خلال الأسابيع القليلة الماضية، بات الكيان الصهيوني تحاصره الأزمات والمشكلات العاصفة التي تصل إلى حد تهديد بقاء الكيان ذاته، وسط مؤشرات تؤكد أنه في حالة من الضعف والهشاشة ما ينذر باقتراب الأفول والزوال خلال عدة سنوات.

أولى هذه الأزمات هي الفوضى السياسية القائمة بعد نتائج انتخابات الكنيست التي أجريت في 17 سبتمبر 2019م، وصعوبة - إن لم يكن استحالة - تشكيل حكومة في ظل وجود نتنياهو؛ ما يعني انتهاء عهده السياسي فعليًّا وترقب محاكمته بتهم فساد.

أما الأزمة الثانية فهي بدء الكونجرس إجراءات عزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خلفية اتهامه بالانحراف بالسلطة ومخالفة الدستور والقانون، وهو أكثر رئيس أمريكي انحيازا للكيان الصهيوني.

وقبل ترامب تم الإطاحة بمستشاره للأمن القومي جون بولتون الذي كان يمثل النفوذ الصهيوني داخل الإدارة الأمريكية في أعقاب الاختلاف بينه وبين ترامب بشأن عدة قضايا، على رأسها توجيه ضربة عسكرية لإيران.

وفي هذه التقرير نرصد ملامح هذه الأزمات وأبعادها وما يمكن أن تتركه من آثار سلبية على الكيان الصهيوني وتداعيات على مستقبله على الأقل خلال السنة المقبلة، وحتى تنكشف نتائج التحقيقات مع ترامب ومدى قدرته على البقاء والفوز بولاية ثانية في انتخابات 2020م، وكذلك مستقبل ما تسمى بصفقة القرن التي كان يترقب أن يتم الإعلان عنها بعد الانتخابات الصهيونية، لكن تطورات الأحداث تحول دون ذلك.

أولا: الفوضى السياسية بعد الانتخابات

أولى الأزمات العاصفة التي تحاصر الاحتلال الصهيوني هي الأزمة السياسية التي تسببت فيها نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة في منتصف سبتمبر 2019م، والتي لم تمنح كتلة الليكود والأحزاب اليمنية أغلبية تمكنهم من تشكيل الحكومة، ومقدارها 61 مقعدًا بدون أعضاء حزب "يسرائيل بيتنا" بزعامة أفيجيدور ليبرمان الذي يرفض بشكل قاطع الانضواء في حكومة يقودها الليكود تحت رئاسة نتنياهو، كما لم يحصل حزب "أزرق أبيض" وأحزاب الوسط واليسار على الأغلبية التي تمكنهم  من تشكيل الحكومة، وبذلك بات الاحتلال أمام سيناريوهين؛ الأول: هو حكومة وحدة وطنية؛ لكن تحالف "أزرق أبيض" يرفض الانضواء في هذه الحكومة تحت رئاسة نتنياهو المتهم في قضايا فساد، كما يرفض انضواء الأحزاب اليمينية الصغيرة المتحالفة مع الليكود ويريد حكومة ليبرالية. أما السيناريو الثاني فهو العجز عن تشكيل حكومة والذهاب إلى انتخابات مبكرة ثالثة في أقل من عام؛ ما يعني دخول الكيان الصهيوني مرحلة الفوضى السياسية والبقاء في دوامة لا تنتهي من الانتخابات المبكرة.

هذا المشهد المعقد دفع وكالة بلومبيرج إلى نشر تقرير تحت عنوان "مأزق إعادة الانتخابات في إسرائيل لم تسفر عن أي مخرج"، وقالت الوكالة في التقرير الذي نشرته على موقعها الإلكتروني: إن إعادة الانتخابات انتهت الأسبوع الماضي إلى طريق مسدود، مع عدم فوز رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو، ورئيس الأركان السابق بيني غانتس، بدعم كاف لتشكيل ائتلاف حاكم". ورأت الوكالة أن النظام البرلماني المشرذم يجعل من الصعب تجاوز الاختلافات، كما أن دعاوى الفساد المحيطة بنتنياهو تجعل الأمور أكثر تعقيدًا.

ثانيا: إجراءات عزل ترامب

أما ثاني الأزمات والمشكلات التي تحاصر الاحتلال الصهيوني فهو بدء الكونجرس الأمريكي في إجراءات عزل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وهو أكثر الرؤساء الأمريكان انحيازا للاحتلال، فقد اتخذ قرارات صادمة للفلسطينيين والعرب والمسلمين عمومًا، منها الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، ونقل السفارة الأمريكية من "تل أبيب" إلى القدس المحتلة، وكذلك الاعتراف بالجولان المحتلة أرضا صهيونية، وتجميد المساعدات الأمريكية لمنظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" لتصفية قضية اللاجئين.

