منذ اندلاع الربيع العربي الذي جاء بالتيار الإسلامي عبر صناديق الانتخابات، وهناك قلق ورعب خليجي، وإماراتي تحديدا، من انتقال هذا الربيع لأبوظبي التي كانت تنشط فيها أيضا جماعة الإخوان المسلمين وتطالب بإصلاحات.

وقد أظهر التدخل الإماراتي الفج في شئون ثورة مصر ودعم الانقلاب العسكري دور محمد بن زايد اللاحق في السعي للسيطرة على مصائر شعوب عريقة مثل اليمن وليبيا وتونس والسودان والصومال، والسعي للهيمنة على القرار السياسي فيها بهدف أساسي هو محاربة الإخوان المسلمين.

وحين شاركت قوات التحالف العربي في اليمن بهدف السعي لوقف انقلاب الحوثيين المقربين من إيران وحصاره ونزلت في عدن وبدأت منها مرحلة تحرير اليمن من الحوثيين، ظهر بوضوح دور الإخوان المسلمين ومقاتلي حزب التجمع اليمني للإصلاح في الحرب وتحقيق الانتصارات في عدن.. ما أقلق أبوظبي التي سعت للتخلص من الإخوان.

لهذا كان "انقلاب عدن" الأخير الذي قادته ميليشيات جنوبية مدعومة من الإمارات ليس سوى جزء من خطة أبوظبي لحصار وضرب الإخوان في اليمن مثلما يسعون للقضاء عليهم مع السيسي وباقي الحكام الديكتاتوريين في العالم العربي.

ولهذا قالت أبواق الإمارات الإعلامية إن الخاسر الأكبر مما وقع في عاصمة الجنوب العربي أو ما يعرف بجنوب اليمن، عدن (يوم السبت 10 أغسطس) ثم في أبين، ليس هو حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي، فهذه الحكومة كانت في الأصل جثة هامدة منذ خروجه من صنعاء، وما جرى في الفترة الأخيرة هو ظهور بوادر تحللها وتفسخها فحسب.

وإنما الخاسر الأكبر –والمستهدف- هو حزب التجمع اليمني للإصلاح، الذي تأسس في عام 1990 وضم إلى جانب جماعة الإخوان المسلمين، زعامات قبلية واجتماعية وسلفية.

فقد خرج هذا الحزب من معارك عدن الأولى ضد الحوثيين المنتصر الأكبر وكان زعماء الإخوان السياسيين والعسكريين هو من يشيد بهم أبناء اليمن لصمودهم ضد الحوثي، لهذا سعت أبوظبي لضربه وحصاره وتمويل جماعات جنوبية يسارية تعاديه وتسليحها حتى نفذت انقلابها الأخير في عدن وتحاول الآن توسيعه في شبوه وغيرها.

أيضا كان وجود حزب الإصلاح (الإخوان) في حكومة هادي يغضب أبوظبي، ولذلك وقفت ضد حكومة هادي ونسقت مع إيران والحوثيين كي لا يقصفوا مطاراتها وأهدافها الاقتصادية كما يفعلون حاليا مع السعودية، ضد الإخوان وحكومة هادي برغم أنها دخلت اليمن أصلا ضمن التحالف العربي لدعم حكومة هادي!

ومثلما رافقت سيطرة الحوثيين على محافظات الشمال تدميرا ممنهجا لمراكز تجمع الإصلاح (الإخوان) والسلفيين ومدارسهم الدينية ومنشآتهم، بعد أن تم ضرب المكون العسكري للإصلاح في المعارك التي سبقت استيلاء الحوثيين على صنعاء، رافق سيطرة قوات الإمارات ومرتزقتها في عدن محاولات لتدمير وجود الإخوان القوي في عدن.

وما أغضب أبوظبي أن غالبية سكان الجنوب اليمني هم من السنة الشافعية، الذين دعموا حزب الإصلاح ما ساعده على العمل على تأسيس قواعد له في بعض المحافظات وتحقيق نجاح في ذلك، فنفوذه في تعز، وهي البوابة الشمالية للجنوب، مكنته من مد نفوذه وتأثيره إلى عدد من المحافظات، وخاصة أبين وشبوة وأجزاء من حضرموت، وهو ما تسعي الإمارات للانقلاب عليه.

لماذا تدعم الإمارات التفتيت؟

ويمكن رصد مبررات أبوظبي من وراء هذه التحركات بما يلي:
1-    غضبت الإمارات على الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي حين أقال رجلها "خالد بحاح" من منصبه كنائب له ورئيس للوزراء، واستبدل به الجنرال علي محسن الأحمر الوجه البارز لحزب الإصلاح (إخوان اليمن)، وبعد إقالته قائد حماية أمن مطار عدن "صالح العميري"، المحسوب على أبوظبي.
2-    جزء من مشاركة الإمارات في التحالف العسكري "عاصفة الحزم"، كان هدفه السيطرة على موانئ عدن واستعادة أمجاد الاحتلال البريطاني على يديها، وهو ما يقف الإخوان عقبه أمامه ولذلك كانت الدولة السباقة في إرسال قوات عسكرية وقادت الهجوم البرمائي على عدن في 2015، حتى بعدما رفض الأمريكيون طلبهم بمساعدة القوات الخاصة الأمريكية.
3-    يري الكاتب والمحلل السياسي اليمني محمود الطاهر أن الإمارات سعت لترسيخ قوتها وسيطرتها على مطار عدن، واستمالت الجماعات الجهادية من السلفيين لعداء الإخوان المسلمين، وعملت توازنا بين القوى المحلية وغذت أفكارهم بأهمية انفصال عدن (الخليجية) عن اليمن.
وأنها بعد أن سيطرت على عدن، تعاونت مع قوات انفصالية بعضها مدعومة من إيران وأخرى مكونة من قوات محلية تم تدريبها في الإمارات للسيطرة على الوضع الأمني، بدأت تحارب التجمع اليمني للإصلاح (إخوان اليمن) وترحل أبناء الشمال من عدن إلى مناطقهم بدعوي أنهم من تنظيم القاعدة أو أدوات له.

