أثارت القنابل المدوية التى أطلقها رجل الأعمال محمد على عن فساد المؤسسة العسكرية وقائد الانقلاب الدموى عبد الفتاح السيسي قلاقل بين قيادات الجيش كما تسببت فى حالة من الاستهجان بين الضباط الشرفاء واستنكارا لمستنقع الفساد الذى يعملون فيه والذى لم تشهده أية دولة فى العالم.

كانت فيديوهات رجل الأعمال محمد على قد جعلت نظام السيسي، يعيش أصعب أوقاته على الإطلاق منذ انقلابه الدموى على أول رئيس مدنى منتخب فى تاريخ مصر الشهيد محمد مرسي. وكشف رجل الأعمال عن فضائح من العيار الثقيل داخل الجيش وكيفية استحواذه على المشاريع الإنشائية وغيرها بـ"الأمر المباشر"، فضلاً عن إهدار المال العام في مشاريع "عبثية لا تعود بأي نفع على الشعب المصري"، الذي يرزح السواد الأعظم منه تحت خط الفقر.

ومع كل ظهور لمحمد علي على منصات التواصل الاجتماعي، يواجه السيسي معضلة حقيقية "لا يعرف كيف يخرج منها"، كما تضيق الخيارات أمامه للخروج من هذا المأزق.

وما يعزز من ورطة السيسي حديث المقاول الشاب عن فساد "كبير" لزوجته انتصار، التي أعادت إلى الأذهان ما كانت تفعله زوجة المخلوع، حسني مبارك، خلال سنوات حكمه، التي ناهزت ثلاثة عقود كاملة.

محمد علي، الذي عمل في مشاريع الجيش على مدار 15 عاماً، أضفى مصداقية أكبر على كلامه عندما نشر صوراً له مع قيادات عسكرية في أكثر من مناسبة، في حين وصفها مراقبون بأنها خطوة "ألجمت بعض المشككين بما جاء على لسانه".

ورغم أن نظام العسكر يدرك جيداً أن محمد علي انتصر فى الجولة الأولى انتصاراً كاسحاً ولا يزال "كعبه أعلى"، الا انه لن يرفع النظام الراية البيضاء ويستسلم بسهولة، خاصة أنه "نظام عسكري يُسير دولة بوليسية"، ومستعد لفعل أي شيء للخروج من الورطة الحالية.

وتلوح أمام نظام السيسي بعض الخيارات -على قلتها– للتعامل مع "الفضيحة المدوية التي تسبب بها الفنان الشاب"؛ لكونه بات مطالباً بضرورة الرد على الاتهامات التي طالته بالفساد وإهدار الملايين، في حين يطالب هذا النظام شعبه بالصبر والتبرع، إلى جانب تحمّل الإجراءات الاقتصادية الصعبة، والتي رافقها غلاء فاحش في الأسعار.

كاشف أسراره

الخيار الأول الذي بحث عنه السيسي ورجالاته سريعاً التصالح مع "كاشف أسراره"، وهو ما ألمح إليه محمد على في أحد فيديوهاته؛ وقال إن النظام الحالي عرض عليه التصالح عبر السفارة المصرية في إسبانيا، ورد جميع الأموال المستحقة إليه مقابل عمله في مشاريع الجيش طوال السنوات الماضية وفي المقابل طلب نظام السيسي من محمد علي الاعتذار علناً عمّا تفوه به بحق السيسي وزوجته، وهو ما اعتبره مراقبون ونشطاء "محاولة استدراج فاضحة"، على غرار ما حدث مع الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الذي قتل في قنصلية بلاده بإسطنبول التركية، (2 أكتوبر 2018).

وضمنياً رفض صاحب شركة "أملاك" للمقاولات عرض النظام؛ من خلال مواصلته نشر فيديوهاته معترفاً أيضاً بأن النظام الحالي "لن يتركه، وسيحاول بكل ما أوتي من قوة كتم صوته" الذي بات مسموعاً في مصر والعالم كله.

