مع إشراقة الأرض بهلال ذي الحجة تتطلع القلوب المؤمنة إلى خير يوم طلعت فيه الشمس، والحجيج في ذلك اليوم صنفان:

صنف يباهي بهم الله ملائكته, وهم أقوام جاءوا من كل فج عميق شعثا غبرا, أخبتت قلوبهم, فنادوا بصدق: لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك, إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك, ثم يذكرون الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام, فيأكلون منها ويطعمون البائس الفقير.

وصنف يطيل السفر أشعث أغبر، يرفع كفيه إلى السماء: يا رب يا رب، وأنَّى يستجاب له, ومطعمه حرام ومشربه حرام، وقد غذي  بالحرام, ذلك أن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا, أنزل في كتابه: (لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) (الحج: 37)، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (رواه مسلم)، فنحسب أن عامة الحجيج من الصنف الأول؛ الذين جاءوا بالصدق وصدقوا به, وبقي علينا جميعا أن نقوم بواجب النصح لأولئك الذين غفلوا عن أنفسهم وركنوا إلى الذين ظلموا فصار مطعمهم حراما ومشربهم حراما.

أما غير الحجيج في هذه الأيام فإنهم في فتنة أعظم, ما بين ابتلاء بعدو ملك أمرهم, وابتلاء بحكام من بني جلدتهم جعلوهم شيعا، يذيق بعضهم بأس بعض، لكن الله تعالى أبقى الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة، في طائفة ظاهرة على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم, يقاومون المحتل، ويسعون لوحدة الأمة, منهم المرابطون في بيت المقدس في سور باهر ووادي الحمص, وأكناف بيت المقدس، في مسيرات العودة وفك الحصار, كما هم أيضًا مرابطون في سجون الاحتلال أو أسرى في سجون الحكام المستبدين أو مطاردون خارجها, لم يعطوا الدنية في دينهم أو شرعيتهم أو وطنهم، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, ويصلون الأرحام ويواسون الملهوف..

أقول لهذه الفئة قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 200)، وأحيوا روح التضحية والفداء في قلوب الأمة، وبشروها بأن العمل الصالح من ذكر الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة المظلوم في هذه الأيام المباركة، أحب إلى الله تعالى من غيره "ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وبماله فلم يرجع بشيء منهما" (رواه ابن حبان وصححه الأرناؤوط), وبشروهم بأن صيام يوم عرفة يكفر السنة الماضية والسنة الباقية, وليوطنوا أنفسهم على جهاد طويل المدى واختبار بعد اختبار، فمواكب الشهداء متتالية, ليس أولها ما كان في رابعة والنهضة في 14 أغسطس 2013م، ولا آخرها استشهاد الرئيس في 17 يونيو 2019م، حتى يأتي نصر الله القريب.. (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة: 214).. (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج: 40).

أسأل الله أن يعيد هذه الأيام على الأمة وقد زال عنها البلاء، واستعادت مجدها وعزها, وقد توحد صفها وتحقق لها النصر الموعود (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة: 21).

أ. د. محمود عزت

القائم بعمل فضيلة المرشد العام للإخوان المسلمين

الثلاثاء 5 ذو الحجة 1440 هـ = الموافق 6 أغسطس 2019 م