كتب - محمد آدم:

هاجم مجلس تحرير صحيفة "نيويورك تايمز" - في المقال الافتتاحي للصحيفة - الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ لاستضافته "أكثر الاستبداديين في الشرق الأوسط"، السيسي، في واشنطن يوم 9 أبريل الجاري، رغم سعيه لتعديل (الدستور) ليبقى مغتصبًا للسلطة مدى الحياة بانقلاب فاشيّ، ويعزز السيطرة العسكرية على البلاد، ودعا المجلس ترامب إلى وقف هذه المهزلة وتهديد السيسي بقطع المساعدات العسكرية ما لم يتوقف عن القمع والاستبداد ويلغي هذه التعديلات، ويتبع طريقًا ديمقراطيًا.

ويجيء موقف الصحيفة الأمريكية الكبرى في الوقت الذي يهاجم فيه نواب الكونجرس وغالبية الصحف الأمريكية الخائن عبدالفتاح السيسي، ويطالبون الرئيس الأمريكي بالتوقف عن تقديم الهدايا الدبلوماسية لقائد الانقلاب باستضافته، معللين ذلك بأن "السيسي قام بتخريب الديمقراطية وتقويض حقوق الإنسان في مصر على مدار السنوات الست الماضية"، بحسب موقع Global Dispatches.

وتقول "نيويورك تايمز" إن سعي السيسي للتغييرات الدستورية الجديدة كي يظل بانقلابه (رئيسًا) مدى الحياة، ويعزز السيطرة العسكرية على البلاد، يبدو أن ذلك لا يزعج الرئيس ترامب؛ الذي يرى ذلك "جائزة" للسيسي على خدماته لأمريكا والكيان الصهيوني، رغم أنه أحد أكثر القادة استبدادًا في الشرق الأوسط.

واتهم مجلس تحرير "نيويورك تايمز" ترامب بأنه يحوّل الولايات المتحدة لتصبح "أكثر تواطؤًا في دعم دكتاتورية عسكرية"، وحرمان معظم المصريين من حقوقهم، وتحذره من أن "تغذية هذا النوع من عدم الاستقرار والقمع سيولّد جيلًا جديدًا من المتطرفين، وهذا ليس في مصلحة مصر ولا في مصلحة أمريكا".

ويجيء مقال "نيويورك تايمز" في الوقت الذي يزور فيه أمريكا وفد من 35 من كبار مسئولي الشركات الأمريكية والمصرية العاملة في مصر، للالتقاء بأعضاء الكونجرس الأمريكي ومسئولي الإدارة وممثلي مراكز الفكر ووسائل الإعلام للترويج للسيسي قبل زيارته لأمريكا.

وفي هذا السياق تبرز صحف الانقلاب تعليقات باحثين أمريكان لا يرون أن الترقيعات (الدستورية) تهمّ أمريكا وأنها توافق عليها ضمنًا، وتنقل عن "بول سالم"، رئيس معهد الشرق الأوسط للأبحاث - خلال زيارة بعثة طرق الأبواب المصرية لواشنطن - أن التعديلات الدستورية والتي تمد فترة عبدالفتاح السيسي حتى 2034 "لن تؤثر على العلاقات الثنائية بين مصر والولايات المتحدة، وأن تلك التعديلات الدستورية لن تغير مواقف البيت الأبيض تجاه مصر"!.

بنى سمعته على القتل والوحشية

وتُذكّر "نيويورك تايمز" إدارة ترامب في مقالها بأن السيسي "بنى سمعته بالوحشية والقمع والتعذيب وقتل المئات من المصريين وسجن 60 ألف شخص آخرين، منهم طلاب ومواطنون أمريكان، وأنه قام بانقلاب عسكري عام 2013 على أول رئيس مدني منتخب للبلاد، وهو الرئيس محمد مرسي، وسجنه، ويمنع أسرته من زيارته، وأن السيسي تعهّد كذبًا بأنه "سيبني الديمقراطية ويترك منصبه في عام 2022".

وتحذّر ترامب من أنه بترحيبه بالسيسي في واشنطن الآن دون الضغط عليه من أجل الإصلاحات، وهو الذي استولى على السلطة، سيحطّم ترامب بذلك الآمال في أن تصبح مصر "ديمقراطية" في أي وقت قريب.

وتوضح له أن التعديلات الدستورية لا تمدّد فترة الرئاسة إلى ست سنوات من أربع سنوات، والسماح له بالترشح مرتين أخريين، فقط، بل ستمنح التعديلات القوات المسلحة صلاحيات توسعية للتدخل في (الحكومة)، وتمنح السيسي المزيد من السيطرة على تعيين كبار القضاة وإعطاء المحاكم العسكرية اختصاصات أوسع لمحاكمة المدنيين.

وتقول: إن المسئولين المصريين يخنقون كل المعارضة لهذه التعديلات، فلم يُسمح لأي من أعضاء المعارضة السياسية بالمشاركة في ما يسمى "جلسات الحوار الوطني لحكومة الانقلاب بشأن التغييرات"، كما تم اعتقال العديد من الأشخاص الذين نشروا مقاطع فيديو على "فيس بوك" ينتقدون التعديلات.