الإمارات والإخوان في اليمن 

تشكل الاستراتيجية الإماراتية المعادية للإخوان المسلمين جوهر تحركها في اليمن على غرار ما فعلت في مصر وليبيا، حيث تحركت بمنطق إقصائي لهم في البداية، وحين استعانت بهم السعودية لتحرير عدن، وظهر تأثيرهم في الحرب تخوفت أبوظبي من دور لهم مستقبلا في اليمن كبير لو استمروا في حرب تحرير صنعاء فبدأت التحركات ضدهم.

ومنذ مايو 2017 بدأ حكام الإمارات مؤامراتهم الثانية ضد الإخوان في اليمن، عبر تشجيع حركات يمنية جنوبية يسارية موالية لهم على فصل "عدن" و"حضرموت" واستقلالهما عن اليمن، وقيادة حملة أكاذيب إعلامية ضد "حزب التجمع اليمني للإصلاح"، والممثل لحركة الإخوان في اليمن، ودفع عملائها لحرق مقرات الحزب كما فعلت في مصر كمقدمة لانقلاب السيسي.

وتعرضت مقار حزب "التجمع اليمني للإصلاح"، بمحافظة عدن للحرق مرتين متتاليتين ضمن محاولات تشويه صورته وإظهار أن الشعب اليمني لا يؤيده رغم أنه من أسهم في تحرير عدن من الحوثيين، الذين أحرقوا أيضا مقرات الحزب في صنعاء بعد استيلائهم عليها.

وعلق "عدنان العديني" نائب رئيس الدائرة الإعلامية بالحزب قائلا "إن إحراق مقر الحزب لم يكن مجرد إشعال نار في شقة بل هو إحراق للعمل السياسي والحالة الوطنية التي تغذي الحرية".

وحزب التجمع اليمني للإصلاح هو أحد أكبر الأحزاب المعارضة في اليمن، وتأسس بعد الوحدة بين شطري اليمن في 13 سبتمبر 1990، على يد الراحل عبد الله بن حسين الأحمر، شيخ قبائل "حاشد"، بصفته تجمعا سياسيا ذا خلفية إسلامية، وامتدادا لفكر الإخوان المسلمين.

وجاء التحرك الإماراتي بدعم أحزاب يسارية وعملاء لحرق مقار حزب الإخوان في أعقاب مشاركة مقاتلي الحزب في حرب الدفاع عن عدن أمام الغزو الحوثي، وتعاظم أسماء قادتهم والتخوف من تشكيل الحزب الإسلامي قوة عسكرية معتبرة في اليمن بجانب قوته السياسية.

وبالتزامن معه دعمت الإمارات قادة سياسيين وعسكريين مناهضين للرئيس اليمني عبد ربه هادي لأنه كشف أطماعها في اليمن وعزل مسئولين يأتمرون بأمرها في اليمن وينفذون مصالحها.

وجاءت التحركات الإماراتية الأخيرة في اليمن ضمن استراتيجيتها للسيطرة على موانئ عدن وجاءت مشاركتها العسكرية المبكرة لهذا الغرض عبر إرسال قوات عسكرية وقيادة الهجوم البرمائي على عدن في 2015، الذي كشف لهم قوة الحزب الإسلامي وقيادته لعملية التحرير.

وبعد أن سيطرت على عدن، تعاونت قوات الإمارات مع قوات انفصالية بعضها مدعومة من إيران وأخرى مكونة من قوات محلية تم تدريبها في الإمارات للسيطرة على الوضع الأمني، وبدأت تحارب التجمع اليمني للإصلاح (إخوان اليمن) وترحّل أبناء الشمال من عدن إلى مناطقهم بدعوى أنهم من تنظيم القاعدة أو أدوات له.

الخلاصة هي أن أبوظبي ربما رأت أن هذه هي المرحلة المناسبة لفرض أمر واقع عسكري في عدن يدعم أنصارها العلمانيين والانفصاليين ضد تيار الإصلاح الإخواني، مستفيدة من التقوقع السعودي الداخلي والقبول ضمنا بالأمر الواقع في ظل الفشل في تطوير عملية تحرير اليمن لتمتد إلى الشمال وصنعاء.

أما المكاسب فهي إماراتية لوجستية تتمثل في السيطرة على الموانئ الحيوية، بينما الخسائر تطال التحالف العربي كله وتحتسب كمكاسب لإيران التي تتمدد في اليمن بواسطة الحوثيين وتوشك أن تثبت دولتها الشيعية هناك على حساب الأغلبية السنية.