يشهد النصف الثاني من 2019 ما يمكن تسميته بسلسلة أزمات  وهزائم تلاحق تحالف الثورات المضادة الذي يستهدف ثورات الربيع العربي بالإجهاض والإنهاك ونشر الفوضى.

ونقصد بتحالف الثوارت المضادة كلا من (الاحتلال الصهيوني والسعودية والإمارات ومصر)، وهي الدول التي أسهمت بشكل مباشر في وأد بعض ثورات الربيع العربي، وعلى رأسها تدبير الانقلاب العسكري الدموي في مصر ضد أول رئيس مدني منتخب بحرية ونزاهة في تاريخ البلاد، وهو الرئيس الشهيد محمد مرسي.

 كما تدعم هذه النظم الميليشيات المسلحة في ليبيا واليمن، كما تساند حكم العسكر والموالين للكيان الصهيوني في تونس والجزائر وغيرها.

ورطة الكيان الصهيوني

نبدأ أولا بالكيان الصهيوني، والذي يواجه ورطة حقيقية داخلية لأول مرة منذ إنشائه في منتصف مايو 1948م، فقد جاءت نتائج الانتخابات المبكرة التي أجريت في 17 سبتمبر الجاري مخيبة للآمال على كل الأصعدة؛ حيث تصدر حزب "أزرق أبيض" (33 مقعدا)، برئاسة بني غانتس، على منافسه حزب "الليكود" برئاسة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (31 مقعدا)، وحلت القائمة العربية المشتركة ثالثا بـ(13م مقعدا)، ولم تتمكن أحزاب اليمين من الحصول على 61 مقعدا بدون مقاعد "إسرائيل بيتنا" (8 مقاعد) الذي يتزعمه أفيجدور ليبرمان؛ الذي يرفض بإصرار المشاركة في حكومة يقودها نتنياهو، نفس الأمر ينطبق على أحزاب الوسط واليسار.

هذه النتائج بحسب محللين تمثل ورطة جديدة للاحتلال وسط تحذيرات من السقوط في مربع الفوضى والدعوة إلى انتخابات مبكرة ثالثة في غضون أقل من عام واحد.

 معنى ذلك أنه لا أكثرية لأي من الفريقين تؤهله للتفرد بتشكيل الحكومة المقبلة أو تولي رئاستها، وسيتعذر على معسكر خصوم نتنياهو تشكيل ائتلاف حكومي حتى لو حظي بدعم الأحزاب الصغرى والقائمة العربية.

وليس أمام الاحتلال سوى سيناريوهين: الأول تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم "أزرق أبيض" والليكود وربما "إسرائيل بيتنا" وهو ما رفضه "أزرق أبيض" إلا إذا كانت رئاسة الحكومة له، وهو ما يأباه نتنياهو خوفا من الملاحقة القضائية في اتهامات تلاحقه بالفساد في عدد من القضايا.

 والثاني هو الذهاب لانتخابات مبكرة تكون الثالثة في أقل من عام؛ ما يعني دخول الكيان الصهيوني في مربع الفوضى، وهو ما حذرت منه قيادات صهيونية مؤكدة تآكل "إسرائيل" من الداخل بفعل عوامل الكراهية والبغضاء بين ساستها وقادتها.

قصف أرامكو

والجناح الثاني المؤثر في مربع تحالف الثوارت المضادة هو المملكة العربية السعودية، والتي تتعرض لهزائم متلاحقة في اليمن على يد الحوثيين أو حتى لأسباب تتعلق بالخيانة الإماراتية التي قادت انقلابا في عدن على الحكومة الشرعية المدعومة من المملكة.

 لكن قصف مصافي النفط التابعة لشركة أرامكو يوم السبت  14 سبتمبر الجاري، والتي أدت إلى توقف أكثر من نصف إنتاج النفط،  يمثل ضربة قاصمة للمملكة على عدة مستويات أمنية واستراتيجية  واقتصادية.

 وبات النظام السعودي يدرك حجم الورطة الكبيرة التي وقع فيها، بين الضربات الإيرانية القوية والمدمرة لاقتصاد ومكانة المملكة وفضح نظامها الذي أنفق مئات المليارات على صفقات سلاح اتضح أنها بلا جدوى وقت الحاجة إليها، وبين الابتزاز الأمريكي الذي يستهدف حلب ما تبقى من المملكة مقابل حماية أمريكية مشكوك حتى في جدواها مع توجهات ترامب الواضحة بتجنب الدخول في حرب دفاعا عن حليف لا يمثل أهمية كبرى لواشنطن.