أيضًا تم فصل اثنين من الممثلين المصريين اللذين انتقدا السيسي في لجنة مع أحد أعضاء الكونجرس في واشنطن الأسبوع الماضي من اتحادهما (المهن التمثيلية)، وجرى اتهامهما بالخيانة العظمي، وكل هذا لم يؤدّ إلى تراجع ترامب، الذي اتهموه بأنه "يُبدي تعاطفًا أكبر مع الحكام الأوتوقراطيين (الديكتاتوريين) أمثال السيسي.

مكاسبنا من مصر لن تتضرر

وتقول الصحيفة إنه إذا كان ترامب وحكومته يخشون من تعريض معاهدة السلام بين مصر والكيان الصهيوني للخطر، أو تضرر المصالح الأمريكية في مصر، وهي: تسهيلات مرور السفن الحربية الأمريكية لقناة السويس، والسماح بتحليق الطائرات الأمريكية في الأجواء المصرية، والتعاون في مكافحة الإرهاب..، فهذا لن يتأثر؛ لأن هذه الأمور تعتبر مصلحة مصرية أيضًا، وتفيد السيسي، ومن غير المرجّح أن يتوقف السيسي عن تقديم هذه الخدمات لأمريكا والكيان الصهيوني، ومن ثم فلا ضرر من مطالبته بالالتزام بالمبادئ الديمقراطية والضغط عليه.

وتشير إلى أنه (السيسي) والحكام القمعيين لا يفهمون سوى لغة القوة، وأنه حينما قامت إدارة ترامب في عام 2017 بحجز 300 مليون دولار مؤقتًا من المعونة الأمريكية للسيسي تحت ضغط الكونجرس، قام السيسي بالإيعاز إلى قضائه المسيّس بتبرئة موظفين يعملون في منظمات المجتمع المدني الأمريكية والأوروبية، وتكرر الأمر في حالات عديدة.

ودعت الصحيفة الكونجرس إلى استدعاء ترامب لمساءلته حول المساعدات الأمريكية، ودفعه لتعليق المساعدات لإجبار السيسي على الخضوع، مشيرةً إلى قيام السيناتور "باتريك ليهي"، نائب رئيس لجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ، بتعليق 105 ملايين دولار من المساعدات لمصر لتعويض المواطنة الأمريكية "أبريل كورلي" بعدما قصفها الطيران الحربي المصري ضمن قافلة سياح مكسيكيين في الواحات عام 2015، ولمطالبته السيسي بتوضيح لماذا يقتل أبرياء في سيناء خلال الحملة العسكرية التي يقوم بها الجيش ضد داعش في سيناء؟

تأبيد السيسي وعسكرة الحياة السياسية

وتقول "إيمي هاوثورن" نائبة مدير الأبحاث في مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط: إن السياسة المصرية تدخل مع حكم السيسي مرحلة من أخطر مراحلها بعد سنوات من القمع والديكتاتورية؛ بسبب التعديلات الدستورية التي تهدف إلى تأبيد اغتصاب السيسي للسلطة و"عسكرة" الحياة السياسية بفرض وصاية الجيش على الحياة السياسية.

وتوضح "هاوثورن" - في لقاء مسجل مع موقع Global Dispatches - أن "سلسلة التعديلات الدستورية من شأنها أن تجعل السيسي (رئيسًا) فعليًا مدى الحياة وأن تخلق ما يطلق عليه ديكتاتورية شخصية".

وتشير إلى أن الآثار المترتبة على التحركات الأخيرة من السيسي لزيادة تعزيز ديكتاتوريته توضح "كيف قام السيسي بتخريب الديمقراطية وتقويض حقوق الإنسان في مصر على مدار السنوات الست الماضية".

وكانت الباحثة ذاتها إيمي هاوثورن والباحث أندرو ميلر من "مشروع ديمقراطية الشرق الأوسط" قالا في مجلة "فورين بوليسي": إن عبدالفتاح السيسي "أسوأ من مبارك" وإنه "يجلب شكلا جديدا من الاستبداد إلى مصر".

وشدَّدا على أن السيسي يدفع مصر نحو استبداد أكبر بكثير مما فعله حسني مبارك، وأن ذلك يرسّخ مزيدًا من عدم الاستقرار في المنطقة التي شهدت بالفعل الكثير منه؛ بسبب ملاحقته بشراسة لخصومه الإسلاميين، وأي شخص آخر يشكّك في حكمه، وسعيه لتعزيز سلطته القمعية بتعديلات دستورية؛ لتأبيده في السلطة التي اغتصبها من الرئيس محمد مرسي بالدبابات.

وقالا: إن التغييرات (الدستورية) الجديدة تشير إلى شيء مقلق، وهو أنها ستمثل خطوة حاسمة في إضفاء "طابع استبدادي مؤسسي" على النظام السياسي الجديد؛ ما يقود مصر إلى منطقة أكثر خطورةً، بفرضه تغييرات دستورية ترسخ لنظام دكتاتوري، وهذه أخبار سيئة للمصريين بالطبع، لكنها خطيرة أيضًا على المنطقة والعالم.

ويشدّد الباحثان الأمريكيان على أن تعديلات السيسي الدستورية ستلغي الفوز الوحيد المتبقي من ثورة 2011، وأن التغييرات الدستورية ستعطي السيسي سيطرةً مباشرةً على أهم التعيينات بالسلطة القضائية، وحتى على ميزانيتها، وهذا من شأنه أن يدمّر آخر ذرة استقلال في النظام القضائي، الذي رغم تواطئه في السنوات الأخيرة فإنه لا يزال يضم عددًا قليلا من القضاة الشجعان الساعين إلى ترسيخ حكم القانون.