في الأول من أكتوبر من عام 1985، دخلت طائرات صهيونية إلى الأجواء التونسية وقصفت مدينة حمام الشط التونسية لتستهدف قادة منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى رأسهم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، مخلّفة عشرات القتلى والجرحى من التونسيين والفلسطينيين.

هذا الأسبوع، تحيي تونس الذكرى الـ34 لهذه المجزرة، إذ لا يزال بعض التونسيين يحتفظون بتفاصيلها، لكن البعض الآخر يجهل عن وقائع هذه الحادثة.

في حمام الشط المدينة التونسية الهادئة التي تقع في الضاحية الجنوبية للعاصمة على بعد حوالي 22 كيلومترًا ترقد اليوم جثامين فلسطينيين وتونسيين في مقبرة خاصة وتمتزج أرضها بدمائهم إلى الأبد نتجت عن أعنف قصف تعرضت له تونس في تاريخها من طرف طيران أجنبي.

تاريخ الحادثة يعود إلى يوم الثلاثاء 1 أكتوبر 1985 عندما كانت القيادة العامة لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أجبرت على النزوح من بيروت باتجاه تونس عقب اجتياح صهيوني عام 1982، تستعد لعقد اجتماع بإشراف الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في الساعة التاسعة والنصف.

تمكنت المخابرات الصهيونية التي قرّرت تعقب القيادات الفلسطينية التي استقرت في تونس بطريقتها الخاصة من رصد هذا الاجتماع ومعرفة كافة تفاصيله ولذلك قررت مهاجمته بهدف القضاء على قيادات المنظمة، وعلى رأسهم رئيسها ياسر عرفات، إلا أن قرار تأجيل الاجتماع أفشل خطتها.

ياسر عرفات الذي وصل إلى تونس يوم 30 سبتمبر قادما من المغرب، اتجه مباشرة إلى مقر إقامة السفير الفلسطيني بتونس بمدينة المرسى حكم بلعاوي؛ من أجل إجراء بعض المشاورات والنقاشات، وبسبب تأخر الوقت لم يتحول عرفات إلى مقر إقامته بحمام الشط وخيّر المبيت في بيت السفير، وفي الصباح استيقظ متأخرًا وطلب تأجيل الاجتماع فتفرقت القيادات الفلسطينية التي كانت بانتظاره حتى تعيد التجمّع لاحقا، لكن الكيان الصهيوني لم يكن على علم بهذا التأجيل.

الطاهر العلاّني كان شاهدًا على تفاصيل هذه الغارة، حيث كان مقيما في مدينة حمام الشط رفقة زوجته وابنته الصغيرة التي تبلغ من العمر آنذاك 4 سنوات في منزلهما الذي يبعد عن المنزل الذي اتخذته القيادة الفلسطينية مقرا لها حوالي كيلومتر ونصف.. يقول: "في حدود الساعة العاشرة صباحا وقبل ذهابي إلى العمل كنت أنزّه ابنتي الصغيرة في الشارع المقابل لبيتي حتى سمعت أصوات طائرات قريبة جدا مني فنظرت إلى الأعلى فلمحت أربع طائرات رمادية اللون تحلق فوق مدينتنا ثم بدأ القصف بالقنابل والصواريخ ليمتد حوالي 12 دقيقة في اتجاه النُزُل، عرفت حينها أنها طائرات حربية صهيونية، فالكيان الصهيوني في ذلك الوقت كان يتعقب قيادات المقاومة الفلسطينية في الخارج للقضاء عليهم".

الغارة الصهيونية أدت إلى تدمير مقر منظمة التحرير الفلسطينية ومكتب الرئيس الراحل ياسر عرفات والمقر الخاص بحراسه وبعض منازل المدنيين المحيطة بهذه المقرات، كما أدت إلى ارتقاء 50 فلسطينيا و18 تونسيًا وجرح حوالي 100 شخص وذلك حسب التقرير الرسمي للسلطات التونسية الذي قدمته للأمين العام للأمم المتحدة إضافة إلى الخسائر المادية التي قدرت بحوالي (5.821.485) دينارا تونسيا (حوالي 8.5 ملايين دولار) آنذاك.

يضيف الطاهر في هذا السياق: "نعم لقد كان المشهد مؤلما. المباني أصبحت كلها حطاما وسوّيت بالأرض وكانت الجثث ملقاة في كل مكان وتحت الركام، لم أشاهد إلى حد اليوم جريمة أبشع من تلك".

