا في أصولِ العقيدة والعبادة والأخلاق، وهم يمثِّلون الأغلبيةَ العظمى من الشيعةِ في العالم، وإذا كان هناك قدرٌ من الخلافِ في الأفكارِ وفي الرأي من المواقفِ التاريخية فهي لا تُخرجهم من حظيرةِ الإسلام، ومن ثمَّ فنعتبرهم إخواننا في الدين، ولقد قامت في الأربعينيات من القرن الماضي محاولةٌ للتقريب بين المذاهب الإسلامية وعلى رأسها السنة والشيعة، شارك فيها الإمام البنا- عليه رحمة الله- وكان من نتيجتها الاعتراف بالمذهب الجعفري وتدريسه في الأزهر الشريف، وتكوين علاقات وطيدة مع بعض أئمة الشيعة.

 

وإذا كان البعض يستدل بالصراع المذهبي في العراقِ بين السنةِ والشيعة، فذلك أمرٌ آخرُ مردُّه إلى ممارساتٍ تاريخيةٍ من نظام العراق السابق وموقفه من الشيعة وعدوانه على إيران، إضافةً إلى الأصابع المخابراتية الغربية والصهيونية التي تسعى لتأجيجِ الصراعِ وتمزيقِ العراق، وكان الأولى بالأنظمةِ العربيةِ أن تسعى لاحتواءِ هذا النزاع بدلاً من السلبية التي غرقوا فيها، ثم قاموا لتوسيعه في مكان ومقام آخر لا يخدم إلا العدوَّ الصهيونيَّ.

 

وإننا لنتساءل عن حزب الله بغضِّ النظر عن مذهبهم، أليسوا عربًا؟ أليسوا مسلمين؟ أليسوا مقاوِمين لظلم واحتلال طالنا جميعًا؟ أليسوا يحاربون في معركة هي معركتهم ومعركتنا معًا؟ لتحرير أرض العرب والمسلمين واستعادة أسراهم؟ ثم إن احترب الشيعةُ والصهاينةً ففي أي خندق ينبغي أن نكون؟ إن المسلمين الأوائل حزنوا عندما انتصر الوثنيون على أهل الكتاب، فنزل القرآن الكريم يبشرهم بأن النصرَ سيكون حليفًا لأهل الكتاب في بضع سنين ويومئذٍ سيفرح المؤمنون ﴿الم (1) غُلِبَتْ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)﴾ (الروم:1-4) هذا التشبيه مع الفارق الكبير.

 

ثم إذا كانت العلة في تشيُّع حزب الله، فهل حماس والجهاد وكتائب الأقصى وبقية الفصائل الفلسطينية شيعية؟، وماذا كان موقف هذه الأنظمة العربية منهم؟ ألم يتركوهم بصدورهم العاريةِ وأيديهم الخاليةِ إلا من سلاحٍ بدائي وسلاح الحجارة، يواجهون أقوى آلةٍ عسكريةٍ في المنطقة؟ تُوقِعُ بهم المجازرَ كلَّ يوم وتدمِّر البيوتَ على رءوس مَن فيها من المدنيين، وتأسر عشرةَ آلاف من أبنائِهم وبناتِهم ووزرائِهم ونوابِهم، فماذا قدَّموا لهم؟ ألم يشاركوا في حملةِ الحصار والتجويعِ التي تشنها عليهم الولاياتُ المتحدة الأمريكية والكيانُ الصهيوني، بغيةَ إسقاطِ حكومة حماس؟ وهي الحكومة الفلسطينية المنتخبة ديمقراطيًّا؟!! ثم إذا كانوا يتحدثون الآن عن النفوذ الإيراني، فأين هو النفوذ العربي، وأعداد العرب وإمكاناتهم تفوق إمكانات إيران وعددها أضعافًَا مضاعفة، ومَن الذي ترك المنطقةَ فراغًا يتمدَّد فيه النفوذ الإيراني الذي يزعمون؟ ثم ما موقفهم من النفوذ الأمريكي والصهيوني الذي يتحكَّم في كل شيء في المنطقة، ويسعى لتشكيلِ شرق أوسط جديد، ينصاع لأوامرهم، ويحمي مصالحَهم ويتخلَّى عن خصوصياتِه العقديةِ والثقافيةِ والاجتماعيةِ، وينخرط في منظومةِ القيم الغربية؟، وماذا قدمت هذه الأنظمةُ العربيةُ للقضيةِ الفلسطينيةِ سوى المناشداتِ والمبادراتِ التي يلقيها العدو الصهيوني في سلة المهملات دون أن يتكلَّف عناء قراءتها؟ حتى أعلن الأمين العام لجامعة الدول العربية بعد سنوات طويلة من خداع النفس والشعوب، أعلن أن عملية السلام قد ماتت، فماذا أنتم فاعلون؟!!

 

إنَّ المقاومةَ- كلَّ المقاومة- هي شرفُ الأمة وكرامتها وبرهان حياتها، وهي- بإذن الله- لن تموتَ وستظل تتجدَّد جيلاً بعد جيل حتى يعودَ الحق لأهله ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العنكبوت:69)، وإذا كانت الأنظمة لا تستطيع أن تقفَ مع شعوبِها وفي خندقِ المجاهدين من أبنائِها، فلا ينبغي أن تكونَ عليهم وفي خندق أعدائهم، فإن هذا العدوَّ لا يقبل منهم صديقًا، ولا يقبل إلا أن تكون شعوبُنا وحكامنا له أذلة خاضعين.

 

إن السنَّةَ وصاحبها عليه الصلاة والسلام بريئان من هذه المواقف والفتاوى، فالقرآن الكريم يقول: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية190) ويقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (البقرة: من الآية194) ويقول صاحب السنة صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله.." ويقول: "وما ترك قومٌ الجهادَ إلا ذلوا".

 

فواجبنا أن ندعم إخواننا المجاهدين في كلِّ مكان بكلِّ ما نستطيع من وسائلَ ماديةٍ ومعنويةٍ وبالدعاءِ والعواطفِ والمشاعرِ وباللسانِ والسعي لتغييرِ مواقفِ هذه الأنظمة؛ حمايةً للدول التي تُدَمَّر، والأطفال والنساء والشيوخ الذين يُقتلون، واستعادةً للأسرى الذين يُهانون في سجونِ العدو؛ تمهيدًا لتحرير الأرض وصيانة العرض وتطهير المقدسات.ثبَّت الله المجاهدين ونصرهم وسدَّد رميهم، وأذلَّ الله الظالمين المجرمين وأعوانهم..

الإخوان المسلمون
القاهرة في: 4 من رجب 1427هـ الموافق 29 من يوليو 2006م