يشار الى ان نام السيسي منذ الانقلاب العسكري صيف 2013، اعتمد على سياسة "حرف الأنظار" للهروب من الفضائح والمشاكل والدمار التي طاردته وهزت كيانه. وبعد فشل سياسة الصمت والتجاهل، فوجئ المتابعون بحذف فيديوهات محمد علي من عدد كبير من الصفحات والمواقع التي قامت بنشرها، كما بدأت الأذرع الإعلامية للنظام بمهاجمة المقاول وتشويه سمعته، متهمة إياه كعادتها بالانتماء لـ"جماعة الإخوان المسلمين".

وفي ظل عدم جدوى الخيارات السابقة، استحضر النظام سياسة "بص العصفورة"، التي تطبقها الأنظمة الديكتاتورية من أجل سلب إرادة المواطنين وشغلهم عن قضاياهم الرئيسية بمطالب ثانوية، وذلك لإثارة التخويف والفزع تارة، وإثارة السخرية والجدل تارة أخرى.

محافظ الإسماعيلية

وانتشرت مكالمة هاتفية مسرّبة "مخلة بالآداب" بين حمدي عثمان محافظ الإسماعيلية الانقلابى، وإحدى السيدات، رأى فيها نشطاء "محاولة من سلطات العسكر لصرف الأنظار عن فيديوهات محمد علي بنشر فضيحة أخلاقية لمسؤول كبير"، وهي خطوة دأب النظام على استحضارها في كل مرة يجد نفسه فيها "محشوراً في الزاوية".

وفي ذات السياق استضاف الإعلامي السيساوى أحمد موسى، في برنامجه على قناة "صدى البلد"، علي عبد الخالق والد محمد علي، وقدّم اعتذاراً للسيسي وعقيلته، وأبدى دهشته من تغير سلوك نجله، موجهاً في الوقت ذاته اتهامات لأشخاص -لم يسمهم- بأنهم خدعوا ابنه وأقنعوه ببيع ممتلكاته في مصر ومهاجمة الجيش.

وتقدم سمير صبري المحامى أحد أذرعٍ الانقلاب ببلاغ للنائب العام، والمدعي العام العسكري، ونيابة أمن الدولة العليا، ضد محمد علي؛ اتهمه فيها بالتطاول على الدولة والإساءة للقوات المسلحة.

بدورها نشرت دار الإفتاء على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعى "فيسبوك" فيديو تحت عنوان "رسالة للجيش المصري"، جاء فيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم شهد للجيش المصري وجنده بالخيرية والنجاة من الفتن.

كما ظهر مفتي العسكر، محمد شوقي علام، في برنامج تلفزيوني وقال: إن "حديث الرسول محمد صلى الله عليه وسلم عن خير أجناد الأرض هو حديث صحيح".

أما وزير الدفاع الانقلابى، الفريق أول محمد زكي، فأطلق تصريحاً خلال حفل تكريم عدد من قادة القوات المسلحة الذين أحيلوا للتقاعد، في يوليو الماضي، زعم فيه: إن "رجال القوات المسلحة سيظلون جديرين بالثقة التي أولاها لهم الشعب، وبالصدق والولاء للوطن بكل شجاعة وشرف".

الأرض المحروقة

ويتوقع خبراء ومحللون سياسيون أن يلجأ نظام العسكر إلى سياسة "الأرض المحروقة"؛ بتنفيذ سلسلة من الإعدامات بحق بعض المعارضين السياسيين كنوع من الترهيب، وكرسالة موجهة لأي إنسان يفكر بالخروج بالتظاهر احتجاجاً على فساد العسكر.

ومنذ انقلاب السيسي ارتفع عدد الأبرياء الذين نُفذ فيهم الإعدام إلى 42، في حين ينتظر 50 آخرين تنفيذ العقوبة ذاتها بعدما صدرت في حقهم أحكام نهائية بالإعدام في عدد من الهزليات الملفقة.

وإضافة إلى الإعدامات، يقول نشطاء إن نظام العسكر قد يقدم على تفجيرات "إرهابية" مفتعلة، وهي الورقة التي دأب على التذرع بها لإشغال الرأي العام، خاصة في شبه جزيرة سيناء، أو حتى انفجارات داخل المدن الكبرى.