وفور وقوعها أعلن الكيان الصهيوني رسميًا مسئوليته عن تلك الغارة، مشيرًا إلى أنه قام بها "في إطار حق الدفاع عن النفس" كما أذاعت وسائلها الإعلامية آنذاك أن زعيم حركة فتح ياسر عرفات قد قتل في الغارة قبل أن يخرج عبر وسائل الإعلام نافيًا ذلك ومتوعدًا بالرد على هذا الهجوم.

الرد التونسي الشعبي كان قويًّا حسب الطاهر الذي أكد أن مسيرات شعبية وتظاهرات خرجت على امتداد أيام تدين هذه الجريمة التي اقترفها الكيان الصهيوني في حق تونس وفلسطين، وتستنكر هذا الاختراق، مشيرا إلى أنها كانت أهم ملحمة نضال مشتركة بين التونسيين والفلسطينيين.

ورغم ذلك فشلت تونس في انتزاع إدانة للكيان الصهيوني من مجلس الأمن بعد فيتو أمريكي منع صدور قرار يلزم الصهاينة بالاعتذار والتعويض لتونس، فهدّد الرئيس الحبيب بورقيبة آنذاك بقطع علاقات تونس الدبلوماسية مع الولايات المتحدة التي تراجعت فيما بعد ليصدر مجلس الأمن القرار عدد 573 والذي جاء فيه أول إدانة منه للكيان الصهيوني.

وبعد مرور أكثر من 34 سنة ما زالت أصوات بعض التونسيين من مثقفين وناشطين سياسيين تطالب الدولة التونسية بالتحرك والحصول على حقها في الاعتذار من الكيان الصهيوني وتعويضات عن الخسائر الذي سبّبها لها.

وتداخلت الأعضاء الجسدية للشهداء الفلسطينيين والتونسيين، وعرف من الشهداء الفلسطينيين، والذين دفنوا في مقبرة شهداء فلسطين:

 1- عبد العزيز إبراهيم

 2- يوسف محمود الداية

  3-هدى شعلان

4- فيصل محمود شريدي

5- محمد محمود عواد

6- نجيب موسى

7- منيرة الحصري

8- زياد نعساني

9- علي أبو خضرا

 10- محمد شهاب

 11- محمد سعيد العيساوي

 12- صالح عوض

 13-  محمد أحمد حجازي

 14- عزيز صالح زعيني

 15- نبيل قشعم

 16- أحمد عيد هلال

 17- جهاد مقاري

 18- محمود موعد

 19- محمود المدني

 20- عبد الناصر صليبي

 21- حامد أبو حمص

 22- أحمد عمر عوض جابر

 23- مجدي شفيق الأنصاري

 24- سعد محمد بدوي

 25- فؤاد مصطفى أبو الفتح

 26- محمد الغول

 27- جورج مريبع

 28- على جوهر

29 - عبد الحليم جرار

30 - معتصم عبد اللطيف هواري

 31- نعيم يوسف عازم

32 - عبد الكريم عارف عبد الخالق

33- جميل أبو النور

 34 - بسام سليم حرور

 35- خضر داود الطيراوي

 36- محمد عبد الله أبو عياش

  37 - خالد أبو الغول

 38- عرفات شاهين

 39- طه عبيد

 40- تيسير الشهابي

 41- سمير إسماعيل

 42- علي أزموز

 43- رياض طه

 44- محمود ضاهر

 45- سامي البعاج

46- علي عيسى الخطيب

47- فادي أبو وائل

انتهاك جديد لحرمة البلاد
 
حادثة حمام الشط لم تكن الأخيرة في حوادث انتهاك الكيان الصهيوني للتراب التونسي وحرمة البلاد، ففي يوم 15 ديسمبر 2016 اغتال جهاز الموساد الصهيوني القيادي في حماس المهندس محمد الزواري بصفاقس؛ حيث كان يستعد في هذا الوقت لتشغيل سيارته فقامت شاحنة صغيرة باعتراض طريقه، بينما بدأ شخصان آخران بإطلاق النار عليه بـ20 رصاصة ثمانية منها استقرت فيه وثلاثة منها كانت قاتلة على مستوى الصدر والرأس، مستخدمين مسدسات عيار 9 مليمتر مزودة بكاتمات صوت.
 
وسارعت حينها حركة حماس الفلسطينية بالإعلان عن انتماء الزواري لكتائب الشهيد عز الدين القسام، وإشرافه على مشروع تطوير طائرات دون طيار التي أطلق عليها اسم "أبابيل1"، متهمة الكيان الصهيوني باغتيال الزواري عبر جهاز الموساد ووعدت بالانتقام له.
 
وأجمعت الأحزاب ونشطاء المجتمع المدني في تونس على تورط الكيانالصهيوني في اغتيال الزواري.