 هذه الضربات التي تبناها الحوثيون تمثل تهديدا غير مسبوق للمملكة على المستويين: الأمني والإستراتيجي؛ فعلى المستوى الأمني باتت جميع الأراضي السعودية وحتى الإماراتية في مرمى النيران الإيرانية، سواء بصواريخ باليستية بعيدة المدى أو طائرات مسيرة، وبذلك تحولت جميع المواقع السعودية والإماراتية إلى أهداف محتملة، بما فيها القصر الملكي، وهو ما يشكل خرقا أمنيا يصعب تصوره ولم يحدث من قبل في تاريخ المملكة الحديث والمعاصر، رغم الإنفاقات الضخمة على صفقات السلاح التي أبرمها ولي العهد محمد بن سلمان بدعوى حماية الأمن القومي السعودي، فإذا به مستباح من كل جانب وغابت الدفاعات السعودية فلم تطلق قذيفة واحدة لصد هذه الهجمات التخريبية.

هتافات تطالب برحيل السيسي

والضلع الثالث في تحالف الثورات المضادة هو نظام العسكر في مصر، والذي يتعرض منذ أسبوعين لقصف عنيف من الفنان والمقاول محمد علي؛ الذي عمل لمدة 15سنة مع الهيئة الهندسية للقوات المسلحة عبر شركة "أملاك" التي تديرها أسرته؛ حيث كشف حجما هائلا من فساد قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي وزوجته انتصار عامر وشرذمة من قيادات المؤسسة العسكرية استباحت أموال البلاد ونهبت مئات المليارات وأهدرت آلاف المليارات على مشروعات وهمية بلا جدوى وقصور وفلل للسيسي وزجته وعصابته.

ولأول مرة منذ سنوات، ضجت  ميادين مصر بهتافات "ارحل" التي تدعو إلى إسقاط رئيس الانقلاب وأركان شلته التي تعيث في الأرض ظلما وقتلا وفسادا.

 ومساء الجمعة 20 سبتمبر 2019م، خرج الآلاف في القاهرة والإسكندرية والجيزة والقليوبية والغربية والدقهلية والشرقية وكفر الشيخ والسويس وغيرها، متحدين جحافل الأجهزة الأمنية، مؤكدين إصرارهم على إسقاط نظام 30 يونيو الدموي الذي نشر القتل والكراهية في أرجاء البلاد، وسط انقسامات حادة داخل المؤسسة العسكرية حول جدوى بقاء السيسي في ظل تآكل شعبيته وشعبية الجيش إلى مستويات مخيفة وغير مسبوقة.

فضائح أبوظبي

أما المربع الأخير في تحالف الثورات المضادة فهو الإمارات "العبرية" المتحدة، والتي يمكن وصفها بالمتحدث الرسمي باسم الكيان الصهيوني في المنطقة وعراب صفقاته المشبوهة وصبيه الذي ينفذ  الأوامر حرفيا خدمة للاحتلال وأجندته على حساب الأمة العربية وشعوبها وحضارتها.

وقد تعرض مشروع أبوظبي خلال الشهور الأخيرة لانتكاسات غير خافية ترتب عليها إعلان الانسحاب من اليمن، في الوقت الذي قادت فيه انقلابا على الحكومة الشرعية في عدن لحساب مرتزقة؛ ما أدى إلى توتر العلاقات مع السعودية.

أضف إلى ذلك، فضح ممارسات أبوظبي وتدخلاتها السافرة لدعم  النظم المستبدة في مصر وليبيا واليمن وسوريا، حتى دشنت شعوب هذه الدول وسوما تفضح فيه هذه السياسات الحمقاء من جانب حكام أبوظبي.

وتقدمت حكومة الوفاق الليبية بشكوى لمجلس الأمن حول التحقيق في تدخلات أبوظبي المشبوهة وكذلك يطالب اليمنيون بإخراج الاحتلال الإماراتي من بلادهم؛ بسبب ما تقوم به من فتن وانقسامات تستهدف تقسيم اليمن لخدمة أجندة وأطماع حكام أبوظبي.

وقدمت حكومة اليمن الشكوى إلى مجلس الأمن عقب دعم الإمارات انقلابا - عبر ما يسمى بـ"المجلس الانتقالي الجنوبي"- على الحكومة، والاستيلاء على العاصمة المؤقتة للبلاد عدن.