بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

يا مسلمون.. يا حُماةَ الدين والنفس والعرض والأوطان، تأتي ذكرى الإسراء والمعراج وما زال المسجدُ الأقصى أسيرًا بأيدي الصهاينة الملاعين، فلا نامت لنا عينٌ، ولا غمَضَ لنا جفنٌ، ولا ابتسمت لنا شفاةٌ، وهو كذلك يُراد له هدمٌ، وبناءُ هيكلِهم على أنقاضه.

 

ولا بدَّ للإسلام أن يقول كلمتَه في معتركِ هذا الصراعِ المرير، ولا بد أن تكون الكلمةُ قويةً لأنها قذائفُ الحق، صريحةً لأنها استمساكٌ به، واضحةً لأنها النورُ الذي يبدِّد ظلماتِ الجهلِ والكفر، شاملةً لأنها تتناول الكَون والإنسان والحياة والمجتمع والدولة والنظام، ومن هنا فإن الأمةَ لا بدَّ أن تُعلنَ كلمةَ الله في هذا المعترك، وتنادِيَ بها، بل وتدعوَ العالم إليها، كما فعلت ذلك في تاريخها العظيم.

 

إن التحديَ الذي يواجهنا كمسلمين يكْمُن أساسًا في ثباتنا على مبادئنا، وتمسُّكِنا بقيمِنا وأصالتِنا وإصرارِنا على ثوابتِنا، وإيمانِنا بمشروعنا الإسلامي، الذي سَعِدَت به البشريةُ ردحًا من الزمان، ولن يكون ذلك ميسورًا إلا إذا وضعنا نداءَ الله لنا موضعَ التنفيذ، وأنزلناه واقعًا على الأرض:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (الحج: 77- 78).

 

وهذا أعظم درسٍ نستفيده من حادثِ إسراءِ رسولِ الله- صلى الله عليه وسلم- ومعراجِه: الصلاة، وهي الصلةُ بين العبد وربه، هذا فضلاً عن الدروس الأخرى التي منها قيادةُ الأمة الإسلامية للبشرية؛ بصلاة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إمامًا بالأنبياء، ووضوحُ القضيةِ الفلسطينيةِ على أنها قضيةُ المسلمين جميعًا.

 

يا مسلمون.. إن الأمة تتعرَّض للإبادةِ المنظَّمةِ والمستمرةِ منذ عقودٍ طويلةٍ، وما زالت حتى اليوم تُلاقي المصائبَ والكوارثَ والمكائدَ والمؤامراتِ، وهي بفضلِ الله صامدةٌ كالجبل الأشمّ، تتحدَّى وتُواجه الغطرسةَ والجبروتَ، وانتهاكَ الحرمات، وتدنيسَ المقدسات، وقتْلَ النساء والأطفال، وهدمَ البيوت على رؤوس أصحابها، وللأسفِ الشديدِ فإن حكامَنا لا يتمعَّر لهم وجهٌ، ولا يحرِّكون ساكنًا، بالرغم مما يرَون من أهوالٍ تصيب أمتَهم المسلمةَ وهم في سباتٍ عميقٍ، وكأن احتلالَ المسجدِ الأقصى وإراقةَ دماءِ المسلمين لا يَعنيهم، وما يحدثُ في فلسطين ولبنان وأفغانستان والعراق وغيرِها من بلادِ المسلمين خيرُ شاهدٍ على ما نقول.

 

يا مسلمون.. إن عدَدَنا يربو على المليار مسلم، ألسنتُهم تنطق بكلمة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وفيهم صفوةٌ من العلماء والمفكِّرين والأدباء والكتَّاب والمخترعين وأصحاب التخصصات المختلفة، لو شكَّلوا طليعةً للأمة وانشغلوا بهمومِها وأحوالِها، ووحَّدوا صفوفَهم.. لَقادُوا الأمةَ إلى برِّ الأمن والأمان والسيادة والسلام، وأسْهَموا في تحقيقِ مشروعِها الإسلامي.

 

يا مسلمون.. إن الأمرَ جدُّ خطيرٍ، ونحن نرى الأعداء يرسمون للأمة مستقبلَها ويتدخَّلون في شئونها، ويفرضون الحلولَ التي يؤمنون بها والتي تطمس هويتَها، وتُبعدُها عن دينِها، ويتولَّى كبْرَ هذا كلِّه نظامٌ عالميٌّ، على رأسه المتكبِّرُ المتجبِّرُ رئيسُ أكبر دولة في العالم، هي الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ، الذي يقول لنا: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29) في الوقت الذي يحتلُّ أرضَ المسلمين، ويُساندُ الكيانَ الصهيونيَّ، وينادي: لن أخرج من أوطانكم؛ لأني راعي حرمتكم، وحارسُ ثروتكم، ومديرُ شئونكم، الخائفُ الوجِلُ على مصالحكم.

 

والغريبُ أن بعضَنا ممن هم من جِلدتنا يؤكدون على صدْقِ ما يقول ويضلِّلون الأمةَ، بالرغم من تحذيرِ الله لنا ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ* وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (البقرة: 204- 205).

 

يا مسلمون.. إننا مدعوون جميعًا إلى استنهاضِ الهممِ، وبذلِ الجهدِ والوسعِ؛ لنستعيدَ عزتَنا وكرامتَنا التي لا تتحقَّق بغير الإسلام، ورضوانُ الله على عمرَ بنِ الخطاب حين قال: كنا أذلةً فأعزَّنا اللهُ بالإسلام، فمَن ابتغى العزةَ في غيرِ الإسلام أذلَّه الله.

 

يا مسلمون.. إن الأمل مع العمل، والثقة في نصر الله متمِّمٌ للإيمان، وهو القائلُ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيْزِ الْحَكِيْمِ﴾ (آل عمران: من الآية 126) فلنكن مع المرابطين في أرض الرباط، ومع إخواننا في حماس والجهاد وباقي فصائل المجاهدين، عاملين على تحقيق:
1- العبودية لله وحده.                         2- التجمع على آصرة العقيدة.

3- أن تسود القيم الربانية.                    4- الخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه.

5- أن نعمل على تحكيم شرع الله.            6- التربية الجهادية لصقل الرجال.

 

فليكن يومُ الإسراء يومًا عالميًّا للمسلمين ندعو فيه جميعَ المسلمين إلى: عبادة الله مع قيام ليلته عبادةً لله فيه وعملاً له، وصيام نهاره والتضرع إلى الله بالدعاء فيه، ولتكن كلماتُ ابنِ رواحةَ نبراسًا لنا؛ حيث قال "عملٌ صالحٌ تلقَون به عدوَّكم" وإن ننسَى لا ننسى الإنفاقَ في سبيل الله بعد أن حِيلَ بيننا وبين الجهاد بالنفس، فلا أقلَّ من أن نُجهِّز غازيًا، فمن جهَّز غازيًا فقد غزا، هذا فضلاً عن مقاطعةِ الأعداءِ وبضائعِهم؛ حتى يتحققَ نصرُ الله وإنه لقريبٌ.. ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِيْنَ آمَنُوْا فِيْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ (غافر: من الآية 51).

محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين

القاهرة في: 25 من رجب 1427هـ 19 من أغسطس 2006م