في مشهد مؤثر وشديد الإبهار، أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في تونس اليوم الثلاثاء 17 سبتمبر 2019م النتائج النهائية للانتخابات الرئاسية، التي أظهرت حصول المرشح المستقل قيس سعيّد على 18.4% من الأصوات، يليه رجل الأعمال الموقوف المرشح عن حزب قلب تونس نبيل القروي 15.5%، ليعبرا معًا إلى الدور الثاني.

وأظهرت النتائج حصول مرشح حزب حركة النهضة عبد الفتاح مورو على المرتبة الثالثة بـ12.8%، في حين حلّ وزير الدفاع عبد الكريم الزبيدي رابعًا بـ10.7% من الأصوات، ثم رئيس الحكومة يوسف الشاهد بنسبة 7.4% من الأصوات.

والأهم في التجربة التونسية أنها تمثل حالة نجاح وإبهار في العالم العربي المأزوم بحكامه الطغاة من الرؤساء والملوك والأمراء الذين ينفقون المليارات من أموال الشعوب لمنع أي تقارب مع قيم الحرية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، حتى تبقى فوق عروش بلادها إلى الأبد، ليس ذلك فقط بل تم تشكيل تحالف الثورات المضادة (مصر والسعودية والإمارات) والذي يقوم بدور قذر لمنع أي انتقال ديمقراطي في بلادنا وتخريب أي تجربة ديمقراطية رائدة وقمع الشعوب المتطلعة نحو الحرية واستقلال القرار السياسي، كما فعلوا مع التجرية الديمقراطية في مصر ودعموها بالمليارات انقلاب الجيش المشئوم على الرئيس المنتخب الشهيد محمد مرسي الذي استشهد بعد ذلك في سجون العسكر.

ولكي نعرف حجم النجاح الباهر للتجربة الديمقراطية التونسية التي أثمرتها ثورة الياسمين؛ ما علينا سوى إجراء مقارنة كاشفة بين مشهدين:

الأول: انتخابات الرئاسة التونسية التي تجرى حاليا في ظل أجواء ديمقراطية حقيقية وتنافس محموم بين 26 مرشحًا على الفوز بثقة الشعب عبر البرامج والأفكار، ثم إعلان تصدر مرشحين إلى جولة الإعادة لم تكن لهم حظوظ في بورصة التكهنات السابقة وهما الأكاديمي قيس سعيد ورجل الأعمال المثير للجدل والمحتجز حاليا في السجون بتهمة غسيل الأموال نبيل القروي.

أما المشهد الثاني، فهو مقارنة ذلك بما جرى في مصر في مسرحية مارس 2018م؛ حيث أقصى قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي كل منافسيه المحتملين وزج ببعضهم في السجون والمعتقلات بتهم ملفقة، وأجبر آخرين على اعتزال العمل السياسي تماما، وفي ظل عدم وجود منافس دفعت أجهزته الأمنية بأحد أنصار السيسي ليدخل السباق في اللحظات الأخيرة قبل غلق باب الترشح ليقوم بدور الكومبارس أمام السيسي الذي لم يكن ينافسه أحد سوى الامتناع عن المشاركة في هذه المسرحية الرديئة.

انتخابات بلا رقص.. إذًا هي باطلة!

الحالة التونسية، دفعت الآلاف النشطاء في مصر المنكوبة باستبداد وطغيان الجيش بعد انقلابه المشئوم في منتصف 2013م، إلى مقارنة أوضاع بلادنا بهذا المشهد المبهر في تونس، وبرزت تعليقات تنظر إلى المشهد بنوع من السخرية وأخرى تتناوله بقدر من الأسى على ما آلت إليه مصر تحت حكم العسكر، لكنه تناول به مسحة من فكاهة ساخرة.

يتهكم عز الدين فكتب يقول: "انتخابات تونس باطلة ﻷنها بدون رقص"، بينما تساءل عمر: "مفيش رقص أمام اللجان في تونس ليه؟.. التوانسة معندهمش أي انتماء ولا وطنية.."، وعلّقت منى: "الإيجابي في الموضوع أن الجسمي لم يغن لتونس.. وهذا بحد ذاته بشرة خير".

وفي ذات السياق يضيف الإعلامي تامر عبدالشافي، مشيدًا بالتجربة التونسية الرائدة فى الانتخابات، قائلاً: "هل تتخيل أن دولة عربية بها عشرات من المرشحين لانتخابات تونس الرئاسية! وهل لك أن تتخيل كم من العدل في تلك الانتخابات!"، وأضاف ساخرا: "وهل لك أيضا أن تتخيل أن اللجان الانتخابية في تونس لم يكن بها "رقص" أو "تسلم الأيادي"، أو شيء من هذا القبيل!".