وجاء قرار الكونجرس الذي يسيطر عليه الديمقراطيون ببدء إجراءات عزل ترامب بعد تقارير أفادت بأن ترامب ضغط على نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في اتصال هاتفي يوم 25 يوليو لدفعه فتح تحقيق عن بايدن، المرشح الديمقراطي الأوفر حظًّا لخوض انتخابات الرئاسة، وابنه هانتر، الذي عمل بشركة تنقب عن الغاز في أوكرانيا، ولا شك أن هذه الإجراءات ثم تضعف مواقف ترامب وتهينه بشكل كبير ما يؤثر في حجم الدعم الكبير الذي تقدمه إدارة ترامب للاحتلال.

ثالثًا: إقالة بولتون

وثالث التهديدات هي إقالة جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي، والذي كانت تعتبره الأوساط الصهيونية "الصديق الحقيقي" للاحتلال، والذي كانت تعول عليه كثيرًا في إقناع إدارة ترامب بتوجيه ضربة عسكرية كبيرة لإيران.

وبحسب رئيس معهد بحوث الأمن القومي الصهيوني والرئيس السابق لشعبة الاستخبارات جنرال احتياط عاموس يدلين، فإن بولتون - الذي أنهى مهام منصبه مستشارا الأمن القومي في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في النصف الأول من سبتمبر 2019م - هو "صديق حقيقي لإسرائيل"، منوهًا إلى أن مغادرته "تلوح كتغيير مقلق في سياسة ترامب تجاه إيران"؛ حيث اعتبر كثيرون في الساحة السياسية والمهنية الانعطافة الأمريكية بالمصيبة للكيان الصهيوني.

"صفقة القرن" في مهب الريح

ومن أهم انعكاسات هذه التهديدات على الكيان الصهيوني وتداعياتها هو تأجيل طرح ما تسمى بصفقة القرن، والتي كان مقررًا أن يعلن ترامب عن باقي تفاصيلها بعد انتخابات الكنيست، لكن عدم حسم نتنياهو هذه الانتخابات بخلاف إجراءات عزل ترامب سوف يؤدي تلقائيًا إلى تأجيل طرح هذه الصفقة المشبوهة وربما موتها سريريا حتى انتخابات 2020 الأمريكية ومدى قدرة ترامب على الفوز بولاية ثانية.

ويتفق مع هذا الطرح تقدير موقف صهيوني، أعده شلومو شامير في مقال نشرته صحيفة "معاريف"، مؤكدًا أن إجراءت عزل ترامب سوف تضع حدًّا وربما نهاية لصفقة القرن؛ ما سيعني أن ترامب سيكون منشغلاً عن الكيان الصهيوني بإجراءات الإطاحة به، وعزله"، لافتا إلى أن "ترامب فقد جزءًا من خطته السياسية؛ ما قد يدفعه لإرجاء إعلان الصفقة إلى مرحلة ولايته الرئاسية الثانية في البيت الأبيض، في حال تم انتخابه من الأساس".

وأكد شامير، الكاتب الصهيوني المتخصص في القضايا السياسية والدبلوماسية، أن "قرار عزل ترامب يحمل مقامرة خطيرة للديمقراطيين، وفي حال نجحوا أو فشلوا في الإطاحة بترامب، فإن الأمر سوف يتسبب بانشغال الولايات المتحدة شهورا طويلة، ويعمل على زيادة الشرخ الداخلي بين الأمريكيين، والانقسام في الساحة الداخلية الأمريكية".

لكن أكثر التهديدات على الإطلاق ما أطلقتها ليمور ليفنات، وزيرة الثقافة السابقة من حزب الليكود، في مقال لها الخميس 19 سبتمبر 2019م، بصحيفة "يديعوت أحرونوت"؛ حيث حذرت ما أسمته "سيناريو الفوضى السياسية داخل الكيان الصهيوني، في حال لم تنجح الأحزاب الصهيونية بتشكيل حكومة وحدة وطنية؛ لأن الجبهات المتعددة التي يواجهها الكيان الصهيوني خارجيًا لا تجعلها في سعة من أمرها بحيث تخوض دورة انتخابات ثالثة.

اللافت في مقال الوزيرة السابقة أنها تؤكد أن حجم العداء بين الأحزاب الصهيونية ومستوياته بلغت حدًّا مخيفًا يهدد بقاء الكيان الصهيوني نفسه؛ حيث دعت إلى ما أسمتها إعادة أواصر الوحدة داخل المجتمع قبل التفكك الكامل؛ لأن مستوى العداء القائم بين الكتل الحزبية آخذ في الاتساع، وطبيعة النقاشات الحزبية والسياسية تتدهور رويدا رويدا"، وهي الكلمات هي ترجمة حرقية للآية القرآنية (بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى).. فهل بدأ عهد الكيان الصهيوني في الأفول والزوال تحقيقا لنبوءة القرآن الكريم؟!