وتطرق الباحث أحمد مصطفى إلى مشاهد الرقي في انتخابات تونس الرئاسية، فكتب منشورًا قال فيه: "أن تجد مساحة من التكافؤ في الفرص والدخول للانتخابات، هذا بحد ذاته مكسب نتعلم من تونس التي تعطينا كل يوم درسًا جديدًا".

وأضاف: "الأمور التي قد لا تهم القارئ والمشاهد روح التعاون مع المرشحين ومحبيهم من آن لآخر؛ حيث لا مشاحنات ولا ضغينة ولا رشاوى انتخابية تعكر صفو العرس الديمقراطي"، واستكمل قائلا: "يكفي أنك لا تشاهد "هز الوسط" فى اللجان، ولا غناء حنجوريًا لأحد المرشحين، وإلا فإن العملية برمتها ستكون باطلة".

https://twitter.com/dressamatef/status/1173863198556065792

فتش عن دور الجيش

لكن تغريدة لافتة كتبها حساب باسم محمد المصري، قال فيها: "أدعو جيش مصر للتعلم من جيش تونس! قادة محترمون لا علاقة لهم بالسياسة ولا بمن نجح ومن سقط في انتخابات الرئاسة.. كونوا على الحياد ولا تنحازوا إلى الطاغية.. وانحازوا للشعب ذلك أشرف لكم جدا"، وهي لفتة شديد الأهمية حول دور  الجيش التونسي في حماية الثورة والمسار الديمقراطي والوقوف على الحياد منذ 2011 حتى اليوم، حتى إن وزير الدفاع الذي استقال وترشح في انتخابات الرئاسة حل رابعا في الترتيب بنسبة 10%، بينما قاد الجنرال عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع في 2013 انقلابه على الثورة والديمقراطية ولا يزال حتى اليوم يهاجم ثورة 25 يناير ويعتبرها فوضى لن يسمح بتكرارها.

المثير في الأمر أن تباين دور الجيشين التونسي والمصري كان واضحا منذ البداية؛ ففي تقرير نشرته الإذاعة الألمانية "دويتشه فيله" في ديسمبر 2011م، قارنت فيه بين موقف الجيش التونسي الذي حظي باحترام شعبه ودور الجيش المصري ومجلسه العسكري الذي واجه هجومًا لاذعًا وتشكيكًا متواصلاً في مواقفه وأطماعه في السلطة وهي الاتهامات التي ثبت صحتها بانقلاب الجيش على الثورة والديمقراطية.

وكتبت الإذاعة الألمانية وقتها: "رغم تشابه الدور الذي لعبه الجيش في الثورتين التونسية والمصرية، إلا أن نظرة الشعب إلى هاتين المؤسستين تختلف بشكل كبير. فما هي أسباب شعبية الجيش في تونس؟ ولماذا أصبح الجيش المصري "بعبع" جديداً لثوار ميدان التحرير؟). وتضيف (تنتشر بين الحين والآخر على مواقع التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك، وبعض المدونات الإلكترونية صور مركّبة لمشهدين يضمان جنودا مصريين وتونسيين. إحدى هذه الصور تظهر الجندي المصري وهو ينهال بالضرب على متظاهرة بالقرب من مستشفى القصر العيني بالقاهرة، وجنديا تونسيا ممسكا بقارورة ماء ويساعد شابا ملقى على أحد أرصفة شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة تونس. صورة أخرى تظهر جنديا مصريا يشهر عصا في وجه متظاهرين، مقابل صورة جندي تونسي يشهر سلاحه في وجه شرطي كان يعتدي على مدنيين. كلها صور قام بتركيبها مستخدمون على الإنترنت للمقارنة بين جيشي كلا البلدين، اللذين لعبا دورا مهما في ثورتي بلديهما).

ويشيد التقرير بعد ذلك بدور الجيش التونسي الذي وقف على الحياد ولم تكن له أطماع في السلطة بعكس جيش مصر الذي كان يواجه وقتها بهتافات تطالبه بالرحيل وتسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة. وثبت صحة كل ذلك؛ حيث ظل الجيش التونسي وفيا لشعبه وبلده، بينما دفعت أطماع كبار الجنرالات في مصر إلى اغتصاب الحكم بانقلاب عسكري واحتكار الثروة بالهيمنة على الاقتصاد ثم تأميم الإعلام وتحويل مصر إلى سجن كبير.

خلاصة الأمر، أن نجاج التجربة التونسية وفشل نظيرتها في مصر له عوامل كثيرة معقدة ومتداخلة محليا وإقليميا ترتبط بدور كل بلد في رسم السياسات الإقليمية وحماية الوضع الراهن بمقدار قربه وتأثيره على أمن الكيان الصهيوني وعروش الخليج الثرية، وكذلك مقدار وعي النخبة والشعب، لكن التركيز على دور الجيش تحديدا؛ لأن له الدور الأبرز إما في حماية الديمقراطية أو وأدها.